تقديم

رأيت طه حسين لأول مرة في صيف ١٩٣٤، ورأيته لآخر مرة في خريف ١٩٧٣، وبين هاتين المرتين تسعة وثلاثون عامًا، راقبت فيها كفاحه الطويل الذي حاولت أن أسجل صورًا منه في هذه الفصول.

لجأت إليه في عام ١٩٣٤ وأنا على عتبة الحياة الجامعية، أعاني ما يعانيه الشباب في تلك السن من حيرة وقلق.

ورأيته آخر مرة في خريف ١٩٧٣ وأنا وزير لخارجية مصر، أعاني ما كانت شعوب العرب تعانيه من الأسى والضيق والغضب الشديد.

في المرة الأولى تركت طه حسين وقد ألقى في نفسي السكينة، وملأ قلبي بالأمل والطموح، وأنار لي طريق المستقبل بحديثه عما يجدر بالشباب أن يتطلع إليه من غايات تتجاوز مطامع الناس عادة في اتساع الرزق وارتفاع الجاه.

وشهدته في المرة الأخيرة راسخ العقيدة في أن النصر مكتوب لمن آمن بحقه وبنفسه وجاهد جهاد الصادقين المخلصين ليخلص أمته مما أُخضعت له من القيود، وليستخلص لها حقها من غاصبيه.

تركته في مقابلتي الأولى له خلف مكتبة في «جريدة الوادي» يجلس مهيبًا مرتفع الرأس، لضحكته العريضة في الغرفة رنين وصدى، وإني لأعلم الآن أن الذي ألقى في نفسي السكينة وملأ قلبي بالأمل وأنار لي طريق المستقبل، كان في ذلك الوقت نفسه «يستقبل الحزن مع ضوء الشمس ويعاشره طوال النهار، ثم يستقبل الهم مع ظلمة الليل ويقضي معه ساعة الأحلام، يضطرب بين بيت حزين وبين دار للعمل — هي دار جريدة الوادي — يريد اليأس أن يتخذها مسكنًا ومستقرًا، لا يعرف كيف المخرج ويكاد يستسلم لكيد الكائدين ومكر الماكرين.»١

وعندما تركته آخر مرة في غرفة نومه في خريف سنة ١٩٧٣ كان المرض قد ألحَّ على جسمه فأضعفه وأضناه، ولكنه كان مشغول الضمير بأزمة بلاده، مهمومًا بهموم شعبه، قوي الثقة والإيمان بأن العدوان لا بد مهزوم.

تسعة وثلاثون عامًا عرفت فيها طه حسين، رأيته يناضل طوالها لغايتين، لا يرضى حتى يصل إليهما ويصل إليهما معه كل الناس؛ الغاية الأولى هي الحرية، وهي عنده أساس الكرامة والمسئولية للأمة والفرد، والغاية الثانية هي العلم، وهو عنده أساس النهضة في ميدان الثقافة وميدان السياسة وميدان الاجتماع وميدان الاقتصاد.

في غرفة نومه، في صيف ٧٣، كان يسألني عن عدد متخرجي الجامعات الذين انضموا إلى زملائهم المجندين في جيش مصر، لأنه — فيما يظهر — كان يرى أن العلم هو أساس النهضة العسكرية أيضًا.

ولم تفارق جسده الروح، كما قال توفيق الحكيم، حتى فارق اليأس روح مصر، حتى اقتحم شبابنا ما أقيم في وجه بلادهم من عقبات.

اختار الله طه حسين إلى جواره في الثامن والعشرين من أكتوبر ١٩٧٣ ولنا في ذلك الوقت شباب محارب في الصحراء، سمعوا نعيه وهم لا يزالون يرابطون في خنادق سيناء، فكتب واحد منهم وهو المقاتل «عبد الصبور منير» أبياتًا «إلى طه حسين من سيناء»، يقول فيها:

بين يدي والصدر
تقول قطعة السلاح
إن الذي علمها الكفاح
يُستشهد اليوم هناك

وهكذا يرى المقاتل عبد الصبور منير أن العالِم الضرير الذي كان قد لزم بيته قبل حرب أكتوبر بسنوات، هو الذي علَّم الكفاح لقطعة السلاح، كما يرى أنه هو الذي كان جديرًا أن يبارك ما قامت به أيدي المحاربين من حمل للسلاح، وما كانت تضمره قلوبهم من العمل بعد النصر لإعادة بناء البلاد.

