الفصل الخامس

القاعدة الأدبية

بحثنا في الفصول الثلاثة السابقة في كيفية الحكم على الفعل الأدبي؛ هل هو حسن وصواب وحق أو ليس كذلك، وأسهبنا في بيان أساليبه التي تكفل إصابة الحكم وسداده، وأبنَّا أن هناك قاعدة أدبية يطبق عليها الحكم، وأشرنا إليها إشارة موجزة. وفي هذا الفصل نبحث في ماهية القاعدة الأدبية العامة وطبيعتها كشريعة من جملة الشرائع تنطوي فيها جميع المبادئ الأدبية.

(١) طبيعة القاعدة الأدبية

(١-١) استقلال القاعدة الأدبية عن التعقل والأهواء

إن ما بين التعقل والعواطف من التنازع والتباين في تحريك الأفعال جعل لعلم أدب النفس وجهتي نظر، وللبحث فيه موضعين رئيسيين يقابلان وجهتي النظر، وقسَّم العلماء الأدبيين إلى فريقين اختص كل منهما بأحد الموضوعين. وهكذا تباينت مناهج الفريقين في سياق أبحاثهما، وتباينت تعاليمهما.

ومحصل تعليم أحدهما أن التعقل عبد للأهواء، ولا بد أن يكون كذلك؛ لأنه لا يستطيع إلا أن يقود نوابض النفس أو شهواتها، ويدربها في السبيل المفضي إلى إرضائها وإشباعها. وبحسب هذا التعليم يكون الجيد أو الحسن الرئيسي للحياة منحصرًا في إرضاء نوابض الحياة أو شهواتها حين تنبض. وهذا هو مآل تعليم السروريين Hedonisis.

ومحصل تعليم الفريق الآخر المباين لذلك هو أن للحياة الأدبية سنة يجب أن تخضع لها تلك النوابض لكي تتكيف في شكل نظامي. ومن مباحث هذا الفريق يُستنتج أن هذه السنة هي سنة التعقل، وأن حاصل الغاية التي يتجه إليها النابض المدرب هو السرور أو اللذة.

وهناك فريق آخر يتوسط بينهما، ويعد الغاية التي يتجه إليها النابض قوة لا لذة، وأن السنة التي يجب أن يخضع لها النابض ليست التعقل، بل هي السنة الأدبية، ونحن في هذا البحث نتخذ هذه الخطة الوسطى.

إن الصورة الأدبية تتمثل في شكلين رئيسيين؛ وهما: الصواب١ والحسن، فنحن نتصور الأدبية متمثلة في قاعدة أو مبدأ أو طريقة للسعي إلى غاية، وبعض الباحثين تحوم أفكارهم حول قاعدة رئيسية للأدبيات يعدونها سنة أمرية يُعرَف بموجبها ما هو الصواب الذي يجب أن يُفعل، وآخرون يعتبرون الحسن ما يُسدِّد الناس إليه قصدهم. وبناء على هذا الاعتبار يحكم على أفعالهم محمودة أو مذمومة؛ فعند الأولين القاعدة الأدبية العليا هي سنة الواجب، وعند الآخرين هي سنة السعادة.

وإذا أدمجنا السُّنَّتين معًا كان الكمال سنة الأدبيات. والمراد بالكمال هنا كمال الشخصية.

(١-٢) القاعدة الأدبية سجية

تبتدئ كل سنَّة أدبية بشكل شريعة أمرية تقضي بثواب وعقاب، وعلى التمادي تصبح طاعة الشريعة عادة، ويشعر الناس أنها شيء حسن لما توليه من الخير للأفراد وللمجتمع، وحينئذٍ تقل الحاجة إلى تنفيذها بالقوة؛ فينفذها الجمهور طوعًا واختيارًا، ثم على التمادي أيضًا تصبح عادة، وطاعتها غريزة موروثة أو سجية، فلا يشعر الناس أنها شيء حسن فقط، بل يشعرون أنها طبيعة أو خلقة فيهم، فلا يبقى لزوم لشرعيتها، ولا لقوة تنفذها. حينئذٍ تصبح شيئًا حقًّا أو صوابًا؛ ولهذا تعد سنة أدبية، سنة الواجب الحق الصواب.

