العميد

يعتمد مراد سيد أحمد باشا وزير المعارف تعيين طه حسين أول عميد مصري لكلية الآداب، ويبلغ هذا الخبر لمدير الجامعة أثناء اجتماع لمجلس الجامعة كان طه حسين يحضره ممثلًا لكليته، فيقدم المدير تهنئته للعميد الجديد، ويقترح عليه أن يقابل الوزير في صباح اليوم التالي للشكر.

ويعرف مدير الجامعة أثناء الجلسة أن رسولًا أرسله وزير المواصلات توفيق دوس باشا يريد مقابلة الدكتور طه حسين مقابلة عاجلة، فيأذن للعميد الجديد في مغادرة المجلس لمقابلة رسول الوزير، ويعود طه حسين بعد مدة قصيرة إلى قاعة الاجتماع صامتًا، ثم ينصرف عند انتهاء الاجتماع دون أن يتحدث إلى الرئيس أو إلى الأعضاء في أمر الرسالة التي حملها إليه رسول وزير المواصلات.

وفي صباح اليوم التالي يستقبل وزير المعارف عميد كلية الآداب الجديد وقد جاء للشكر على التعيين، ولكن الوزير الذي يكرر تهانيه ينتقل إلى موضوع كلفه رئيس الوزراء بالحديث فيه.

إن جريدة جديدة باسم جريدة الشعب ستصدر قريبًا بإمكانات غير محدودة لتكون لسان حال الحزب الذي أسسه صدقي باشا وهو حزب الشعب، ودولة الرئيس يعرض على طه حسين رياسة تحرير هذه الجريدة.

وطه حسين يجيب بأن دولة الرئيس كان في اليوم السابق قد كلف شخصين آخرين بأن يتحدثا معه في هذا الموضوع، وهما وزير المواصلات توفيق دوس باشا وعبد الحميد بدوي باشا، وأن جوابه في الحالين كان هو الرفض بغير تردد، إنه لم يمضِ على انتخابه عميدًا لكلية الآداب غير يوم واحد، وهو أول عميد مصري للكلية، وهو لا يريد أن يترك دراساته ولا زملاءه الذين انتخبوه ولا تلاميذه ولا كليته.

ويقول مراد سيد أحمد إن إسماعيل صدقي لا يريده أن يترك دراساته، بل يريده أن يتابع في صحيفة الشعب نشر مقالاته الأدبية وبحوثه إلى جانب المقالات السياسية، وإنه سيكون حرًّا في التحرير حرية كاملة، ورئيس الوزراء يؤكد أيضًا أن مطالب طه حسين كلها، مادية وغير مادية، مجابة مقدمًا.

ويكرر طه حسين الرفض.

يقول الوزير: «يظهر أن دولة الرئيس يعرفك جيدًا، فقد كلفني أن أعرض عليك إذا لم ترغب في التفرغ لرياسة التحرير أن تبقى عميدًا لكلية الآداب على أن تكتب المقال الافتتاحي للجريدة فقط.»

ويرد طه حسين: «ليس إلى هذا سبيل.»

فيقول الوزير وهو يرجع إلى ورقة أمامه: «إن صدقي باشا يقترح عليك موضوع المقال الافتتاحي في العدد الأول للجريدة، وهو أن وجود حزب الشعب ضروري لتحقيق المصالح المصرية الصحيحة.»

ويرد طه حسين، وهو يبتسم ابتسامة فيها شيء من الأسى: «دولة الرئيس يحسن اختيار العناوين!»

ويقول الوزير: «وهو أخيرًا يرضى بأن تكتب المقال على أن يُنشر بغير إمضاء.»

فيقول طه حسين: «ليست المسألة يا معالي الوزير أن أكتب مقالًا يُملى عليَّ موضوعه أو لا يُملى، وأن أُمضيه أو لا أُمضيه، وأن أتحكم في مقابله المادي أو لا أتحكم، إنني لا أستخفي إذا أردت أن أقوم بعمل من الأعمال. المسألة يا باشا أنني لا أعرف إن كان وجود حزب الشعب ضروريًّا لتحقيق المصالح المصرية الصحيحة أم لا، ولكني أعرف أن المصالح الصحيحة هي في انصرافي إلى عملي في كلية الآداب، الذي لم يمضِ على تعييني عميدًا لها غير يوم واحد. إن كتابتي في جريدة الشعب تضرنا جميعًا ولا تنفع أحدًا، وليس من مصلحة الحكومة أن يعرف الناس أن الموظفين يكتبون في صحيفتها، ولا ينبغي لعميد كلية الآداب أن يسخِّر نفسه للكتابة في صحف الحكومة فيتعرض بذلك لازدراء الزملاء والطلاب جميعًا.»

