خاتم الأولياء

كان أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم المُتوفَّى سنة ٢٨٥ — فيما نعلم — أول من تكلم في ختم الأولياء، بل كان كما يقول الهجويري أول من وضع في التصوف نظرية كاملة في الولاية، ولكن كتابه «ختم الولاية» الذي كان من أسباب نفيه من «ترمذ» قد ضاع، وأصبحنا لا نعرف عنه إلا الإشارات التي يشير بها إليه ابن عربي في ثلاثة من كتبه: الأول «شرح المسائل الروحانية التي سألها الحكيم الترمذي»١ والثاني «الفتوحات المكية»٢ حيث يجيب ابن عربي عن مائة وخمسة وخمسين سؤالًا سألها الترمذي، وبعض هذه الأسئلة خاصٌّ بالولاية وبعضها عام، والثالث كتاب «فصوص الحكم»٣ حيث يشرح المؤلف نظريته الخاصة في الولاية وختمها، ويشير إلى الترمذي فيهما، وهناك مصدر آخر لعلمنا بمذهب الترمذي في الولاية وختمها، وهو الفصل الممتع الذي عقده الهجويري في كشف المحجوب.٤

وليس غرضنا هنا الكلام عن الولاية في صورتها العامة، قد ذكرنا عن ذلك ما فيه الغناء، ولا غرضنا مناقشة نظرية الترمذي في الولاية وختمها، فإن هذا بحث لم تتوافر مراجعه كلها بعد، وإنما غرضنا أن نذكر شيئًا عن ختم الولاية بصورة عامة مع الإشارة بوجه خاص إلى رأي ابن عربي فيه؛ لأن ابن عربي أخذ عن الترمذي فكرته الأساسية، وهي أن للولاية ختمًا كما للنبوة ختم، وأضفى على هذه الفكرة تفصيلات كثيرة مستمدة من نظريته في «الكلمة» (اللوغوس)، وفي طبيعة الوجود وطبيعة الولاية، فوصل بذلك إلى نظرية جديدة متكاملة.

يعتبر ابن عربي ما يسميه «الحقيقة المحمدية» أو «الروح المحمدي» أصل الحياة الروحية في الوجود والمنبع الذي يستمد منه الأنبياء والأولياء علومهم، أو الروح الذي ظهر في صور الأنبياء والأولياء من لدن آدم إلى النبي محمد نفسه، كما ظهر في صور الأولياء منذ وجدت الولاية. فجميع الأنبياء والأولياء صور أو مجال تجلت فيها الحقيقة المحمدية، أو الروح المحمدي، أو النور المحمدي كما يسميه أحيانًا، وليس خاتم الأولياء سوى مجلى من المجالي التي لا تحصى لهذه الحقيقة.

أما الفرق بين خاتم الأولياء وأي ولي آخر، هو أن خاتم الأولياء دون غيره هو المظهر الكامل للحقيقة المحمدية، والمجلى الذي تتمثل فيه هذه الحقيقة أكمل تمثيل، وفيه وحده يظهر الإرث المحمدي ظهورًا تامًّا، وهو آخر من يرث عن الحقيقة المحمدية علم الباطن إرثًا مباشرًا.

