الفصل السادس

عربية اليمن ولهجاتها

فلنبحث الآن لغات اليمن وهي محور هذا الفصل من الكتاب، ثبت أنَّ اليمن مَلَكَها المعينيون فالسبئيون فالحميريون، وأنَّ المعينيين الذين اقتبسوا مدنية العمالقة العراقيين انحدروا من الشمال إلى اليمن، وكانت لغتهم لهجة عامية من لهجات اللغات البابلية الفصحى، وقد تلوثت من آثار التحول والاختلاط والتجول والانتقال.

ويرجع إلى المعينيين الفضل في اقتباس الأبجدية من الفينيقيين الذين هم أيضًا أمة سامية عريقة (ص١٨٦ رينان اللغات السامية)، واستعمل المعينيون هذه الأبجدية الفينيقية في الكتابة على طرق مختلفة حتى تطورت وتنوعت، وانتهت في آخر الأمر إلى الخط المسند المشهور أو القلم الحميري، وكان عرب الشمال يطلقون لفظ المسند على كل خط مجهول لديهم (رينان) ولما بلغ المعينيون غاية البعد من اللغة البابلية بتقادم الزمن، لم يبق في لغتهم من الآثار اللفظية ما يدل على الأصل البابلي إلا السين، التي هي ضمير الغائب في ثلاث لغات سامية، وهي: البابلية والمعينية والحبشية، ثم نشأت الدولة السبئية وهم أوائل أبناء يعرب بن قحطان فاقتبسوا لغة أسلافهم في الزمان والمكان وهم المعينيون ما عدا ضمير الغائب، واستمرت اللغة الحميرية حينًا من الدهر ثم اندثرت، وعندئذٍ ظهرت لغة مضر أو اللغة العدنانية أو العربية المحضة في مظهرها الأكمل، فأتيح لها أن تكون لغة الشعر الجاهلي، ولغة الكتاب المنزل على أفصح العرب، وقد احتفظت تلك العربية المحضة ببعض خصائص عربية حمير، ولا ريب في أنَّ العربية المحضة قد بدأت قبيل عربية حمير أو معها في وقت واحد، ومن المجمع عليه لدى علماء أصول اللغات وعلماء المشرقيات أنَّ هذه العربية المحضة هي الغاية التي انتهت إليها تلك اللغات، وأنَّ تلك اللغات لم تكن إلا وسائل للوصول إليها، وأنها كانت جميعها روافد وسواعد تغذي نهرها العظيم، فالحبشية والسبئية والحميرية والعبرانية والنبطية وما تخلف عنها من لهجات متنوعة خدمت كلها تلك المضرية الفصحى الخالصة.

وبحث موسيو فريسنيل — قنصل فرنسا في جدة في أواسط القرن التاسع عشر — اصطلاح عربية الجنوب، فأثمر بحثه وأيدته استكشافات المخطوطات والحفريات الحميرية، وظهرت بعض مشابهات بين الحميرية والحبشية، ثم لم يتقدم البحث العلمي تقدمًا كافيًا يدعو العلماء أو يبيح لهم أن يضعوا لهجات اليمن موضعًا مستقلًا عن بقية اللهجات العربية. قال رينان في ص٣٠٨ من تاريخ اللغات السامية: ليس للَّهجة الحميرية واللسان الحبشي في عداد اللغات السامية مكان رئيسي، إنما هما بمثابة أداتين هيَّأتا مجال الظهور للعربية المحضة الحجازية، وهي الدائحة السامية التي قدر لها أن تمتص ماء الحياة من عربية حمير ولغة الأحباش والعبرية والسريانية والنبطية والسامرية، فأينعت وأزهرت وعقد لها إكليل الفوز على الألسن واللهجات السامية كافة فسادتها سيادة كاملة مطلقة، فأطلق العرب الفصحاء ذوو العربية المحضة لفظ طمطم على الكلام الذي لا يُفهَم، وأطلقوه بخاصة على بعض لهجات اليمن ولغة الأحباش، قال عنترة العبسي في معلقته:

تأوي له قلص النعام كما أوت
خزق يمانية لا عجم طمطم

واحتفظ المؤرخون بألفاظ من عربية حمير، فذكرها ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص١٠ وفي تاريخ بني زيان تأليف محمد بن عبد الله الطناسي، وتمكن موسيو فريسنيل المتقدم الذكر في الثلث الأول من القرن الماضي من الوقوف على اصطلاحات لغوية في حضرموت وعمان، أُطْلِقَ عليها مصطلح «أخكلي» وهو اسم الناطقين به، وكأن هذا المصطلح لهجة سامية تختلف عن العربية وتدنو من العبرية، وفي رأيه أنَّ هذا «الأخكلي» بقايا مشوشة مشوهة من بعض لهجات حمير القديمة؛ لأن بينه وبين الحبشية بعض المشاركة، على أنَّ دعوى موسيو فريسنيل العثور على آثار من عربية حمير لم تخلب ألباب العلماء الباحثين في أصول اللغات، ولم تَحُز ثقة واحد منهم، فانبرى له الأستاذ أوسياندر، وأثبت أنَّ عرب اليمن كانوا يتكلمون بلغات كثيرة، ولم تقتصر ألسنتهم على مصطلح أخكلي، ولعله من آثار بعضها. وأثبت رينان بعد أوسياندر أنَّ مصطلح أخكلي هو اللهجة المهرية، وأنَّ المهرية من اللهجات العامية المحكية مثل المالطية والسامرية، اللتين لم تهذبهما ثقافة النحاة واللغويين، بل التقفتها أفواه الدهماء، وتناولتها بالتبديل والتشويه على مر الأجيال، ولم تحيَ لأنها لم تُدوَّن، وفيما بقي منها آثار ضئيلة من نحو العربية المحضة وبعض مواد العبرية والفينيقية.

