الفصل الرابع عشر

أسئلة وأجوبة

أتلقى بالسرور بعض الرسائل الأدبية، التي تشتمل على أسئلة من أصحابها يستطلعون بها الرأي في غرض من أغراض الأدب يقع عليه الخلاف، ويحسن عرضه للقراء من وجهات النظر المتباينة.

يقول أديب بالبصرة بعد تمهيد أومأ فيه إلى سابقة هذا البلد الذي عمر زمانًا «بأفكار الجاحظ، وابتداعات الخليل ومساجلات سيبويه» وغيرهم من العلماء والأدباء:

… إن الأمر يحوطه كثير من اللبس والغموض ويشوبه الاختلاط، وإن الاختلاف فيه هنا بالبصرة قد بلغ حده، ولم يرض أحد بأدلة الآخر، والمختلفون اتفقوا على أن يرجعوا إليكم لتقولوا القول الفصل فيه، وكلهم من قرائكم على صفحات مجلة الرسالة الحبيبة، وفحواه قول «لاسل آبروكرومبي» في قواعد النقد: إن مطالبة الأدب بأن يعلمنا أمرًا أو يصلح أخلاقنا تخرج بنا عن فن الأدب، وإن الأدب قد يؤدي كل هذه الأشياء، ولكنه لم يكن أدبًا لمجرد أدائها.

وبعد أن قال الأديب: إنه يدين بنظرية الفن للفن، وإن الأدب كالموسيقى متعة ولذة، عاد فقال: «ولكن الذي لا أستطيع أن أفهمه — وهو موضع الخلاف ومدار البحث — هو ما مدى تأثير الأدب في بيئته عمليًّا؟ إنه يتأثر بالبيئة ولا شك، ولكنه هو هل يغير أحوال الناس ويحور أخلاقهم، وينقلهم من طور إلى طور ومن عادة إلى عادة؟ أنا أرى يا سيدي أن الواقع ينقض هذا، فأبو العلاء لم تطبق آراؤه عمليًّا على كثرة مريديه الذين لازموه … والروايات التمثيلية التي تنقد أوضاع الناس، أو تحل المشاكل لم نر الناس غيروا ما انتقدوا عليه ولا حلوا مشاكلهم؛ ولكن هذا لا يمنعهم من مشاهدة التمثيل، وقراءة الروايات إرضاءً لحاجة إنسانية كامنة في أعماق النفس، هي اللذة الفنية، وإذن ما مدى تأثير الأدب عمليًّا؟ إننا نقول: إن الشعراء كانوا يبعثون الحماسة في نفوس الثائرين، ولكنني أظن أن الثائرين استعدوا للثورة ثم جاء الأدب يعبر عن عواطفهم، والثورة الفرنسية تهيأت لها أسباب عديدة، ثم دفعهم مع عوامل أخرى — الكتاب لا الأدباء — إلى الثورة …»

•••

ورأيي الموجز في كلام الأديب البصري أن ما ذكره عن الأدب يصدق على المطالب الإنسانية، التي لا اختلاف بين المفكرين على أغراضها وفوائدها.

فالناس يختلفون على الأدب، هل يطلب للفائدة أو يطلب للمتعة الفنية، ولكنهم لا يختلفون في عمل المصلحين من دعاة الأخلاق أو السياسة أو الدين، بل يتفقون على أن الإصلاح مقصود للفائدة دون مراء، وأن المصلح الذي لا يبغي نفع الأمم بإصلاحه لا يستحق الإصغاء إليه … ومع هذا يدعو المصلحون إلى غرض، ويتحقق غيره في الطريق مقصودًا أو غير مقصود، وتتبدل المذاهب وللناس أخلاق باقية لا تتبدل، ويتبعهم المعري جيلًا بعد جيل بقوله الخالد المتجدد:

كم وعظ الواعظون منا
وقام في الأرض أنبياء
وانصرفوا والبلاء باق
ولم يزل داؤنا العياء
حكم جرى للمليك فينا
ونحن في الأصل أغبياء

ولكن الإصلاح بعد هذا كله مفيد، والدعوة إليه واجبة، والدنيا تتغير على وجه من الوجوه بعد كل دعوة من دعواته، وإن لم يكن هو الوجه الذي تعمده الدعاة.

