الفصل التاسع والعشرون

ماذا نعمل؟

أطلب إلى سيدي الأستاذ أن يتبع هذا المقال بنفحة أخرى تبين لنا ما نعمله لنبلغ من أمرنا ما نريد، وأرجو ألا يعتبر مني هذا اقتراحًا أو ما في معناه، وإنما هو محض استزادة من خير علمك العميق النظيف …

وهذا سؤال حقيق بأن يسأل، وكنت أود أن يسأل، فهو حقيق بأن يجاب.

وجوابي للأديب أن حاجتنا الكبرى إنما هي أن نعلم كيف نريد، لا أن نعلم كيف نعمل، فإذا أردنا عملنا؛ وكل مريدٍ عامل وعارف بوسيلته إلى إنجاز مراده.

مضى زمن والناس يتحدثون عن الإرادة والعمل كأنهما قدرتان مفصولتان، وعن العاطفة والفكر كأنهما شيئان لا يتلاقيان، وعن الخيال وفهم الواقع كأنهما ملكتان نقيضتان، إلى آخر ما يفرقون ويقابلون بين ملكات الطبائع وخصائص الأذهان، وهذا خطأ في تصوير الحقائق يتبعه لا محالة خطأ في تصوير العلاج والإصلاح.

ليست الإرادة والعمل ولا غيرهما من الملكات والطبائع خطين متلاحقين يبدأ أحدهما عند نهاية الآخر، أو جسمين متحيزين لا يجتمعان في مكان واحد، وإنما هما مظهران من قوة النفس يصدران عن معين لا يتجزأ، ولا ينفصل بالحدود والمعالم، فإذا امتلأت النفس بالقدرة على الإرادة فقد امتلأت بالقدرة على العمل في وقت واحد وفي صورة واحدة؛ ولن يفشل الفاشل في عمله — وقد تهيأت للعمل أسبابه — إلا لأنه ناقص الإرادة.

أرأيت إلى الناس وهو يطلبون السيادة، ولا يبلغها منهم إلا قليل؟ ما بال قوم منهم يبلغونها وأقوام ينكلون عنها خاسئين؟

إنما يبلغها من بلغ؛ لأنه أرادها ولم يرد غيرها، فهو سيد وإن تراخى الزمن دون الإقرار له بالسيادة؛ وهو سيد لأنه لن يكون عبدًا، وإن أخطأته الذرائع إلى حين.

أما الذي يبغي أن يسود، ولا يأبى أن يكون عبدًا فأين هو من إرادة السيادة؟

وأما الذي يبغي أن يسود ولا يختلف عنده مقام السيد الرفيع ومقام العبد الذليل، فأين هو من إرادة السيادة؟

وأما الذي يبغي أن يسود ويحسب أن الناس يسودونه قبل أن يسود عليهم، فأين هو من إرادة السيادة؟

قل: إنه يتمنى أن يسود، أو قل: إنه يحلم بأن يسود، أو قل: إنه لا يكره أن يسود، فأما أنه يريد فمعاذ الإرادة أن تجتمع ونقيضها في عزيمة واحدة، ومعاذ الإرادة أن تجتمع ولا يتبعها عمل ولا يتبع العمل نجاح.

لماذا لا نعمل؟ لأننا لا نريد! ولماذا لا نريد؟ لأن زادنا من الحس والوعي والخيال قليل.

ومع هذا فنحن لا نُزهى بشيء كما نُزهى بفرط الحس، وفرط الوعي وفرط الخيال … فهل رأيت إلى بعد ما بين الحقيقة والدعوى، وبعد ما بين وصف الداء ووصف العلاج؟!

املأ النفس بالحس والوعي والخيال تملأها بالحركة والإرادة غير منفصلين، وانظر إلى الطفل الدارج لماذا لا يهدأ؟ ألأنه قرأ الفصول والمباحث في فضل الحركة والنشاط؟ ألأن أحدًا أمره أو أحدًا أغراه؟ كلا! ولكنه يتحرك وينشط؛ لأنه شبعان من الحس شبعان من إرادة العمل الذي يهواه، ولو سببٌ غير ذلك دعاه إلى الحركة والنشاط لما استجاب، إذا أحسسنا لم نصبر على الركود، وإذا نفضنا الركود، فماذا أمامنا غير الحركة والعمل؟ وماذا أمامنا غير الظفر والفلاح؟

لننس كل النسيان وأشد النسيان أننا — معاشر الشرقيين — قوم مصابون بفرط الحس والوعي والخيال، فإننا لأبرأ الناس من هذا المصاب إن كان مصابًا، وإننا لأحوج الناس إلى الشفاء، وهو شفاء.

