الفصل التاسع

هل في نظرية المؤلف ابتكار؟

قال مؤلف «الشعر الجاهلي» عن بحثه «إنه نوع من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفه الناس عندنا من قبل»، وهو يريد بذلك أنَّ بحثه مبتكر طريف، وينسب لنفسه فخر الاختراع وشرف الابتداع، والحقيقة أنَّ القول بانتحال بعض الشعر الجاهلي قديم، قال به نفر من نقاد العرب والإفرنج، فقد جاء في صحيفة ١٧٢ من الجزء الخامس من كتاب الأغاني في ذكر أخبار حماد ما نصه:

سمعت المفضل الضبي يقول: قد سُلِّط على الشعر من حماد ما أفسده فلا يصلح أبدًا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان ذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتخلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟!

وفي الجزء نفسه من الأغاني إقرار حماد في حضرة الخليفة المهدي بما زاده من عنده في شعر زهير بن أبي سلمى، وأنَّ خلفًا الأحمر وغيره اخترعوا من الشعر ما لم يكن موجودًا في الجاهلية وكذبوا على الشعراء.

هذه الرواية في الجزء الخامس من الأغاني هي أصل نظرية انتحال بعض الشعر الجاهلي، وقد اتخذ هذه النظرية بعض مستشرقي الألمان لأسباب سيأتي الكلام عليها، ومنهم نولدكه في بعض كتبه وفي مقالته على المعلقات في موسوعات العلوم والآداب البريطانية، ثم توسع في هذا البحث الأستاذ رينيه بسيه عميد كلية الآداب بجامعة الجزائر في رسالة اسمها «الشعر العربي الجاهلي» طبع باريز سنة ١٨٨٠.

وذكر هذه النظرية بالتفصيل من المعاصرين الأستاذ الدكتور أحمد ضيف أستاذ آداب اللغة العربية بالجامعة المصرية في عهدها القديم في رسالته المسماة «مقدمة لدراسة بلاغة العرب»، طبع القاهرة سنة ١٩٢١ صحيفة (٥١–٦١). وذكر هذه النظرية الأستاذ نيكلسون في «تاريخ آداب اللغة العربية» في الصحف (١١٣ و١٢٨ و١٣١–١٣٥) مطبوعة ١٩١٤.

هذه هي أهم المصادر التي بحث أربابها في انتحال بعض الشعر الجاهلي، أو حمله على شعراء الجاهلية حملًا تبعًا لرواية حماد، وسنبحث مكانتها من الصدق والحقيقة، وإنما ذكرنا المصادر لندل قراء العربية على أنَّ هذا المبحث ليس حديثًا ولا مبتكرًا، إنما هو قديم يرجع إلى عهد صاحب الأغاني، ومن روى عنه صاحب الأغاني بسند صحيح، وأنَّ مؤلف الشعر الجاهلي على الرغم من تعظيمه قدر بحثه بوصفه بالحداثة والطرافة والابتداع، فإنه لم يبرز فكرة جديدة لامعة، بل لم يُعنَ بالبحث عناية الذين ألموا به من القدماء والمحدثين، بل أخذ بعض أفكارهم وابتكاراتهم، ولم يعرها رونقًا ولا جزالة، وجرَّد من نظريتهم رسالته.

