تمهيد

ينبغي أن يَقرأ هذا الكتابَ كلُّ من يهتم بحشد أكبر عددٍ ممكنٍ من الأفراد والموارد للمُضيِّ قُدُمًا في طريق تحقيق الصالح العام، سواءٌ أكان من جامعي التبرعات أو من الجهات المانحة، من الرجال والنساء على حدٍّ سواء. في واقع الأمر، لا تزال الصور النمطية قائمةً عندما نستخدم كلمتَي «المرأة» و«العمل الخيري» في نفس الجملة. ويُقدِّم هذا الكتاب أدلةً قويةً على أن العمل الخيري النسائي ليس اتجاهًا زائلًا أو نزوةً عابرة، ولكنه أصبح عنصرًا هامًّا من عناصر مشهد العمل الخيري من خلال عدة طرقٍ غنيةٍ ومتنوعة.

ظهر العمل الخيري النسائي بوصفه حقلًا منفصلًا بذاته خلال الأعوام الأربعين الماضية بهدف لَفْت الانتباه، وتسليط الضوء على ما كانت تقوم به النساء في الولايات المتحدة الأمريكية على مدى مئات الأعوام: استثمار رأس مالهن الفكري، والمالي، والاجتماعي، والثقافي لتحسين العالَم من حولهن. كان الهدف هو تغيير طريقة تفكير الناس فيما يتعلق بالمرأة والعمل الخيري، والنظر إلى المرأة بوصفها شريكًا في مجال الأعمال الخيرية. يُقلِّل العالم من قدرة المرأة على التأثير في الأعمال الخيرية؛ فعندما نشرت شو-هاردي وتايلور أول كتابٍ عن المرأة والعمل الخيري في عام ١٩٩٥، بعنوان «إعادة اكتشاف جمع التبرعات: تحقيق إمكانات المرأة في العمل الخيري»، كانت فكرة العمل الخيري النسائي بدعة. وعلى الرغم من أن المرأة حققت مكاسبَ كبيرةً في مجال الأعمال، وكذا في مختلِف المهن، كانت الأعمال الخيرية في ذلك الوقت لا تزال عالمًا مقصورًا على الرجل. وفي بعض المكاتب المنعزلة لا يزال هذا التصوُّر سائدًا.

أما ما يُميِّز الحركة المعاصرة للعمل النسائي الخيري فهو زيادة إمكانية حصول المرأة على الموارد المالية اللازمة لتحقيق تغييرٍ مؤثر. في الأعوام الأربعين الماضية، استطاعت المرأة الأمريكية أن تحصل على المزيد من فرص التعليم والدخل أكثر من أي وقتٍ مضى؛ فقد استطاعت المرأة أن تستفيد من زخم الحركة النسائية في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته كي تدخل مجال العمل الخيري بنهجٍ استراتيجيٍّ متعمَّد، وتؤسِّس نماذج جديدة للاندماج. وفي عام ١٩٧٢، تأسَّس أول صندوقٍ للمرأة، وهي مؤسسة ميس فاونديشن للمرأة، ليكون بدايةَ طريقٍ ما زال العمل فيه يجري على قدمٍ وساق. في أغلب الأحوال، تتأسَّس الصناديق النسائية وتُدار بجهودٍ نسائية، كما أنها تُخصِّص مِنحًا لدعم برامج النساء والفتيات. كانت حلقات العطاء نموذجًا جديدًا جذب عشرات السيدات في جميع أنحاء البلاد، كما شهدت مبادرات الأعمال الخيرية النسائية نموًّا كبيرًا في الجامعات، بفضل مجهودات تايلور في جامعة ويسكونسن عام ١٩٨٨. لقد استغلت النساء رءوس أموالهن داخل التيار السائد وخارجه.

في الوقت نفسه، بدأ الباحثون في استكشاف الفروق بين الجنسين في مجال العمل الخيري. فوثَّق المؤرخون صعود الجمعيات النسائية الخيرية في القرن التاسع عشر، ونقلوا سِيَر السيدات المُحْسِنات اللاتي ساهمن في نمو مؤسسات التعليم العالي والفنون. بدأ خبراء الاقتصاد في التساؤل عن الفروق بين الجنسين في الإيثار والكرم، ومدى تأثير المرأة في اتخاذ القرارات الخيرية في الأسرة. تناول الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون قضايا القيادة والميول الخيرية، كما عالج الباحثون في مجال الدراسات الدينية تأثيرَ التديُّن على العطاء الخيري بشكلٍ عام.