وآية ذلك أن نسأل كم عدد المعبرين عن الحس والخيال في الشرق كله؟ وكم عدد هؤلاء في أمة واحدة من أمم الدنيا المريدة العاملة؟

كم في أمة واحدة من أمم الدنيا المريدة العاملة السيدة الأيدة من مصورين ومثالين؟ وكم فيها من موسيقيين ومنشدين؟ وكم فيها من ممثلين ومخرجين، وكتاب روايات وشعراء وأدباء؟ وكم فيها من متاحف وتماثيل؟ وكم فيها من باعة أزهار وأساتذة تجميل؟ وكم فيها من مغامرين مقاديم يبيعون الواقع بالخيال، ويستغنون عن الممكن الميسور بما يلوح للعاجزين كأنه محال؟

كم من هؤلاء في أمة واحدة؟ وكم منهم في الشرق كله هذا الزمان، وأخشى أن أقول في جميع الأزمان؟

إن لم تكن الحقيقة أن الشرق مسكين غاية المسكنة مدقع غاية الإدقاع في أزواد الحس والخيال، فالأسطورة الكبرى ولا ريب هي أنه مسرف في حسه وخياله، مفرط في شطحاته وآماله.

فما بالنا نحار كيف نعمل، وأولى بنا أن نحار كيف نحس ونتخيل، وما بالنا ننشد أسبابًا للحركة والعمل غير أن نملأ نفوسنا بالإحساس، كأنما هذا وحده غير كاف، وكأنما نحتاج بعد الإحساس إلى مزيد؟

إن الإنسان ليثور من السخط والغضب حين ينظر إلى شعرائنا العجزة المعدمين، وهم يتيهون من الغنى الموهوم، ويتغطرسون بالثراء المعدوم، واسمعهم يتغنون بالحب مثلًا، والحب فيض في الشعور واتساع في آفاق الوجدان، واسمعهم يتغنون به وهو صنوف لا تنحصر في معنى واحد ولا في نمط فريد: حب الناشئين غير حب الكهول، وحب التفاهم والتعاطف غير حب المتع والشهوات، وحب المرأة المطواع اللعوب غير حب المرأة العصية الشموس، وحب المنكوب اللاجئ إلى حرم العاطفة غير حب السعيد الناعم بما في يديه، وحب الواثق غير حب المرتاب، وحب الوسيمة القسيمة غير حب الرشيقة الظريفة، وحبك الأول غير حبك بعد تجربة ومراس، وصنوف غير ذلك تتعدد بعداد الرجال والنساء، وعداد الأحيان والأعمار والمناسبات.

اسمعهم يتغنون بهذه العاطفة الشاملة الداوية العميقة الرحيبة التي لا عداد لها بالألوان، وإن عدت باللفظ في كلمة واحدة، وقل لي ماذا تسمع غير نغمة واحدة معروضة في شتى أساليب؟ ماذا تسمع غير أن حبيبة هاجرة أبدًا، وحبيبًا سيموت أبدًا وفوق ذلك قطرات هنا من دموع وشهقات هناك من أنين؟

ودع هذا واسمع المنشد أو المنشدة لا يكادان يفرغان من نغمة مبدوءة حتى يتبعهما ضجيج وزعيق، وقرع وخبط وتصفيق، كله نشوز واختلاط ومنافاة أبعد المنافاة لسماع الألحان والأنغام، وقل لي: هل تصدق أن هؤلاء السامعين يستمعون إلى موسيقى، ويصغون إلى فن وينعمون بتعبير جميل وتنسيق لا يطيق الاختلال؟

فأما الموسيقى والنشوز والخبط والزعيق، فمحال أن يجتمع هواها في أذن واحدة في لحظة واحدة؛ وأما الذي يجتمع مع النشوز والخبط والزعيق، فهو تخبط الجسد المحموم بحمى البهيمية، لا تمييز فيه ولا ذوق ولا خيال.

علم الله ما أصغيت إلى جمع من هؤلاء الناعقين الناهقين، ولا توسمت ما يزهون به من «حساسة» وظرافة إلا تلمست في يدي موضع السوط ألهبه تلك «الحساسة»، وأطير به تلك «الظرافة» وأثبت لهم بالسوط وحده — ولا إثبات بغيره لأمثال هؤلاء — أنهم بلداء بلداء بلداء، وأنهم يغثون النفوس من فرط كونهم بلداء غارقين في بلادة لا تفيق.

•••

لا يا أساة الشرق الحزين والمشفقين عليه!

داووه من نقص الإحساس، لا من فرط الإحساس؛ وداوود من ضنانة الخيال، لا من سرف الخيال.

وعلموه أن يحس، تعلموه أن يريد؛ ومتى تعلم أن يريد فلا حاجة به وراء ذلك إلى تعليم.

ولقد يسأل السائل من جديد: ومن لنا أن نثبت فيه الحس المأمول؟ وجواب ذلك سهل في التعبير، ولا أزعم أنه سهل في الإنجاز والتحقيق.

جواب ذلك أن الحس لا يخلق خلقًا، ولكنه يتعهد بالحث والإيقاظ إن أصابه جمود ورانت عليه ثقلة الكسل والجثوم.

وليس أنجع في الحث والإيقاظ من تصحيح الأجسام وتصحيح الأذواق: تصحيح الأجسام بالرياضة الصالحة القوية، وتصحيح الأذواق بالفنون الجميلة الرفيعة؛ ومن صح جسده وحسن ذوقه، فلن يفوته الشعور بما حوله؛ ومن شعر بما حوله، فماذا يبقى له إلا أن ينشط ويعمل، وإلا أن يريد وينجز ما يريد؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