وظهر من جهود العلماء الذين تفرغوا لدرس الآثار الحميرية أنَّ بعض لهجات حمير تشبه الحبشية وتقرب في حالات معينة من العبرية، وأن ليس للأحباش فضل على اليمن في تعليم فن الكتابة، بل إنَّ الأبجدية الحبشية نفسها منسوجة على منوال الحميرية التي تكتب من اليمين إلى الشمال، ولا شك في أنَّ الأبجدية الحميرية هي التي أطلق عليها مؤرخو العرب لفظ المسند، ولعل الأبجدية السريانية التي أطلقوا عليها اسم «استرانغيلو»، والمسند كانا شائعين في وقت واحد بين نصارى اليمن، وأنَّ بين الحميرية والفينيقية ألفاظًا مشتركة مثل «بار» للولد «بعل» للسيد وصاحب وأبو وذو.

ولعل بعض اللهجات الحميرية والمهرية — وهي سامية الأصل — تأثرت بمؤثرات كوشية (من الحبشة)، ثم كان في نهضة عرب الحجاز الضربة القاضية على المدنية الحميرية بلهجاتها، فتغلبت لغة قريش على سائر اللغات واللهجات والألسن السامية، غير أنَّ قبائل شتى أعرضت عن النهضة الحجازية إما لقوة شكيمتها التي أعمت بصيرتها عن مشاهدة أنوار تلك الثورة المبارك فيها، وإما لخمول أفكارها وموات نفوسها فلم تشعر بالهزة العنيفة، التي ارتجت لها الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، فوقفت تلك القبائل المعرضة حيث كانت، ولم تستفد شيئًا في لغتها ومعقولها ومعتقدها، وفي الجزيرة العربية ليومنا هذا قبائل لا تفهم اللغة العربية المحضة، وروى السيوطي في ص٣٤٠ من المزهر أنَّ بعض لهجات عربية حمير كانت شائعة في اليمن للقرن الثامن الهجري، ولكن لا قيمة لتلك اللهجة من حيث علم أصول اللغات؛ لأن اللهجة أو اللغة التي لا تدون ولا تقيد بالكتابة لا نجاة لها من التبديل والتحوير في مدى قرن أو قرنين، فينتج مما تقدم أنَّ لغات الشعوب ولهجات القبائل العربية في اختلافها لم تكن غير درجات تاريخية في دَرَج التطور والارتقاء يقرأ فيها سير اللغة التاريخي من درجة إلى درجة ومن طبقة إلى طبقة؛ لأن تلك اللهجات واللغات سلكت من بداية عهدها سبيل الاندماج فيندمج النوع الأدنى منها في النوع الأعلى، واستمرت الحال على هذا المنوال بين قبائل العرب وشعوبهم، وكلما ظهرت لغة أو لهجة أو جملة لغات لقبيلة أو حي دون حي آخر انتحلها كلٌّ، وبذا صارت القبائل تدرج في طريق الوحدة اللسانية القومية، ثم لم يبق بين اللهجات واللغات كلها إلا مجرد فروق جنسية، تعد من الآثار التاريخية المثبتة لصحة هذه النظرية.

ذلك أنَّ لغة عرب الحجاز أو العدنانية لما اشتدت وقطعت مسافة بعيدة من الفرق بينها وبين أصلها الذي اشتُقَّت منه، ابتدأت تأخذ صورة متميزة من الاستقلال، وأعظم الأسباب في تكوين العربية إنما هو عدم كتابتها؛ لأن ما كتب لا يتغير، فلما تفرقت القبائل أخذت اللهجات تتنوع، ومن ثم نشأت اللغات الكثيرة التي تشير إلى تاريخ هذا التنوع، وكانت العرب يأخذ بعضها عن بعض بالمخالطة والمجاورة، ومن هذه الجهة نشأ بينهم التنافس في أحكام اللغة والمفاخرة بالبيان.