وقد أوضح هذا المنظور المتعدِّد التخصصات أن الرجال يختلفون عن النساء بالفعل في نهج العمل الخيري. لقد أصبحت آراءُ الماضي الحكيمة التي ترى أن النساء لا يمتلكن الإمكاناتِ والعزمَ اللازمَ للعمل الخيري، ولا يُحقِّقن فائدة تُذكَر، غيرَ دقيقةٍ على الإطلاق اليوم. ونحتاج إلى منظورٍ مختلفٍ يعترف بأن الرجال والنساء يمتلكون أساليبَ مختلفةً للاتصال والقيادة، وكذلك تختلف دوافعهم وأنماط العطاء لديهم. وقد أظهرت كلٌّ من شو-هاردي، وتايلور، وبودوان شوارتز، من خلال قصصهن وأحاديثهن ومقابلاتهن، أن ما يصلح للرجال لا يصلح في كثيرٍ من الأحيان للنساء.

هل ما يناسب عالَمَي السياسة والأعمال يناسب بالمثل عالَم العمل الخيري؟ في كتاب «المرأة تقود الطريق» للمؤلفة ليندا تار-ويلان، تؤكد المؤلِّفة على أن الانتقال من المعنى الرمزي إلى القيادة المتوازنة ينتقل بالحديث بعيدًا عن النوع الاجتماعي وصولًا إلى مرحلة التركيز على القضايا ذاتها. وأضافت أنه منذ مؤتمر الأمم المتحدة الرابع المعنيِّ بالمرأة الذي انعقد في بكين عام ١٩٩٥، حقق ٢٣ بلدًا من جميع أنحاء العالم، أو تجاوز، الهدفَ الراميَ إلى تمثيل المرأة لثلث السلطة التشريعية في البلاد، فيما تعمل ١٠١ دولة على تحقيق هذا الهدف. وفي زمنٍ مبكرٍ يرجع إلى عام ١٩٧٧، أكَّدت روزبيث موس كانتر، الأستاذة بكلية هارفرد للأعمال، وصاحبة عدد كبير من المؤلَّفات، أن وجود هذه الكتلة المؤثرة من النساء التي تُمثِّل ثلث عدد صُنَّاع القرارات المؤسسية يؤثر إيجابًا على النتائج. وقد أجرت منظمة كاتاليست بحثًا أظهر أن الشركات الناجحة، الواردة على قائمة مجلة فورتشن لأفضل ٥٠٠ شركة، التي بها عدد أكبر من النساء في مجالس إدارتها؛ استطاعت أن تُحقِّق مزيدًا من الأرباح مقارنةً بتلك التي بها عدد أقل من النساء. وما هذه الأمثلة إلا غيضٌ من فيضٍ بالنسبة إلى ما يحدث عندما تستطيع المرأة أن تشارك مشاركةً كاملةً في المجتمع.

ما هي السمات المميزة التي تستطيع المرأة أن تضيفها إلى مجال الأعمال الخيرية؟ يمكن أن نضع قائمةً تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ أساليب القيادة التي تحتاجها الشركات اليوم، وهي: التعاون، والتواصل، والتوافق، وبناء العلاقات، والخيال، والإلهام، والبراعة، وشبكات الاتصال. في ظل توافر هذه الأصول، علاوةً على ما تستطيع المرأة أن تستخدمه من رأس مالٍ وفير، ما الذي يمكن أن يعوق ازدهار العمل الخيري النسائي على أوسع نطاق؟