ويقول الوزير: «لا داعي لأن أخبرك طبعًا أنك لو قبلت فإنك ستكون محل التقدير والامتنان من أعلى مقامات البلد. على أني قد أبلغتك رسالة دولة الرئيس، وسمعت كلامك وفهمت عذرك، وسأنقل ذلك كله للرئيس، فلا داعي إذن للاستمرار في هذا الحديث.»

ويعود الوزير فيهنئ طه حسين بالعمادة ويرجو له التوفيق قبل انصرافه.

وفي مساء اليوم نفسه يزور طه حسين لطفي السيد ويقص عليه كل ما حدث، ولطفي السيد يبادر فيكلم الأستاذ عبد الحميد بدوي بالتليفون ويقول له: «الموضوع الذي تحدثت فيه مع الدكتور طه بالأمس ليس هذا وقت العتاب، ولكنني أرجو أن تعمل كل ما تستطيع لتصرف عنا وعن الجامعة هذه الكارثة.»

•••

ويعود طه حسين لدروسه في كلية الآداب، ولكنه يعلم ذات يوم أن صدقي باشا قد عدَّل وزارته وأسقط منها مراد سيد أحمد باشا الذي عُيِّن وزيرًا مفوضًا لمصر في بلجيكا، وعَيَّن مكانه حلمي عيسى باشا وزيرًا للمعارف.

ويقبل لطفي السيد بك لزيارة طه حسين في منزله ذات مساء فيذكر أثناء الحديث أن طلب الجامعة الخاص بترقية عميد كلية العلوم مستر بنجهام وعميد كلية الآداب طه حسين قد رُفض، ولكن الوزارة قررت زيادة راتب مستر بنجهام لتعويضه عن عدم الترقية. ويسمع طه حسين الخبر فلا يعلق، فقد كان يعلم أن رفضه إطاعة أوامر رئيس الحكومة لن يمر بغير عقاب، ولكن المدير يضيف — في أسف — أن اقتراح كلية الآداب إنشاء قسم للآثار بها قد رُفض أيضًا.

•••

وزارة صدقي مطمئنة إلى أنها قد زيفت على العالم مظاهر الحكم الدستوري في مصر، فللبلاد دستور وبرلمان، وفي البرلمان أغلبية ساحقة لحزب الشعب الحاكم، ولهذا الحزب صحيفة تنطق باسم «الشعب» … ولكن صدقي باشا والسراي والإنجليز يريدون أيضًا استخدام الجامعة المصرية ليُظهروا للعالم أن الحكم في مصر مستقر وأن البلد هادئ مطمئن.

يتصل وزير المعارف الجديد محمد حلمي عيسى باشا بمدير الجامعة لتنظيم احتفال كبير يشرفه جلالة الملك، وتمنح الجامعة أثناءه عددًا من درجات الدكتوراه الفخرية لعدد من الأجانب، منهم إنجليزي وفرنسي وإيطالي وألماني وبلجيكي، ولعدد من المصريين، يريد الوزير أن تُمنح الدرجة الفخرية له هو شخصيًّا أولًا ثم لمدير الجامعة لطفي السيد ثانيًا، ثم لرئيس مجلس الشيوخ يحيي إبراهيم باشا، ولرئيس مجلس النواب توفيق رفعت باشا، وأخيرًا لأحد الوزراء الحاليين وهو علي ماهر باشا.

ويرد مدير الجامعة إنه من غير المعقول أن يطلب درجة دكتوراه لنفسه، ويفطن الوزير إلى أنه من غير المعقول كذلك أن يُمنح هو هذه الدرجة وهو رئيس الجامعة الأعلى، فيسحب الاسمين اسم لطفي السيد واسمه هو.

