الطريقة ومجاهدة النفس

أشرنا فيما مضى إلى أن للحياة الصوفية جانبَين مختلفَين مُتمايزَين ولكنهما متكاملان؛ الأول جانب المجاهدة أو تطهير النفس، والثاني جانب الكشف والإشراق، وقد يختص جانب المجاهدة باسم الزهد، وينفرد جانب الإشراق باسم التصوف بمعناه الأخص. غير أنه لا مُبرر لهذه التفرقة في الأسماء، فهما شقان لحياة واحدة؛ الشق الأول بمثابة المقدمات، والثاني بمثابة النتائج المترتبة على المقدِّمات. الأول الشجرة التي يتعهَّدها السالك إلى الله ويُغذيها بكل ما أوتي من غذاء روحي، والثاني بمثابة الثمرة التي يَجنيها السالك من هذه الشجرة. يقول أبو يزيد البسطامي في وصف ما عاناه من جهاد النفس وكيف انتهى به الأمر إلى الكشف:
كنت ثنتي عشرة سنة حداد نفسي، وخمس سنين كنت مرآة قلبي، وسنة أنظر فيما بينهما، فإذا في وسطي زنار ظاهر فعملتُ في قطعه ثنتي عشرة سنة، ثم نظرت فإذا في باطني زنار فعملت في قطعه خمس سنين، أنظر كيف أقطعُه، فكُشف لي فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى.١

فالزنَّار الذي عمل أبو يزيد على قطعه من قلبه هو صلته بهذا العالم، والعمل على قطعه هو المجاهدة، ورؤيته الناس موتى بعد أن كشف له، معناه تخلصه التام من الشواغل التي تربطه بالخلق.

المجاهَدة هي الجانب العملي في الحياة الصوفية، أو هي الجانب الديني والأخلاقي فيها، والتصوف في جوهره نظام ديني أخلاقي يأخذ به السالك نفسه في صراحة وعزم وتصميم، ولا يقوى عليه إلا أولو العزم والتصميم؛ لأنه موجهٌ ضد النفس ورغباتها والعالم ومباهجه. هو نظام محوره التضحية بالذات، وإيثار كل ما لله على كل ما للنفس، ومن هنا كان النظام الأخلاقي الصوفي نظامًا فريدًا في بابه، مختلفًا عن غيره من النظم الأخلاقية الأخرى؛ لأنه قائم على معاملة الله وحده، تلك المعاملة التي يوحي بها مبدأ التضحية.

وليس في التصوف الإسلامي من أساليب المجاهَدة البدنية والنفسية ما في الرهبنة المسيحية من انقطاع تام عن العالم، وتعذيب للبدن بصنوفٍ شتَّى من الإيلام والحرمان، وإن تواترت الأخبار عن أقلية من زهاد المسلمين الأوائل سلَكُوا مسلك الرهبان المسيحيين في أساليبهم كما أشرنا إلى ذلك، وهؤلاء أقلية لا يُقاس عليهم. بل الحقيقة أن المجاهدة الصوفية في الإسلام مجاهدة نفسية أكثر منها بدنية، أو هي نفسية أولًا وبدنية ثانيًا، والبدني منها، كالصوم وحرمان النفس من بعض مشتهياتها، وقيام الليل في التهجد والعبادة، وما شاكل كل ذلك لا مبالغة فيه ولا إسراف، بل هو في الحدود المقبولة التي وضَعَه الإسلام وطالب بها.

والمجاهَدة والجهاد في الأصل: بذْل الوسع في سبيل الله ومحاربة أعدائه. ثم استعملت المجاهَدة في التصوُّف بمعنى محاربة النفس ومخالفتها باعتبارها العدو الأول الذي يقود الإنسان إلى الهلاك وقد يُقصيه عن دينه. يقول أبو عمرو بن نجيد الملامتي: «من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه.»٢ ولهذا حرص الصوفية، وهم يتكلَّمون عن المجاهَدة، على أن يتكلَّموا عن «النفس» ويُفسِّروا المقصود بها. فليست «النفس» عندهم اسمًا مرادفًا للإنسان في جملته ولا روحه، ولا مجموع الحياة الروحية فيه، وإنما المقصود بها النفس الحيوانية التي هي مركز الشهوة والهوى ومنبع الشر والإثم.