هناك طرفان معنيَّان رئيسيان يقاومان تَقبُّل وإدماج المرأة في مجال العمل الخيري؛ الطرف الأول هو مجموعات جمع التبرعات. يشعر بعض جامعي التبرعات، وليس جميعهم، بالتردُّد حال تغيير الوضع الراهن، وربما يرَوْن أن النساء لا يتسمن بالعقلانية، ويستغرقن وقتًا طويلًا لاتخاذ القرار، أو أنهن يُقدِّمن تبرعاتٍ صغيرة. أما الطرف الثاني فهو المرأة؛ إذ تتردَّد بعض النساء، في كثيرٍ من الأحيان بسبب نواياهن الحسنة، في الدخول إلى الميدان ووضع أنفسهن في مرتبة المحسنين، كما أنهن لا يرغبن في الحصول على التقدير العلني لما يُقدِّمنه من عطايا. وعلى الرغم من أن مثل هذا الاعتراف العلني يتعارض قلبًا وقالبًا مع الدور الاجتماعي المرسوم للمرأة، فإن هذا الحاجز يُعرقل الاعتراف بأهلية المرأة ونفوذها وقدرتها على التبرُّع بثرواتٍ ضخمةٍ لخدمة الصالح العام.

يُحطِّم هذا الكتاب هذه التصورات، وسوف يتعلم القُرَّاء كيف ينظرون بعيونٍ جديدةٍ إلى مجال العمل الخيري وقدرة المرأة على المشاركة في هذا القطاع. يطرح هذا الكتاب قضية مقنعة تزيد من الاهتمام بالعمل الخيري النسائي، وذلك من خلال عرض لمحةٍ عامةٍ عن المجال، وسرد بعض القصص التي تُظهِر، مرارًا وتكرارًا، قدرات المرأة في مجال العمل الخيري، ومدى التزامها، وقدرتها على القيادة.

ما هو هدف العمل الخيري النسائي؟ إذا طرحتَ هذا السؤال على خمسة أشخاص، فمن المرجَّح أن تحصل على خمس إجاباتٍ مختلفة. يرى البعض أن الهدف هو التكافؤ؛ أي ضمان وجود المرأة على طاولة الأعمال الخيرية مثلها مثل الرجل. وبالنسبة إلى البعض الآخر، يتمثل الهدف من العمل الخيري النسائي في تحقيق المساواة؛ فيُطلَب من النساء تقديم العطاء في كثيرٍ من الأحيان مثل الرجال؛ بحيث يحظين بالمعاملة نفسها التي يحظى بها الرجال. وهناك من يرى أن الهدف هو تسليط الضوء على دور المرأة في العمل الخيري بوصفها من الجهات المانحة، وجامعةً للتبرعات، ومتطوعة، وقائدة، وموجهة. ترى مجموعة أخرى أن الهدف هو التنوع؛ لأن التنوع يؤدِّي إلى تمثيل وجهات نظرٍ مختلفة، والمساهمة في تعزيز فهم القضايا المطروحة. وهناك فئة ترى أن الهدف هو الإشمال، حتى يشمل العمل الخيري «جميع» الناس من مختلِف أنحاء العالم: الغني والفقير، والأبيض والأسود، والرجال والنساء من جميع الأديان والثقافات؛ لأننا نصبح أقوى عندما نشارك جميعًا في إيجاد حلولٍ للقضايا الصعبة.

في ندوة مركز الأعمال الخيرية التي انعقدت عام ٢٠٠٨ تحت عنوان «دفع العمل الخيري النسائي قُدُمًا»، أعلن موظفو المركز عن طرح جائزةٍ جديدة، وهي جائزة شو-هاردي تايلور للمساهمات الاستثنائية في النهوض بالعمل الخيري النسائي. كان من الطبيعي أن تحصل سوندرا شو-هاردي ومارثا تايلور على الجائزة الأولى. لقد استطاعتا أن تدركا إمكانية مشاركة المرأة في العمل الخيري قبل أن تصبح اتجاهًا أو استراتيجيةً لإثراء مجال الأعمال الخيرية بفترةٍ طويلة، وأنشأتا منظمةً للنهوض بالعمل الخيري النسائي، تطوَّرت لتصبح «معهد الأعمال الخيرية النسائية»، الموجود الآن في مركز الأعمال الخيرية في جامعة إنديانا. لم تَضعُف رؤيتهما والتزامهما وروح الريادة لديهما قط. ونرى أن هذا الكتاب شهادة لهما مثلما هو شهادة في حق العمل الخيري النسائي.

ديبرا ميتش، المدير
أندريا باكتور، المدير المساعد
معهد الأعمال الخيرية النسائية
مركز الأعمال الخيرية في جامعة إنديانا
يونيو ٢٠١٠

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