كانت اللغات كثيرة؛ لأن العرب — كما أسلفنا — شعوب وقبائل وتحت كل قبيلة بطون متعددة، ثم الأفخاذ ثم العشائر ثم الفصائل تجمعها الأحياء، وقد ظهر الاختلاف في الفروع واللهجات لا في أصل اللغة ذاتها. وهذا الاختلاف لم يمنع اللغة من لزومها طريقة واحدة وحدًّا معروفًا، ومن المؤكد أنَّ الرواة والعلماء لم يدونوا اللهجات على مناطق العرب قبل تهذيب قبيلة قريش للغة، ولكنهم تناقلوا من ذلك أشياء كانت لعهد الإسلام، وأشياء أصابوها في أشعار العرب؛ لأجل هذا لا يمكن الأخذ برواية أبي عمرو بن العلاء على تشويشها وتشويهها واقتطاعها، كأنها حلقة مفصومة من سلسلة الاستدلال، ونؤكد بطريق الاستقراء والبحث العلمي أنَّ أعظم علماء اللغة العربية لم يدونوا شيئًا من اللهجات بوصف كونها أصلًا من أصول الدلالة التاريخية في اللغة، ولم يذهب إلى هذا العمل ذهن أحدهم، ومما يثبت أنَّ اللهجات والفروع وإن اختلفت فإن الأصل ثابت لم يتحول. إنَّ لغات الجنوب والشمال قد تداخلت جمعها بعد الإسلام، وصارت لغة واحدة هي العربية القرشية ما عدا فروقًا قليلة بقيت في المنطق، كأنها أدلة أثرية، فلو أنَّ لغة حمير مخالفة مخالفةً تامة — كما يدعي المؤلف المستهتر — لما أمكن اندماجها في اللغات الأخرى.

وقد اتفق علماء اللغة العربية والباحثون في أصولها على أن معنى اختلاف اللغات يرجع في جميع مناحيه إلى ثلاث مسائل:
  • الأولى: تباين اللهجات وتنوع المنطق، وتشمل اختلاف بعضهم في صيغة اللفظ أو كيفية النطق به، كقولهم: ظحى بصبي؛ أي ضحى بظبي، ولغة بكسر اللام بدلًا من ضمها.
  • الثانية: اختلاف الدلالة للفظ الواحد باختلاف اللغات التي تنطق به، ومن هذا النوع المترادف والأضداد كاستعمال السكين للدلالة على المُدية.
  • الثالثة: ما يكون قد انفرد به عربي مع أطباق العرب على النطق بخلافه، ولهذا النوع شأن لجواز أن يكون ذلك وقع لهذا الأعرابي من لغة قديمة، طال عليها العهد وبادت آثارها.

والدليل على صحة تفسيرنا للنبذة المروية عن أبي عمرو بن العلاء ما رواه أبو بكر الزبيري الأندلسي في طبقات النحويين: قال ابن نوفل: سمعت أبي يقول لأبي عمرو بن العلاء: أخبرني عما وضعت مما سميت عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أحمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات. ومن هنا يُفهم معنى كلمة «لغة» التي استعملها مؤلف الشعر الجاهلي، فليس المقصود بها معناها الأصلي، إنما يقصد بها تباين اللهجات وتنوع المنطق، أو اختلاف الدلالة للفظ الواحد، أو انفراد شخص أو فصيلة بلفظ أو تركيب، والحق الذي لا ريب فيه هو أنَّ العلماء إنما يريدون بلغات العرب ما كان باقيًا لعهدهم على ألسنة من أخذوا عنهم من القبائل، وهم أقوام يمكن حصرهم والإحاطة بلهجاتهم.

وبقيت اللغات مسماة منسوبة إلى أصحابها من العرب عند الرواة والعلماء إلى آخر القرن الثالث؛ أي بعد وفاة أبي عمرو بن العلاء بقرن ونصف قرن؛ لأنه توفي في سنة ١٥٤ هجرية، وبعد الكسائي بمائة وعشرين عامًا الذي توفي في سنة ١٨٢، وبعد أبي عثمان المازني بخمسين عامًا؛ لأنه توفي في وسط القرن الثالث الهجري.

وكيف يمكن الأخذ بقول راوية أو نحوي في علم أصول اللغات؟ ونحن مع احترامنا العظيم لسيبويه، الذي كان يصف لغة بني تميم بأنها «اللغة العربية القديمة الجيدة» ولا يزيد، وتوقيرنا لابن جني وابن سلام والخليل بن أحمد والزبيري الأندلسي؛ نقول: لم يكن واحد منهم عالمًا بأصول اللغة (فيلولوجيا)، ولم يندب أحدهم نفسه لاستقصاء الاختلافات اللغوية من لهجات العرب، وتمييز أنواعها بحسب القبائل والمنازل، والرجوع مع تاريخها إلى أول عهدها، بل اكتفوا بالبحث السطحي المبني على التصديق بغير تمحيص، فوضعوا كتبًا ومصنفات في القبائل والمنازل والأنساب والأسماء والاشتقاق والأشعار والأيام، على أنَّ هذا النقص المعيب في ثروتنا العلمية لم يمنعنا من استنتاج ما أجمع عليه هؤلاء العلماء، وهو أنَّ اللغات في اصطلاحهم إنما هي الشواذ والنوادر، واختلاف المعاني للكلمة الواحدة باختلاف المتكلمين بها، وما يعتور بناء اللفظ من اختلاف الصرف والنحو. وهذا المعنى الاصطلاحي الذي يقضي على نظرية المؤلف، التي استنبطها من الرواية المنسوبة إلى أبي عمرو بن العلاء، واضح في العنوان الذي وسم به عمر بن شبة النحوي — من أعلام القرن الثالث — كتابه «الاستعانة بالشعر وما جاء من اللغات»، وما ذكره ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة أبي مالك الأعرابي الراوية المشهور من أنه كان «يحفظ لغات العرب»، ولا نجد أفصح من الدليل الذي جاء به المؤلف على نفسه في ص١٢٠ في الكلام عن حماد الراوية: «ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم»، فهذا الإجماع دليل على تعيين المعنى وتحديده، فهذه اللغات أو أنواع الاختلاف هي: الكشكشة، فيقولون في رأيتك رأيتكش.