ولا ينكر ابن عربي — كما زعم بعضهم — احتمال ظهور أولياء بعد خاتم الأولياء، فقد يظهر أولياء في الأمة المحمدية أو في أية أمة أخرى يرثون علمهم من أنبيائهم، ولكن الذي ينكره هو أن يظهر في الأمة المحمدية بعد خاتم الأولياء ولي يرث علمه الباطن عن الحقيقة المحمدية. فالذي له خاتم هو ولاية الإرث المحمدي لا الولاية العامة.٥ أما الذين يحتمل ظهورهم من الأولياء بعد الخاتم فليسوا ورثة محمد، بل ورثة أنبياء آخرين، أو أولياء مسلمين، وهؤلاء يرثون ما يرثون عن طريق ختم الأولياء، وعلى هذا يصبح خاتم الأولياء بدوره مصدرًا روحيًّا جديدًا للعلم الباطن يستمد منه الأولياء علومهم، على نحو ما كان الأنبياء والأولياء يستمدون علومهم من الروح المحمدي.
ويعقد ابن عربي مقارنة دقيقة بين الروح المحمدي وخاتم الأولياء، ويقول إن كلًّا منهما له وجود سابق على وجوده الزمني، فكما أن محمدًا كان نبيًّا وآدم بين الماء والطين، كذلك كان خاتم الأولياء وليًّا وآدم بين الماء والطين، ولكن أليست روح خاتم الأولياء هي بعينها الروح المحمدي في نظر ابن عربي — كما قلنا — وأننا نسميها «محمدًا» حين تظهر في صورة النبي محمد، وخاتم الأولياء حينما تظهر في صورة خاتم الأولياء، وأن الأول نبي ورسول وولي والثاني ولي وارث؟٦
والظاهر أنه يقصد روح خاتم الأولياء لا شخصه عندما يقول إنه الممد لسائر الأولياء والأنبياء والرسل بعلمهم الباطن. يقول:

وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه — متى رأوه — إلا من مشكاة خاتم الأولياء.

فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف مَن دونهم من الأولياء؟٧
وفي موضع آخر يقول:
«وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن الأصل، المشاهد للمراتب.»٨ يريد الآخذ عن الأصل الذي أخذ عنه خاتم الرسل؛ إذ معدن العلم الباطن عند الاثنين واحد، ولكن ابن عربي يتحدث عن نوعين من الولاية لكلٍّ منهما خاتم: الأولى الولاية العامة أو المطلقة، والثانية الولاية المحمدية أو الخلافة المحمدية، والأولى هي التي أطلق عليها الترمذي اسم «ولاية الفضل» وخاتمها عنده وعند ابن عربي عيسى عليه السلام. أما خاتم الثانية فالظاهر أن ابن عربي يقصد به نفسه، وسيكون عيسى خاتم الولاية العامة عندما ينزل من السماء — كما تحكي الأخبار المتواترة — ويحكم بين الناس بشريعة محمد عليه السلام، ويحاول الرجوع بالإسلام إلى سابق سيرته. أما خاتم الولاية المحمدية فهو الخاتم الحقيقي لأن الوراثة المحمدية تنقطع بعده، وهو ما يعنيه ابن عربي عندما يستعمل «خاتم الأولياء» من غير تخصيص أو تقييد، وقد صرح بأنه هو نفسه المقصود بخاتم الولاية بهذا المعنى في موضع واحد حيث قال:
أنا خاتم الولاية دون شك
لورث الهاشمي مع المسيح٩
وفي مواضع أخرى يشير إلى ذلك إشارات لا تخلو من مغزى، فيقول مثلًا:
وأما ختم الولاية المحمدية فهو لرجل من العرب، ومن أكرمها أصلًا وبدءًا، وهو في زماننا اليوم موجود، عرِّفت به في سنة خمس وتسعين وخمسمائة ورأيت العلامة التي قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده، وكشفها لي بمدينة «فاس» حتى رأيت ختم الولاية عنه، وهو خاتم النبوة المطلقة التي لا يعلمها كثير من الناس، وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به من الحق في سره من العلم به.١٠
ويقول:
استحق (أي النبي) أن يكون لولايته الخاصة ختم يواطئ اسمه اسمَه ويحوز خُلقه، وما هو بالمهدي المعروف المسمى المنتظر، فإن ذلك من سلالته وعترته ، والختم ليس من سلالته الحسية، ولكن من سلالة أعراقه وأخلاقه .١١

كل هذه أوصاف تنطبق على ابن عربي بالذات، وإن لم يشأ أن يذكر ذلك صراحةً، فختم الأولياء رجل عربي من أكرم العرب أصلًا، وجد في زمن ابن عربي وعرفه، ورأى علامة الختم فيه، ثم هو فوق ذلك رجل كثر إنكار الناس عليه، يواطئ اسمه اسم النبي، ليس من سلالة النبي ولا هو المهدي المنتظر، وهكذا. ليس لنا أن نقف طويلًا عند هذه الأوصاف فكلها منطبقة تمام الانطباق عليه، وما بقي إلا أن يقول إن هذا الختم هو أنا، وأنا هو!