ويقول المدير أيضًا إن قانون الجامعة يقضي بعرض هذا الموضوع على مجالس الكليات، وسوف يفعل ذلك، ولكنه يلاحظ أن الأسماء المذكورة في القائمة كلها هي أسماء لرجال من أنصار الوزارة، لا تشمل واحدًا من المعارضين، والاقتراح بهذا الشكل يبدو اقتراحًا لصالح الحزب الحاكم، فيرد الوزير بأنه لا يقبل أن ينال هذا التكريم في عهده أي معارض، ولكن لا بأس من إعطاء درجة أيضًا لكل من عبد الحميد بدوي باشا وعبد العزيز فهمي باشا — وهما من أصدقاء طه حسين — أما الأجانب فليس لدى الوزير أسماء، المهم هو الجنسيات، والمهم هو العجلة في إتمام الإجراءات؛ لأن المطلوب هو أن يزور الملك الجامعة، وأن تُمنح هذه الدرجات أثناء الزيارة الملكية في آخر فبراير.

يكرر المدير أنه طبقًا للمرسوم الصادر بإنشاء الجامعة فإن مجالس الكليات هي المختصة بالنظر في إعطاء الدرجات الفخرية، وأنه لذلك سينقل اقتراح معالي الوزير إلى عمداء الكليات.

يعترض عميد كلية الآداب طه حسين بأن مرسوم إنشاء الجامعة ينص على أن مجلس الجامعة، بناء على قرار من مجلس الكلية، هو الذي يختص بمنح درجات الشرف المطلوبة، وليس للوزير أن يقرر شيئًا في هذا الصدد أو أن يقترح شيئًا. إنه يخشى أن يكون المطلوب هو استعمال الجامعة في إقامة مهرجان سياسي كبير للحكومة.

ويقول طه حسين: «إن الحكومة تريد أن تمنح درجات دكتوراه فخرية لبعض أنصارها، وكذلك لأشخاص من الأجانب لا تعرف حتى أسماءهم، وتريد أن تمنح الدرجات لهؤلاء الأجانب دون أن يحضروا بأنفسهم لتسلم درجاتهم، فإن الملك سيزور الجامعة ويشهد منح درجات الدكتوراه الفخرية المطلوبة بعد أيام قليلة، يوم سبعة وعشرين من فبراير.»

ويقول طه حسين إنه «عندما قررت جامعة باريس منح درجة الدكتوراه الفخرية للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، وهو رئيس لأكبر دولة منتصرة في الحرب العالمية، أصرت جامعة باريس على أن يحضر ويلسون بنفسه ليتسلم الدرجة الفخرية، وحضر رئيس الولايات المتحدة فعلًا من بلاده، وكان سعيدًا بحضوره، لماذا نقلل نحن من أمر جامعتنا وأمر بلادنا؟ وكيف نوزع شهادات الدكتوراه حسب الجنسيات؟!» إنه متأكد من أن مجلس كلية الآداب سوف يرفض طلب الوزير، ولا يعرف ماذا سوف يكون موقف بقية الكليات، العلوم والحقوق والطب.١

ويطلب المدير إلى العمداء مقابلة الوزير للتحدث في هذا الموضوع، ويذهب طه حسين ومعه الدكتور عبد الوهاب عزام بالنيابة عن كلية الآداب ويحاولان إقناع الوزير بالعدول عن طلباته، ولكنه يظل مصرًّا على رأيه، بل يتحدث بلهجة الأمر فيرد طه حسين على الوزير قائلًا: «إن عميد كلية الآداب ليس عمدة يا معالي الوزير!»

ويُعرض الموضوع على مجالس الكليات الأربع، فيرفض مجلس كلية العلوم برياسة المستر بنجهام (البريطاني)، ويطلب مجلس كلية الآداب برياسة طه حسين إحالة الموضوع إلى لجنة تنسيق بين الكليات الأربع للنظر فيه، أما مجلسا كليتي الطب والحقوق فإنهما يقبلان.

وبعد ذلك بأيام يعلم عميد كلية الآداب أن الوزير لم يصدق على اللائحة الجديدة للجامعة، التي كان قد اشترك في إعدادها، وهي لائحة تنص على ضمانات للأساتذة شبيهة بضمانات القضاء!

