فولتير

سيداتي، ساداتي

انتهينا من حرية الرأي في المحاضرة الماضية إِلى هذا العصر الحديث الذي كان فيه الصراع شديدًا بين مذهب الإِصلاح وبين الكاثوليكية، وقد قلت لكم في آخر المحاضرة إن هذا الصراع وهذه المقاومة التي لقيها مذهب الإِصلاح أنتجا ظهور فلاسفة يدعون إِلى حرية الرأي ويجاهدون في سبيلها ويُلِحُّون في جهادهم حتى انتهوا إِلى ما انتهوا إِليه من الثورة الفرنسية.

وأريد اليوم أن أحدثكم عن فيلسوف من هؤلاء الذين دعوا إِلى حرية الرأي وجاهدوا في سبيلها، وانتهى بهم الجهاد إِلى نصر مؤزر، وهذا الفيلسوف هو فولتير.

وأحب قبل أن أحدثكم عن فولتير أن ألاحظ بعض الملاحظات التي لا بد منها؛ فاسم فولتير من هذه الأسماء التي تثير الحب عند كثير من الناس، ولكنها في الوقت نفسه تثير البغض عند كثير منهم أيضًا؛ ذلك أن هذا الرجل قد أحسن إِلى كثيرين وأساء إِلى كثيرين؛ أحسن إِلى المضطهدين، ولكنه أساء إِلى الذين كانوا يضطهدون الناس، أحسن إِلى الضعفاء، ولكنه أساء إِلى الأقوياء، أحسن إِلى المظلومين، وأساء إِلى الظالمين، ومن حيث إِن الظالمين عادةً لا يظلمون عفوًا، وإنما يعتمدون على بعض الأصول والمبادئ يتخذونها سبيلًا إِلى الظلم، ويتخذون العدل أداة إِلى الجور، والحق سبيلًا إِلى الباطل؛ فلم يُسِئْ فولتير إِلى الظالمين من حيث إِنهم ظالمون فحسب، ولكنه أساء إِلى الظالمين وإِلى الأصول التي اعتمدوا عليها في ظلمهم وجورهم، وأظنكم قد فهمتم ما أريد أن أقول، فقد كره فولتير الاضطهاد الديني وقاومه مقاومة عنيفة، فلم يكتفِ بالإِساءة إِلى الظالمين والمضطهِدين باسم الدين، ولكنه اندفع في ذلك إِلى غير جد فأساء إِلى الدين نفسه، وهو من هذه الناحية كان بغيضًا إِلى رجال الدين وما زال بغيضًا إِليهم، وسيظل بغيضًا دائمًا إِلى كل مؤمن بدينه حقًّا، فأُحب أن تلاحظوا أنني عندما أتحدث عن فولتير أتحدث عنه حديث مؤرخ ليس غير، وسواءٌ لديَّ أكان فولتير مصيبًا أم مخطئًا، أم كان مُرْضيًا أم مُغْضِبًا، إِنما الذي يعنيني من فولتير الآن هو ذلك الفيلسوف الذي جاهد في سبيل حرية الرأي وأثَّر جهاده في الحياة الفرنسية أولًا ثم الأوروبية بعد ذلك، ثم الإِنسانية بوجه عام.

وُلِد فولتير في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بالضبط في سنة ١٦٩٤ من أُسرة من الطبقة الوسطى، كان أبوه موثِّقًا في باريس، ثم انتهى إِلى عمل في ديوان المحاسبة، وفي هذا الوقت كانت الطبقة الوسطى في فرنسا قد أخذت تتقدم تقدمًا واسعًا في الحياة الاجتماعية، كانت تُظهر من التقدم في جميع فروع الحياة ما مكَّنها من أن تفرض نفسها على الجماعة الفرنسية فرضًا، وكانت قد لقيت من معونة السلطان شيئًا كثيرًا، فاستطاعت أن تحرز مركزًا ممتازًا في التجارة والصناعة والأعمال الحرة بوجه عام، بل استطاعت أن ترقى إِلى المناصب العامة بعد أن كانت هذه المناصب مقصورة على طبقة الأشراف، بل استطاعت أن ترقى إِلى طبقة الأشراف نفسها بواسطة هذه القرارات والمراسيم التي كان يصدرها الملوك فيرفعون بها الرجل من الطبقة الوسطى إِلى طبقة النبلاء.

وُلِد إِذن فولتير من أسرة من هذه الطبقات الوسطى نشيطةً عظيمة الحظ من النشاط، وكان أبوه بحكم صناعته متصلًا بالطبقات الراقية وبأكبر النبلاء في باريس، كان موثِّقًا لجماعة عظيمة من الكبراء الباريسيين، فكان يلقاهم ويتحدث إِليهم، وكانوا يزورونه ويزورهم، وكان الشعراء الذين امتازوا في القرن السابع عشر في فرنسا من نفس طبقة فولتير، كورني وبوللو وراسين وموليير وغيرهم، كانوا كلهم من هذه الطبقة.

