الفصل السادس

السموأل وامرؤ القيس

نقول: وكان المؤلف أنكر على اليهود والنصارى شعرهم، وادعى انتحال المتداول المعروف منه، ولم يذكر لذلك سببًا، وهو يعلم أنهم عرب وعاشوا في الجزيرة عيشة إخوانهم وجيرانهم ممن اعتنقوا عقيدة محمد، ولا يمكن في حكم عالم أو أديب أنَّ أمة أو طائفة من الناس تخلو من الشعر بخاصة في بلاد العرب، والمؤلف يحس أنه إذا أقر بشعر اليهود والنصارى يؤخذ التمييز حجة عليه، فلم يجد أمامه إلا الإنكار المطلق، وبعض المتهمين يفعلون ذلك إذا تكاثرت عليهم الأدلة، فيسوء دفاعهم عن أنفسهم ويؤخذ الإنكار قرينة ضدهم، فتمطى المؤلف وخبط خبط عشواء، وقال في ص٨٨: «فالأمر كذلك في اليهود والنصارى: تعصبوا لأسلافهم الجاهليين وأبوا إلا أن يكون لهم مجد وسؤدد كما كان لغيرهم مجد وسؤدد أيضًا، فانتحلوا كما انتحل غيرهم، ونظموا شعرًا أضافوه إلى السموأل بن عادياء، وإلى عدي بن زيد وغيرهما من شعراء اليهود والنصارى.»

هذا قول متكلف وغير معقول، ولكنه يرمي به إلى الظهور بمظهر عدم التعصب ضد العرب والإسلام وحدهم، فقاله في فتور وتردد؛ لأنه ليس بينه وبين الملل الأخرى عداوة قوية كالتي بينه وبين العرب يستمد منها حرارة الإقناع.

ثم هو يمهد في ص٨٩ إلى إنكار تاريخ امرئ القيس، ومنه حديثه حين أودع سلاحه السموأل أحد أعيان يهود المدينة وشعرائها في طريقه إلى قسطنطينية، وعاد فعلًا إلى هذا الحديث في ص١٣٩ عند الكلام على حياة امرئ القيس.

أما أنَّ السموأل بن غريض بن عادياء كان شاعرًا فأمر لا شك فيه، فإنَّ له ديوانًا طبع في بيروت سنة ١٩٠٩، وأخباره في الأغاني ص٩٨ ج١٩، و١٢ ج٣، و٨٧ ج٦، و٣٧ ج٩، والمستطرف ١٦٢ ج١، والشعر والشعراء ٤٥، ومجلة المشرق ج٩ و١٠ و١٢، وابن سلام ١٠٩. ولم يكن السموأل وحده شاعرًا في اليهود، فمنهم شريح بن عمران، وشعبة بن غريض، وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الذيال، ودرهم بن زيد، والربيع بن الحقيق من زعماء قبيلة قريظة من النضير، وللأخير مناقضات، وأخبارهم في الأغاني وابن سلام، فلا توجد إذن استحالة جنسية أو قومية تمنع فطرة السموأل عن قول الشعر، ولم نجد في كتاب الشيخ طه دليلًا تاريخيًّا أو فنيًّا مقنعًا بأن السموأل لم يكن شاعرًا، أو بأن حديث إيداع السلاح لم يقع سوى قوله في ص٨٨: «ونحن نجد مثل هذه السهولة (سهولة شعر عدي بن زيد) في شعر اليهود، في شعر السموأل بنوع خاص … فقد كان السموأل — إن صحت الأخبار — يعيش عيشة خشنة أقرب إلى حياة السادة البادية منها إلى حياة أصحاب الحضر.» فأمل المؤلف معلق بخيط ضعيف، وهو قوله إنَّ السموأل كان يعيش عيشة خشنة، ومن يعش عيشة خشنة لا ينظم شعرًا سهلًا، ولكن هذه الخشونة لا تستفاد من كتب التاريخ والأدب، فإن السموأل كان يعيش في الأبلق، وهو قصر محصن مما يطلق عليه الفرنسيون اسم Chateau fort بناه جده عادياء، وكان سيدًا غنيًّا متحضرًا؛ لأن قصره كان بجوار المدينة، وكانت فيه بئر روية عذبة والعرب تنزل به فيضيفها، وتمتار من حصنه وتقيم هناك سوقًا، فكان هذا القصر وتلك السوق ملتقى القوافل، وقد اشتهر اليهود في سائر عصور التاريخ بالنعومة في الحياة، فلا يعقل أن يعيش السموأل عيشة الخشونة وهو في قصر محصن محاط بأسرته وقومه وخدمه ممتع بالمال، قال صاحب الأغاني: «وهو في حصن حصين ومال كثير»، وقد عده ابن سلام من شعراء المدينة، وذكر دي سلان Slane في حياة امرئ القيس ص٢٤–٢٦ أنَّ السموأل ضرب على هند بنت امرئ القيس قبة من أدم، وأيده برسيفال في ج٢ ص٣٢٠، وقد ذكر ابن سلام شعر السموأل، واستشهد به في ص١٠٩ وما بعدها.

ونحن لا نعجب لوفاء السموأل لامرئ القيس ذلك الوفاء الذي سار مثلًا، فقيل: «أوفى من السموأل» و«وفاء كوفاء السموأل»، ولكننا نعجب للمؤلف كيف ينكر ظهور الناس بالفضائل، ولو كنت مجردًا من الفضائل، فلا أستبيح لنفسي أن أجرِّد الخلق منها ليشاركوني في ضدها، على أنَّ بيت السموأل اشتهر في التاريخ بالنجدة، فاستجار الأعشى بشريح بن السموأل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه، ثم ظفر به فأسره وهو لا يعرفه، فنزل بشريح بن السموأل، وأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى بمقطوعة منها:

شريح لا تسلمنِّي بعدما علقت
حبالك اليوم بعد القيد أظفاري

فجاء شريح إلى الكلبي فقال: «هذا الأسير المنصور» فقال: هو لك فأطلقه (ص١٩ أغاني ج٢، بيروت)، ويقصد بالأسير المنصور المرجو إطلاقه.