ويُقام الاحتفال في موعده، وكان المختصون قد اهتدوا بسرعة إلى أسماء العلماء من البلاد الأجنبية المعنية إلا العالم البلجيكي الذي كان مقررًا أن ينال جائزة الأدب؛ لأن كلية الآداب لم تقترح أي اسم، فيقول وزير المعارف في خطابه أمام الملك إن عدم منح الدرجة للأستاذ البلجيكي نشأ عن أعطال في أعمال البريد.٢

وعند انتهاء الاحتفال يلاحظ الملك أن الهتاف لجلالته لم يكن من الحماس بالشكل الذي يرضيه، وأثناء الزيارة الملكية للجامعة يسير الملك محاطًا برجال الحكومة والجامعة، وهو يحيي الطلاب المجتمعين في الأماكن التي حددها لهم رجال الأمن، وكان المنتظر أن يعلو هتاف الطلاب للملك، ولكنهم جعلوا يهتفون للجامعة وأساتذتها.

وبعد أربعة أيام من إقامة هذا الاحتفال يقرأ قراء جريدة المقطم خبرًا صغيرًا نصه:

إن حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية قد قرر نقل الأستاذ الدكتور طه حسين من كلية الآداب إلى وزارة المعارف العمومية في وظيفة مساعد لمراقبة التعليم الأولي.

•••

وقد أحدث نقل طه حسين من الجامعة إلى التعليم الأولي سخطًا شديدًا في الجامعة بين الأساتذة والطلبة ظل يتصل ويتصاعد كل يوم، تُضرب كلية الآداب ثم تتبعها بقية الكليات، وتُضطرُّ الحكومة إلى إغلاق الجامعة، ويعم السخط كل الأوساط المتصلة بالجامعة والعلم والمتصلة بالثقافة بشكل عام.

ويحاول الوزير حلمي باشا عيسى أولًا التهوين من الأمر كله،٣ ولكن السخط يشتد ويتزايد، والوزير يحاول أن يبرر موقفه وأن يدافع عن نفسه، ثم يلجأ للبرلمان فيوعز إلى أحد النواب أن يقدم له استجوابًا بشأن تساهله مع طه حسين، وتتحدد جلسة ٧ مارس سنة ١٩٣٢ لنظر هذا الاستجواب.

قبل نظر الاستجواب يرسل الوزير إلى طه حسين رسولًا يعرض عليه أن يعلن أنه قد قبل نقله إلى وزارة المعارف وألا يستمر في إنكاره لشرعية الأمر بهذا النقل، وذلك مقابل أن يختار أي وظيفة خالية بوزارة المعارف غير وظيفة التعليم الأولي فيعينه الوزير فيها فورًا، وأن يلتزم الوزير بألا تُملأ وظيفة عميد كلية الآداب في ذلك الوقت ليُعاد تعيين طه حسين عميدًا للكلية بعد مرور مدة من الزمان، وأن يُعوض أثناء وجوده في وزارة المعارف عن بدل العمادة، وأن تطبع وزارة المعارف له ما يشاء من الكتب، وأن يمضي الوزير لائحة الجامعات وفيها ضمانات الأساتذة، وألا تُمس كلية الآداب، لا أساتذتها ولا طلبتها، وأخيرًا أن يقف الوزير فيرد على الاستجواب مدافعًا عن طه حسين، مبينًا فضله ومزاياه، مدافعًا عن كرامته العلمية والدينية.

ويرفض طه حسين أن يعترف بحق الوزير في نقل أساتذة الجامعة كما يشاء، وفي عقابهم إن عصوْا أوامره أو أغضبوه دون موجب للعقاب.

