الفصل الثاني

قوة المال

المرأة الآن هي القاطرة الأعظم للنمو … دَعِ الصين والهند والإنترنت؛ النمو الاقتصادي تقوده المرأة.

إيكونوميست، ١٢ أبريل، ٢٠٠٦

يُغير مجتمع المرأة كل شيءٍ في حياتنا وعملنا اليوم. الآن، ولأول مرةٍ في تاريخنا، تُشكِّل النساء نصف القوة العاملة في الولايات المتحدة، وتُمثل الأمهات مصدر الرزق بمفردهن أو بالاشتراك مع غيرهن في ثُلُثَي العائلات الأمريكية تقريبًا.

«تقرير شريفر»: دراسة أجرتْها ماريا شريفر
و«مركز التقدم الأمريكي»، ٢٠٠٩

لم تَعُدِ المرأةُ تلك الحسناءَ النائمةَ التي تنتظر قدوم الأمير الساحر؛ لقد استيقظتْ واكتشفتْ أنها يجب أن تأخذ زمام الشئون المالية — والتي تتضمَّن العمل الخيري — في قبضتها. وهناك تغيُّرات مهمة أخرى ترتبط بمكتسبات المرأة، وتبعات الزواج والطلاق، وإدارة الميراث والمؤسسات الأسرية.

(١) الثروة التي تتركها المرأة

لقد أذهلَنا جميعًا — نحن العاملين في مجال العمل الخيري — البحثُ الذي أجراه بول شيرفيش وجون هافينز في عام ١٩٩٩ عن انتقال الثروة.1 فعلى مدار الخمسة والأربعين عامًا التالية، سيجري توريث ٤١ تريليون دولار على الأقل من أفراد جيل الحرب العالمية الثانية والمسنين من جيل «مواليد الطفرة» (وهم مواليد الفترة التي تلت الحرب فيما بين عامَي ١٩٤٦ و١٩٦٤). والأمر الأكثر إثارةً للدهشة هو أن النساء سوف يتحكَّمْنَ في نهاية المطاف في كثيرٍ من أصول الدولة لأنهن ببساطةٍ يَعِشْنَ أطول من الرجال ويرثن ٧٠٪ من جميع الممتلكات. يُؤْذِنُ هذا ببزوغ فجر العصر الذهبي للعمل الخيري، وسوف تصبح المرأة هي صاحبةَ القرار. وقد حازت هذه المعلومات المذهلة بلا شكٍّ على كثيرٍ من الاهتمام، غير أن ذلك كان غيضًا من فيض؛ إذ وردت كذلك تقارير عن أن عام ١٩٩٩ سوف يشهد كتابة وصايا للجهات الخيرية بقيمة ٦ تريليونات دولار. وتتلخَّص الحقيقة في أن المرأة تُفضِّل دائمًا إعطاء وصايا الإرث بوصفها مِنَحًا مخططة؛ والآن باتت تمتلك المزيد الذي تستطيع أن تهبه للآخرين.
ربما الأكثر تشجيعًا هو توجهات المرأة نفسها؛ فقد بدأتْ في إدراك إمكاناتها، وقوتها، وبصفةٍ خاصةٍ مسئولياتها. وكانت لها هذه الأسئلة:
  • كيف لي أن أُقدِّم أموالي بطريقةٍ استراتيجية؟

  • كيف أستطيع العمل مع الآخرين من أجل تحقيق الاستفادة القصوى من أموالي؟

  • ما هي احتياجات المجتمع التي يمكن أن أُحدِث فارقًا فيها؟

  • كيف أستطيع بث روح العطاء في الآخرين؟

  • ماذا أستطيع أن أفعل كي أصبح رائدةً في العمل الخيري؟

  • كيف أستطيع أن أترك إرثًا بارزًا؟

(١-١) المرأة تعطي أكثر من الرجل

أظهرت دراسة مستمرة عن المتبرعين، أصدرها مركز العمل الخيري بجامعة إنديانا، أن المرأة أكثر ميلًا إلى العطاء من الرجل (٨٥٫٦ بالمائة في مقابل ٨٠٫٧)، وعند نطاق الدخل الأكبر (ما يزيد عن ١٠٠ ألف دولار) تعطي المرأة المزيد، بوضوحٍ وبساطة. وتشير الأرقام عند هذا المستوى إلى أن الرجل يعطي ٣٩٠٤ دولارات، بينما تمنح المرأة ٤٢٢٣ دولارًا سنويًّا.2
وقد غطت دراسةٌ لبنك باركليز عن الثروة في عام ٢٠٠٩ تحت عنوان «مُحسِنو الغد» الدخول الأعلى (فوق مليون دولار)، وأوضحت أن النساء اللاتي لديهن أموال مستثمَرة تتعدى المليون دولار في الولايات المتحدة يَهَبْنَ ٣٫٥ بالمائة من قيمة صافي دخلهن للعمل الخيري كل عام؛ أي ضعف النسبة المئوية ١٫٨ التي يقدمها الرجال.3 وأظهرت دراسةٌ حول مقارنة الأجيال، أجراها مركز العمل الخيري بجامعة إنديانا، أن جيل مواليد الطفرة هو الذي استهلَّ قيادة المرأة جهود العطاء، ولم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ يميل ٨٩ بالمائة من النساء اللاتي وُلدن خلال فترة الطفرة إلى العطاء مقابل ٨٥ بالمائة من الرجال؛ ففي الجيل إكس بلغت النسبة ٨٩ بالمائة مقابل ٨٣ بالمائة؛ وفي الجيل واي كانت النسبة ٨٠ بالمائة مقابل ٧٧ بالمائة.4
هل سيستمرُّ هذا النمط؟ هناك احتمال قوي يشير إلى ذلك. على الأقل هذا ما يعتقده خبراء الإدارة أصحاب الفكر الثاقب مثل أبريل هاريس، نائب رئيس الجامعة المساعد للتطوير بجامعة ألاباما في هَنتسفيل، التي تقول: «حريٌّ بنا أن نحرص على أن تُمثِّل قيادات الخريجين لدينا التركيبة السكانية لهيكل الخريجين. ولا يمكننا أن نستهين بقيمة هذا الموضوع؛ فنحن على وشك الإطلاق الأعظم لمواردنا منذ العصور الوسطى.»5 يا لها من عبارةٍ قويةٍ في حق النساء تُبيِّن من جديدٍ أن هاريس تدرك أن النساء الآن يُشكِّلن ٥٨ بالمائة من خريجي الكليات حاليًّا، وسوف يصبحن متبرعات المستقبل.