نشأ فولتير إذن في بيئة لا بأس بها، ليست مُعدِمة ولا فقيرة، بل لها حظ من اليسار والغنى، ثم ليست منحطة من الناحية الاجتماعية، بل راقية محترمة، ثم هي مقرَّبة من النبلاء ومن يتصلون بالقصر والذين يتقربون إِليه، ثم هي بحكم هذا كله على اتصال بالصالونات الأدبية التي يُروى فيها شعر راسين وموليير وكورني وغيرهم من الأسماء التي تملأ الأندية في باريس في ذلك الوقت.

ولم يكدْ فولتير يبلغ العاشرة من عمره حتى أُرسل إِلى مدرسة من مدارس اليسوعيين، فتعلَّم فيها.

وكانت مدارس اليسوعيين في ذلك الوقت هي أرقى المدارس في فرنسا، تعلَّم فيها ديكارت قبل فولتير بزمنٍ طويل، ولم يكد ينتهي فولتير إِلى الثامنة عشرة من عمره حتى كان قد أتم تعليمه وأخذ يظهر شخصيته الأدبية واضحة جلية، بل لم يكد يتجاوز العشرين حتى أخرج القصة التمثيلية الأولى من قصصه المسرحية وهي قصة «أوديب».

ولكن فولتير تأثر جدًّا بالحياة الأدبية، وكان تأثره بها أشد مما كان يريد أبوه؛ فكان يميل إِلى الشعر، وكان يميل إِلى الدعابة واللهو وحياة الأدباء الفارغة من كل ما يفيد المال ويمكِّن صاحبه من الكسب المادي؛ فغضب أبوه وأنكر عليه هذا أشد الإِنكار وأراد أن يصرفه عن الأدب، وجاهد في ذلك ما استطاع ولكنه لم يُوفَّق، وأراد أن يصرفه إِلى صناعة تعود عليه بالفائدة المادية، فاجتهد في أن يُلحق ابنه برجل من عظماء فرنسا، وهو سفير فرنسا في هولندا، لعله يتمرن على بعض حياة الجد، وسافر الفتى مع السفير، ولكنه لم يكد يصل إِلى لاهاي حتى عرف سيدة فرنسية لها ابنة جميلة خلابة، فاتصل بالسيدة، واتصل بالفتاة، وكان بينه وبين الفتاة خطوب، واشتكت السيدة إِلى السفير، واضطر السفير إِلى أن يرد هذا الفتى إِلى باريس، وهنا حاول الرجل أن يصرف ابنه مرة أخرى عن الأدب، وجدَّ في ذلك، ولكنه لم يوفق حتى انتهى به الأمر إِلى أن توصل إِلى أن يظفر بأمر بالقبض على هذا الفتى وإِرساله إِلى السجن، فقُبِض عليه وأُرسل إِلى السجن وقضى فيه حينًا ثم خرج، وكان أبوه يظن أن هذا التأديب سيصرفه عن الأدب، ولكن ذلك زاده إِلحاحًا فيه وتمسكًا به.

وما زال الفتى يَجدُّ في صناعته هذه، وفي حياته الأدبية حتى نجح في التمثيل ثم أخذ يُظهر آثارًا أدبية تُنشر فتلقى نجاحًا وأخرى تُنشر فتثير غضبًا وسخطًا، وأبوه ضيق بذلك كارهٌ له حتى انتهى به الأمر إِلى أن أصدر أثرًا أعجب الملك والملكة، وصدر القرار بأن يُخصص له مرتب من القصر، وهنا أحس والد فولتير أن الأدب صناعة لا بأس بها.

على أن فولتير كان أديبًا بأدق معاني الكلمة، وأدق معاني الكلمة هنا أنه كان مضطربًا لا نظام له في الحياة، يندفع في اللهو إِلى أقصى حدوده، وكان صاحب عبث ولهوٍ ما وسعه العبث واللهو، وكان أدبه يقرِّبه إِلى الطبقات العليا في فرنسا، ولم يكد يبلغ الخامسة والعشرين حتى كان معروفًا في أرقى الطبقات في باريس وخالط الأشراف والنبلاء.

ولكنه كان حاد اللسان حاد الطبع، انتهى به هذا إِلى أن أغضب بعض الناس وأحنق عليه بعض النبلاء، فأغرى به هؤلاء النبلاء رجلًا من المقربين إِلى القصر، وهذا الرجل اسمه الشفاليه دي روهان Chevalier du Rohan الذي قرر أن يكلف بعض خدمه أن ينتظر فولتير حين يخرج من الملعب وأن يصب عليه بعض العِصِي، فانتظره الخدم حتى خرج ذات ليلة من الملعب ثم تلقوه بعصيهم وأخذ النبلاء يرون هذا ويضحكون لذلك، فحنق فولتير من ذلك الوقت على النبلاء وأخذ يشعر شعورًا حادًّا جدًّا بالفروق بين النبلاء الممتازين وبين الطبقات الأخرى؛ الوسطى أو الدنيا التي لا حظ لها من الامتياز.