ويُنظر الاستجواب في السابع من مارس فيثير صاحب الاستجواب ثلاث نقط:
  • الأولى: أن جريدة الأهرام قد نشرت بالعدد ١٦٩٥٩ صورة تمثل طلبة كلية الآداب حول عميدهم الدكتور طه حسين وقد جلست كل شابة إلى جانب شاب، كيف وقع هذا؟
  • الثانية: أن بعض أساتذة الجامعة المصرية امتنعوا عن التدريس في كليات الأزهر الشريف، كيف قُبل هذا منهم؟
  • الثالثة: أن طه حسين هو المسئول عن ذلك، وهو رجل موصوف بتأليف كتب مثل كتاب «في الشعر الجاهلي» وكتاب «حديث الأربعاء»، فكيف يسكت وزير المعارف عن ذلك ويسمح بأن يبقى طه حسين عميدًا لكلية الآداب؟

ويهاجم الوزير عددًا من مفكري مصر والعالم العربي، منهم الأستاذ محمد توفيق دياب صاحب جريدة الجهاد، ويكتب الأستاذ عباس محمود العقاد مقالًا يوم ١١ مارس عنوانه «مشكلة الجامعة خير حل لها أن يستقيل وزير المعارف».

ويقف الوزير في جلسة ١٩٣٢/٣/١٦ في مجلس النواب يقول إنه لم يسكت ولم يسمح ببقاء طه حسين عميدًا، بل نقله من الجامعة إلى الوزارة، وهذا حق للوزير قد مارسه من قبله وزراء آخرون.

ويجلس الوزير ويترك النواب يتبارون في الطعن على طه حسين في عمله وفي وطنيته وفي دينه.

ويقدم مدير الجامعة لطفي السيد استقالته لأنه يحتج على «نقل أستاذ من أساتذتها بقرار من الوزير دون الرجوع إلى الجامعة بالمخالفة للتقاليد المطردة منذ نشأتها ولعقد إلحاقها بالحكومة، ولأنه لا يستطيع أن يقر الوزارة على هذا التصرف الذي يخشى أن يكون سنة تذهب بكل الفروق بين التعاليم الجامعية وأغيارها.»

ويدلي طه حسين بحديث إلى جريدة الجهاد يدافع فيه عن نفسه ويعترض على الموقف الذي وقفته الحكومة منه، وتنشر الجريدة في نفس العدد أحاديث لوزراء المعارف السابقين الذين نسب إليهم حلمي باشا أنهم تصرفوا مثل تصرفاته، وهم علي الشمسي وبهي الدين بركات ولطفي السيد وكلهم ينكر ما قرره الوزير.

يقول طه حسين في حديثه لجريدة الجهاد:

إن طه حسين وإن كان يعلم أنه فقير وأنه ليس وزيرًا، إلا أنه يحس أنه إنسان وأنه أستاذ، وأنه عميد لكلية الآداب المصرية، وأنه رجل لا يقل إنسانية ولا شرفًا عن معالي الوزير …

•••

وفي جلسة ٣٠ مارس ١٩٣٢ يقرر مجلس الوزراء برياسة إسماعيل صدقي باشا عزل طه حسين من الحكومة، فينقطع مورد رزق الأسرة الوحيد مرتب الأستاذ العميد.

وتُبلَّغ كل الجهاد أن طه حسين شخص مغضوب عليه من السراي ومن الحكومة، وأن التعاون أو التعامل معه يُعتبر تصرفًا غير ودي ضد حكومة مصر وملكها.

وتُبلَّغ شركة مصر الجديدة «البلجيكية» أن طه حسين لم يعد من موظفي الحكومة المصرية، ولذلك يتعين أن يخلي المسكن الذي تؤجره الشركة له في شارع المنيا؛ لأنه من المساكن المخصصة لسُكنى موظفي الحكومة.

والشركة البلجيكية مضطرة للتنفيذ، فهي تطلب إلى طه حسين أن يترك مسكنه الذي قررت الحكومة أنه لم يعد له حق في سكناه، ولكنها تبلغه أن المسكن المجاور «ومدخله في شارع الساكركين» ملك لها، وليس مخصصًا للموظفين، وهو خالٍ في الوقت الحاضر فهي تؤجره له.

ويبدأ نقل الأثاث (على الرءوس وحملًا على الأكتاف) بين المنزلين، ويساعد في ذلك بهمة — وبسخط على الحكومة شديد — البستاني عم إسماعيل.