(١-٢) مكاسب المرأة من الثروة

ورقة عمل ٢-١
إمكانات المرأة في مجال العمل الخيري*
(١) واحدة من بين ثلاث/خمس/ثماني نساء أمريكيات ترى نفسها مشارِكةً في القرارات المالية أكثر مما كانت عليه الحال منذ خمسة أعوام (بحث تأملي، ٢٠٠٦).
(٢) تمتلك النساء الآن ما يقرب من ثلث/نصف/ثلاثة أرباع الأسهم المتداوَلة علنًا (إحصاء شبكة شيكاجو).
(٣) اثنان وثلاثون/ثلاثة وأربعون/خمسة وستون بالمائة من كبار أصحاب الثروات في البلاد (أفراد يمتلكون أصولًا قيمتها ١٫٥ مليون دولار فأكثر) من النساء. وقُدرت أصول ١١٧٣٠٠٠ امرأة بمبلغ ٣٫٢ / ٤٫٠/٤٫٦ تريليونات دولار (أرقام مكتب ضريبة الدخل الأمريكي لعام ٢٠٠٤).
(٤) سوف يئول ٥ / ٢٥/٤١ تريليون دولار إلى مواليد جيل الطفرة على مدار الخمسة والأربعين عامًا القادمة (تاريخ التعليم العالي، ٦ يوليو ٢٠٠٧).
(٥) النساء يُعمِّرن أكثر من الرجال وسوف يرثن ٥٠ / ٦٠/٧٠ بالمائة من جميع الممتلكات (تاريخ التعليم العالي، ٦ يوليو ٢٠٠٧).
(٦) زادت تبرعات النساء لصالح العمل الخيري بأكثر من ٨ / ١٠/١٥ مليار دولار سنويًّا منذ عام ١٩٩٦ (حقائق مذهلة ٢٠٠٣).
(٧) تمتلك النساء ١٠٫٤ ملايين شركة — ما يقرب من ربع/ثلث/نصف/ثلثي المشروعات المملوكة لأشخاص في البلاد — ويحققن مبيعاتٍ قيمتُها ٥٠٠ مليار دولار/٧٥٠ مليار دولار/١٫٩ تريليون دولار (مركز بحوث إدارة الأعمال المرأة، ٢٢ مايو ٢٠٠٧).
(٨) في عام ٢٠٠٠ ربحت النساء أكثر من مليار/مليار ونصف/تريليون دولار (أوبنشو، مجلة مجريات الأحداث، مارس ٢٠٠٢).
(٩) من المتوقَّع امتلاك المرأة لنصف الثروة في الولايات المتحدة بحلول عام ٢٠١٠ /٢٠٢٠ / ٢٠٢٥ (تاريخ التعليم العالي، ٦ يوليو ٢٠٠٧).
(١٠) النساء الملونات يساهمن بنسبة ١٠ / ٢٠/٢٧ بالمائة من القوة الشرائية البالغة ٣٫٧ تريليونات دولار لجميع النساء بالولايات المتحدة (السوق المتخصصة ٨٥٪: قوة النساء من جميع الألوان، ميريام مُولي).
(١١) الجزء الأكبر من ممتلكات الإرث سوف تقع في النهاية في أيدي النساء في السنوات الخمس/العشر/الخمس عشرة القادمة (مجلة مجريات الأحداث، مارس ٢٠٠٢).
(١٢) عدد الإناث غير المتزوجات الراغبات في أن يصبحن متبرعاتٍ يزيد عن عدد الذكور بنسبة ٢٪ / ٥٪/١٠٪ (مركز العمل الخيري، ٢٠٠٧).
(١٣) عندما يصل الدخل إلى ١٠٠٠٠٠/٢٥٠٠٠٠ / ٥٠٠٠٠٠ دولار، يكون عطاء المرأة أكثر من الرجل (مركز العمل الخيري، ٢٠٠٧).
(١٤) ما زال الرجل يتحكم في اتخاذ قرار الأسرة بشأن العمل الخيري. صواب/خطأ (دراسة خاصة بصندوق الولاء للمنح الخيرية، ٢٠٠٩).
ملحوظة: تم وضع خط تحت الإجابات الصحيحة للاستفادة منها. ولاستخدام هذه الورقة كاستطلاعٍ للرأي، قم بتنزيلها من موقع www.josseybass.com/go/shaw-hardy.
حقوق النشر © ٢٠١٠ لمؤسسة جون وايلي آند صَنز. جميع الحقوق محفوظة.
تنبأتْ مجموعة بوسطن للاستشارات في مقالٍ لمجلة نيوزويك في عام ٢٠٠٩ بزيادة الدخل العالمي للمرأة من ٥٫١ تريليونات دولار في عام ٢٠٠٩ إلى ١٥٫٦ تريليون دولار بحلول عام ٢٠١٣.6 ويمثل ذلك فارقًا في إيرادات المرأة بقيمة ١٠٫٥ تريليونات دولار خلال ست سنواتٍ فحسب. وعلى سبيل المقارنة، من المُتوقَّع أن ينموَ الاقتصاد الصيني بقيمة ٣ تريليونات دولار فقط. تجعل هذه الأرقام من يستمع إليها يصيح قائلًا: «رائع!» غير أن الوقت قد حان للاهتمام، ليس بالأرقام فحسب، ولكن أيضًا بالنساء أنفسِهِنَّ كأفراد؛ فخلف هذه الأرقام توجد سيدات حقيقيات يتمتَّعْنَ بالقدرة على الكسب وبطول العمر. والنساء مؤهلات لإدارة أموال أزواجهن وعائلاتهن؛ مما يعني أنهن سوف يُدِرْنَ كذلك العمل الخيري.