يقول عبد الصبور منير: «إن كل شيء في سماء الوطن الجميل، محمل بما منح طه حسين الجيل، من الأصالة والعزة والفكر.» وإذا كان طه حسين قد أعطى لبلده هذا العطاء، فإن قصة حياته نفسها كانت أيضًا من أجمل ما خلَّف لهذا الجيل من أجيال العرب ولمن يليه من الأجيال، لما فيها من مُثُل عليا تُحتذى في تحدي أصعب العقبات وتحقيق أبعد الأهداف.

وقد عرض التليفزيون المصري جانبًا من قصة حياة طه حسين كما رواها هو في كتاب «الأيام»، لم يكد عرضها ينتهي حتى انهالت الرسائل من أرجاء الوطن العربي تطلب أن يعرض التليفزيون بقية قصة حياة طه حسين، فطلب التليفزيون مني أن أعد فصولًا يمكن له على أساسها إخراج السلسلة الجديدة المطلوبة، فكتبت هذه الصفحات التي قرأها الأستاذ رئيس مجلس إدارة دار الهلال فأراد أن ينشرها كما هي في مجلة «المصوَّر»، وهو يعيد نشرها الآن في هذا الكتاب دون إعادة صياغتها، وهي محتاجة إلى إعادة الصياغة في بعض المواضع، ودون الإضافة إليها، وهي محتاجة إلى هذه الإضافة في كثير من الأحيان.

وأنا أرجو أن تكون المواقف التي تخيلتها والأحاديث التي أدرتها بين العميد وبين أفراد أسرته، وبينه وبين زملائه ومعاصريه، قد حققت — إلى جانب ما نقلته مما كتب العميد إلى أصدقائه من الرسائل، وما رفعه إلى المسئولين من المذكرات — بعض ما يستهدفه هذا الكتاب من تصور لحياة العميد وحياة مصر الثقافية في الخمسين عامًا التالية للسنوات التي سجل أحداثها العميد الفقيد في الأجزاء الثلاثة من كتاب «الأيام».

وقد اطلع على هذه الفصول أساتذة أصدقاء نظروا فيها وأبدوْا عليها من الملاحظات ما انتفعت به، فأنا أهديهم هنا أحسن الشكر وأصدقه دون أن يحملهم ذلك شيئًا من التبعة عما في هذه الصفحات من تقصير وقصور … أذكر منهم السادة الوزير أحمد نجيب هاشم والأستاذة الدكتورة سهير القلماوي والأستاذ مصطفى أمين والأستاذ محمد فتحي والأستاذ يحيي العلمي، وأخيرًا وليس آخرًا كما يقال الأستاذ مكرم محمد أحمد الذي أخصه بالشكر لأنه — وقد رأى التعجيل بنشر هذه الفصول كما هي — قد دفعني إلى العمل لإعداد دراسة شاملة لحياة طه حسين وعمله، أرجو أن يتفضل بالمساعدة على إعدادها كل أصدقاء طه حسين من زملاء وتلاميذ وقراء.

ويهمني أخيرًا أن أذكر أن أسرة العميد قد اطلعت على هذه الصفحات وهي تأمل — وأنا أشاركها هذا الأمل — أن تجلو هذه الصفحات للمشاهدين وللقراء صورة أمينة للرجل الذي لم يزل يتعرض حتى اليوم للإساءة الظالمة والذي تُكنُّ له الملايين من قومه العرب، في نفس الوقت، أصدق مشاعر الحب والإجلال والعرفان بالجميل.

م. ح. ز
١  «من رسالة خاصة كتبها إلى صديق عزيز عليه.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