الفصل التاسع

تهذيب اللغة في الأسواق الأدبية

وهذه الأسواق كانت للعرب، يقيمونها في شهور السنة، وينتقلون من بعضها إلى بعض، ويحضرها سائر العرب بما عندهم من المآثر والمفاخر، منها دومة الجندل، وكان أكيدر صاحب دومة الجندل، وربما غلب على السوق بنو كلب، ومنها سوق هجر بأرض البحرين، وسوق عمان، وسوق المشقر، وسوق صحار، وسوق الشحر، وسوق عدن أبين، وسوق ذي المجاز، وسوق مجنة قرب مكة، قال بلال:

وهل أردن يومًا مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل

وسوق عكاظ، وكانت من أعظم مواسمهم وأسواقهم وأشهرها، وهي مكان بين الطائف ونخلة، صحراء مستوية لا عَلَم فيها ولا جبل إلا ما كان من الأنصاب التي كانت لأهل الجاهلية، وبها من دماء البدن كالأرحاء العظام (معجم البكري ص٦٦٠)، ومن أراد أن يعمل عملًا تعرفه العرب أو يستشهدها فيه عمله في عكاظ (الأغاني ج٢ ص١٣). وفي هذا المجمع العام كان قريش يسمعون لغات القبائل (لهجاتها)، فما استحسنوه من تلك اللهجات تكلموا به، وما لم يستحسنوه هجروه وأسقطوه، فصارت لهجتهم أفصح اللهجات، وخلت لهجتهم (لغتهم) من مستبشع اللهجات ومستقبح الألفاظ والعيوب التي ذكرناها آنفًا (المزهر ص١٠٩ ج١). وأخبار أسواق العرب وأماكنها مفصلة في الأجزاء: الأول والثاني والرابع والسادس والتاسع والعاشر من الأغاني، ومعجم البلدان لياقوت وغيرها.

أما عكاظ فقد بدأت في أواسط القرن السادس للمسيح (٥٤٠م)، وانتهت في منتصف القرن الثامن للمسيح (٧٤٠)؛ أي إنها بقيت قرنين إلى أن نهبها الخوارج (١٢٩ﻫ)، وكانت تعقد في ذي القعدة في وادٍ ذي نخيل بين الطائف ونخلة وتحضرها قبائل العرب كافة، وهي أشبه بالمعارض التي يقيمها الألمان في مدنهم الكبرى، وفيها ألقى عمرو بن كلثوم معلقته، وخطب قس بن ساعدة الإيادي، وفيها ضُرِبت للنابغة الذبياني قبة ليحتكم لديه الشعراء فأنشده الأعشى وحسان والخنساء، قال حسان:

سأنشر إن حييت لهم كلامًا
ينشر في المجامع من عكاظ

وكان تأتي هذه السوق قبائل قريش وهوازن وسليم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف من العرب، قال طريف بن تميم العنبري:

أوكلما وردت عكاظ قبيلة
بعثوا إلى عريفهم يتوسم
حولي أسيد والهجيم ومازن
وإذا حللت فحول بيتي خضم
ولكل بكري لدي عداوة
وأبو ربيعة شانئ ومحلم

وقال دريد بن الصمة:

تغيبت عن يومي عكاظ كليهما
وإن يك يوم ثالث أتغيب

ولم تزل عكاظ وغيرها من الأسواق قائمة في الإسلام، إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في أوائل القرن الثاني للهجرة، وآخر ما ترك من الأسواق سوق حباشة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في آخر القرن الثاني للهجرة.

ولما كان شهود هذه الأسواق مظهرًا من مظاهر الحضارة ووسيلة من وسائل التمدين الأدبي، فاقتضى إتقان صنعة الكلام، واضطر فحول الشعراء والخطباء والمتكلمين إلى الرجوع إلى منطق قريش ولغتهم ولهجتهم، وألزمت قريش المبالغة في انتقاد اللهجات وتمحيص اللغات وانتقاء أفصحها وأظهرها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