بإمكانك استخدام استطلاع الرأي الذي بعنوان «إمكانات المرأة في مجال العمل الخيري» في الصفحة التالية لتوضيح هذا الأمر لنفسك وللآخرين. وقد وجدنا أن له فعاليةً كبيرةً في انتزاع صيحات الرضا عند تقديم عرضٍ لمجموعاتٍ من النساء المتبرعات، ومسئولي التنمية من الذكور والإناث والمستشارين الماليين أيضًا. يتم استيفاء استطلاع الرأي في زمنٍ يتراوح بين ثلاثٍ وخمس دقائق، ويمكن لأي شخصٍ يقوم بهذا ويتعرَّف على الإجابات الصحيحة أن يرى أن إمكانات المرأة في مجال العمل الخيري ضخمة؛ أكثر بكثيرٍ مما كان يتوقعه. حتى الآن لم ينجح أي شخصٍ خضع لهذا الاستطلاع في الإجابة عن جميع الأسئلة، على الرغم من حصول العمداء بجامعة فلوريدا على أعلى النسب المئوية حين عملوا في مجموعة. ولم نستطع تفسير أداء هذه المجموعة بشيءٍ سوى أنهم، ولا ريب، على وعيٍ بقدرات الخريجات التابعات لهم.

(١-٣) القوة المتنامية لقلم المرأة

يمكن أن تصبح المرأة سخيةً بصورةٍ مدهشة، وهي كذلك بالفعل متى أُتيحت لها الفرصة. وتلعب المرأة في المعتاد دورًا في تحديد متلقِّي التبرع عندما يقوم الزوجان أو المنظمة التي تحمل اسم الأسرة بالتبرع. وتقول سارة سي ليبي، رئيس «صندوق الولاء»: «كان للمرأة دائمًا دورها في القيام بأعمال البِرِّ في محيط بيتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، غير أن هذا الدور يتطوَّر على نحوٍ متزايدٍ مع تكوين المرأة لثروتها الخاصة والاستفادة من انتقال الثروة بسبب طول عمرها. وعلينا، وكذا على سائر المنظمات غير الربحية، أن نُوليَ مزيدًا من الاهتمام لهذه المجموعة المؤثرة جدًّا من المتبرعات.»7
جاءت تعليقات ليبي عقب دراسةٍ في عام ٢٠٠٩ قام بها «صندوق الولاء»، أوضحت أن معظم المستجيبين من الذكور قد ذكروا أن زوجاتهم كُنَّ المؤثر الأساسي في قرارات التبرع لأعمال البر.8 ويُعَدُّ هذا تغيرًا كبيرًا بعد عقودٍ قليلةٍ فقط كان فيها الزوجان دائمًا ما يبذلان العطاء عندما يريد الرجل ذلك، ولم يكن للمرأة رأيٌ يُذكر فيما يتعلق بالمساهمة في العمل الخيري. وقد علقت إحدى عضوات مجموعةٍ لطرح الأفكار قائلة: «إن ابنتي وزوجها متخرجان في نفس الكلية، غير أنها هي التي تهتم بالعمل الخيري. أعرف أنهما يتبرعان بوصفهما زوجين، ولكن ذلك يرجع إلى حرصها على التبرع وليس من منطلق حرصه هو على ذلك.»
كانت تاشيا مورجريدج، بفضل خبرتها السابقة في التربية، شخصًا مؤثرًا بقوةٍ في المنحة التي بلغت ١٧٥ مليون دولار، التي تبرعت بها مع زوجها جون؛ المدير التنفيذي السابق في مؤسسة سيسكو سيستمز لصندوق الدارسين بجامعة ويسكونسن. تخرجت تاشيا، وهي مُدرِّسة متقاعدة، في كلية ماديسون للتربية بجامعة ويسكونسن، بينما تخرج جون في كلية ويسكونسن لإدارة الأعمال. وكان الغرض من المنحة مساعدة خريجي المدارس العامة على الالتحاق بالجامعات العامة أو الكليات الفنية.9
ووفقًا لبحثٍ أجراه مركز العمل الخيري بجامعة إنديانا، فإن مقدارًا كبيرًا من قوة القلم يكون في يد النساء غير المتزوجات؛ ففي البحث الذي أجراه في عام ٢٠٠٧ عن عطاء الجنسين، وجد المركز أن النساء غير المتزوجات أكثر ميلًا إلى التبرع من الرجال غير المتزوجين بنسبة ٩ إلى ١٠ بالمائة، بمتوسط ٦٣٠ دولارًا أكثر كل عام. ومن بين الأفراد الذين يزيد دخلهم عن ١٠٠ ألف دولار، كان متوسط إجمالي تبرُّع المرأة ٤٢٢٣ دولارًا، مقارنةً بمبلغ ٣٩٠٤ دولارات للرجل.10 وأوضحت دراسة «صندوق الولاء» كذلك أن النساء يتبرَّعنَ بمتوسط ٦ بالمائة من دخلهن، ويصل بعضهن إلى ١٠ بالمائة.