فليس الأدب بدعًا في هذه الخصلة التي عمت جميع أعمال البشر، ولكنه عمل إنساني يصدق عليه في أمر الوصول إلى غاياته كل ما يصدق على سائر الأعمال.

إلا أن الأدب ينفرد بخصلة أخرى تصرفنا بعض الشيء عن النظر إلى الغايات، أو تمنعنا أن نقصر النظر عليها عند البحث في مزاياه.

الأدب تعبير.

والتعبير تلحظ فيه البواعث قبل أن تلحظ فيه الغايات.

لماذا يصرخ المعذب المتألم؟

إنه قد يصرخ فيدركه على الصراخ منقذ، أو مساعد على التعذيب والإيلام، ولكنه سواء ظفر بهذا أو ذاك إنما صرخ لباعث في نفسه أو جسده، ولم يصرخ لغاية يتوخاها من إسماع صوته.

وقد يسمع صوته فيسعد أو يشقى بانتهائه إلى الآذان، فيتحقق النفع كما يتحقق الضرر غير مقصود.

والتعبير وظيفة لا حيلة فيها؛ لأنه أثر الحالة التي تقوم بالنفس، فتدل عليها بما لديها من وسيلة ناطقة أو صامتة.

ولكنه مع هذا عمل مفيد لا شك في نفعه؛ لأن الرجل بعد التعبير غيره قبل التعبير، ومن استطاع أن يعبر استطاع أن يفهم نفسه ويفهم ما يريد، واستطاع أن يجمع إليه من يشعرون مثل شعوره ويريدون مثل مراده، ولكنه لا «يعبر» لأجل هذا ولا يكف عن التعبير إذا امتنع هذا، فكثيرًا ما «يعبر» فيجمع من حوله الأعداء ويفرق الأصدقاء.

وسؤال السائل: لماذا نعبر؟ كسؤاله: لماذا نحس؟ ولماذا نحيا؟ لأن الحياة مظهران لا ينفصلان: تأثير من الخارج إلى الداخل هو الحس، ورد من الداخل إلى الخارج هو التعبير، والكلام في غايته كالكلام في غاية الحياة، وليس للحياة غاية وراءها؛ لأن وراءها الموت الذي تقف دونه الغايات.

قل للأديب: «عبر» أيها الأديب، ولا تسأله بعد ذلك غاية من وراء تعبيره، وكفى أن يكون هذا التعبير من دلائل الحياة، ولا خير في الحياة بغير دليل.

وأعود إلى مثل يطابق الحقيقة هنا كل المطابقة، ويعين على فهمها أقرب معونة، وهو مثل الزهرة والثمرة في الشجرة النامية.

الفائدة كما نفهمها نحن هي الثمرة الناضجة.

ولا فائدة للزهرة بهذا المقياس.

ولكن الشجرة التي لا تنبت الزهرة تبطل فيها دلائل الحياة، وهي زينة وبهجة إلى جانب هذه الدلالة.

ثم يأتي أناس فيعصرون الزهرة عطرًا ودواءً وشرابًا ينعش ويفيد، ولكنها لم تكن زهرة لهذه الفائدة التي جاءت في عرض الطريق.

وجملة القول: إن الأدب على هذا الاعتبار أصدق من جميع المطالب العقلية، التي تحسب من ذخائر الثقافة الإنسانية.

لأن البواعث حق والغايات أوهام، ونحن حين نسعى إلى غاية، فنحن منخدعون بها قبل الوصول إليها وبعد الوصول إليها، وقد نسعى إلى غاية ونصل إلى غيرها، وقد نصل إلى الغاية التي نريدها، فإذا هي هباء لا يساوي مشقة السعي في سبيله.

أما البواعث فهي حق لا مهرب منه، وهي شيء موجود، لا خلاف في وجوده، وهي مصدر التعبير، والتعبير دليل الحياة.