وشرور النفس نوعان: (أ) المعاصي. (ب) الأخلاق والصفات المذمومة كالعجب والحسد والغضب والكبر والأثرة والكراهية والرياء وغير ذلك من الأخلاق التي لا يَقبلها العقل ولا الشرع. فإذا لم يعرف الإنسان نفسه على حقيقتها فيعرف أغوارها وغوائلها، ويقف على أدوائها وآفاتها، ذهبَت مجاهدتُه ورياضته سُدًى؛ ولذلك كان من أوائل ما انتدب الصوفية أنفسهم له، التأمُّل والنظر في النفس ومحاسبتها ومراقبتها وغير ذلك من الأساليب التي تكشف عن مكنوناتها ودوافعها وعيوبها.

هذه هي الخطوة الأولى في طريق المجاهدة، ومن حالفه التوفيق فيها أمن السير في الطريق، وبنى حياته الصوفية على أساس متين. يقول رسول الله : «من أراد الله به خيرًا بصَّره بعيوب نفسه.»

وقد خلف الصوفية في ميدان دراسة النفس وميولها وآفاتها عن طريق التأمل والاستبطان ثروة سيكولوجية أخلاقية رائعة تَشهد لهم برقَّة الحس ودقة التحليل وعمق النظر فيما يَعتلج في النفس من أهواء ونزعات، كما هو واضح من مأثور أقوالهم التي يَرويها مُؤرِّخُو التصوف أمثال أبي القاسم القُشيري وأبي نصر السراج، ومن الصفحات الخالدة التي كتبها الغزالي في الإحياء:

والمجاهَدة طريقٌ شاقٌّ طويل، محفوف بالمكاره والأخطار، بابه التوبة، وهي الانقلاب الروحي الخطير الذي أشرنا إليه في مقدمة هذا الكتاب بشيء من التفصيل، وبعد اجتياز هذا الباب بسلام، يأخذ السالك في قطع مراحل الطريق واجتياز العتبات الأخرى.

ولما كان أصل المجاهدة وملاكها — كما يقول القشيري — فطم النفس عن المألوفات، وحملها على خلاف هواها، كان من ألزم ما يلزم المبتدئ في الطريق «الخلوة» و«العزلة» عن الناس؛ لأن اختلاط الإنسان ببني جنسه آلَف ما تألفه النفس وتميل إليه بفطرتها، وفي الخلوة بالنفس استيحاش من الخلق واستئناس بالله، ولكن جمهور المتصوفة في الإسلام لم يُبالغوا في الخلوة والعزلة كما بالغ فيها رهبان المسيحيين والهنود، ولم يعتزلوا الحياة الاجتماعية اعتزالًا تامًّا ويلزموا الصوامع والبِيَع أو يفرُّوا إلى الصحاري وقلل الجبال، ولكنهم أخذوا بنصيبهم في الحياة العامة التي يحياها غيرهم، وسعوا إلى أرزاقهم بأعمالهم، ولم يظهر الكف عن الكسب وينتشر التسول في أوساطهم إلا في عصور التصوف المتأخرة وهي عصور الانحلال والاضمحلال، وقد اعتبر الصوفية العزلة الحقيقية في اعتزال مذموم الصفات لا في اعتزال الحياة الاجتماعية والأوطان؛ ولهذا قال قائلهم: «العارف كائن بائن.» أي موجود مع الخلق بجسمه، بعيد عنهم بروحه وسرِّه. قال أبو علي الدقاق أستاذ القشيري: «البس مع الناس ما يلبسون، وتناول مما يأكلون، وانفرِد عنهم بالسر.» ومعنى هذا أن العزلة الحقيقية هي الانفراد بالله لا مجانَبة الخلق.

ولكن من الصوفية من أمثال ذي النون المصري وأبي القاسم الجنيد ويَحيى ابن معاذ الرازي وأبي بكر الشِّبلي، من يرى أن الخلوة واعتزال الناس أهون على تصحيح الإرادة وصفاء العبادة والبُعد عن الرياء والنفاق، فإن من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راءاهم.