(١-٤) المال والطلاق

تصدرت لورنا ويندت عناوين الصحف في عام ١٩٩٨ عندما كانت تسعى إلى الحصول على حصةٍ عادلةٍ من تسوية الطلاق من زوجها الذي استمرَّ زواجها به ٣٢ سنة، ويعمل مديرًا كبيرًا بشركة جنرال إليكتريك.11 وقد تضمَّن طلب ويندت للطلاق المطالبةَ بنصف ممتلكات زوجها المقدَّرة بأكثر من ١٠٠ مليون دولار. وتوضح ويندت الأمر بقولها: «عندما بدأنا من الصفر، كنت شريكًا متكافئًا. وظل الوضع كذلك حتى النهاية؛ فبالإضافة إلى قيامي ﺑ ٩٩ بالمائة من المهام المنزلية، كنتُ الداعم الأكبر لزوجي، وكأنني متزوجة من الشركة، ولكن من دون الحصول على أي مزايا.»

وعلى الرغم من أن ويندت حصلت في النهاية على أقل من نصف ممتلكات زوجها التقديرية، فإن عناوين الصحف القومية والدعاية التي صاحبتْها عن دور المرأة في الزواج كانت لها نتائج هائلة بشأن الطريقة التي تنظر بها المرأة إلى نفسها بوصفها شريكًا في الزواج. وتُطلق ويندت على هذا «… القيمة [التي تجلبها المرأة] للزواج»، وأسست «معهد التكافؤ في الزواج» من قيمة تسوية الطلاق التي حصلت عليها.

وقد نظرت ويندت كذلك إلى تقسيم الممتلكات بوصفه جزءًا من حقوقها كمُحبةٍ لأعمال البِر. وكانت تعتقد أن من حقها تمامًا المطالبة بالمال لخدمة هذه الأغراض، كما أن الأمر نفسه ينطبق على زوجها السابق. لحُسن الحظ، لا تنتهي جميع قصص الزواج بالطريقة التي أنهت بها ويندت قصتها، على الرغم من أن قصتها تُبيِّن أن المرأة لا تتحكم في المال خارج البيت فقط، ولكن داخله أيضًا.

(١-٥) الحصول على المال من خلال الميراث

منذ عهدٍ ليس بالبعيد، كانت معظم النساء في معزلٍ عن أموال الأسرة وما يصاحبها من استخدامٍ وسوء استغلالٍ للسلطة. ومؤخرًا فقط اكتسبت النساء الثقة اللازمة لقَبول أموال الميراث علنًا، وكذا الاستثمار والإنفاق والتبرع من خلال التعلم والعمل مع الآخرين. وتتذكَّر جينفر لاد عندما كانت في سن الحادية والعشرين في عام ١٩٧٢ وورثت ما يقرب من مليون دولار؛ تقول: «لقد شعرت بالذهول نتيجة المنحة [من أسهم شركة أويل ستاندرز] وأحسست بأنني لست حرة. كنت على وعيٍ تامٍّ بالتوزيع غير العادل للثروة … لذا فقد كافحت من أجل الحفاظ على السر الذي كنت على يقينٍ من أنني إذا أفشيته فسيجعلني منبوذة بين أصدقائي المهتمين بالعدالة الاجتماعية.»12

لحُسن الحظ، تغلبت لاد على هذه الصعوبات عن طريق الاصطفاف مع الشباب الآخرين من أصحاب الثروات والقيم المتماثلة. ولم تتعلم بذل المال فحسب، بل تعلمت أيضًا كيفية تطبيق ذلك على أرض الواقع «… بالتعاون مع الآخرين على المستوى الاستراتيجي والفكري.»

تتغير العصور والأزمان؛ فالنساء الشابات الآن أقل حساسيةً تجاه المال. وطبقًا لبحثٍ نشرتْه شو-هاردي وكارمن ستيفنز في عام ٢٠٠٨، فإن ٥٨ بالمائة من النساء في الجيل إكس (اللاتي وُلدن بين عامَي ١٩٦١ و١٩٨٠) يتوقعن الحصول على الميراث ويُهيِّئن أنفسهن لذلك.13

(١-٦) المرأة والمؤسسات الأسرية

بالإضافة إلى سيطرة النساء المتنامية على الثروة والمال، فقد بدأنَ كذلك في تَولِّي أداء أدوارٍ قياديةٍ كبيرةٍ في مؤسساتهن الأسرية. وتُظهر دراسة استقصائية حديثة عن العضوية أجراها اتحاد المؤسسات الصغيرة (٦٠٪ منها مؤسسات أسرية) أن ٥١ بالمائة من المديرين التنفيذيين و٧٨ بالمائة من أطقم دعم البرامج بهذه المؤسسات من الإناث. وتعتقد جين لايتي جاستيس، العضو الإداري والمدير التنفيذي في «مؤسسة لايتي»، وهي مؤسسة أسرية أنشأها والدها في عام ١٩٨٥، أن الأدوار المنوطة دائمًا بالمرأة فيما يتعلق بالاتصالات الأسرية تساعدها على تنمية مهاراتها اللازمة للقيادة الفعالة لمنظمتها الأسرية. وترى جاستيس أن المرأة تتجاوب مع الآليات الأسرية التي تجعلها ماهرةً في إحداث توازنٍ بين القرارات التِّجارية الصِّرفة واستثمارات المِنَح العظيمة الأثر. وتقول جاستيس: «تحرص النساء كذلك أشد الحرص على بث أخلاقيات العمل الخيري في الأجيال الشابة وتوفير وسائل لإشراكهم في الأنشطة المؤسسية، علاوةً على عطائهن الفردي. ورؤيتُهن تلك هي ما يحافظ على تماسُك العمل المؤسسي في هذا الوقت الذي يتميز بتغيراتٍ كبيرةٍ وفي المستقبل كذلك.»14

(٢) الثروة التي تربحها المرأة

النساء اللاتي يكسبن المال من العمل تفوق أعدادُهن أعدادَ النساء اللاتي يحصلن عليه عن طريق الميراث.