ويعود البستاني إلى المنزل القديم بعد انتهاء النقل، ومعه فأس كبيرة، ويبدأ، في شهر إبريل، يحفر حفرًا كبيرة حول الشجيرات الأربع التي كان العميد قد اعتاد أن يقرأ في ظلها، إنه مصمم على أن يخلعها، وعلى أن يحملها وينقلها إلى حديقة البيت الجديد، في مكان مماثل للمكان الذي كانت قائمة فيه. هذه الأشجار هي أشجار طه حسين، وهي لذلك لا شك سترفض أن تموت حتى لو نُقلت في أول الصيف، في مصر الجديدة، وهي كبيرة ضخمة ذات جذور وفروع.

وتدعو الجامعة الأمريكية بالقاهرة طه حسين لإلقاء سلسلة من المحاضرات عن الأدب العربي يشهدها الجمهور، فيذهب طلبة الجامعة المصريون، وبينهم الطالب مصطفى أمين، إلى طه حسين في منزله للإلحاح عليه في القبول فيقبل.

ويُستقبل طه حسين أجمل استقبال عندما يصل إلى قاعة المحاضرات في شارع الشيخ ريحان، ويحاول الطلبة أن يحملوه على أعناقهم حتى المنصة ولكنه يعتذر ويسير إليها بهدوء مع رئيس الاجتماع.

ويقدم الرئيس، الدكتور ماكلنهن، المحاضر للجمهور بكلمة يقول فيها إنه لم يستمع من قبل إلى محاضر استطاع مثل طه حسين أن يجمع بين ثراء اللفظ وحلاوته وبين الدقة في التعبير عن المعاني الرائعة. ثم يدعو طه حسين ليبدأ سلسلة محاضراته. وعندما تنتهي المحاضرة يشق طه حسين الزحام إلى سيارته مع زوجته وولديه وسكرتيره، وهتاف الحاضرين المدوي بحياته يصاحبهم، حتى يركب سيارته ويبتعد بها عن الجامعة.٤

•••

الليل طويل وطه حسين قد ألح عليه الأرق، يسأل نفسه هل من حقه أن يفرض على أسرته هذه الحياة التي تُضطر الآن إلى أن تحياها؟ إنه رغم هذه المحاضرات التي أظهرت الجامعة الأمريكية شجاعة مشكورة بدعوته لإلقائها، يعلم أنه لا بد له أن يستدين اليوم لتعيش أسرته وليعيش، ليدبر لها ولنفسه مأوى الليل وطعام اليوم.

في الصباح — وعلى مائدة الإفطار — تقول له السيدة سوزان: «إنك لم تنم طوال الليل، وأنا أيضًا، ولكني أعرفك عندما تريد أن تعزل نفسك عن العالم، عن كل الناس، أنت لا تريد عندئذ أن تسمع صوت إنسان، لذلك لم أحاول أن أكلمك ليلة أمس، أما وقد أشرق الصبح فإنك تعلم أن سهرك الليل لن ينفعنا شيئًا، وأن من يريد أن يقف وقفتك ضد الطغيان لا بد أن ينام قرير العينين مرتاح الضمير، ثم إن لديك أعمالًا كثيرة، انظر، لقد جاء البريد اليوم، وفيه رسائل كثيرة، لا شك أن بينها مزيدًا من رسائل التأييد التي تصلك من كل مكان؛ من المدن، من القرى، من العالم العربي ومن الخارج، في البريد أيضًا كتاب «القضية» للكاتب التشيكي «كافكا» الذي نُشر بعد وفاته، وترجمة فرنسية لكتاب حديث للكاتب الأمريكي هيمنجواي عنوانه «وداعًا للسلاح»، إنك لا شك تريد قراءة هذا كله، وقد تريد الكتابة عنه … لا … لا تقل أين تنشر ما تكتب، المهم أن تكتب، سيبحث العالم العربي كله عن كل ما يكتبه طه حسين.»

ويرد طه عليها: «الخطابات المكتوبة باللغة العربية يأخذها فريد، هل هناك خطابات بلغات أجنبية؟» وتقول سوزان: «نعم، هذه خطابات من طلاب البعثات المصرية في الخارج يؤيدونك فيها ويجددون الولاء، ومن بينها خطابات من محمد مندور وعلي حافظ وعبد الهادي شعيرة، وزملاء لهم آخرين. وهذه صور برقيات أرسلها الكثير منهم إلى وزير المعارف بالاحتجاج على تصرفه إزاءك. وهذا خطاب من أمريكا، هل تريد أن أقرأه عليك الآن؟» ويطلب طه حسين إلى زوجته أن تقرأ الخطاب، فإذا هو عرض من جامعة أمريكية ليقيم فيها ويشغل منصب أستاذ، عرض سخي، والجامعة تترك له الحرية الكاملة في اختيار موضوعات محاضراته.

