ختام

في فجر اليوم الثامن والعشرين من شهر أكتوبر عام ١٩٧٣ بتوقيت مدينة نيويورك، طلبني مدير مكتبي في وزارة الخارجية بالقاهرة السفير محمد شكري لينعي إليَّ طه حسين.

كنا في اليوم الثاني والعشرين من أيام الصراع العسكري والسياسي الذي بدأ في السادس من أكتوبر، في العاشر من رمضان، وكان مطار القاهرة مغلقًا أمام طيارات المدنيين، ولكن القاهرة أبلغتني أن طائرة عسكرية مصرية ستنتظرني في مطار روما، فركبناها ولم يكن فيها من الركاب سواي أنا وزوجتي وابنتي «منى».

وتحركت الطائرة، ثم حلقت، وأرسلت البصر من نافذتها إلى حقول إيطاليا جرداء بعد موسم الحصاد، وإلى جبالها وقد ابيضَّت قممها بعد ابتداء موسم الثلوج، ثم لم أعد أرى وقد أصبحنا في سماء البحر الأبيض المتوسط سوى الماء والسحاب، فأغلقت عيني أدعو إليهما النوم دون أن يستجيب، وتزاحمت على جفنيَّ المغلقين خواطر الحرب والسلام.

جعلت أتذكر الرحلة التي بدأتها في أول الصيف بالقاهرة وانتهت إلى بكين، وزرت فيها موسكو، وبلجراد، ولندن، وفيينا، وباريس، ثم نيويورك، في جهاد للوصول إلى العدل أساسًا للسلام الكامل الذي لن يدوم السلام على أساس سواه، وأرى هذه الرحلة بما صاحبها من صراع تقارب الآن نهايتها، وأتساءل: كيف يكون الختام؟

وتتزاحم على جفنيَّ المغلقين في نفس الوقت صورة من حياة الرجل الذي ينتظر جثمانه في أحد مستشفيات القاهرة وصولنا لنشيِّعه إلى مقره الأخير، والذي حرمتني هذه الرحلة من أن أراه قبل الرحيل.

لقد ذهبت أودعه في غرفة نومه قبل سفره إلى إيطاليا في أول الصيف وأعتذر عن مصاحبته لوداعه بالإسكندرية كعادة كل عام لانشغالي، قال لي: ماذا يشغلك؟ وماذا يفعل وزير الخارجية في القاهرة؟ ماذا يفعل كل المسئولين في القاهرة وفي العالم العربي وقد مضى على احتلال أراضينا سبعة أعوام؟

قلت: إن القاهرة تردد بيت الشعر الذي تعلمته أنا منك وهو: «ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه يهدم» … فسكت لحظة، وارتفعت هامته، وسأل في جد شديد: وإذن لا نسافر هذا الصيف؟ قلت: بل تسافر في حفظ الله، وتعود مستريح الجسم مطمئن النفس والضمير.

وساد صمت قطعه بالسؤال عن عدد الجامعيين الذين تم تجنيدهم في القوات المصرية المسلحة.

•••

وفي الثالث من أكتوبر عام ١٩٧٣ وصلت الباخرة إسبريا إلى الإسكندرية تحمل طه حسين وزوجته عائدين من رحلة الصيف.

وفي السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ عرف طه حسين أن جيش مصر قد تحدى ما جمع العدو له من قوة لترهبه وتقهره وتضطره إلى ذل الاستسلام، وأن جيش سوريا يقوم بنفس التحدي.

ولست أشك في أن طه حسين قد تخيل الجيش المناضل وهو يضم الشباب المتعلم الذي سبق أن سأل عن عدده، تخيله يحارب وهو يدرك لماذا يحارب، وبماذا يحارب، ولمن يحارب.

لست أشك في أنه تخيل من بينهم شباب جامعته الأولى جامعة الأزهر، وشباب جامعته الثانية جامعة القاهرة، ثم شباب الجامعات التي أنشأها هو جامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس وجامعة أسيوط؛ تخيل شباب هذه الجامعات يحاربون إلى جانب إخوانهم الذين لم يحصلوا على ما حصلوا عليه هم من التعليم، ولكنهم يساوونهم في الإخلاص والعزيمة والتصميم.