عندما تكسب المال بعملك، سترغب في بذل الجهد من أجل التأكد من أنه سوف يُنفَق بحكمة.15
الوريثة والمحبة لأعمال الخير أبيجيل ديزني

(٢-١) المرأة العاملة

أصبحت النساء العاملات يربحن في بيئة العمل أكثر من أي وقتٍ مضى. وتُبيِّن الأرقام الواردة في دراسةٍ أجرتْها «مؤسسة سياسة التوظيف» في عام ٢٠٠٤ أن النساء هن القطاع الأسرع نموًّا فيما يخص الأفراد الأثرياء، وأن عدد النساء اللاتي يربحن ١٠٠ ألف دولار فأكثر قد تضاعف ثلاث مراتٍ على مدار العقد الماضي.16 علاوةً على ذلك، وكما يذكر كلٌّ من ويتر وتشين في كتاب «البقعة النسائية»، فقد ارتفع دخل المرأة بأكثر من ٦٠ بالمائة في الثلاثين سنة الماضية، بينما ارتفع دخل الرجل بنحو ٦ بالمائة.17 وجديرٌ بالذكر أن الكثير من هؤلاء النساء خريجات دوراتٍ في الأنشطة التِّجارية والإدارة. إنهن يُدرِكْنَ أهمية الاستثمار والمشاركة مثلهن مثل الرجال، وذلك حسبما توصلت إليه آن كابلان، الناشطة في مجال العمل الخيري ورئيس «المجموعة المالية للدوائر المتآلفة».18
يصنع كسب المرء للمال فارقًا ملحوظًا في نظرة الناس إلى الموارد المالية الخاصة بهم وبأُسَرهم. وذكر مقال بمجلة تايم في عام ٢٠٠٩ أن نسبةً غير مسبوقةٍ من النساء (حوالي ٤٠ بالمائة) يُشكلن مصدر الرزق الأساسي في بيوتهن أو يُوفِّرن الدخل الضروري الذي تحتاجه الأسرة كحدٍّ أدنى.19 ونبشر مسئولي التنمية بأن زيادة دخل المرأة يتبعها زيادة في تبرعاتها.

(٢-٢) التنوع وعطاء المرأة

تُمثل النساء الملونات قوة اقتصادية يُعوَّل عليها. وحسبما تذكر ميريام مُولي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «السوق المتخصصة ٨٥٪»، وهي شركة أبحاث تسويقية تركز على المرأة، فإن ٣٥٫٢ بالمائة من السكان الإناث بالولايات المتحدة ينحدرن من أصلٍ غير أنجلوساكسوني؛ ويماثل هؤلاء السكان في عددهم عدد سكان إسبانيا أو إيطاليا.20 وتتوقَّع مُولي، وهي خريجة كلية إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا، أن يزيد ذلك العدد عن الرقم الحالي البالغ أربعة وخمسين مليونًا ليصل إلى ثلاثة وستين مليونًا بحلول عام ٢٠٢٠، وما يربو عن مائة مليون — أو نصف سكان الولايات المتحدة من الإناث — بحلول عام ٢٠٥٠. ويعادل الإنفاق الحالي للمرأة الملونة في الولايات المتحدة وحدها حوالي تريليون دولار، أي أكثر من إجمالي الناتج المحلي لبلدان مثل إسبانيا والمكسيك وكندا. ويشير توماس جيه ستانلي في كتابه «النساء صاحبات الملايين في المنزل المجاور»، أنه من بين جميع المجموعات العرقية، تتبرع السيدات الأمريكيات الأفريقيات الموسرات بالنسبة الأكبر؛ ما يقرب من ١٠ بالمائة من دخلهن، لما يُطلَق عليه «القضايا النبيلة».21 وتقول مُولي: «تُوصف النساء الأمريكيات الملونات بالقوة العالمية الماحقة؛ قوة لا يمكن إيقافها تُحفِّز على التغيير الشامل عَبْر كل قطاعات أمريكا.»

وعلى الرغم من هذه الثروة، توضح الأبحاث أن القليل فقط من الجمعيات غير الربحية قادر على الوصول إلى أولئك السيدات. وثَمَّةَ الكثير مما ينبغي فعله لإشراك النساء الملونات في مجال التنمية.

تجمع النساء الملونات … المزيد من الثروة في هذا البلد، ويفعلن ذلك بمعدلٍ يفوق معدل نموهن السكاني … وفي الفترة بين عامَي ١٩٩٧ و٢٠٠٦، زاد عدد المنشآت الفردية التي تمتلكها السيدات الملونات بنسبة خمسة أضعافٍ مقارنةً بكافة الشركات المملوكة لأشخاص (١٢٠٪ مقابل ٢٤٪)، وتمثل المشروعات الرائدة الوسيلة الحديثة التي تستخدمها النساء الملونات لتحقيق إنجازاتٍ لا يشعر بها أحد، وجمع ثروات طائلة وتأسيس شركات تجارية.

ميريام مُولي، «السوق المتخصصة ٨٥٪»

(٢-٣) المرأة المتعلمة ستربح أكثر وتعطي أكثر

في الندوة السنوية المصحوبة بغداء عمل، التي تُنظمها «مؤسسة شيكاجو للمرأة»، ذكَّرَت الكاتبة آنا كويندلين الحضورَ بالوظائف المتاحة أمام المرأة «فيما سبق وفي الوقت الراهن». يتطلب الأمر أحيانًا إطلاق نداء تنبيه، مثل العرض الذي قدَّمتْه كويندلين، كي يستوعب المرءُ فرصَ العمل التي أصبحت متاحةً أمام المرأة، ولم تكن قائمةً منذ ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا؛ فاليوم لدينا من بين النساء رائدات فضاء، وشريكات في شركات محاماة كبيرة، وجَرَّاحات، وحاخامات، وعضوات في قوات مكافحة الحريق والشرطة، وقاضيات بالمحكمة العليا، ومتنافسات على الوظائف العليا بالبلاد. معظم هذه الفرص جديد نسبيًّا للمرأة، ومع الفرص تأتي المنافع؛ مكاسب المرأة المادية الناتجة عن وظيفتها.