حاول فولتير أن ينتقم لنفسه وأن يبارز هذا الرجل، ولكنه لم يوفق إِلى شيء من هذا، ولكن الذي وُفِّق إِليه إِنما هو صدور أمر الحكومة بالقبض عليه وإِلقائه في السجن فأُرسل إِلى الباستيل، وأمضى فيه نحو سنة، وفي هذه المدة بدأَ كتابًا من كُتبه التي أتاحت له شهرة عظيمة وطال عليه السجن، وأخذ الذين يحبونه يعملون على إِخراجه، ولكن الحكومة أذنت بإِخراجه من السجن على أن لا يبقى في فرنسا، فقَبِل وأعطى على نفسه عهدًا بذلك فخرج من السجن وعبَر المانش إِلى إنجلترا؛ حيث أقام ثلاث سنوات من سنة ١٧٢٦م إِلى أواسط سنة ١٧٢٩م.

هذه المدة التي أقامها في إنجلترا كانت عظيمة الأثر في حياته، وكانت عظيمة الأثر جدًّا في حياة الأدب الفرنسي، بل في الحياة الفرنسية العامة من جميع الوجوه، كان فولتير شديد الذكاء قوي الطبع حاد المزاج سريع التأثر بكل ما يرى ويسمع ويحس، شديد التأثر بالذين عاصروه، والمجددين منهم خاصة، كان ميالًا إِلى المحافظة في الأدب، متأثرًا بالأدب اليوناني واللاتيني وبأدب القرن السابع عشر، ولكنه في الفلسفة كان مجددًا جدًّا؛ كان منحرفًا عن الفلسفة الرسمية في فرنسا أشد الانحراف، متأثرًا بالحركة الجديدة وهي حركة الميل إِلى العلوم التجريبية، فلما عبر البحر إِلى بلاد الإِنجليز صادف أحسن بيئة لهذا الميل؛ فلم تكن هناك في أوروبا أرض أثَّر فيها العلم التجريبي كإنجلترا.

ويكفي أن تذكروا أن فولتير عبر البحر إِلى إنجلترا في عصر كانت تسود فيه فلسفة «نيوتون» واستكشافاته العلمية، لم يكد فولتير يصل إِلى إنجلترا حتى انغمس في الحياة الأدبية الإِنجليزية انغماسًا مدهشًا، وخلا إِلى نفسه في قرية من القرى الإِنجليزية، ولم يكد يتم سنة وبعض سنة حتى أتقن اللغة الإِنجليزية إِتقانًا مكَّنه من أن ينشر فيها كتابين، وإِذا الكتابان يظفران بنجاح عظيم.

على أن فولتير حين سافر من فرنسا إِلى إنجلترا لم يسافر دون أن يصطحب معه كُتبًا تقدمه إِلى بعض كبراء الإِنجليز وبينها كتاب إِلى سفير فرنسا في لندرة، وهذا السفير قدمه إِلى عظماء الإِنجليز ونبلائهم، عندما وصل فولتير إِلى إنجلترا واتصل بهؤلاء لم يكن إِلا الفرنسي الذي يتأثر بالحياة الفرنسية وحياة الطبقة الوسطى في فرنسا التي لا تلائم الحياة الإِنجليزية الدقيقة سيما حياة النبلاء والممتازين، ويقال إِنه عندما زار الشاعر الإِنجليزي المعروف «بوب» دعاه إِلى الغذاء، وكان فولتير ضعيفًا ممعودًا، فأخذت زوج الشاعر تحثُّه على الأكل، وأخذ فولتير يقص عليها الأسباب التي من أجلها يشعر بالألم، فكان في هذه القصص بسيطًا يسيرًا فرنسيًّا بأدق معاني الكلمة، ناسيًا أو متجاهلًا تقاليد الإِنجليز حتى إِن اللادي حين سمعت هذا كله ضاقت به واشمأزت وتركت المائدة وانصرفت.

