الفصل الثامن

قريش كالمجمع اللغوي

نقول إنَّ اللغة العربية تعرضت للطوارئ التي تطرأ على اللغات الحية، فتقلبت على أحوال شتى، وتنوعت ألفاظها بالنحت والإبدال والقلب، ودخلها كثير من الألفاظ الأعجمية في أعصر مختلفة قبل أن تُدوَّن وتُضبَط في أزمنة لم يدركها التاريخ.

ولا جرم أنه لما تفرقت القبائل أخذت اللهجات تتنوع، وطرق الوضع في اللغة تتعدد، ومن ثم نشأت اللغات الكثيرة التي دلت العلماء بأصول اللغات إلى تاريخ هذا التنوع، فثبت لهؤلاء العلماء اللغويين أنَّ العرب كانوا يأخذون بعضهم عن بعض بالاختلاط والجوار، ثم نشأ بينهم التنافس في إتقان اللغة والتفاخر بالبيان، وعدلت ألسنتهم عن الشذوذ، وكان الفصل في ذلك لأسواقهم القومية التي كانوا يقصدونها، وكانت بعض القبائل متباينة اللهجات، فكانت قريش يسمعون لغاتهم، وينتقون ما يفضلون فيحركون به ألسنتهم، وقد ساعدتهم الحضارة في جوار الكعبة، وهي بيت حج الأعراب قاطبة في الجاهلية، فلطفت من طباعهم فرقَّ حسهم ودق ذوقهم، فارتفعت لغتهم على سائر اللغات (اللهجات)؛ لأنهم صاروا أقدر العرب على انتقاء أفصح الألفاظ وألينها وأظهرها، ولما كانت تجارة قريش تقتضي تجشم الأسفار، فقد شدوا رحالهم إلى اليمن فالعراق فحوران فالحبشة فبلاد الفرس والهند، وقد تذوقوا أنواع العذوبة في أبلغ الألفاظ، وأفضل اللهجات، وأدق الأساليب والتراكيب والاصطلاحات من ألسنة تلك الأمم، وزاد ذلك الاقتباس بالنهضة التي حدثت في القرنين السابقين للإسلام، وقد استعاروا من لغة الفرس أكثر مما اقتبسوا من سواها. ذكر صاحب المزهر من الألفاظ الفارسية: الكوز والجرة والإبريق والقصعة والسندس والياقوت والكعك والعنبر، ومما نقلوه عن اليونانية واللاتينية: الفردوس والقسطاس والترياق، ومن الحبشية: المشكاة والهرج والمنبر والنفاق والبرهان، ومن العبرانية: الحج والكاهن، والكلمات المتقاربة في العبرانية والعربية كثيرة جدًّا. وقد ألَّف الأستاذ مراد فرج المحامي المصري موطنًا والإسرائيلي مذهبًا معجمًا في الألفاظ المشتركة بين اللغتين، وفي الشعر العربي دليل على أخذ العربية من العبرية، فإن أداة الاستفهام عندهم الهاء المفتوحة، قال أحد الشعراء في ديوان الحماسة:

بني هيضم هوجدتماني
بطيئًا بالمخاتلة احتيالي

بمعنى أوجدتماني، واستشهد شارح الحماسة بقول الشاعر:

وأتى صواحبها فقلن هذا الذي
منح المودة غيرنا وجفانا

وإنَّ الهاء في هذا للاستفهام يقصد منها «هل» ذا الذي. غير أنَّ قريشًا كانت بمركزها الجغرافي وحضارتها وفصاحتها الفطرية أكاديمية اللغة العربية، تسهر عليها وتنقيها وتنظمها، كما يفعل المجمع اللغوي الباريسي بالنسبة للغة الفرنسية، وكان للأسواق القومية أعظم الفضل في ذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