ومن أساليب المجاهَدة الصمت عن الكلام، لا بمعنى حبس اللسان عن الكلام إطلاقًا أو في فترات مقرَّرة كما في الرهبنة المسيحية، بل بمعنى التحفُّظ في القول، وعدم الاستِرسال في اللغو، أو البوح بالسر؛ ولذلك آثر الصوفية الصمت إلا عند الضرورة، وقول الحق، وأحلوا محل الكلام التفكير والتأمل، وهما طريق الحكماء؛ وذلك لأنَّ الكلام إما أن يكون حقًّا فيَستدعي إعجاب الناس ومديحهم، والصوفية لا يقبلون الإعجاب والمديح الذي قد يدخل الرياء في قلوبهم، وإما أن يكون باطلًا وهو ما ينهى عنه الدين.

ولكنَّ الصمت ليس قصرًا على اللسان، بل للقلب وسائر الجوارح صمتها أيضًا، وللقلب كلام كما للسان كلام، وكلام القلب هو الخواطر التي تخطر به والأسرار التي تتكشَّف له، والصوفي الصادق أمين على أسراره، يرى من فرط حبه لربه ألا يطلع عليها غيرهما، وقد وصفوا صمت اللسان بأنه صمت العوام، وصمت القلب بأنه صمت العارفين.

ومن أساليب مجاهَدة النفس ومخالفتها عند الصوفية «الزهد» وهو موقف خاص من الدنيا وأعراضها، ومن الدين حلاله وحرامه، ومن الله. فإن الزاهد يخالف هوى النفس ورغباتها ويُحقِّر من شأن القيم التي اعتاد الناس رفعها وتقديرها كالسُّمعة والصيت والجاه والغنى، ويزهد في الحرام استجابةً لنَهي الدين عنه، وفي الحلال استشعارًا لألم الحرمان الذي هو وسيلة من وسائل تطهير النفس وتقويتها.

وينعكس موقف الزاهد في الدنيا على موقفه من الله، فإنه بمقدار ما ينصرف قلبه عن متع هذه الحياة، يكون إقباله على الله واشتغاله بحبه وخدمته؛ ولذلك قال أبو سليمان الداراني (المُتوفَّى سنة ٢١٥): «الزهد ترك ما يشغل عن الله تعالى.»٣ ولأحمد بن حنبل قول جامع في الزهد وأنواعه التي أشرنا إليها وهو: «الزهد على ثلاثة أوجه؛ ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث ترك ما يشغل العبد عن الله تعالى وهو زهد العارفين.»٤

فالزهد هو الأساس الذي يقوم عليه صرح المجاهدة في الطريق الصوفي، وبممارسته تتطهر النفس في بوتقة التجارب الروحية وتتحول عناصرها الخسيسة إلى عناصر أخرى شريفة هي أخص ما يتصف به الصوفي من الصفات، وذلك كالتوكل والرضا والقناعة والصبر والشكر والفقر، وفوق هذه كلها التقوى والورع والمحبَّة الإلهية.

ومن أساليب المجاهَدة العبادة كالصوم والصلاة والذكر والدعاء، وللصوفية فهمهم الخاص للعبادة أفَضْنا القول فيه في كلامنا عن موقفهم من الفقه، ولكن الذي نُريد توكيده هنا هو اعتقادهم أن العبادة لا تكون صادقة مخلصة إلا إذا تحقق فيها معنى المجاهَدة، فتوافرت فيها عناصرها التي أخصها مخالفة هوى النفس والإقبال بجمعية الهمة على الله؛ بحيث يتحقَّق للعبد عبوديته، وينفرد الرب بربوبيته.

ومجاهدة النفس في سبيل الله أعظم خطرًا وأعلى قدرًا في نظر الصوفية من الجهاد في نصرة دين الله. يُروى عن النبي أنه قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، فلما سُئل عن الجهاد الأكبر قال: «مجاهدة النفس.» وذلك أن مجاهدة النفس أشق على القلب من الجهاد بالبدن.