والكسكسة: وهي أن يجعلوا بعد الكاف أو مكانها في خطاب المذكر سينًا، وقال بعضهم: زيادة سين بعد كاف الخطاب في المؤنث لا في المذكر.

والشنشنة والعنعنة والفحفحة والعجعجة والوتم والطمطمانية كقولهم: ليس من امبر امصيام في امسفر؛ أي ليس من البر الصيام في السفر.

وكانت بعض القبائل تقلب الياء جيمًا، أو الميم باءً والباء ميمًا، أو الحاء هاءً، وبعضهم يقول: عندي بكسر العين وفتحها وضمها، ومعاجم اللغة وكتب النحاة مملوءة ببيان هذه الاختلافات، فليراجعها من يشاء في أمالي القالي، والكامل للمبرد، والمخصص، وسر الصناعة لابن جني، والمعاجم، وفي البيان والتبيين للجاحظ بخاصة ما يُرْوى على أنه لغة في الكلام، أو لثغة من المتكلم. ومن تلك الاختلافات ما اختصت به بعض قبائل الجنوب مثل الشنشنة في لغة اليمن، فيقولون: لبيش اللهم لبيش؛ أي لبيك اللهم لبيك. والقطعة في لغة طيء فيقولون: «يا أبا الحكا» بدلًا عن يا أبا الحكم، واللخلخانية في لغة أعراب الشحر يقولون: «مشاء الله» في مكان ما شاء الله. ولم تكن تلك الاختلافات قاصرة على قبائل الجنوب، بل كانت في أفصح قبائل الشمال، فكانت الكسكسة المذكورة آنفًا في ربيعة ومضر والوكم في ربيعة، وقلب الألف ياءً في الوقف في لغة فزارة، وهذه قبائل من أفصح القبائل العدنانية أو الإسماعيلية التي منها قريش، وبلغتها جاء الكتاب المنزل على أفصح العرب.

فيظهر مما تقدم أنَّ العلماء اتفقوا على أنَّ اللغة العربية كانت لسان عاد وثمود وأميم وعبيل وطسم وجديس وعمليق وجرهم ودبار من أولاد إرم بن سام، وثبت أنَّ أول تنقيح دخلها كان بعمل يعرب من قحطان رأس العرب العاربة، وجرى أولاده على لغته في أنحاء اليمن كلها، ثم تفرق جماعة منهم في نجد والحجاز وتهامة والشام والحيرة، ولما أصهر إسماعيل بن إبراهيم إلى قبيلة جرهم أدخل تنقيحًا ثانيًا في اللغة، وجرت على أثره القبائل من أولاده كربيعة ومضر وكنانة ونزار وقيس. والتنقيح الثالث أدخلته قريش بالتدريج انتخابًا من لغات قبائل العرب التي كانت تفد عليهم في كل عام، وتمكث بين ظهرانيهم نحو خمسين يومًا منها ثلاثة أيام بسوق ذي المجاز، وسبعة بسوق مجنة، وثلاثون بسوق عكاظ، وعشرة في مناسك الحج.

والتنقيح الرابع هو اختيار علماء المصرين (البصرة والكوفة)، وهم نقلة اللغة في عصر الأمويين والعباسيين، فقد قصروا اختيارهم على ست قبائل من صميم العرب لم تختلط بغيرها، وهم: قيس عيلان، وأسد، وهذيل، وبعض تميم، وبعض كنانة، وبعض طيء، ولم يأخذوا عن لخم وجذام لمخالطتهم القبط أهل مصر، ولا عن قضاعة وغسان وإياد لمخالطتهم أهل الشام والروم وأكثرهم نصارى يقرءون العبرانية، ولا عن تغلب لأنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا عن بكر لمجاورتهم النبط والفرس، ولا عن أهل اليمن (حمير وهمدان وخولان والأزد) لمخالطتهم الحبشة والزنج والهنديين، ولا عن بني حنيفة وسكان اليمامة وثقيف والطائف لمخالطتهم تجار اليمن عندهم، ولا عن حاضرة الحجاز وقت نقل اللغة لفساد لغتها بالاختلاط، وأنهم عدوا لغة قريش أفصح اللغات العربية؛ لأنها خالية عن العيوب التي ذكرناها بالإيجاز، وهي عنعنة تميم، وهي إبدال الهمزة عينًا نحو عنت وعنك أي أنت وأنك، وعن تلتلة بهراء، وهي كسر أول المضارع نحو تلعب وتلهو، وعن كسكسة ربيعة ومضر، وهي إلحاق سين بعد كاف المخاطب نحو رأيتكس، وعن كشكشة هوازن، وهي إلحاق شين بعد كاف المخاطبة نحو رأيتكش، وعن فحفحة هذيل، وهي قلب الحاء عينًا نحو عتى أي حتى، وعن وكم ربيعة، وهي كسر كاف الخطاب بعد الياء الساكنة، أو الكسرة نحو عليكم وبكم، وعن وهم بني كلب، وهي كسر هاء الغيبة إذا لم يكن قبلها ياء ساكنة ولا كسرة نحو عنهم وبينهم، وعن جعجعة قضاعة، وهي قلب الياء الأخيرة جيمًا نحو الساعج يدعج؛ أي الساعي يدعي، وعن وتم أهل اليمن، وهو قلب السين المتطرفة تاء نحو النات؛ أي الناس، وعن الاستنطاء في لغة سعد والأزد وقيس، وهو قلب العين الساكنة نونًا قبل الطاء نحو أنطى؛ أي أعطى، وعن شنشنة اليمن، وهي قلب الكاف شينًا نحو لبيش اللهم لبيش، وعن لخلخانية الشحر وعمان، وهي حذف الألف في نحو مشاء الله؛ أي ما شاء، وعن طمطمانية (طنطنانية) حمير، وهي جعل «ال» «ام» نحو طاب امهواء؛ أي الهواء، وعن غمغمة قضاعة، وهي إخفاء الحروف عند الكلام فلا تكاد تظهر.

