أقصى المغرب

قاتل الله المجاز!

كان هذا أول ما فاه به المعري لتلميذه بعد أن علم سبب الكارثة التي أودت بمئات النفوس من ركاب السفينة؛ إذ كانا يركبانها ويتحدثان فيها ذلك الحديث المروي في الفصل السابق، وكانا قد بلغا شواطئ الأندلس حين وقعت الواقعة. وما هي الواقعة؟ قذيفة أطلقتها على السفينة غواصة من غواصات الثوار فهبطت بها إلى القرار، ثم نجا المعري بعصمة الخلود، ونجا تلميذه ببعض المجهود، وهما الآن على متن سفينة أمريكية تمخر بهما بحر الظلام، إلى بلاد العم «سام».

ومال التلميذ إلى الأستاذ يسأله: أعلمت يا مولاي ما سبب الكارثة؟

فقال الأستاذ: وما سببها؟

قال: أنت يا مولاي!

قال: ويحك! وكيف أكون أنا سببًا لإغراق سفينة أنا راكب فيها! أهي دعوة صائبة؟

قال التلميذ: بل هو مجاز خائب. كتبت بعض الصحف أن سفينة من السفن تفارق الشواطئ الأندلسية وعليها ذخيرة عربية نفيسة، ومن تكون الذخيرة العربية النفيسة غير أبي العلاء؟ فلما تواترت الأنباء بهذا المجاز النفيس حسب الثائرون على حكومة الأندلس أن هذه الحكومة تبعث بالتحف العربية الغالية إلى بلاد أجنبية، لتودعها أو ترهنها هناك فطاردتنا وأغرقتنا لتحرمها هذه الذخيرة، أو تستولي عليها إذا أدركتها قبل أن تبتلعها اللجة، فغرقت السفينة وهلك من هلك من جراء أبي العلاء.

قال أبو العلاء: قاتل الله المجاز، بل هو الذي أهلك القوم كما أهلك من قبلهم أممًا خالية أغرقها المجاز في بحار من الكلام، وأنا مع ذلك القائل:

لا تقيِّد عليَّ لفظي فإني
مثل غيري تكلُّمي بالمجاز

نعم وأنا القائل أيضًا:

بني الدهر مهلًا إن ذممت فعالكم
فإني بنفسي لا محالة أبدأُ

ثم قال: وإلى أين تمضي سفينتنا الآن بالذخيرة العربية النفيسة؟ أتراني سأغرقها مرة أخرى؟

قال التلميذ: بل إلى بر السلامة إن شاء الله، إلى بلاد العم سام!

قال أبو العلاء: وما عسى أن نشهد هناك غير ما شهدنا؟ أو نسمع هناك غير ما سمعنا؟

قال التلميذ: كثيرًا يا مولاي؛ سنرى قبل كل شيء مُلكًا عظيمًا على الطريقة الأمريكية.

فتمهل أبو العلاء قليلًا ثم قال: أراني سأقضي منك ديون السؤال كلها في هذه الرحلة. فما هي هذه الطريقة الأمريكية التي نسمع بها في كل شأن من شئون هؤلاء الناس؟ وكيف يكون الملك العظيم ملكًا عظيمًا على هذه الطريقة.

قال التلميذ: بالامتحان والكشف الطبي، كأنه موظف في الخدمة اليومية! فهذا الرجل الذي يحكم الدولة العظمى في الديار الأمريكية قد كان مشلولًا في كهولته ثم تقدم إلى الشفاء، فلما أذاع خصومه أنه لا يصلح للحكم عرض نفسه على الأطباء الثقات ليشهدوا له بصحة العقل وصحة الضمير. وقد شهدوا له وجاز الامتحان عند أبناء وطنه فانتخبوه. أليست هذه طريقة أمريكية في الحكومة كالطرق الأمريكية في الصناعة والتجارة، وفي كل شأن من شئون هؤلاء الناس؟

قال أبو العلاء: وهل أفلح الرجل وصدق الأطباء؟

فأجاب التلميذ: نعم أفلح غاية ما يستطاع الفلاح، وعالج الشلل في قومه كما عالجه في جسمه.

فأدركه أبو العلاء متهانفًا وصاح به: غرقة أخرى يا بني! ومجاز آخر يوشك أن يرسل بالسفينة إلى القرار! أفصح يا بني ودعنا من المجاز!

•••

فاستضحك التلميذ، ولكنه شغل بالجد فيما هو فيه عن سخرية الشيخ وارتيابه، فطفق يقول:

لقد صعد «روزفلت» العظيم إلى كرسي الرئاسة والأمة الأمريكية كالجسم الذي له نصف محتقن بالدم الغزير ونصف منزوف مشلول لقلة الدم فيه، فكان كالقلب الذي لا تنتظم به دورة الدم في جميع العروق، وأخذ من النصف المحقون للنصف المشلول، فدار الدم دورته في جميع العروق، وأوشكت الحركة أن تعود إلى جميع الأعضاء.