اتصل في إنجلترا بفلاسفة الإِنجليز الذين كانوا يعاصرونه، وقرأ آثار الفلاسفة الذين سبقوه، واتصل بالشعراء ورجال المال والسياسة، وتأثر بالحياة الإِنجليزية في جميع أطوارها وفروعها أشد التأثر، وفي هذه المدة التي أقامها في بلاد الإِنجليز أتم كتابه الذي كان قد بدأه في السجن، ونشره ففاز في هذا الكتاب بنجاح عظيم، وهو قصيدة قصصية عن حياة هنري الرابع والحروب المدنية الفرنسية، وفي سنة ١٧٢٩ سعى حتى أُذِن له بالعودة إِلى فرنسا؛ لأنه لم يستطع أن يعيش في إنجلترا عيشة هادئة، إِنما اشتغل بأشياء كرهها منه الإِنجليز؛ اشتغل بالسياسة، وبالسياسة الدولية اشتغل بشيء يوشك أن يكون تجسسًا، وسعى بين رجال القصر وبين بعض الأفراد من النبلاء فكرهه أولئك وهؤلاءِ، وأصبحت الإِقامة في إنجلترا عليه أمرًا متعذرًا، فاستأذن حتى أُذِن له بالعودة إِلى بلاده، ولكنه لم يَعُد صفر اليدين إِنما عاد مملوء القلب والعقل بما أخذ وحفظ في بلاد الإِنجليز، ومملوء اليد أيضًا بما كسب من مال. ولم يكد يستقر في فرنسا حتى أصدر كتابًا سمَّاه الرسائل الإِنجليزية أو الرسائل الفلسفية، والغرض الأساسي من هذه الرسائل هو المقارنة بين الحياة الإِنجليزية والحياة الفرنسية، هذا الكتاب وضعهُ بالطبع باللغة الفرنسية ولكنه نشر ترجمته بالإِنجليزية في بلاد الإِنجليز أولًا ثم عاد ونشره في فرنسا، ولم يكد يظهر ما في هذا الكتاب من وصف الحياة الإِنجليزية والثناء عليها، وذكر الحرية الإِنجليزية العليا — الحرية الشخصية، حرية الصحافة، حرية الفكر السياسي — ومن ذكر العلاقة بين الشعب والملك وبين الشعب والوزراء، وبين الشعب والبرلمان، لم يكد يُفصِّل هذه الأشياء ويبيِّن الفرق بينها في إنجلترا، وبين الحياة الفرنسية الخاضعة للاستبداد الذي لا حد له؛ حتى أحدث ثورة عنيفة جدًّا في بلاده اشترك فيها رجال السياسة والدين والجيش والقضاء والوزراء، وأصدر البرلمان حكمه بتحريق الكتاب، واضطر فولتير إِلى أن يهرب إِلى الحدود الفرنسية إِلى اللورين، وهناك نزل ضيفًا على قصر من قصور النبلاءِ وعاش أعوامًا في هذا القصر، كان لها أيضًا أثر ليس أقل من الأثر الذي تركته الأعوام التي قضاها في إنجلترا في حياته.

كانت صاحبة القصر سيدة اختلفت فيها آراء الناس؛ قالوا إِنها شديدة القبح وكانت تزعم أنها جميلة، وبعض الناس يقولون إِنها كانت على شيء من الجمال ولكنها كانت ساحرة خلابة على كل حال، هذه السيدة هي مدام دي شاتيليه، أحبها فولتير وأحبته وكان حبهما غريبًا حقًّا، كان فيه ما يكون في الحب عادةً، ولكن كان فيه شيء آخر هو هذا الحب العلمي العالي؛ فقد كانت مدام دي شاتيليه مثقفة ثقافة علمية راقية، كانت شغوفة جدًّا بالعلوم التجريبية وبعلم الطبيعة بنوع خاص، فحببت هذه العلوم إِلى فولتير، أو دفعته إِليها دفعًا، فإِذا القصر يستحيل إِلى مدرسة أو معمل طبيعة، وإِذا العاشقان يشتركان في التجارب العلمية المختلفة وكانت على ذلك توجهه في العلم والأدب، وتسيطر على ما يكتبه من الآثار العلمية، وتطلب إِليه أن يخفف من هذا أو ذاك، وتأذن له بنشر هذا أو ذاك، ثم هي تسعى في الوقت نفسه في أن تظفر بالعفو عنه في القصر، وما تزال تَجدُّ حتى تُوفَّقَ، وإِذا فولتير يعود إِلى باريس بل إِلى فرساي وإِذا هو مَرْضيٌّ عنه يختلف إِلى القصر، ويختلط بمن فيه من الأشراف والنبلاء ويشترك معهم في الحياة، ثم يسافر فولتير إِلى ألمانيا فيتصل بفردريك ملك بروسيا ثم يعود ويعيش في فرساي عيشة سعيدة جدًّا، وقد ظفر برضى الملك وصاحبة الملك مدام دي بمبادور، وهو في هذه الحياة بين مدام دي بمبادور وصديقته مدام دي شاتيليه.