ولم ينظر نقلة اللغة إلى لغة كل قبيلة على حدتها، بل جمعوا الألفاظ التي يتكلم بها كل القبائل التي عولوا على الأخذ عنها، وجعلوها لغة واحدة مقابل اللغة الأعجمية، لا يخطئ المتكلم إلا إذا خرج عنها كلها، فلفظ المُدية لغة دوس — بطن من الأزد — ولفظ السكين لغة قريش، فنقل الأئمة اللفظين، وأباحوا لكل إنسان أن يتكلم بأيهما شاء، ولو لم يوجد في العرب من تكلم بهما معًا، ومن هنا جاء الترادف في اللغة والاشتراك اللفظي، ولو جمعوا لغة كل حي من العرب على حدتها فتكرر العمل وطال الزمن، ثم نظروا بعد ذلك إلى المفردات، فما كان منها كثير الدوران على ألسنة العرب عدوه فصيحًا، وما كان قليل الدوران على ألسنتهم عدوه غريبًا ووحشيًّا يعد استعماله مخلًّا بالفصاحة، ولو كان معروفًا عند المخاطبين.

ثم إنَّ علماء اللغة أجازوا استعمال الكلم في غير ما وضعت له متى وجدت مناسبة بين المعنى الأصلي والمعنى المراد، وقامت قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي، وحصروا تلك المناسبات بالاستقراء، وسموها علاقات، وهي: المشابهة، والسببية والمسببية، والكلية والجزئية، والحالية والمحلية، واللازمية والملزومية، والإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص، والبدلية والمبدلية، واعتبار ما كان، واعتبار ما يكون، والدالية والمدلولية، والمجاورة، والآلية، والتعلق، والشرطية، والمصدرية، والمظهرية، والتضاد.

ومتى اشتهر اللفظ في معناه المجازي صار حقيقة عرفية له حكم الحقيقة الوضعية.

وقد صارت اللغة بهذا التنقيح الأخير لغة العرب عامة لا لغة قبيلة بعينها، فلك أن تقول المدية كما تقول دوس، وأن تقول السكين كما تقول قريش، على هذا استقرت اللغة العربية، وتم إحكامها وحصرت مفرداتها الأصلية وقوانينها، وأبيح استعمال مفرداتها في غير ما وضعت له عند الاحتياج بشرط العلاقة والقرينة، وانتهت أدوار التنقيح فيها (راجع محاضرة المرحوم حفني ناصف ١٩٠٨).

فلا جرم بعد هذا أنَّ مؤلف الشعر الجاهلي قد خالف العلم والمنطق ومناهج البحث التاريخي واللغوي، وازدرى عقول الطلاب والقراء حين كتب في ص٢٩: «إنا لا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئًا كثيرًا من الشعر الجاهلي قومًا ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة، والتي أثبت البحث الحديث أنها لغة أخرى غير العربية» ا.ﻫ. كلامه.

وقد ثبت من بحثنا أنه لم تكن في الوجود لغة تعرف بالقحطانية العاربة أو اليمنية، وإنما وجدت عدة لغات نبتت ونمت في جملة أجيال، وكان لكل لغة قومها ومدنيتها، ولكل مدنية لغتها ولهجاتها، ولكل قوم لسانهم. فأية اللغات يقصد ذاك المؤلف؟ وهل يقصد اللغة المعينية أم السبئية أم الحميرية، أم يقصد روافدها وسواعدها وما تفرع عنها من اللهجات، أم يقصد التعمية بذكر القحطانية العاربة؟ وكنا نظنه يعلم أنه لا توجد في عرف علم أصول اللغات لغة اسمها القحطانية العاربة، فهل هي بعينها التي أثبت البحث الحديث الذي يذكره المؤلف جزافًا أنها لغة أخرى غير العربية؟ وهل يجهل عدد اللغات التي ظهرت واندثرت أثناء عشرين قرنًا في جنوب جزيرة العرب؟ ثم نسأله عن هؤلاء الشعراء الذين ينتسبون إلى القحطانية العاربة، ويضيفون إليهم كثيرًا من الشعر الجاهلي، فإنه لم يذكر اسم شاعر واحد يطبق هذا الوصف عليه، وليس هذا بالمستغرب، فإن بين أيدينا أسماء مائة وخمسين شاعرًا جاهليًّا، من بينهم ثلاثة شعراء ينتسبون إلى قبائل من جنوب العرب مثل المستوغر بن ربيعة، وسليك بن السلكة، والبراق بن روحان، وهم ينتمون بأسمائهم إلى قبائل قديمة من التي نزحت، أو قيل إنها نزحت من الجنوب إلى الشمال، على أنَّ هؤلاء الشعراء الثلاثة لم تكن تربطهم باليمن سوى رابطة النسب القديم، وكما اندمجت تلك القبائل الجنوبية النازحة في شعوب الشمال، كذلك اندمجت اللغات كلها في العربية المحضة، فاندثرت تلك اللغات، وبقيت العربية الفصحى، ونمت وأينعت مكانها كعبقري جبار استأثر بقوة الأسرة جميعها.