ويتساءل طه حسين: «عرض بالعمل؟ بالعمل في بلاد حرة؟ تقولين إنه عرض سخي، وإنه يترك لي مطلق الحرية في اختيار ما ألقيه من الدروس؟» ويعود طه حسين فيعزل نفسه عمن حوله.

«نعم أنا أستاذ معزول، وعالم ممنوع عن العمل، وواجبي أن أسعى إلى العمل، ولست أستطيع الآن أن أقوم ببحوثي هنا وأن أؤلف، وكل هذا سيكون مكفولًا في أمريكا، ولكني سأكون هناك أجنبيًّا، سيتوفر لنا العيش المادي كما نريد، ولكنني سأنظر إلى حياة البلد من حولي دون أن أشارك فيها، وستكون مسئوليتي في أمريكا محدودة جدًّا، ومن ذا الذي أذن لي بالتخلي عن مسئوليتي إزاء بلدي، هذا البلد الذي منحني كل شيء؟»

يدخل السكرتير ويأخذ الصحف والرسائل العربية، وينهض طه حسين ليدخل مع سكرتيره إلى مكتبه، ولكنه يقول لزوجته قبل أن يغلق باب المكتب من خلفه: «هل نبدأ بقراءة كتاب كافكا الجديد هذا المساء؟»

أمينة تقبل وتدخل معه غرفة المكتب، وتقول له: «سوف أجيب أنا وأنت لا تسأل … هذه أيام ثقيلة، عبئها يعجز عن حمله الرجل القوي، ولكن ماذا قال طاليس؟

أظن أنه قال إننا إن وزعنا العبء الثقيل على أربعة فإنه يصبح خفيف الحمل، ونحن في هذه الأسرة أربعة، إذا وزعنا العبء الثقيل على أربعة فإن كل واحد منا سيحمل ربع عبء فحسب، الآن ابتسم وقل لي إن طاليس لم يقل شيئًا من هذا، وأنا أقول إنه إذا كان لم يقل هذا الكلام فقد كان يجب أن يقوله.» وطه حسين يقبلها ويقول لها: «لقد جاهد أبوك يا ابنتي لكي يعفيك ويعفي أخاك من حمل الأثقال.»

ويعلن السكرتير فريد أن عددًا كبيرًا من الطلبة قد حضروا وهم يملئون فناء الحديقة، ويخرج طه حسين فإذا بطلابه الذين كانوا يختلفون إليه لسماع دروسه في منزله منذ أُقصى عن الجامعة قد انضم إليهم عدد كبير من طلاب الأقسام الأخرى والكليات الأخرى، فأصبحوا جماعة ضخمة ارتفع هتافها وتصفيقها عند خروجه إليهم، وهو ينتظر حتى تسكت الضجة والحركة، ويحس بالمجتمعين وقد أخذوا يترقبون حديثه بانتباه وشغف كما اعتاد من طلابه، فيتذكر آخر درس من دروسه في الكلية عندما كان يدرس معهم الشاعر «الطِّرِمَّاح بن حكيم»، ويبدأ حديثه في الحديقة بهذين البيتين:

لقد زادني حبًّا لنفسي أنني
بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وأني شقي باللئام ولا أرى
شقيًّا بهم إلا كريم الشمائل

ثم يقول: «عند هذه الأبيات من شعر الطرماح بن حكيم انتهى بنا الدرس صباح الخميس الثالث من هذا الشهر، وقد استعدناها، واستجدناها، وكأنما كنا نحس أن صباح ذلك اليوم كان ينذرنا بما سيحمل إلينا من مساوئه ومن تلك المحنة الجامعية التي ذقناها، فبلونا منها الحلو والمر، ووجدنا منها الخير والشر، وعرفنا منها أن فينا، والحمد لله، نفوسًا أبية، وأنوفًا حمية، وقلوبًا تعرف كيف تستقبل الخير وتحمل المكروه. نعم، وكأننا ونحن نستعيد هذه الأبيات ونستجيدها نتواصى بالخير والصبر، ويعاهد بعضنا بعضًا على الوفاء والبر، ويقسم بعضنا لبعض لنكونن رجالًا نعرف الكرامة ونقدرها ونضع أنفسنا حيث تريد لنا المروءة لا حيث تريد لنا المنفعة.