هذا، وقد أثار الصوفية حول الصلة بين المجاهدة والهداية الواردة في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا٥ جدلًا طويلًا أشبه بجدل علماء الكلام، بل هو في الحقيقة فرع من مسألة كلامية اختلف فيها المعتزلة وأهل السنة، وهي أفعال العباد وصلتها بالثواب والعقاب. تساءل القوم: هل المجاهدة تُورث الهداية والقرب من الله، أم أن الهداية والقرب من الله أمران يَمنحهما الله العبد مِنَّةً منه وفضلًا؟ وذلك كما تساءل علماء الكلام عما إذا كانت أفعال الطاعة تورث الجنة، أم أن دخول الجنة منةٌ من الله وتفضلٌ منه على عبده؟ ويذهب سهل بن عبد الله التستري (المُتوفَّى سنة ٢٨٣، وقيل سنة ٢٧٣)، وهو من أكثر الصوفية كلامًا في المجاهَدة، إلى أنها السبيل المباشر المفضي إلى مشاهدة الحق، وأن المشاهدة والقرب من الله والصول إليه وكل ما يدخل تحت كلمة «الهداية» ثمرةٌ من ثمرات المجاهَدة بدليل الآية المذكورة، ولكنَّ صوفيةً آخرين يذهبون المذهب الآخر، ومن هؤلاء أبو سعيد الخراز (المُتوفَّى سنة ٢٧٧) الذي يقول: «من ظنَّ أنه ببذل الجهد يصل إلى مطلوبه فمتعنٍّ (أي متعب نفسه)، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمُتمنٍّ.»٦ ومنهم أبو بكر الواسطي (المُتوفَّى سنة ٣٢٠) الذي يقول: «المقامات أقسام قسمت ونعوت أجريت، كيف تستجلب بحركات أو تنال بسعايات؟»٧
والغاية من المجاهدة في نظر هؤلاء هي تطهير النفس وتبديل صفاتها، لا الحصول في عين القرب، ولا الوصول إلى الهداية. فهم يَفهمون قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا بمعنى: والذين هديناهم سُبُلنا يُجاهِدُون فينا؛ أي إن السير في طريق المجاهَدة فرع عن الهداية التي يمنحها الله من يشاء من عباده لا العكس، ويستدلُّون على ذلك بقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ،٨ وبالحديث القائل: «إن أحدكم لن يدخل الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا.» ومعنى هذا أن إرادة الله الهداية للعبد سابقة على شرح صدره للإسلام وعلى مجاهدته، وكأن المسألة — حسب فهم هؤلاء الصوفية — مسألة العناية الإلهية والتقدير الأزلي، لا مسألة المجاهَدة والأعمال التي يقوم بها العبد.

والظاهر لأول وهلة أن بين الموقفين تناقضًا، وبين الآيتين تعارضًا، والحقيقة ألا تناقض ولا تعارض. فالمفهوم من الآية الأولى أن الذين يُجاهدون أنفسهم في سبيل الله يمنحهم الله الهداية من لدنه، لا جزاءً على المجاهدة، ولا كسبًا منهم لها، بل موهبةً منه وتفضلًا، وهذا لا يقدح في أن هداية هؤلاء المجاهدين أمرٌ من الأمور التي سبقت بها العناية الإلهية واقتضتها مشيئة الله في الأزل، والله العادل في حكمه، والحكيم في فعله، تتعلق إرادته بالأفعال التي اقتضتها الحكمة وصريح العقل.

والمعنى الذي يحرص الصوفية على إبرازه هو أنه ليس للعبد أن يعتقد أنه يكتسب بمجاهدته النجاة والهداية، أو ينظر إلى أفعال الطاعة باعتبارها أمورًا توجب على الله الإثابة عليها كما ذهب إليه المعتزلة، بل الواجب عليه أن ينظر إلى واهب الهداية المتفضل بها، وهو الله، وموقف الإنسان من ربه في هذا الصدد أشبه بموقف المملوك من سيده، فإن المملوك إذا أمره سيده بأمر أطاعه فكافأه سيده، لا يقال إن المكافأة جزاءٌ اكتسبه المملوك بطاعته، فإنه مكلفٌ بالطاعة على أية حال كافأه سديه أم لم يكافئه، بل يقال إن المكافأة هبةٌ وهبها السيد تفضلًا منها، وإن بدت في ظاهرها جزاءٌ على الطاعة لاقترانها بها.

وللهجويري حلٌّ آخرٌ لهذه المسألة، وهو أن الخلاف في الرأيين خلافٌ في ظاهر التعبير فحسب، فإن كلًّا من الطرفين — في نظره — ينظر إلى الحقيقة من جانب. فطائفةٌ تقول: «من جدَّ وجَدَ»، وطائفةٌ تقول: «من وجد جد» والحقيقة أن الجد سببب الوجود، كما أن الوجود سبب الجد، وإذن يستوي في هذه الحالة أن نقول إن المجاهدة في سبيل الله سبب الهداية، وأن نقول إن الهداية سبب المجاهدة في الله. كما نقول إن التوفيق الإلهي سبب طاعة العبد، أو نقول إن طاعة العبد سبب توفيق الله إياه.