قال أبو العلاء: أتراه أثار الفقراء على الأغنياء كما صنعوا في بعض الديار الأوروبية؟

قال التلميذ: لو صنع ذلك يا مولاي لكان من الفاشلين، فإن هذه البلاد على تقدم الصناعة فيها وكثرة الصُّنَّاع بين أبنائها تعتصم من ثورة الفقراء على الأغنياء بشتى العواصم، وتحتمي منها بكثير من الحصون: منها يا مولاي أن باب الغنى مفتوح لكل فقير مستطيع، فكل فقير فيها يمنِّي نفسه بالثروة بعد حين، ولا يشعر باحتكار الثروة في أيدي طائفة من الناس تتوارث المراتب وتتوارث الأموال؛ فمن هنا يحسب الفقير أنه يثور على نفسه أو يثور على أمله حين يثور على الأغنياء.

ومنها أن الأمريكيين قوم ورثوا المغامرة والمراهنة من أجدادهم الأولين الذين غامروا بالهجرة إلى الغرب المجهول منذ قرون، فمن شغفهم بالمغامرة والمراهنة أنهم يحبون الانتخاب وينتظرون السباق فيه بين الأحزاب، ولا يلجأون من أجل ذلك إلى الإضراب والاغتصاب.

ومنها أن الزراعة عندهم تُوازن الصناعة، وأن الريف بينهم يوازن المدينة وأن ازدحام الحواضر لا يخلي القرى من الحارثين الحاصدين، وهؤلاء أقرب إلى جانب الاستقرار منهم إلى جانب الثورة والثوار.

ومنها أن حب الدين فيهم قديم؛ لأن آباءهم الأولين كانوا أناسًا متنطسين متطهرين نقموا معيشة الفساد في أوروبا فهجروها إلى الغرب متعففين متورعين، وإنما يثور الإنسان على الأرزاق حين يثور على الأقدار.

•••

قال أبو العلاء: أرحتني من الأستاذية في هذه الرحلة المباركة أراحك الله، غير أني أراك قد ذكرت لنا ما منع رئيس القوم أن يثور بالفقراء على الأغنياء ولم تذكر لنا ما صنع لعلاج ذلك الجسم المحقون المشلول، أتراه رجع فيه إلى الأطباء؟

قال التلميذ: عفوًا يا مولاي. أحسبها غلطة من غلطات الحداثة في الأستاذية، أو أحسبها أسلوبًا مبتكرًا على الطريقة الأمريكية، ومن كان أستاذًا لأبي العلاء فمغتفر له ما شاء من إمهال وإبطاء.

فاعلم يا مولاي إذن أنه أجزل من الأجرة والوقت للصنَّاعين، وأكثر من الأرزاق للشيوخ والعاطلين، فأكثروا من الإنفاق وراجت بهم الأسواق.

فسأل أبو العلاء: ومن أين جاء بالمال؟

قال التلميذ: بعضه من أرباح الأغنياء والفقراء، وبعضه من الضرائب على رءوس الأموال.

فعاد أبو العلاء سائلًا: وكيف رضوا بما فُرض عليهم؟

قال التلميذ: رضوا كارهين أو كرهوا راضين، فإن كثرة البيع والشراء خير من كساد السلع والخوف الدائم من ثورة العاطلين والمطرودين، والمال الذي يذهب ويعود خير من المال الذي يفسده الركود.

•••

فسأل أبو العلاء مرة أخرى: وهب التجار لم يخرجوا من بضائعهم إلا بمقدار، فأمنوا بذلك مغبة البوار، وقنعوا باعتدال الأسعار. فهل تزن الأرض غلَّاتها، وهل تحكم الحكومة نباتها؟

قال التلميذ يقرِّظ أستاذه العجيب: ما أعجبك يا مولاي من أستاذ وما أعجبك من تلميذ. إنك لتُحسن السؤال كما تحسن الجواب. فاعلم إذن يا مولاي أن الأرض قد أخرجت ما شاءت وأن الحكومة قد أتلفت منه ما شاءت، وهو النصف من جميع الغلات.

قال أبو العلاء: وهل رضي الزارعون؟

قال التلميذ: رضوا كارهين أو كرهوا راضين، ثم حمدوا المغبة بعد حين.

•••

وانطلقت السفينة في عبابها وأبو العلاء يقول وكأنه يحدث نفسه ولا يعنى تلميذه بما يقول: لئن نجح الرجل نصف نجاح لقد نجح في حقيقة الأمر كل النجاح، فما من الصواب أن نسوم إنسانًا واحدًا كل الصواب، وأن نمضي من حوله كلنا مخطئين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