فإذا بحثنا عن الأدب فلنبحث عن شيئين لا يعنينا بعدهما مزيد وإن وجد المزيد: أهناك باعث صحيح؟ أهناك تعبير جميل؟ فإن وجد الباعث والتعبير، فقد أدى الأدب رسالته وبقي على الدنيا أن تستفيد منها إن شاءت … وهي تستفيد بمشيئتها وبغير مشيئتها من كل عمل يجري على سنة الحياة.

•••

ويقول أديب ببيت المقدس: «سؤال عنا نحن الشرقيين: ما بال رجالنا يتقاتلون، ويخذل بعضهم بعضًا حين نرغب في عمل يفيد بلادنا؟ أهو حب الظهور؟ أهو الغرور؟ أهو العناد والجمود؟»

والسؤال جديد قديم منذ قال جمال الدين — رحمه الله: «اتفق الشرقيون على ألا يتفقوا.»

أما السبب فقد تكتب فيه المطولات، وقد يوجز في سطور، ونحن في مقام الإيجاز، فعسى أن نحصر السبب في كلمات قليلة تدل على مكان العلة، وتترك المجال بعد ذلك مفتوحًا للطبيب المأمول: طبيب الزمان.

إن الخلاف يطول كلما قل الحكم المسموع.

والحكم المسموع بين الرجال العاملين هو تمييز الأمة أو الرأي العام، كما نسميه في الاصطلاح الحديث.

فالأمم التي بلغ الرأي العام فيها مبلغ التمييز يخاف المخطئ أن يصر على خطئه فيها؛ لأنها تقضي عليه.

والأمم التي لم تبلغ مبلغ التمييز يطمع المخطئ في تضليلها، ولا يخشى المتنازعون فيها عاقبة نزاعهم على الحق أو على الباطل، فيطول أجل النزاع ويصعب الفصل فيه.

وسيظل الخلاف دأب الشرقيين ما دام مأمون العاقبة على المختلفين؛ ويظل مأمون العاقبة عليهم ما دام الحكم المسموع قابلًا للتضليل عاجزًا عن التمييز.

وكلما صعد سواد الأمة درجة في سلم الإدراك والأخلاق هبط الخلاف درجة بين الزعماء العاملين.

وأحسبهم صاعدين، وإن كنا نستبطئ خطواتهم في الصعود.

•••

وأحسبني قد أجبت عن السؤال الثالث قبل أن يكتبه صاحبه الأديب «صلاح حماد» من الناصرة بمساحة فلسطين.

فهو يوجه إليَّ سؤالًا من تلك الأسئلة التي تبدأ «بأيهما»، ويجاب عنها «بكليهما» كما أسلفت في مقال قريب بالرسالة.

وموضع الخلاف بين أدباء الناصرة عن الزوجة: هل يعصمها حبها لرجلها دون خوفها منه، أو تعصمها سطوته ورجولته ثم حبها إياه؟! وهل إذا وجد الخوف بين اثنين امتنع الحب بينهما؟ أو يمكن الجمع بين الحب والمهابة في آن؟

قال: أيهما …؟ قلنا: كلاهما!

وهذا هو الجواب الذي يغني عن إسهاب، ولكننا نضيف إليه أن الخوف قد يوجد مع الحب كما يوجد مع الكراهية:

أهابك إجلالًا وما بك قدرة
عليَّ، ولكن ملء عين حبيبها

فالمحب يخاف أن يغضب المحبوب؛ لأنه يجبه ويرجو نفعه، والعدو يخاف عدوه؛ لأنه يتقي الضرر منه، ويختلف الخوفان كما يختلف الحب والعداء.

والزوجة يعصمها أن ترهب سطوة زوجها ولا تمنعها الرهبة أن تحبه؛ لأنها تحبه قويًّا مرهوب السطوة، وليس معنى ذلك أن يبطش بها ويسيء إليها، وإنما معناه أن يحسب لغضبه ورضاه حساب.

•••

تلك وجهات من النظر تتقابل بين السؤال والجواب، وكل سؤال فيه وجهة، فللسائل فيه هداية سبقت هداية المجيب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