إن التعليم هو مفتاح توفير الوظائف أمام المرأة. واليوم، يحصل المزيد من السيدات على تعليمٍ جامعي؛ فهو وسيلتهن للحصول على وظائف أفضل ومكاسب أفضل. توجد الآن زيادة في السيدات المدرجات بالتعليم العالي مقارنةً بالرجال، كما أن معدلات التخرُّج الخاصة بهن تفوق نظيرتها لدى الرجال (٦٣ بالمائة مقابل ٥٥ بالمائة). وبالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسات الحديثة أن أداء النساء في الكليات أفضل من الرجال، كما أنهن يُتوِّجن رحلتهن بالكثير من مراتب الشرف.

تربح المرأة بالفعل أقل من الرجل في الوقت الحالي، ولكن مع استمرار زيادة الْتِحاق النساء بالتعليم الجامعي، ومع زيادة الحافز الذي يدفعهن للنجاح، والذي تترجمه تقديرات التخرُّج ومراتب الشرف؛ سوف تتغير أرقام المكاسب. لا شك أن قدرة المرأة على الكسب والحصول على الوظائف مرتبطة بالتعليم العالي، وتُظهر أبحاث مركز العمل الخيري بجامعة إنديانا أنه كلما زاد مستوى التعليم الذي يتلقاه الشخص، زاد عطاؤه. ومع حصول المرأة على المزيد من التعليم، سوف تواصل عطاءها في الغد بصورةٍ أكبر مما تفعله الآن.

(٢-٤) ثوابت في عطاء المرأة

توجد بعض الثوابت بين السيدات في مجال تقديم المنح والعطاء؛ إذ تشير الدراسات إلى أن النساء يُفضِّلن التبرع للتعليم، والاحتياجات الصحية، ولِبَني جنسهن من النساء والفتيات. ومع ذلك، غالبًا ما تعتمد النتيجة النهائية على الكيفية التي تُصاغ بها الدراسات المختلفة، وعلى النساء المستطلَعة آراؤهن، وعلى مصادر البحث، غير أن الاحتياجات الأساسية دائمًا ما تتصدر قوائم النساء بشكلٍ عام.

لقد كُتب الكثير عن عثور النساء (وكذلك الرجال) على مصادر شغفهن، ذلك الشغف الذي يُحدِّد في نهاية المطاف اتجاه العطاء. وقد وجدنا من خلال العمل مع النساء المتبرعات في الأنواع المختلفة من المؤسسات والمنظمات، أن من الممكن العثور على ذلك الشغف في أي مجموعةٍ من النساء تقريبًا. ربما يصعب على الكثير من النساء أن يجدن الشغف بمنظمةٍ منشأةٍ لغرض اصطياد الحيوانات والطيور وصيد الأسماك (مع كون الأمر ليس مستحيلًا)، إلا أن المراكز الطبية، والمنظمات المجتمعية، والمتاحف الفنية، والجماعات البيئية؛ قد نجحت من خلال برامجها في جذب النساء المتبرعات باستخدام المنهج الصحيح؛ التعاطف والشغف.

لقد تخطت المرأة مرحلة الاهتمام بقضيةٍ ما فحسب، وأصبحت تدرك أن التعاطف هو السبب الأكثر أهميةً للعطاء. إن المرأة تتفهَّم احتياجات المجتمع بطريقةٍ بعيدةٍ عن الأنانية وحب الذات، وتلتزم بهذه الاحتياجات. عندما أنشأت نساءٌ جمعيات إغاثة اللاجئين على السواحل في نهاية القرن الثامن عشر، ومنازل توطين النساء والأطفال في المدن في نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن ذلك نابعًا فقط من عاطفتهن ورغبتهن في مساعدة النساء والأطفال؛ فقد كان الدافع الأساسي هو التعاطف مع ظروفهم الصعبة.

إن «الارتباط» بحياتهن هو المصطلح الذي غالبًا ما تستخدمه المتبرعات، خاصةً الشابات. تقول ديبرا إنجل، من مؤسسة جامعة أوكلاهوما الحكومية، إن المؤسسة وجدت أن الارتباط — المتمثل في الاهتمامات البيئية وصحة المرأة على سبيل المثال — يلعب دورًا مهمًّا في تحديد ما تريده الشابات من الندوات المستقبلية التي تعقدها الجامعة.22

(٢-٥) المرأة بوصفها مصدرًا للإلهام وقدوةً يُحتذى بها

في بداية حركة العمل الخيري النسائي الحديثة في سبعينيات القرن العشرين، اتضح لبعض النساء صاحبات الرؤى أن بنات جنسهن يمتلكن الموارد المالية والرغبة في فعل الكثير، ولكنهن لا يعرفن سُبُل العطاء أو الوسيلة الملائمة لاستخدام إمكاناتهن. تقول كولين ويلوبي، مُنشئة «مؤسسة واشنطن للمرأة» في عام ١٩٩٦: «عقب أربعين سنة من العمل التطوُّعي الفعال، أصبحتُ على وعيٍ بالفصل بين قدرة المتبرعات على العطاء والثقة التي تدفعهن إلى تقديم منحٍ كبيرة. كان النموذج الذي وضعناه عبارةً عن شكلٍ جديدٍ من أشكال العطاء. لقد بدأت مع المرأة وركزت عليها، حيث كانت بمنزلة الفرصة المحتملة غير المرئية وغير المعترَف بها للحصول على المال من أجل أعمال الخير.»23

كانت «مؤسسة واشنطن للمرأة» نموذجًا لمئاتٍ من دوائر التبرع النسائية في أنحاء الولايات المتحدة، وانضم إلى عضويتها ما يقرب من خمسمائة امرأة، وحصلت على مِنَحٍ ناهزت ٩ ملايين دولار في وقت كتابة هذا الكتاب. كان لدى الخمسمائة امرأة القدرة على العطاء، ولكنهن في معظم الأحيان لم يُقدِمن على العطاء إلا حين تُقِرُّ واحدة من أقرانهن بقدرتهن وتُوفِّر لهن الوسيلة التي تُشجِّعهن وتُحمِّسهن على المشاركة.