ولكنه أديب حاد الطبع، طويل اللسان مندفع إِلى الحرية، مندفع إِليها في غير تحفُّظ حتى يضيق به النبلاء في هذه المرة كما ضاقوا به قبلًا، ثم في ذات ليلة كانت صديقته مدام دي شاتيليه تلعب الورق وتخسر وتسرف في الخسارة، فقال لها فولتير بالإِنجليزية: لعلك تلعبين مع جماعة من الذين يسرفون في الغش، وفُهمت جملة فولتير وتألب عليه النبلاء وتعرَّض لخطر عظيم، واضطر إِلى أن يهرب من القصر مع صديقته مدام دي شاتيليه وأن يعيش مشردًا.

وفي نحو سنة ١٧٥٠ دعاه فردريك إِلى أن يتصل به، فذهب إِليه فأقام عنده أعوامًا، وكان الحب قويًّا جدًّا بينه وبين الملك الألماني، وكان هذا الملك شديد الحب للأدب الفرنسي، وكان لا يتحدث ولا يكتب إِلا باللغة الفرنسية، حتى قال فولتير إِن اللغة الألمانية في ألمانيا هي لغة الشارع والخيل، أما لغة القصر ولغة المثقفين فهي اللغة الفرنسية.

كان إِذن فولتير سعيدًا مع صديقه ملك بروسيا، ولكنه لم يتحرج من أن يتصل بالسياسة هناك أيضًا، وأن يحاول العمل لفرنسا، وفي أن يُحدِث أو ينشئ بعض العلاقات الودية بين فريدريك وفرنسا، ولكن فولتير كان أديبًا، وكان حاد الطبع، حاد اللسان أيضًا، فما هي إِلا أن أخذت الغيرة تظهر بينه وبين الملك، وأخذ الناس يتحدثون بأن فولتير يَمُنُّ على الملك؛ لأنه يعينه على أن يُظهر ما أظهر من آثار، وأخذ الملك يُظهر شيئًا من الضيق بفولتير كما ضاق فولتير بهِ، ثم ينتهي الأمر بخطوب تُغضب الملك على فولتير، فيضطر فولتير إِلى أن يترك برلين وأن يعود إِلى فرنسا، فأنتم ترون أن الرجل كان مضطربًا مشردًا، ينشأ مضطهدًا في فرنسا، ثم يُضطر إِلى بلاد الإِنجليز، ثم يعود إِلى فرنسا، ثم يضطر إِلى اللورين، ثم يعود إِلى باريس، ثم إِلى ألمانيا، ثم إِلى باريس مرة أخرى بعد أن غضب عليه فردريك، وبعد أن تعرَّض للخطر هناك.

ولكن فولتير لم يكن أديبًا فحسب ولكنه كان ماهرًا في اكتساب المال، وماهرًا جدًّا في إِرضاء الملوك والعبث بحبهم للتملق، وفي اكتساب المال منهم إِلى أقصى حد ممكن، ثم كان مضاربًا ماهرًا في المضاربة، فلما عاد من ألمانيا كان قد كوَّن لنفسه ثروة ضخمة حقًّا لم يظفر بها أديب قط؛ فكان يستطيع أن يجد لنفسه مكانًا يعيش فيه بعيدًا عن الكيد والدس عيشة حرة مترفة مملوءة بالنعيم، وقد فعل، فذهب إِلى سويسرا واشترى لنفسه دارًا في جنيف، وأخرى في لوزان، دارًا للشتاء وأخرى للصيف، ولكنه لم يكد يستقر في جنيف حتى أغضب منه أهل المدينة، أغضبهم بسبب بسيط؛ فقد كان فولتير كاتبًا ماهرًا وشاعرًا عظيمًا في التمثيل خاصة، وكان يحب التمثيل بينما كان أهل جنيف متأثرين بمذهبهم، مذهب «كلفن» حريصين على حياة توشك أن تكون شديدة الخشونة فكانوا يكرهون التمثيل والكوميديا بنوع خاص.

فلما سمعوا بتمثيله الكوميديا في منزله تحرجوا وغضبوا، وما كادوا يعلمون أن فولتير سيأتي بالممثلين حتى اجتمع مجلسهم وطلبوا إِليه ألا يفعل، وأحس فولتير أنه سيلقى مقاومة، فاتخذ لنفسه قاعدة وسطًا واشترى في فرنسا — ولكن قريبًا جدًّا من جنيف — أرضًا اتخذ لنفسه فيها قصرًا، وهي في فرنيه، على بُعد نصف ساعة من جنيف؛ فكان له إذن قصره في جنيف، واستأجر أرضًا مجاورة في فرنيه واتخذ لنفسه أيضًا فيها مقامًا، ورأى أنه على هذه القاعدة يستطيع أن يكون في فرنسا وسويسرا في وقتٍ واحد، فهو يلجأ إِلى فرنسا حين يكرهه أهل جنيف، ويعود إِلى جنيف حين يضيق به أهل فرنسا، دون أن يكلفه ذلك إِلا مسيرة نصف ساعة، وكتب إِلى بعض أصدقائه يقول: «لقد أصبحت الآن رجلًا يقوم على أربع؛ لي رِجْلان في سويسرا، ورِجْلان في فرنسا.»