فنحن الآن نكتسي ساترين عورتنا من غير أن تكون لنا شريعة اكتساء منفذة بالقوة؛ لأننا نشعر أن ستر العورة أمر صواب وحق، فضلًا عن أنه أمرٌ حسن، ونخجل إذا انكشفت عورتنا حتى ولو كنَّا في خلوة، ولكن في القديم كان ستر العورة شريعة أمرية؛ لأن الناس لم يكن لهم شعور الخجل بانكشاف العورة. قِسْ على هذا عادة الحجاب وغير ذلك من العادات التي كانت في الأصل شرائع أمرية فأصبحت سنة أدبية متبعة طوعًا واختيارًا بلا إكراه.

وإلى الآن كلما رامت الهيئة الاجتماعية عادة أدبية جديدة اشترعت لها شريعة أمرية لتنفذها بالقوة ريثما تصبح على التمادي عادة مستحبة، مثال ذلك: البصاق في رصيف الشارع، أو في الترام، أو في أي مجتمع يعد في بعض الممالك مخالفة يغرم عليها المخالف غرامة مالية؛ ففي الولايات المتحدة يغرم مائة جنيه من يبصق في الترام، ومائة ريال من يبصق على الرصيف.

فالسنَّة الأدبية إذن هي الواجب الذي يفعله الإنسان من تلقاء نفسه؛ لأنه حق وصواب، فهي سجية فيه، ولكي نفهم حقيقة معنى السنَّة الأدبية نجلو حقيقة سائر السنن الأخرى، ولا سيما لأن لها تأثيرًا في الحياة الأدبية.

(١-٣) السنن العمومية جمعاء

  • (١)
    السنن الكونية الطبيعية: كسنن الجاذبية والنور والحرارة والكهرباء إلخ، فهذه سنن عامة ثابتة غير متغيرة بالنسبة لحياتنا المحدودة الأجل، وليس في وسعنا أن نعصاها؛ ولذلك نستنتج الحوادث الطبيعية القادمة مما حدث في الماضي، فنعلم أن الشمس تشرق في الصباح ولا قدرة لنا على منع شروقها، ونعرف أن الربيع يعقب الشتاء، والصيف يعقب الربيع إلخ، وليس في وسعنا أن نبدِّل الربيع بالخريف.
  • (٢)
    السنن الاجتماعية المحتومة: وهي ما قضت به روح الاجتماع وعوامله، وهي غير عامة وغير ثابتة، بل هي متغيرة، على أن منها ما لا تمكن مخالفته؛ كسنة العرض والطلب في الأمور الاقتصادية، فهي ثابتة ما دام النظام الاجتماعي إفراديًّا، ولكن إذا صار النظام اشتراكيًّا انتفت السنَّة برمتها؛ إذ لا يبقى لها لزوم.

    وما دامت سارية فهي جيدة للحال الاجتماعية الجارية، ولا يمكن أن تخالف أو تُعصى؛ لأنَّ تقابل العرض والطلب يحدد السعر، ومَن يرمِ أن يرفع السعر عما حددته هذه السنة لا يستطيع أن يبيع شيئًا، ومن يطلب السلعة بثمن أقل من السعر لا يستطيع أن يشتري؛ فسنة العرض والطلب وإن كانت قابلةً التغير ليست قابلةً المخالفة أو العصيان.