ثَمَّةَ نساء أخريات متحمسات لتعليم غيرهن كيفيةَ الاندماج في العمل الخيري. تُعَدُّ سوزان كيتشوم — أول من شغل منصب نائب الرئيس للاستثمار في فرع مؤسسة ميريل لينش بجزيرة هيلتون هيد — واحدةً من مؤسسي جمعية «المرأة في مجال العمل الخيري»، وهي دائرة العطاء التي ترعاها مؤسسة لو كانتري لخدمة المجتمع. وتقول كيتشوم: «أتطلع إلى الحصول على فرصةٍ لتعليم النساء كيفيةَ ممارسة العمل الخيري؛ فالعمل الخيري مهم جدًّا لحياتي، وقد تأمَّلتُ مجموعةً من قريناتي وأدركت أن هذا الشعور لا يُراود الجميع. لقد أردت أن أساعدهن على الإحساس بنفس التجرِبة التي مررتُ بها، والتي تتلخَّص في أنه كلما زاد عطائي، زادت حياتي ثراءً وشعرت بكثيرٍ من الرضا.»24
وتعتقد كيتشوم أن دائرة العطاء قد منحت النساء فرصة التحول إلى قادة:

الآن تأتي إليَّ سيداتٌ يعملن في مجالس إدارات بعض الشركات والمؤسسات، ويقُلْن إن لديهن سلطاتٍ واسعةً ولم يَدُرْ بخلدهن مطلقًا أنهن قد يَكُنَّ قادة مجتمعٍ قبل أن يُصبِحن جزءًا من دائرة العطاء. ومبعث سروري من هذا كله يكمن في متابعة كيفية تحوُّل هذه الفكرة إلى منظمةٍ مهمةٍ وذات معنًى تمسُّ حياة النساء بطريقةٍ لم يعهدنها من قبل. لقد نجحنا في وضع هذا الأمر في محور اهتمامهن، والآن نرى هؤلاء النسوة يتعلَّمن ويتم تحفيزهن كي يُصبِحن أكثر انخراطًا في العمل الخيري. ومن خلال هذه التجربة القيادية، أصبحن كذلك أكثر مشاركةً في منظماتٍ خيريةٍ أخرى.

«لا تسأل عن احتياجات المنظمة، بل بالأحرى احرص على معرفة موطن شغف المتبرع وأكِّد على أنه سوف يحصل على مكاسبَ نتيجةً لعطائه.» هذا هو ما تعلَّمه مسئولو التنمية في الماضي. ولكن الآن لم يَعُدِ الشغف والمكاسب الشخصية كافيين للوصول إلى المتبرعات؛ فَهُمَا اثنتان فقط من الوسائل التي تستجيب لها المتبرعات. وفي هذه الأزمان الطاحنة، نجد المرأة لا تُركِّز على ذاتها، بل تتوجَّه بعطائها على النحو الذي يُحقِّق لها الرضا ويدعم إحساسها بالفضيلة؛ فهي تعطي من منطلق إحساسها بالتعاطف، وتُوجِّه العطاء نحو الحاجات التي يمكن تلبيتها. وهي تُمثل نموذجًا يحتذي به الآخرون في الوقت عينه.

(٢-٦) الاستثمار في المرأة وتغيير ثقافة العطاء

عندما ذهبت ديبرا إنجل إلى جامعة أيوا الحكومية بوصفها نائب الرئيس الأول لمؤسسة جامعة أيوا الحكومية للتنمية في عام ٢٠٠١، أدركتْ أن الاستثمار في المرأة هو المسار السليم. كانت النساء يُمثِّلن السواد الأعظم من الطلاب، وسرعان ما أصبحن المجموعة الأكبر من الخريجين، غير أنهن لا يتبرعن بما يتناسب مع أعدادهن؛ فالنساء لهن إمكانات غير مُدرَكة. ومن وجهة نظر إنجل، بدا واضحًا أن ثقافة المرأة عن الأعمال الخيرية كانت تحتاج إلى الوصول إلى مستوًى جديد.

في الحقيقة، عندما سألت إنجل زوجات أعضاء مجلس إدارة الجامعة، وجدتْ أنهن حريصاتٌ على المشاركة بشكلٍ أكبر في الجامعة. بدأت إنجل في تنظيم اجتماعاتٍ على الإفطار لمعرفة ما يُفكِّرن فيه ومناقشة طرق تشجيع المرأة على العطاء في الجامعة، وأسفرت تلك الاجتماعات عن تشكيل «لجنة جامعة أيوا الحكومية للمرأة والعمل الخيري»، بالإضافة إلى برامجَ إقليميةٍ تُركِّز على مساعدة الخريجات في الحصول على خبراتٍ مالية.

تقول إنجل: «أدركنا أن المرأة لا يمكن أن تكون مُحبةً للخير بالقدر الذي تسمح به إمكاناتها ما لم يَكُنْ لديها إحساس بوضعها المالي.»25 وبعد عامين من عقد الندوات عن التخطيط المالي — بما في ذلك التخطيط العقاري، وإدارة الأصول، وتخطيط ميراث الأسرة من المشروعات التِّجارية — وجَّهَت اللجنة تركيزَها إلى الأنشطة الخيرية، مع التأكيد على تطوير خطةٍ للعطاء.

واليوم تُعقد الندوات مرةً أو مرتين سنويًّا في الحرم الجامعي، كما تُعقد ندوات على هامش الفعاليات الإقليمية. وقد جذبت هذه الندوات عددًا متزايدًا من الحضور يصل إلى ثلاثمائة امرأةٍ في الفعاليات المقامة داخل الجامعة، بينما استهدفت الفعاليات الإقليمية مجموعاتٍ أصغر من النساء، والأزواج والزوجات.