وقارئ هذه المقطوعة لا يشك في نسبتها للأعشى لكونها من نفسه وأسلوبه، وقد أقرها المستشرق الألماني جاير Geyer الذي نقل بعض قصائده المطولة إلى الألمانية وهو من المعجبين به، ولكن المؤلف يقول إنَّ هذا الشعر منتحل وقصة أسر الأعشى منتحلة لتأييد قصة وفاء السموأل لامرئ القيس، فالتاريخ القديم والحديث والشعر الجاهلي والإسلامي كلها في نظر مؤلف «الشعر الجاهلي» منتحلة محمولة ليؤيد بعضها بعضًا، فهي سلسلة أكاذيب لا يعرف أولها من آخرها، ولم يقم على ذلك دليل أو برهان إلا في ذهن الشيخ طه، فقدم هذا الكتاب وأخَّر الدليل لوقت آخر … فانتظروه!
أما عن رحلة امرئ القيس إلى قسطنطينية، فلا نرى فيها غريبًا، فقد لجأ امرؤ القيس — وهو أمير عربي — إلى قيصر الروم فأكرم وفادته، وما فتئ ملوك أوروبا قديمًا وحديثًا يكرمون وفادة أمراء العرب، ويبذلون لهم المعونة، والأمثلة أمامنا حاضرة، فأمراء الحجاز ونجد والعراق يزورون ملوك أوروبا ورؤساءها، ولا نجد في ذلك غرابة، وإن كان المؤلف لا يصدق مؤرخي العرب، فنحن ننقل له نصًّا قديمًا عن المؤرخ الشاعر اليوناني نونوس Nonnose قال في ص٦ من كتابه: «قبل أن يترك امرؤ القيس الأمير الشاعر الكندي جزيرة العرب في طريقه إلى قسطنطينية، تخلى عن ولايته الشرعية على بنته هند، وعن إدارة مالها لابن عمه يزيد بن حارث، ولما بلغ امرؤ القيس بلاط الإمبراطور جوستنيان أحسن الإمبراطور لقاءه، وأكرم وفادته، وقلده حكومة فلسطين.» ا.ﻫ. كلام نونوس.

وجاء في الجزء الأول من كتاب شعراء النصرانية ما نصه: «وذُكر في كتاب قديم مخطوط أنَّ ملك قسطنطينية لما بلغته وفاة امرئ القيس أمر بأن يُنحت له تمثال ويُنصب على ضريحه ففعلوا، وكان تمثال امرئ القيس هناك إلى أيام المأمون، وقد شاهده هذا الخليفة عند مروره هناك لما دخل بلاد الروم ليغزو الصائفة.»

أما ما ادعاه المؤلف من أنَّ امرأ القيس لم ينظم شعرًا في رحلته إلى قسطنطينية فباطل، فقد قال يذكر ابنته هندًا لما كان في قسطنطينية:

تذكرت هندًا وأترابها
فأصبحت أزمعتُ منها صدودا
ونادمت قيصر في مُلكه
فأوجهني وركبت البريدا

وقال يصف توجهه إلى قيصر من قصيدة:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبكِ عينك إنما
نحاول ملكًا أو نموت فنُعذرا
وإني زعيم إن رجعت مملكًا
بسير ترى منه الغرانق أزورا
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها
ولابن جريح في قرى حمص أنكرا

وقال في حياة السرور في قسطنطينية:

وإن أُمسِ مكروبًا فيا رب قينةٍ
منعمةٍ أعملتها بكران
لها مِزْهَرٌ يعلو الخميس بصوته
أجشٌّ إذا ما حركته اليدان

وهذه حجة المؤلف في أنَّ امرأ القيس لم يذكر قسطنطينية في شعره قد سقطت، وعذره أنه لم يعرض شعر الشعراء، ولم يستقصه قبل إقدامه على التأليف، وهذه مجازفة لا يستطيعها إلا من كان مثله جريئًا على العلم والحق، ولو أنَّ هذا المؤلف قرأ الشعر الجاهلي بإمعان لوجد لكل شاعر من شعراء الجاهلية شخصية ظاهرة في شعره لا تمكن استبانتها إلا بالنظر في شعره ودرسه، ومقابلته بأشعار معاصريه والوقوف على أخباره من قوله، على طريقة هيبوليت تين الفيلسوف الفرنسي، فقد كان الشعراء أفضل أهل زمانهم وسادة أقوامهم، وكان منهم من يتأله في جاهليته؛ أي يهجر الوثنية، ويتدين بدين مُنزَّل أو معقول، ومنهم من يتعفف في شعره، ولا يستهتر بالفواحش، ولا يتهكم في الهجاء، ومنهم من كان يبغي على نفسه مثل امرئ القيس والأعشى، وإنَّ مكانتهما العليا من الفصاحة والابتكار لا تمنعنا من ذكر بعض المعايب من حيث الآداب العامة، كما أعجب مؤلف الشعر الجاهلي بإباحة طرفة وميله إلى الشهوات، وهذه خلال لم تُنقص من قدر طرفة في نظر الناقد إذا راعى شبابه واندفاعه وراء هواه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