وإذا صح القول بأن اللغة العربية الفصحى بدأت في الوجود هي والحميرية في وقت واحد أو بعدها بقليل، فمن المستطاع رد تاريخ مولدها إلى ما قبل الميلاد المسيحي بقرن واحد؛ أي أنَّ العربية الفصحى ظهرت قبل ظهور الكتاب المنزل على أفصح العرب بسبعمائة عام، وقد ألمحنا إلى أنَّ ارتحال القبائل من الجنوب إلى الشمال لم يبدأ إلا بعد سيل العرم، الذي حدث في القرن الأول لسيدنا يسوع، فكأن اللغة العربية المحضة لدى نزوح القبائل اليمنية كانت في إبَّان نشأتها، ولم تكن بلغت أشدها، وبين هذه الفترة وبين فترة ظهور الشعر الجاهلي على الأقل أربعة قرون، وهي كافية لاندماج القبائل الجنوبية في قبائل الشمال. ومن الثابت أنَّ اللغة الحميرية الأصلية قد اندثرت قبل المبعث ما عدا ألفاظًا قليلة قيدها المؤرخون، وتخلفت عنها لهجات عديدة: كالمهرية والشحرية والحضرمية وغيرها، وأنَّ العربية المحضة — أي العدنانية — انفردت بالسيادة المطلقة في الجزيرة، فلم تكن للخطاب أو الكتاب لغة غيرها. ومن العجب العاجب بعد هذا البيان أن يقول إنسان مهما أوتي من العلم أو الجهل إنه كانت في الجزيرة لغة قحطانية عاربة، وما أشبه ذلك القول الخاطئ بقول إنسان: «لغة أوروبية» أو «لغة آسيوية» مع كثرة ما في أوروبا وآسيا من الأمم والشعوب ذوات اللغات والألسن واللهجات التي تكاد لكثرتها لا تحصى، اللهم إلا إذا أثبت لنا صاحب المنهج الكارتيزي أنَّ القحطانية العاربة التي ابتكرها نوع من «الاسبرانتو» العربي لقنه حمورابي للمعينيين، فلقنوه السبئيين فالحميريين، فنظموا به ما شاء خيال المؤلف ذي التربة الخصبة من القصائد «القحطانية العاربة» (!) ما نظموا.

يقول المؤلف في آخر صفحة ٢٩: «إننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئًا كثيرًا من الشعر الجاهلي قومًا ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة، التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن، ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية لا نجد فرقًا قليلًا ولا كثيرًا بينه وبين شعر العدنانية، فكيف يمكن فهم ذلك أو تأويله؟»

ظاهر من كلام المؤلف في جملة مواطن في هذا الباب أنه معتمد على الرواة، قال في ص٢٤: «أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه، فهو أنَّ العرب ينقسمون إلى قسمين.» وقال في ص٢٥: «وقد رُوِي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: ما لسان حمير بلساننا.» وقال في افتتاح ص٢٥ «وهم (الرواة) متفقون على أنَّ القحطانية عرب منذ خلقهم الله فُطروا على العربية فهم العاربة.»

فلا نحتج عليه لخروجه عن جادة المذهب الكارتيزي الذي اصطنعه لنفسه، ولا نخجله بمراجعة ما أملاه في ص١١ من «أنَّ القاعدة الأساسية لهذا المنهج الكارتيزي هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوًّا تامًّا»، ولا نسأله كيف عاد فأخذ بأقوال الرواة الذين شن عليهم الغارة في ص١١٨ وما بعدها فنسب إليهم «الإسراف على نفوسهم وأنَّ ليس لهم حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار، والإدمان على السكر والفسوق والاستهتار بالخمر والفسق والشك والدعابة والمجون» ص١١٩، فلعله ظن القارئ الذي صدق وعده عن مذهب ديكارت ما لبث أن نسيه إذ بلغ ص٢٥، فإذا استشهد بالرواة واحترم إجماعهم في مسألة انقلب في ص١١٨ فطعن الرواة بسنانه الجارحة ونال من أعراضهم ليبخسهم أشياءهم عند القارئ المستسلم، وهو مطمئن إلى قصر ذاكرة جمهور القراء، واثق بأنهم إذا بلغوا ص١١٩ وخاضوا عباب تلك الأوراق المنقوشة بألوان الكذب والباطل نسوا ما قرءوه في ص٢٥. فالله الله — أيها المؤلف — على وعدك المسجل في ص٧: «ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق»، فكذا الصراحة والأمانة والصدق وإلا فلا!