وعندما انتقلت إنجل لتَقلُّد منصبٍ قياديٍّ في مؤسسة جامعة أوكلاهوما الحكومية في عام ٢٠٠٨، كان تأثيرها في ولاية أيوا واضحًا من حيث زيادة عدد المِنَح المقدَّمة من السيدات؛ ففيما بين عامَي ٢٠٠٢ و٢٠٠٧، زاد عدد النساء المتبرعات بنسبة ٣٧ بالمائة ليصل إلى ٢٢٤٣٨، وزاد المبلغ الإجمالي للأموال المقدَّمة للجامعة من النساء بنسبة ١٣٨ بالمائة ليصل إلى ٢٥٫٨ مليون دولار.

ولم يقتصر الأمر على زيادة عدد السيدات المقدِّمات للمِنَح فحسب، بل زاد حجم المِنَح نفسها كذلك؛ ففيما بين عامَي ٢٠٠٢ و٢٠٠٧، زاد عدد السيدات المقدِّمات لمِنَحٍ بمبلغ ١٠٠ ألف دولار فأكثر بنسبة ٥٠ بالمائة، في الوقت الذي زادت فيه منح الرجال بالشريحة نفسها بنسبة ٤٢ بالمائة فقط. لقد آتت استثمارات مؤسسة جامعة أيوا الحكومية أُكُلَها، وتغيَّرت الثقافة، والنتائج خير دليل على ذلك.

وفي معرض الحديث عن هذا الأثر الرائع، تقول إنجل إن الاستثمار المالي كان صغيرًا؛ فالمؤسسة تُخصِّص ما يقرب من ٥٠ ألف دولار لاجتماعات اللجنة، والندوة السنوية للجنة، ويتم استرداد معظمها من خلال عقود رعاية الندوة وتأمينها.

ليس ثَمَّةَ منصب أو شخص معيَّن مسئول عن توظيف العاملين لهذه الجهود؛ حيث إنه مشروع مشترك قوامه العلاقات والفعاليات الخاصة بالمتبرعات، والاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات وإعادة توجيه المِنَح وتخطيطها، وجهود مكتب النائب الأول لرئيس الجامعة للتنمية. تقول إنجل: «قام مكتبنا بتوفير القيادة اللازمة لهذه الجهود، لكنها كانت بحقٍّ مبادرةً ذات دعمٍ مشترك، عملت فيها مختلِفُ الجهات معًا لتحقيق أهداف البرنامج، وضمان النجاح، وتتبُّع المؤشرات لقياس العائد.»

وتقول إنجل إنها أدركت نجاح استثمار الجامعة في ثقافة العمل الخيري لدى المرأة عندما خاطب رئيس الجامعة، جريج جوفري، النساءَ المتبرعات. «لقد كتب الخطاب بنفسه وألقاه بحماسةٍ وإعجابٍ كبيرٍ لما حققتْه المرأة في ولاية أيوا. وشارك بقصصٍ عن النساء المتبرعات اللاتي عمل معهن، والتأثير الذي خلَّفتْه المِنَح المقدَّمة منهن. وعلى الفور تيقنت من أن عطاء المرأة بولاية أيوا كان جزءًا لا يتجزأ من منظومة أو ثقافة الأعمال الخيرية. لقد وصلت المرأة المتبرعة، وحصلت على اعترافٍ بدورها في هذا المجال.»

نصائح إنجل لمسئولي التنمية الذين يسعَوْن لتغيير ثقافة العطاء بمؤسساتهم:

كل منظمةٍ لديها ثقافتها التنظيمية. وبصفتك قائدًا، سيُطلب منك دومًا أن تُشكِّل هذه الثقافة. ويمكن لثقافتك التنظيمية أن تؤثِّر على عطاء المرأة. سل نفسك هذه الأسئلة:

• هل تبدأ حواراتك عن العطاء باستكشاف القيم لدى المتبرع؟

• هل تُشجِّع العمل الخيري الأُسري؟

• هل لديك ثقافة تعاونية تهتم باكتشاف المصالح المتعددة للمتبرعات أكثر من اهتمامها باحتياجات المؤسسة؟

• هل لديك ثقافة للعمل الخيري، وقيادة تُوجِّه جموع النساء، ونماذج للعطاء يُحتذى بها؟

(٣) معلومات سريعة

إن العمل الخيري عند المرأة ذو أهميةٍ قصوى للأسباب التالية:
  • أصبحت إمكانات العطاء لدى المرأة أعظم من أي وقتٍ مضى، وقد بدأت المؤسسات المالية تُقرُّ بذلك.

  • تبذل المرأة بالفعل العطاء، وفي بعض الحالات تعطي أكثر من الرجل.

  • غالبًا ما تكون المرأة صاحبة القرار في المؤسسات الأُسرية.

  • تتزايد مكاسب المرأة وتعليمها وميراثها. وفي الوقت الذي يحدث فيه ذلك، يتزايد عطاء المرأة.

  • تتحكم المرأة في عملية العطاء داخل الزيجات وفي المؤسسات الأُسرية.

  • تتولى المرأة عادةً إدارة أموالها، ومن ثَمَّ حياتها.

  • سوف تدعم المرأة جميع القضايا متى وجدت الطريق الصحيح لذلك.

  • تقود المرأة الدرب في مجال العمل الخيري.

  • تُمثِّل النساء من الأقليات سوقًا مهمًّا مليئًا بالتحديات للمؤسسات غير الربحية.

  • يُغيِّر عطاء المرأة من ثقافة التبرُّع.

  • الاستثمار في العمل الخيري لدى المرأة يؤتي ثماره.

هذه الحقائق من الأهمية بمكان؛ لأنها تتحدَّى الأنماط التقليدية العتيقة وتُصوِّب إجحاف الماضي تجاه المرأة، كما تُغيِّر تفكيرنا بشأن إمكانات المرأة في العمل الخيري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