    كذلك اللغة وقواعدها هي سنة تختلف باختلاف الأقوام، وقابلةً التغير بتقلب الأزمان؛ فلغة اليونان اليوم غير لغتهم في قديم الزمان، ولكنها لا تخالف؛ لأن من يخالفها بتغيير قاعدة فيها، أو بتغيير معاني بعض ألفاظها يعجز عن التعبير بها، ويستحيل عليه التفاهم بواسطتها. فهو لكي يستطيع أن يتفاهم مع غيره بها مضطر أن يحافظ على معاني ألفاظها، وعلى قواعد نحوها وصرفها.

    ومن السنن الاجتماعية ما تمكن مخالفته؛ كالزواج والحجاب والعادات العرفية والأزياء إلخ.

  • (٣)
    السنن المدنية: أي الشرائع الأمرية، فهي غير عامة ولا ثابتة، بل هي في كل بلاد غيرها في الأخرى، وهي اليوم غيرها بالأمس. وهذه أيضًا تمكن مخالفتها؛ فقد يعصاها بعض الناس سرًّا وجهرًا إذا رضوا بتحمل العقاب.
  • (٤)
    الشرائع الدينية: وهي كسابقتها غير عامة وغير ثابتة، وقابلةٌ المخالفة، فلمن هو مستعد لتحمل عقاب الآخرة أن يعصى وصايا الإله.

(١-٤) طبائع السنن المختلفة

فترى مما تقدم أن السنن مختلفة الطبائع من حيث التغير والمخالفة، فمنها: (١) سنن قابلة التغير وقابلة المخالفة؛ كالسنن المدنية. (٢) سنن قابلة التغير ولكنها غير قابلة المخالفة؛ كالسنن الاقتصادية. (٣) سنن غير قابلة المخالفة وغير قابلة التغير؛ كالسنن الكونية بالنسبة إلينا. (٤) سنن غير قابلة التغير ولكنها قابلة المخالفة؛ كالسنة الأدبية.

(١-٥) ثبات السنة الأدبية

إذن السنة الأدبية لا تقبل التغير؛ لأنها سنة الحق أو الصواب. والحق أمر عام وثابت في كل زمان ومكان، ولكنها تقبل المخالفة لأنها ليست وراء دائرة الذاتية الشخصية؛ كسنة الجاذبية مثلًا، أو كسنة العرض والطلب، أو كسنة اللغة؛ لأن المعاملة بحسب هذه السنن لا تتم إلا بتوافق طرفين؛ أحدهما: الشخص، والآخر: السكون في الأولى، والمجتمع في الثانية، بل هي ضمن دائرة الشخصية. فللشخصية أن تتخلق بها أو أن تتجرد منها؛ ففي حالة تخلُّقها بها تكون شخصية كاملة متجهة إلى المثل الأعلى في الجودة، وفي حالة تجردها منها لا تبقى شخصية إنسانية أدبية؛ أي إن الذاتية تفقد حينئذ الشخصية الكاملة المشار إليها.

فالسنة الأدبية تختلف عن السنن الاجتماعية المدنية والدينية بكونها غير قابلة التغير كهذه، ولكنها تتفق معها بكونها قابلة المخالفة، على أنها تخالف السنن الدينية والمدنية بكونها غير أمرية، بل هي حتمية طوعية. وهذا القول يستلزم تفسيرًا كما سترى فيما يلي:

(١-٦) السنة الأدبية سجية

الشرائع الدينية والمدنية أمرية؛ لأن الأُولَى صاغها إله، والأخرى صاغها النظام الاجتماعي بقالب «يجب أن تفعل أو لا تفعل»؛ فإن خالفت الشرائع الدينية عوقبت في الآخرة، أو إن خالفت الشرائع الدينية عوقبت في هذه الدنيا، فهي صادرة من سلطة خارجة عن ذاتية الشخصية، مصحوبة بالوعد أو الوعيد، والشخصية مطالبة بطاعتها، بيد أنها حرة في الاختيار بين الطاعة والعقاب.