اعتمد المؤلف على أقوال الرواة، ثم يؤكد لنا أنَّ الرواة يضيفون شيئًا كثيرًا من الشعر الجاهلي إلى قوم ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة، التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن، ويؤيد مخالفة اللغة القحطانية للغة العرب برواية أحد الرواة وهو أبو عمرو بن العلاء، فكأن الرواة الذين كانوا يعلمون اختلاف اللغتين من أقدم الأزمنة رووا على الرغم من علمهم هذا شعرًا كثيرًا بالعربية العدنانية، وحملوه على شعراء اليمن المنتسبن «إلى القحطانية العاربة المخالفة للغة العرب، والتي أثبت البحث الحديث أنها لغة أخرى غير اللغة العربية».

وهذا الكلام ظاهر البطلان، والتلفيق فيه لا يحتاج إلى برهان؛ لأن الراوية الذي يعرف اختلاف الأمتين واختلاف اللغتين إذا أراد الوضع والاختلاق لا يقع في مثل هذا الخطأ المفضوح سيما وأنَّ المؤلف قال في ص١٢٠ عن حماد الراوية الذي روى الكثرة المطلقة مما وصل إلينا من الشعر الجاهلي: «فأما حماد فرجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟» فنسب إلى حماد الراوية أنه عالم بلغات العرب ومذاهب الشعراء ومعانيهم، وأنه إذا أراد اختلاق الشعر لينسبه إلى أحد الشعراء فهو يحاكيه في مذهبه، وقد بلغ من الحذق والإتقان أنَّ شعره المصطنع يختلط بالشعر القديم بحيث يعسر التمييز بينهما إلا عند عالم نادر الوجود معدوم النظير في زمن المفضل الضبي صاحب هذه الرواية.

أفيعقل أنَّ راوية كحماد العالم باللغات والمعاني والمذاهب يخطئ مثل هذا الخطأ فيروي لشعراء قحطان شعرًا بلغة عدنان؟ إنَّ نسبة بعض الشعراء إلى قبائل اليمن إنما هي نسبة اسمية، فهؤلاء الشعراء اليمنيون منتسبون اسميًّا إلى ثلاث قبائل كانت تنتمي إلى اليمن، ثم نزحت عنه واستقرت في بلاد غير اليمن، وتكلمت بلغة غير لغات اليمن التي أثبتنا تعددها، وهي بنو غسان وبنو لخم وكندة، وها نحن نجد أوس بن حجر التميمي المتوفى ٦١٠م منتسبًا إلى تميم، ثم إلى اليمن، كذلك البراق بن روحان التميمي اليمني المتوفى سنة ٥٢٥م، وسلامة بن جندل التميمي اليمني المتوفى سنة ٥٢٠م، ثم علقمة بن عبده التميمي النجدي ٥٦١م، وعمر بن الأهتم التميمي النجدي ٥٧ﻫ، وحاجز بن عوف الأزدي الحجازي ٥٩٠م، والشنفرى الأزدي اليمني.

فهذه النسبة إلى اليمن إنما نسبة قبيلة الشاعر من قديم الزمان قبل أن يولد هو وآباؤه، وهؤلاء الشعراء قالوا الشعر بالعربية العدنانية ولم ينطقوا بحرف واحد من لغة أخرى؛ لأنه لم تكن لهم ولا للشعر العربي لغة أخرى غير العدنانية، سيما وأنَّ قول المؤلف باللغة القحطانية خطأ علمي لغوي تاريخي لا يرد على لسانه إلا مقصودًا، فمهما خالفنا في الرأي فلا نظنه يتبذل كل التبذل ويسف كل الإسفاف، فإذا قيل متمم بن نويرة اليربوعي اليمني وربيعة بن مقروم الضبي النجدي، فإنما ذلك كمن يقول أبو الحسن علي بن العباس بن جريج، أو جورجيوس المعروف بابن الرومي، وأبو الحسن مهيار بن مرزويه الديلمي، وكلاهما شاعر عربي فصيح وله ديوان مطبوع، ولو كانت نظرية المؤلف صحيحة لوجب أن يطعن في نسبة شعر ابن الرومي إليه، وأنَّ ديوانه مختلق محمول عليه حملًا لغاية في نفس الراوية والناسخ والطابع والناشر؛ لأن أبا الحسن علي بن العباس ينتسب إلى الروم، فلا يمكن أن يقول شعرًا عربيًّا، كذلك أبو الحسن مهيار كان ديلميًّا فارسيًّا، فلا يمكن أن يقول شعرًا عربيًّا!