أخذت حياته بعد ذلك تعرف الهدوء، ولكنه الهدوء الخصب المنتج الذي نستطيع أن ننظر في الأدب القديم والحديث فلا نظفر بهدوء يشبهه خصبًا وإِنتاجًا؛ فقد قضى في هذه الحياة الخصبة الهادئة المنتجة أكثر من عشرين سنة، كان فولتير ضعيف الصحة معتلًّا دائمًا، ولكنه عُمِّر حتى نيَّفَ على الثمانين، ومع أنه كان متمرضًا دائمًا فإِنه كان منتجًا دائمًا؛ منتجًا في جميع فروع الإِنتاج الأدبي والعقلي التي عرفها هذا العصر، كان منتجًا في النثر والشعر، في التاريخ والفلسفة، منتجًا في كل ما كان يتعرض له الأدباء والعلماء والفلاسفة في ذلك الوقت. ويكفي أن تعلموا أن آثار فولتير عندما جُمعت وطُبعت بلغت سبعين مجلدًا ضخمًا.

أما الذي أريد أن أصوره لكم بعد هذا التلخيص الضئيل فهو جهاد فولتير في سبيل حرية الرأي، ظهر هذا الجهاد منذ أخذ فولتير يفكر ويكتب في فرنسا قبل أن يسافر إِلى إنجلترا، فلما عاد من إنجلترا كان قد اشتد تأثره بالحرية الإِنجليزية، واقتنع أشد الاقتناع بأن المثل الأعلى في الحرية هو هذه الحرية الإِنجليزية التي تبيح للناس أن يفكروا ويكتبوا وأن ينشروا ويعلنوا ما يفكرون وما يكتبون، وكان اجتهاد فولتير وتحريق كتابه واندفاعه إِلى الجد في سبيل الدفاع عن حرية الرأي؛ فكانت كل كُتبه التي كتبها في التاريخ أو الفلسفة أو الأدب تنتهي دائمًا إِلى غاية واحدة هي كسب هذه الحرية؛ حرية التفكير وحرية الإِعلان.

ولكن هذه الحرية التي جاهد فولتير في اكتسابها طوال حياته ظهر جهاده فيها خصبًا منتجًا عندما استقرت به الدار في سويسرا وفي فرنسا.

في ذلك الوقت كان فولتير شيئًا عجبًا؛ كان فولتير رجلًا كالرجال ولكنه كان دائرة معارف، وكان في الوقت نفسه صحفيًّا لا يُصدر جريدة بل كان يُصدر كُتبًا ورسائل ومقطوعات ويذيع هذا كله بطرق مختلفة من طرق الإِذاعة.

اتخذ قصره معملًا للأدب والفلسفة والتاريخ والنقد على اختلاف أنواع النقد.

يعنينا من كل هذا الآن نقده للحياة الفرنسية، لم يكن فولتير، كغيره من الفلاسفة المعاصرين، صاحب مذهب معين واضح منظم في السياسة أو الفلسفة السياسية، إِنما كان عمليًّا، يلاحظ الحياة الفرنسية العملية وما فيها من العيوب السياسية والاجتماعية، ولا يكاد يلاحظ عيبًا في الحياة السياسية إِلا قيَّده، ثم فكر فيه تفكيرًا يسيرًا، ثم كتب فيه كتابًا أو رسالة، ثم تُطبع خلسة في السر دون أن يشعر أحد بها ثم تمتلئ بها حقائب المسافرين الذين كان فولتير يُكثر الاتصال بهم، وإِذا هؤلاء ينتشرون في فرنسا ويذهبون إِلى باريس وغير باريس، وإِذا كُتُبُ فولتير تملأ الأرض الفرنسية ولا يكاد يمضي شهر، بل لا يكاد يمضي أسبوع حتى ينتشر في فرنسا رسالة أو كتاب صغير يمس ناحية من النواحي الاجتماعية أو السياسية في فرنسا؛ حتى أصبح فولتير في العشرين سنة الأخيرة من حياته مسيطرًا على الرأي العام الفرنسي بل الأوروبي كله، حتى أصبح الرأي العام الفرنسي أداة يُصرِّفها كما يحب وكما يشتهي، وقد ظهر أثر هذا ظهورًا واضحًا جليًّا في بعض الحوادث؛ فقد اتُّهم في تولوز رجل من البروتستانت بقتل ابنه، وحوكم الرجل وحُكم عليه بالموت وأُنفذ فيه الحكم، ووصل إِلى فولتير أن هذه القضية قد وقع فيها خطأ قضائي وأن الرجل بريء فاهتم بالأمر وأخذ يدرس القضية وتبيَّن أن الرجل كان بريئًا، وأنه لم يقتل فأخذ يدافع عن الرجل وأسرته، وأخذ ينشر الرسائل ويسعى لدى رجال القضاء والقصر ورجال الدولة، وينشر في دفاعه نثرًا وشعرًا حتى ألَّب الرأي العام الفرنسي تأليبًا عنيفًا، حتى صدرت أوامر القصر بإِعادة النظر في القضية، ثم تُنظر القضية من جديد ثم يظهر أن الرجل بريء ثم يُلغى الحكم وتُبرَّأ أُسرة هذا الرجل ويُرد إِليها اعتبارها.