(١) الأساس النظري للمجاهدة

بنى الصوفية نظامَهم في المجاهدة على نظرية في طبيعة الإنسان استمدُّوا بعض عناصرها من القرآن، والبعض الآخر مما عرَفُوه من الفلسفة اليونانية وبخاصة فلسفة أفلاطون وأرسطو، وقد عقد كلٌّ من القشيري والهجويري فصلًا خاصًّا يشرح فيه ماهية الإنسان وما فيه من القوى المتعارَضة التي تعمل مُجتمِعة على تشكيل سلوكه الخلقي، وبالتالي سلوكه الديني؛ إذ السلوك الخلقي عند الصوفية فرعٌ عن السلوك الديني، وتهذيب الأخلاق شرطٌ أساسيٌّ في تقويم العبادات والاعتقادات على السواء.

بحث الصوفية في ماهية النفس كما بحث فيها الفلاسفة، وكانوا مُتأثِّرين في بحثهم بعقيدة راسخة ربما استمدُّوها من المذهب الثنوي الفارسي، وهي أن في الإنسان طبيعتَين متناقضتَين، تجذبه إحداهما إلى أعلى وتشدُّ به الأخرى إلى أسفل، تدعوه الأولى إلى الخير وتدفعه الأخرى إلى الشر، ترتفع به الأولى إلى مستوى الملائكة وتهبط به الثانية إلى مستوى البهائم، وهما أشبه بمبدأي النور والظلمة أو مبدأَي العقل والمادة.

ولكي يحكم السالك طريق سلوكه لا بد له من معرفة هذين المبدأين أو هاتين الطبيعتين، أو بعبارة أخرى لا بد له من معرفة نفسه، فإنه بمقدار ما يعرف الإنسان من نفسه تكون معرفته بربه وبالعالم الذي يُحيط به، كما يكون نجاحه أو إخفاقه في معترك الحياة الخلقية والسلوك الصوفي، ولكن ما هي «النفس» التي يتكلم عنها الصوفية ويقولون بضرورة معرفتها ومجاهدتها؟ أما وظيفة النفس فيُجمِعون على أنها مبدأ الشر في الإنسان، أو هي على حدِّ قولهم «مصدر الأوصاف المعلولة والأخلاق والأفعال المذمومة.» أما الأوصاف المعلولة فهي ما يكسبه الإنسان من المعاصي والمخالفات المَنهي عنها شرعًا نهيَ تحريم، وأما الأخلاق المذمومة فهي طبائع النفس التي جُبلت عليها كالكبر والغضب والحقد والحسد وقلة الاحتمال، وأشدها جميعًا وأصعبها مراسًا وأخطرها: توهُّمُها أن شيئًا منها حسن.

هذا وصفٌ عامٌّ لوظيفة النفس ومظاهرها عند الصوفية. أما حقيقتها فيَختلفون فيها، فيذهب بعضهم إلى أنها «جوهر» في البدن قائم به كما تقوم الروح، ويرى بعضهم أنها عرض قائم بالبدن كما تقوم به الحياة، وعلى الرغم من وصفهم النفس بأنها «لطيفة» مودَعة بالبدن، تغلب المادية على تصوُّرهم لها حتى لنكاد نُحسُّ أنهم يقصدون بها الجسم نفسه وإن كانوا لا يقولون بهذا صراحةً، وأقصى ما بلغوا من التجريد في وصفها هو قولهم أنها مبدأ الشر في الإنسان ومصدر الدوافع والشهوات الجِسمية فيه.

أما الرُّوح فلا جدال في وصفهم إياها باللطافة واللامادية، وبأنها مبدأ «مفارق» مستقل عن البدن لا يفنى بفنائه، وهي الجانب الإلهي في الإنسان ومركز المعرفة والشهود فيه.