والغريب في هذه المسألة أن فكرة ختم الولاية نبتت في أوساط شيعية، وكان الختم عند الشيعة هو المهدي المنتظر، وادعت كل فرقة من الشيعة لنفسها «مهديًّا» يوافق مذهبها وعقيدتها.

فلما أخذ ابن عربي بهذه الفكرة الشيعية الأصل فرَّق بين ختم الأولياء والمهدي المنتظر وصرح بأنهما مختلفان، وليست هذه أول مرة تأثر فيها ابن عربي بنظرية شيعية ثم وجهها وجهة خاصة ووصل بها إلى نتائج تتعارض مع الأصل الذي تأثر به. فهل فعل ذلك ليفسح أمام نفسه مجال الدعوى بأنه خاتم الأولياء على الرغم من أنه ليس المهدي المنتظر لأنه ليس شيعيًّا ولا من سلالة النبي؟

هناك شاهد أخير أسوقه للدلالة على أن ابن عربي قصد بخاتم الأولياء نفسه وكان في ذلك أكثر صراحةً، وهو قوله:
كنت بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فرأيت فيما يرى النائم كأن الكعبة مبنية بلبن فضة وذهب، لبنة فضة ولبنة ذهب، وقد كملت بالبناء وما بقي فيها شيء، وأنا أنظر إليها وإلى حسنها، فالتفت إلى الوجه الذي بين الركن اليماني والشامي، وهو إلى الركن الشامي أقرب، فوجدت موضع لبنتين لبنة فضة ولبنة ذهب، ينقص من الحائط في الصفين: في الصف الأعلى ينقص لبنة ذهب، وفي الصف الذي يليه ينقص لبنة فضة، فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع اللبنتين، فكنت أنا عين تينك اللبنتين وكمل الحائط. فاستيقظت، وقلت متأولًا إني في الأتباع من صنفي كرسول الله في الأنبياء عليهم السلام، وعسى أن أكون ممن ختم الله الولاية بي وما ذلك على الله بعزيز.١٢

وقد ذكر هذا مباشرةً عقب كلام أورده لرسول الله في أنه خاتم النبيين، وهو قوله: مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى حائطًا فأكمله إلا لبنة واحدة فكنت أنا تلك اللبنة، فلا رسول بعدي ولا نبي.

أما «الكعبة» التي رآها فيما يشبه الحلم فهي البناء الروحي للأمة المحمدية، وأما اللبنتان الناقصتان في البناء فتمثلان خاتم الأولياء الذي له ناحيتان: ناحية الظاهر وهي ناحية الشرع وهذه تمثلها اللبنية الفضية، وناحية الباطن وهي ناحية الولاية وهذه تمثلها اللبنة الذهبية، وخاتم الأولياء يجب أن تتحقق فيه الناحيتان جميعًا؛ أي يجب أن يكون وليًّا وتابعًا للشرع المحمدي في آن واحد.

١  مخطوط بالمكتبة التيمورية، رقم ١٥٥.
٢  الفتوحات ج٢، ٥٢–١٨٣.
٣  الفصوص، ٦٣-٦٤.
٤  ترجمة نيكولسون، ص٢١٠–٣٤١.
٥  راجع الفتوحات، ج٢، ص٦٤، س٥ من أسفل.
٦  انظر فصوص الحكم، ص٦٤، نشره المؤلف، سنة ١٩٤٦.
٧  انظر فصوص الحكم، ص٦٢.
٨  الفصوص، ص٦٤.
٩  الفتوحات، ج٢، ص٣١٩.
١٠  الفتوحات، ج٢، ص٦٤، س١٠ من أسفل.
١١  الفتوحات، ج٢، ص٦٥-٦٦.
١٢  الفتوحات، ج١، ص٤١٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١