ولا يمكن أن تخفى على القارئ مكانة هذا البحث من مجموع العلوم والآداب العربية، فإنَّ الشعر الجاهلي مهما خطر شأنه في نظر الأقدمين من الحُفَّاظ والرواة والمتأدبين الذين احتجوا به، أو نسجوا على منواله، أو اتخذوه دليلًا على صورة الحياة في عصره، لا يمكن أن يؤدي البحث فيه إلى أن يضع مؤلف الشعر الجاهلي علم المتقدمين كله موضع البحث، وإنما يريد أن يقول الشك — صحيفة ٢ — وإنني أعيذه وأعيذ أي عاقل من الوقوع في مثل هذا الغلط، فإن جميع علم المتقدمين شيء كثير، وهو مجموع جهود مكدسة لأجيال من العلماء الأعلام الشرفاء الخلص، أرباب العبقرية والنبوغ والمواهب والعقول الناضجة ومناهج البحث القويمة، فكيف يستسهل المؤلف إلقاء هذا القول بمجازفة المستخف؟ فإنه لما دنا أكابر المستشرقين من هذه المباحث قاربوها في حذر، وعالجوها في عناية وتقدير؛ لثقتهم بقيمة العلماء الذين خلفوا تلك الكنوز، ولم يجرؤ أحدهم أو جماعة منهم أن يضع جميع علومنا موضع الشك والاستهتار، وهؤلاء: سيدليو وكوسان دي برسيفال ورينان وجستاف ليبون ونيكلسون وويلهاوزن وجولد زيهر، ذكروا في كتبهم ما كان للعرب في جاهليتهم وبعدها من الفضل العلمي والأدبي على المدنية الأوروبية ذاتها، وهذه كتب هذا السلف المجيد مصففة بين أيدينا وأيديهم، لم تلحقها آية المحو شاهدة بصدق ما نقول، فإنه لم يشهد التاريخ دورًا من الأدوار خلص من علاقة الشرق بالغرب، واختلاط الغرب بالشرق، ونسخ كل فريق عن الآخر، واقتباس هذا من ذاك أخذًا وردًّا وجزرًا ومدًّا، حتى في أوغل الأطوار في الظلم وأعرق الأدوار في القدم، فأخذت أمم اليونان عن مصر، وأخذت بغداد عن اليونان، وأخذت أوروبا الحديثة عن الأندلس، ثم نحن نأخذ في عهدنا الحديث عن أوروبا، فكيف يجمل والحال هذه بمؤلف الشعر الجاهلي مذ خطر له أن يستثمر نظرية في أحد فروع الأدب العربي، أن يضع العلم الشرقي كله موضع الشك؟ فإنه لو كان الأمر هينًا بهذا المقدار، فلا يعود هذا العلم علمًا، وإذا كان هذا المؤلف نفسه يقول في صحيفة ٥ عن المجددين — حياهم الله وبيَّاهم — إنهم يمضون في أسئلة عن الشعر الجاهلي يحتاج حلها إلى روية وأناة، وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد «كذا»، فكيف يستدرجه الوهم إلى النطق بحكم جائر، بل كيف تأخذه العزة بالإغراق فيقول في صحيفة ٦ إنه قد ينتهي بهذا البحث إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ، وقد ينتهي إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها؟

ونحن لا نتعرض لتلك الأشياء التي يلمح المؤلف إليها، ونحمل قوله في الشك على فرط وجده وتلذذه بتلك الحالة النفسية القلقة المضطربة التي يولدها الشك في نفسه، وسبق لنا الكلام عليها. فإنَّ المؤلف يعتقد أنه لا يستطيع أن ينظر في الأشياء نظر الحكيم المطمئن إلا إذا نسي قوميته وكل مشخصاتها، ونسي أيضًا معتقده وكل ما يتصل به — صحيفة ١٢ — وهذا من أعجب الأمور؛ لأنه بعد هذا التجرد من الشخصية والقومية والعواطف الموروثة، فماذا يبقى من العقل؟ هل قال أحد من علماء النفس إنَّ العقل أداة ميكانيكية مستقلة عن النفس والقلب والشعور؟ وهل العقل إلا ثمرة الخلق والفطنة والإحساس؟ إذا صحت نظرية هذا المؤلف، فلا يوجد بعد اليوم قاضٍ عادل ولا عالم مستقل الرأي، وإذن لقد اندرأ القضاء دفعة واحدة على العدل والعلم والتاريخ، فأصابها في أعلى قننها مذ أصبح الفن متخبطًا وأصبح المؤلفون يعتمدون على الألفاظ ويظنون الهيجان نشاطًا! على أننا لا نود أن يظن أحد في رجال العلم والأدب منا أنهم أهل ادعاء ويرون في أنفسهم قوة مظلمة توقع الخلل في النظام، فالاعتدال والأناة خير من الغلو والعجلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