ويُطالب الصوفية بضرورة معرفة النفس ويعدون ذلك شرطًا أساسيًّا في طريقتهم لسببين: أولهما أن دراسة النفس تُوقف الإنسان على غوائلها ورغباتها ومخالفاتها، وفي ذلك عون للعبد على مقاومتها والنجاح في محاربتها، فإن مَن عرف مواطن الضعف من عدوه كان أقوى على مقاومته والظفر عليه، والطبيب الذي يعلم مواطن الضعف وأسباب المرض أقوى على علاج مرضاه، وإزالة الأسباب في أمراض النفوس حائل منيع دون ظهور الأمراض. فمعرفة النفس بهذا المعنى خير طريق لتطهيرها، والصوفي الذي يُجاهد نفسه على هذا النحو يُزيل العوائق التي تعترض سبيله وتحول دون الوصول إلى غايته.

إن المجاهَدة على حدِّ تعبير الصوفية، هي رفع الحجب الكثيفة التي تقوم بين العبد وربه؛ إذ كل عمل للنفس وكل خاطر لها حجاب يَستر الحق عن عين العبد، وكما أن الإنسان يوم القيامة لا بد له من أن يَنجو من النار قبل أن يدخل الجنة، كذلك هو في هذه الدنيا يجب أن يتخلص من جحيم النفس قبل أن تصحَّ له الإرادة ويتحقَّق بمقام القرب من الله كما يقول الهجويري.

والسبب الثاني: أن معرفة النفس تُؤدِّي إلى معرفة الله كما قال رسول الله : «من عرف نفسَه فقد عرف ربه.» وقد فُسِّر هذا الحديث بمعنيَين؛ الأول أن المعرفة المشار إليها معرفة أساسها الأضداد، فمن عرف نفسه مُفتقرًا عرف الله غنيًّا، ومن عرف نفسه ذليلًا حقيرًا عرف الله قويًّا عزيزًا، ومن عرف نفسه فانيًا عرف الله باقيًا، ومن عرف نفسه حادثًا عرف الله قديمًا، وعلى الجملة من في نفسه معنى العبودية أدرك في الله معنى الربوبية، ولا شك أن هذا هو المعنى الذي قصد إليه الجنيد عندما عرَّف التوحيد بأنه: «إفراد القِدَم من الحدث.»٩ والمعنى الثاني هو أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خلقه الله على صورته واستخلفه في أرضه، ومن عرف الصورة عرف صاحب الصورة، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عربي في نظريته في الإنسان الكامل.

•••

النفس في نظر الصوفية إذن هي عدو الإنسان الأكبر الذي تجبُ مجاهدتَه ومحاربته والقضاء على كل مظاهره. هي الشيطان الذي يقود الإنسان إلى الكفر والمعصية. هي مصدر الشر والجهل؛ لأنها لا ترى الأشياء إلا خلال حاجاتها المادية، ولا تدع العقل يدرك حقيقة من الحقائق إلا بعد أن تصبغها بصبغتها، ولذا كانت مجاهدتها أمرًا يوجبه الشرع والعقل. يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، ويقول رسول الله : «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.» وهو جهاد النفس، ولذا أيضًا أفاضَ الصوفية في كل العصور في الحديث عن النفس وآفاتها ورعوناتها، كما أفاضُوا في الكلام عن أساليب مقاومتها، وتكلَّموا عن المعاصي وكيف تبدأ، وعن الصفات النفسية الخسيسة وكيف تُمحى، وعن الأفعال الأخلاقية الذميمة وكيف تُتقى، ووضعُوا نظامًا أخلاقيًّا ضخمًا على أساس هذه النظرة المتشائمة إلى النفس، وقد شرحنا طرفًا من هذا النظام في تحليلنا لأصول فرقة الملامتية في كتابنا «الملامتية والصوفية وأهل الفتوة» وهي الأصول التي جمعها الشيخ أبو عبد الرحمن السُّلمي في رسالة الملامتية التي نشرناها في ذلك الكتاب.