فمنذ سمع طه حسين بشاعة مصرع زميله أحمد ضيف في الحرب العالمية الأولى، التي لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل، ومنذ قتل ابن أخته في الحرب العالمية الثانية ولم تكن مصر عند ذاك طرفًا فيها؛ وطه حسين يسأل نفسه: «ألن تحارب مصر دفاعًا عن نفسها هي، ولخلاصها هي؟»

ولقد كان يدرك مع ذلك أن للحرب ضحايا من البشر، ويعرف آلام الأمهات الثكالى وجزع الآباء واليتامى، وهو لا شك قد تساءل: «هل يستطيع الإنسان يومًا أن يتغلب على نفسه فيردها عن العنف، ويروضها على الإيمان بالقانون، ويعلمها أن تحترم ما تلوكه ألسنتها من عبارات ميثاق الأمم المتحدة؟»

لقد آمن هو بهذا الميثاق، وقبل أن تُحرر وتُعلن نصوصه كان قد كتب نصوصًا مشابهة في خطاب الكُتاب المصريين إلى نادي القلم الدولي إعلانًا لموقفهم أثناء الحرب العالمية الثانية، ولرؤيتهم لعالم ما بعد تلك الحرب.

ولكنه قد شك دائمًا في قدرة الدول على أن تعيش بهذا الميثاق وطبقًا لأحكامه، وأدرك دائمًا أن القوة تغري بالعدوان فلا يلد العنف إلا العنف، ولا بد أن تمضي سنوات وسنوات، وأن تقع الكوارث بعد الكوارث حتى تبلغ الإنسانية مرحلة الرشاد.

•••

كنت أجلس في مقعدي بالجمعية العامة للأمم المتحدة عندما أقبل الأستاذ عمرو موسى «السفير الآن» ليخبرني أن الأمم المتحدة قد اختارت طه حسين بين العشرة الذين ستمنحهم المنظمة الدولية جائزة حقوق الإنسان ذلك العام، وأن رئيس الجمعية العامة سيبرق إليه يهنئه بالجائزة ويرجوه الحضور إلى نيويورك في شهر ديسمبر (١٧٩٣) ليتسلمها بنفسه.

وقد وصلت البرقية، فقرأتها السيدة سوزان عليه وهو على وشك الرحيل، وكانت ابتسامته الخفيفة هي آخر حركة له قبل أن يلبي نداء مولاه.

•••

وفي رامتان، في الدار التي خلت من صاحبها، استقبلت الأستاذ «يوسف السباعي» وزير الثقافة و«الدكتور صوفي أبو طالب» وكيل جامعة القاهرة. منذ ذاك كان «يوسف السباعي» يرى أن يبدأ تشييع جنازة طه حسين من جامع عمر مكرم؛ حيث توجد الجماهير التي يمكن أن تشارك في تشييع الجنازة، ولكني كنت أفضل أن يبدأ تشييع جنازة طه حسين من بيته الذي أحبه، من جامعة القاهرة.

•••

ويتجمع المشيِّعون في قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، فتمتلئ بجموعهم فليس فيها — كما يقال — موضع لقدم، ويتحرك موكب الجنازة يتقدمه نائبا رئيس الجمهورية السيد حسين الشافعي والدكتور محمود فوزي، ومؤنس طه حسين الذي عاد من باريس رغم صعوبة المواصلات، وإلى جانبهم ومن خلفهم رجال الدولة وممثلو الدول الأجنبية وأساتذة الجامعات المصريون وغيرهم، ورجال القلم والإعلام، والطلاب من تلاميذه ومريديه.

ولا يكاد الموكب يخرج من حرم الجامعة حتى تنضم إليه جماهير الشعب، يعبرون معه النيل من الغرب إلى الشرق، ويتوقفون ألوفًا أمام مسجد صلاح الدين ريثما نصلي على الجثمان، وفي عيونهم وعيوننا دموع لا يخجل منها الرجال.

ويقول رجل من جمهور الواقفين لابنه الشاب، وكلاهما يبكيان: «أنت يا بني تبكي طه حسين لأنك تعلمت منه وقرأت له وسمعت أحاديثه في الإذاعة.

أنا يا بني لم أتعلم من طه حسين، ولم أقرأ كتبه، ولم أسمعه يتحدث في الإذاعة إلا نادرًا ومصادفة.

ولكني أبكيه يا بني لأنه هو الذي مكنني — منذ ثلاثة وعشرين عامًا — من تعليمك، وهذا أنت قد حققت لنفسك ولأسرتك من الثقافة والكرامة والخير ما حققت.

أبكيه يا بني لأن الله تعالى أكرمه بالعلم فلم ينسَ الجاهلين، وأغناه فلم ينسَ المُعْوزين، وأسعده فلم ينسَ من في الأرض من المعذبين.»

محمد حسن الزيات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