هذه الحركة في قضية كالاس جعلت للفيلسوف مكانة أخرى في فرنسا غير مكانة الفيلسوف والأديب والشاعر، نظر الشعب إِلى فولتير على أنه حامي الشعب وقائده إِلى الحرية ومنقذ الشعب، وأنه حامي المضطهدين، ومن هذا الوقت تغلغل تأثير فولتير في قلب الشعب، واتصل الشعب بقلب فولتير.

وأخذ فولتير كلما سمع عن نقيصة يبحث فيها ويهاجمها ويكشف أستارها ويندد ويسعى عند الحكومة والمحاكم والقصر في إِزالتها، وكان ينتصر في أكثر الأحيان حتى أصبح زعيمًا بأدق معاني الكلمة وأوسعها، وهذا كله لم يصرفه عن الإِنتاج الأدبي الراقي الذي هو إِنتاج المترفين في الفن، كما أنه لم يصرفه عن العمل في الاتصال السياسي بملوك أوروبا، فكان على اتصال بفردريك وكاترين وكبراء الإِنجليز.

وعلى هذا النحو أصبح فولتير ملكًا في ضيعته هذه، ملكًا بأوسع معاني الكلمة — مستمتعًا بما كان يستمتع به الملوك من السلطان العملي والقانوني أيضًا — له قصره وله حاشيته وموظفوه وهو في الوقت نفسه زعيم لشعب عظيم هو الشعب الفرنسي، وهو قائد الرأي العام الجديد في أوروبا، هو داعية الحرية والمدافع عنها في جميع الأقطار الأوروبية، لا عند عامة الشعب بل عند الأشراف والنبلاء كذلك.

وفي أواخر حياته في سنة ١٧٧٨ كان فولتير قد وصل إِلى أبعد ما يمكن أن يصل إِليه رجل من الشهرة وبُعد الصيت والحب في جميع الطبقات الفرنسية حتى كانت الملكة تتمنى لو استطاعت أن تراه وأن تُقبِّله، وكان أهل باريس يشعرون بشوق إِلى لقاء فولتير وكانوا يُلِحُّون عليه إِلحاحًا شديدًا أن ينزل إِلى باريس، واضطر إِلى أن يستجيب للباريسيين فسافر إِلى باريس في فبراير سنة ١٧٧٨، ولا أستطيع أن أصور لكم ما تذكُر الكُتب عن احتفال الباريسيين بهذا الرجل، وعن هذا المجد العظيم الذي لم يظفر به أديب ولا فيلسوف من قبل، كان فولتير أديبًا، ومعنى هذا أنه كان يحب المجد ويَكلف بالشهرة ويحرص على السلطان، وكانت هذه الأشهر القصيرة التي قضاها في باريس أسعد أيامه؛ فكان منتصرًا دائمًا وسكت خصومه جميعًا فلم يسمع إِلا صوت الحمد والإِعجاب، وكان في الخامسة والثمانين من عمره وكان ضعيفًا، ولكنه اندفع في أسباب المجد الذي لقيه في باريس، فكان كثير الحركة والانتقال يذهب إِلى الملعب ليشاهد التمثيل، ويذهب إِلى المجمع اللغوي ليعرض على المجمع مشروع معجم جديد للغة الفرنسية، ويذهب إِلى القصر ويذهب هنا ويذهب هناك، وهو مع ذلك قليل الأكل كثير الشرب للقهوة؛ فقد كان يشرب خمسة وعشرين قدحًا في اليوم الواحد.