لقد افترقنا بعد الدرس هادئين باسمين، نفكر في الدرس الذي يليه، ثم لم نلتق بعد ذلك في درس ولا بحث، وإنما التقينا في حب ومودة، وفي نصح وتعزية، وفي عواطف كلها تميز الكرامة من اللئام.

أفيؤذن لي — وقد عاد الزملاء من الأساتذة والأصدقاء من الطلبة إلى ما كانوا فيه من درس وبحث واستقرت نفوسهم وعواطفهم بعض الشيء — أن أهدي إليهم جميعًا تحية ملؤها الحب الصادق، والود المتين، والشكر الذي لا حد له؟ أفيؤذن لي بأن أشرك معهم في هذه التحية وهذا الشكر أصدقاءنا من طلاب الجامعة المتفرقين في أقطار أوروبا، أولئك الذين لم تكد تبلغهم أنباء هذه المحنة حتى أسرعوا فشاركونا فيها وأخذوا بحظهم منها؟

أفيؤذن لي أن أهدي أصدق التحية وأجمل الشكر إلى أولئك الذين تفضلوا بالغضب للجامعة ولنا والعطف على الجامعة وعلينا، من أعلام هذا البلد وقادة الرأي فيه؟ وأفيؤذن لي أن أشرك معهم هذه الصحف الكريمة التي آزرتنا وناصرتنا ولم تبخل علينا بتشجيع ولا تأييد؟

ثم أفيؤذن لي أن أخص الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد بك بتحية الابن البار والتلميذ المخلص والصديق الحميم؟

أما أنتم أيها الأصدقاء الأعزاء من طلاب الجامعة عامة وكلية الآداب خاصة، فأذنوا لي أن أقول لكم ما قاله النبي للأنصار في حديث جرى: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع»، فحيا الله هذا الثمر الكريم لهذا الغرس الكريم، ولكم على العهد أن أبذل ما أملك من قوة، وما أستطيع من جهد، لأكون عند ظنكم بي ورأيكم فيَّ.»

ويختم عميد كلية الآداب، الذي نزعت منه حكومته هذا اللقب فمنحته أمته لقب عميد الأدب، يختم كلمته مخاطبًا الجمع الكبير الذي لم يزل يتزايد حتى فاض عن حديقة الدار، بقوله: «أقبلوا على دروسكم كرامًا أعزاء، وابسموا لحياتكم الجامعية، فقد أنشأتموها كريمة عزيزة، وليكن بيننا مَوْثِق من الله ألا نؤمن إلا بالحق، ولا نخلص إلا للعلم، ولا نرضى إلا بالكرامة. وإلى اللقاء.»

١  كانت الجامعة مؤلفة في ذلك الوقت من هذه الكليات الأربع فقط.
٢  لاحظ المندوب السامي البريطاني، سير برسي لورين، ما ترتب على ذلك من إحراج للوزير، وذكر في تقرير لحكومته أن طه حسين هو المسئول عن هذا الإحراج. «خطاب من سير برسي لورين بالقاهرة إلى سير جون سيمون بلندن، بتاريخ ٣ مارس ١٩٣٢.»
٣  يطلب رئيس الوزراء مقابلة طه حسين، وتنشر جريدة الشعب في نفس اليوم أنها واثقة من أن الموضوع سيسوَّى بما يرضي كل الأطراف، ولكن ذلك لا يحدث.
٤  يكتب مراد سيد أحمد باشا وزير المعارف السابق ووزير مصر المفوض في بلجيكا إلى طه حسين ويقول له: «إن من العار أن يكون مصري مثله مبعدًا عن جامعته المصرية، بينما تطلبه الجامعات الأجنبية.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