ذكرنا بالتفصيل شعوب اليمن وقبائل قحطان وأحياءها وبطونها وأفخاذها، فظهر لنا خطأ المؤلف في أمور منها أنَّ العرب المنتسبين إلى قحطان نزحوا عن اليمن، وأقاموا في مساكن غير مساكنهم الأولى، إما بالحسنى ومراعاة حقوق الجوار، وإما بالحرب والغزو كما فعلت طيء، فلما خرجوا من اليمن على أثر خروج الأزد عند تفرقهم بسيل العرم، فنزلوا بنجد والحجاز على القرب من بني أسد، ثم غلبوا بني أسد على جبلي أجا وسلمى من بلاد نجد فنزلوهما فعُرفا بجبل طيء إلى الآن.

وإنَّ من هؤلاء العرب الذين ينتسبون إلى قبائل وبطون وأفخاذ وأحياء قحطانية شعراء وعلماء وخطباء وكُتَّابًا كانت لغتهم العربية المحضة الفصحى العدنانية مثل القضاعي صاحب كتاب الشهاب وأبو تمام والبحتري والأشعث وجرير البجلي والنخعي وغيرهم عشرات، بل مئات في الجاهلية والإسلام، وكانوا ينطقون بالعربية الفصحى العدنانية، وينتسبون إلى قبائل قحطانية دون أن تربطهم بقحطان سوى رابطة النسب القديم، وقد شرحنا قواعد النسب بإيجاز، وكيف كان للرجل أن ينتسب إلى قبيلته الأولى وإلى الثانية وإليهما جميعًا، فإذا كان مؤلف الشعر الجاهلي سمع شعرًا عربيًّا باللغة العدنانية ملحقًا بشاعر يحمل اسم قبيلة يمنية، فبادر بلا درس ولا تمحيص إلى ظن عثوره ببرهان قاطع، فقال هذا شاعر قحطاني وهذه لغة عدنانية! ولو بحث في أصل الشاعر وتاريخ القبيلة التي إليها ينتسب، وأين كانت مساكنها، وكيف كان تنقلها وتفرقها وحروبها وغزوها، واللغة التي كانت بها تتكلم؛ لكان فرحه بالعثور على الحق والعدول عن الباطل أعظم.

اعتمد مؤلف الشعر الجاهلي في هذا الباب على نبذتين: الأولى رواية أبي عمرو بن العلاء وهي: «ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا»، والعبارة الثانية قوله: «إنَّ البحث الحديث أثبت أنَّ القحطانية العاربة كانت لها لغة أخرى غير اللغة العربية.»

أما عن رواية أبي عمرو بن العلاء فهي عن لسان حمير ولغتهم، وحمير أحد شعوب يعرب (صبح الأعشى ص٣١٥ ج١)، وقد اشتهر منها سبعة أحياء، والشعب الثاني من بني يعرب هو بنو كهلان والمشهور منه أحد عشر حيًّا، وقد انطوى كل حي من هذه الأحياء الثمانية عشر على بطون كثيرة، فكيف يطبق المؤلف قول أبي عمرو بن العلاء على جميع عرب قحطان وهو لم يذكر إلا شعبًا واحدًا منها؟ وكيف يثبت لنا المؤلف أنَّ أبا عمرو بن العلاء أراد اختلاف اللغتين في زمن الجاهلية وقد عجز المؤلف عن تحديد زمن هذا الاختلاف لعلمه بجواز تطبيق هذا القول على زمن الراوية أبي عمرو نفسه؟ فقد قصد بذلك أنَّ اللهجة العربية الحميرية التي كانت شائعة في زمنه في بقايا حمير في بلاد اليمن تخالف اللهجة العربية الفصحى؛ أي لهجة الكتاب المنزل على أفصح العرب، وحينئذ يفلت هذا الدليل من يد مؤلف الشعر الجاهلي، ومن أين جاء المؤلف أنَّ أبا عمرو يقصد اللغة بأوسع معانيها، ولا يقصد باللغة تباين اللهجات وتنوع المنطق واختلاف الدلالة للفظ الواحد باختلاف اللغات التي تنطق به، ومن هذا النوع المترادف والأضداد وما يكون قد انفرد به عربي واحد مع أطباق العرب على النطق بخلافه كما أثبتنا فيما تقدم في الفصل السابق؟ ثم يقول في ص٢٥ من كتابه: «إنَّ العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابًا، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى (العبرانية أو الكلدانية) من صدورهم، وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة (لغة العرب العاربة)، وإنَّ هذه اللغة العدنانية المستعربة يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم، وهو أول من تكلم بالعربية ونسي لغة أبيه.» وقال في ص٢٩ إنَّ «إسماعيل تعلم العربية من جُرهم» يقصد بذلك جُرهم الثانية، ولا يخفى أنَّ جرهم التي علمت إسماعيل اللغة العربية هي الشعب الأول من بني قحطان، وهم بنو جرهم بن قحطان، كانت منازلهم أولًا اليمن، ثم انتقلوا إلى الحجاز، فنزلوه، فأقاموا به حتى كان من نزول إسماعيل مع أبيه مكة ما كان، فنزلوا عليه بمكة واستوطنوها وصاهروه وعلموه لغتهم التي هي لغة بني قحطان؛ أي إنها اللغة القحطانية العاربة. فإذا كان العدنانيون أو الإسماعيليون تعلموا لغتهم من جرهم وهي اللغة القحطانية، فكيف تختلف لغة القومين بعد ذلك؟!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