وفي أوائل مايو أدركه المرض واستيأس الأطباء وأخذ فولتير يحس ألمًا شديدًا؛ ألمًا جسمانيًّا وألمًا نفسيًّا، وكان يعتقد أنه لو استطاع أن يعود إِلى ملكه في فرنيه لاستطاع أن يُعنَى بنفسه عناية تعصمه من الموت إِلى حين، وكان يتوسل إِلى طبيبه أن يخرجه من هذه الورطة، ولكنه أشرف على الموت، وعرف أنه مشرف على الموت، وهنا أخذ رجال الدين يسعون حوله ويتحركون ويسرفون في الحركة يريدونه على أن يموت مسيحيًّا كاثوليكيًّا، ولكنه فيما يظهر لم يكن مستعدًّا لأن يستجيب لرجال الدين إِلى كل ما كانوا يريدونه منه؛ إِذ كانوا يريدون منه أن يعلن إِيمانه بالكاثوليكية وأن يرفض كل ما كتب، فكتب لهم شيئًا غامضًا مبهمًا، فألحوا عليه، ولكنه طلب إِليهم أن يتركوه، وأن يَدَعُوه يموت هادئًا، ثم كتب الإِعلان أو الرأي الذي مات عليه، وهو يلخص في هذه الكلمات: «أموت عابدًا لله، محبًّا للأصدقاء غير كاره للأعداء، عدوًّا للاضطهاد.»

وفي اليوم العاشر من مايو سنة ١٧٧٨ توفي فولتير ورفض رجال الدين أن يُدفن في باريس في مقابر المسيحية، وكان فولتير قد قَبِل المفاوضات مع رجال الدين اتقاءً لهذا الرفض، كان يريد أن يُدفن كما يُدفن الناس، ولكنه لم ينتهِ إِلى هذه النتيجة التي كان يسعى إِليها فأبى القُسُس أن يدفنوه، ولكن بعض أصدقائه أخفوا جثته إِخفاءً وخرجوا بها من باريس خلسة وذهبوا بها إِلى «شامباني»، وهناك تلقاه رئيس ديني ودفنه كما يُدفن النصارى، وما كاد هذا القسيس يفعل ذلك حتى عُزل من عمله، على أن بضع عشرة سنة لم تكد تنقضي على موت فولتير ورفْض رجال الدين دفنه حتى تغيرت الحال وأُعلنت الثورة الفرنسية، ثم قررت فرنسا ممثلة في نوابها أن يُنقل جثمان فولتير من شامباني إِلى البانثيون حيث يستقر عظماء الفرنسيين.

ليس من شك أن فولتير أساء إِلى رجال الدين وإِلى الدين المسيحي، بل إِلى الأديان كلها، فهو كان عدوًّا للديانات، وكان يعلل ذلك أولًا بأن الديانات مخالفة للإِنسانية؛ لأنها سببت الاضطهاد وسفك الدماء، وثانيًا بأن الديانات مخالفة للعقل؛ لأن فيها أسرارًا لا يستطيع العقل أن يفهمها، وثالثًا بأن الديانات عنده ديمقراطية وهي من خصائص الطبقات المنحطة لا تتصل بالطبقات العليا، ففولتير لم يكن ديمقراطيًّا بحال من الأحوال، هذه الأسباب الثلاثة هي التي بغَّضت إِليه الديانات، ولكنه اندفع في بغض الديانات إِلى سخف كثير لا حد له؛ فقد هاجم التوراة والكُتب المقدسة كلها.

من أجل هذا كان فولتير بغيضًا بل ما زال بغيضًا — كما قلت لكم — إِلى رجال الدين بل إِلى كل مؤمن، وتظهر آثار هذا البغض حتى في هذه الأيام؛ فالذين يؤمنون ويحبون دينهم يبغضون فولتير بغضًا شديدًا حتى في نقدهم له؛ فالنقاد من المسيحيين يتنكرون له حتى يُفسد هذا البغض كل شيء في نقدهم، ويكفي أن تقرءوا ما كتبه «إميل فاجيه» عن فولتير وما كتبه «بول سوديه» فسترون التناقض الشديد بينهما؛ أحدهما مسيحي مؤمن شديد الإِيمان فهو مبغِض لفولتير، وبغضه يدفعه إِلى أن يتعصب على فولتير فيُفسد عليه إِنصافه، فإِذا قرأتم رأيًا لفاجيه فسترون أن فولتير عنده رجل لا حظَّ له من فلسفة ولا شيء إِلا أنه كان رجلًا أحسن كتابة الرسائل حتى نبغ فيها، ومع ذلك فرسائله ليست شيئًا بالقياس إِلى رسائل غيره، فإِذا تركتم هذا الرجل وقرأتم «بول سوديه» الذي لم يكن مؤمنًا وإِنما كان حر الرأي — كما يقولون في فرنسا — فستجدونه يغلو في حب فولتير وإِكباره حتى يرفعه إِلى الألوهية الأدبية، وكذلك يختلف الناس في فولتير؛ يحبه قوم كثيرون فيسرفون في حبه، ويبغضه قوم كثيرون فيسرفون في بغضه.

ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن فولتير كان لسان حرية الرأي والمجاهد في سبيلها، وأصدق ترجمان لأماني الشعب الفرنسي بل الشعوب الأوروبية في القرن الثامن عشر، وهو من أهم بل من أكبر الذين وضعوا أُسس الثورة الفرنسية، وحسبه ذلك فخرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