وفي النفس طبيعتان هما منبع الشر فيها؛ الأولى الشهوة، والثانية الهوى. أما الشهوة فاسم يطلقه الصوفية بصورة عامة على مبدأ طلب اللذة، وهو مبدأ منبث في جميع أجزاء البدن يُحاول دائمًا أن يُحقِّق غرضًا من أغراضه، وتخدمه الحواس في تحقيق أغراضه؛ ولذلك تعدَّدت الشهوات بتعدُّد آلاتها، والأصل فيها شيء واحد في نوعه وإن تعدَّدت أسماؤه وكيفياته. فشهوة البطن الأكل والشرب، وشهوة العين الإبصار، وشهوة الأذن السمع، وشهوة الأنف الشم، وشهوة اللسان الكلام، وشهوة الفم الذوق، وشهوة الجسم اللمس، وشهوة العقل الفكر، وهكذا، والإنسان مطالب بحراسة هذه الأعضاء وتوجيه شهواتها الوجهة التي تتَّفق مع روح الشرع ولا تتعارَض مع الأمر والنَّهي؛ فللعبد أن يُشبع شهوة البطن ولكن من حَلَال، ويشبع شهوة الكلام ولكن في غير باطل، وشهوة النظر ولكن في غير محرَّم، وشهوة السعي على رجليه ولكن في غير معصية أو إضرار بالغَير، وشهوة الفكر ولكن في غير كفرٍ جليٍّ أو خفيٍّ، وهكذا، والإنسان مسئول عن حراسة أعضاء جسمه وعن رياضتها الرياضة الدينية القويمة بدليل قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.١٠

أما «الهوى» فهو الميل الطبيعي الذي يتحكَّم في النفس وأفعالها لتحقيق رغباتها، وهو في مقابلة العقل، والإنسان أبدًا محل نزاع بين عقله وهواه، كلٌّ يَجذبه ناحيته، والهوى أعم من مجرد الرغبة في اللذات والشهوات الحسية، فهو لا يَقتصر على النزوع الطبيعي لتحقيق اللذة في عضو من أعضاء البدن، بل قد يكون نزوعًا نحو لذَّات أخر غير حسية كلذة التسلط والقهر وحب الظهور والكبرياء، والرجل المستسلم لهواه إذا حركه هواه نحو طلب اللذات البدنية قد لا يتجاوَز شرُّه نفسَه، كالرجل الذي يطلب لذة السُّكر فإنه يغشى الحانات والناس في مأمن من شرِّه. أما طالب الشرف والسلطان، فقد يعيش في صومعة أو دير ويضل الطريق إلى الله ويُضلِّل غيره.

ومن صدرت جميع أفعاله عن الهوى ورضيت بذلك نفسه، كان بعيدًا عن الله قريبًا من الشيطان، وليس شياطنه شيئًا سوى حيوانيته التي يحاول الصوفي جاهدًا أن يتخلص منها. روي أن راهبًا قال يومًا لإبراهيم الخواص: «منذ سبعين عامًا قضيتها في الدير وأنا أحرس كلبًا (يعني نفسه) وأحول بينه وبين الناس. يا إبراهيم، إلى متى تبحث عن الناس؟ ابحث عن نفسك، فإذا وجدتها فاحرسها وراقبها، فإن الهوى يلبس كل يوم ثلاثمائة وستين ثوبًا ويُضل صاحبه.»١١
إن الشيطان لا يدخل قلب عبد حتى يقدم على معصية، فإذا ظهر الهوى ألقى الشيطان به في قلب صاحبه، وهذا هو الوسواس، وليس للشيطان سلطان على عباد الله المقربين؛ لأنهم لا يتصرفون تبعًا لهواهم، يقول الله تعالى لإبليس: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ.١٢
يقول الهجويري: «إن الهوى ممزوج بطينة آدم، فمن ملَكه كان مَلِكًا، ومن ملكه الهوى كان عبدًا ذليلًا. سئل الجنيد عن الاتصال بالله فقال: «ترك الهوى.» وأعظم منحة يمنحها الله العبد أن يُمكنه من هواه، فإن من اليسير أن يهدم الإنسان جبلًا بأظفاره من أن يتغلب على هواه.»١٣
١  الرسالة القشيرية، ص٤٨. والزنار: حزام يستعمله رهبان النصارى والمجوس.
٢  الرسالة القشيرية، ص٤٩.
٣  رسالة القشيري، ص٥٦.
٤  الرسالة القشيرية، ص٥٧.
٥  العنكبوت: ٦٩.
٦  الرسالة القشيرية، ص٥.
٧  نفس المرجع، ص٥.
٨  الأنعام: ١٢٥.
٩  الرسالة القشيرية، ص٣.
١٠  سورة النور: آية ٢٤.
١١  كشف المحجوب، ص٢٠٨.
١٢  سورة الحجر: آية ٤٢.
١٣  كشف المحجوب، ص٢٠٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١