وأما الشريعة الأدبية فليست أمرية هكذا؛ لأنها سجية داخلية مندمجة في الشخصية الإنسانية الكاملة، وهي حتمية ما دامت الذاتية محافظة على إنسانيتها وكمالها؛ أي إن حفظ السنة الأدبية أو المحافظة عليها سجية في الشخصية الإنسانية، فهي إذن أمر لا بد منه لقيام الشخصية الإنسانية، وهي طوعية؛ أي اختيارية؛ بمعنى أن المرء حرٌّ في أن يحتفظ بشخصيته الإنسانية الكاملة فيتمشى على السنة الأدبية حتمًا، أو أن ينبذ شخصيته الإنسانية ويقتصر على ذاتيته الحيوانية المسيرة بقوة الغرائز والشهوات فقط من غير تقيد بالشرائع.

كذلك تختلف السنة الأدبية عن السنتين الدينية والمدنية بكونها لا تعرض عقوبة لمخالفتها؛ لأنها ليست أمرية كما تقدم بيانه، وإنما العقوبة تجلبها المخالفة نفسها معها. فكل خطيئة تجلب عقابها. وهذا يستلزم زيادة إيضاح أيضًا.

إن ذا الشخصية الإنسانية الكاملة يتمشى على الشريعة الأدبية لا تحاميًا للعقاب، بل لأن هذه الشريعة سجية فيه، وإرضاء هذه السجية غايته الحسنى، وسعادته قائمة ببلوغه إلى هذه الغاية وإرضائه هذه السجية، فإذا خالف السنة الأدبية فقد بالطبع هذه الغاية، وانثلمت شخصيته الإنسانية الكاملة، وكان فقد الغاية وانثلام كمال الشخصية كعقوبة له؛ فترى أن العقوبة جاءت عن يد الخطيئة لا عن يد السنة الأدبية؛ لأن هذه السنة ليست أمرية كالشرائع الدينية والمدنية لتكون مقرونة بالوعد والوعيد، بل هي عنصر طبيعي محتوم وجوده في الشخصية الإنسانية، وبدون وجوده فيها لا تكون الشخصية إنسانية، بل تكون حيوانية فقط.

(١-٧) سنة «لا بدَّ»

فترى مما تقدم أن السنة الأدبية مصوغة بقالب «لا بدَّ»، وأما الشريعة المدنية والدينية فمصوغة بقالب «يجب»؛ فالشريعة تقول: «يجب أن تفعل كذا أو لا تفعل كذا وإلا عوقبت، وليس لك أن تناقش فيما إذا كان هذا حقًّا أو صوابًا.»

وأما السنة الأدبية فتقول لك: «لا بد أن تفعل كذا إذا كنت محتفظًا بشخصيتك الإنسانية الكاملة؛ فإن لم تفعل فقدت شخصيتك هذه.»

إذن الواجب الشرعي أمر مفروض على الإنسان، وأما الواجب الأدبي فشيء لا بد منه في طبيعة الإنسان، فإذا عنينا بالواجب والحق كسنة أدبية كنا نعني به أمرًا لا بد منه لقوام الشخصية، وإذا عنينا به كشريعة مدنية أو دينية كنا نعني به واجبًا مفروضًا على الإنسان.

(١-٨) السنة الأدبية مثل أعلى

ربما لاح في بال القارئ بعد هذا الشرح هذا الاعتراض: إن السواد الأعظم من الناس يريدون أن يكونوا ذوي شخصية إنسانية كاملة، ويودون التمشي على سنة الحق والواجب احتفاظًا بشخصيتهم هذه، ولكنَّهم لاختلاف في عقليتهم وذكائهم وظروفهم قد يختلفون في فهم الحق والصواب. إذن يمكن أن لا تكون السنة الأدبية «سنة الحق والواجب» عامة وثابتة، وأن يختلف الحق والواجب عند الناس والأقوام.

هذا حقيقي، قد يختلف الناس والأقوام في فهم الحق؛ ولذلك قد يتراءى لنا أن الحق ليس واحدًا، ولكن مما لا ريب فيه أن جميع الناس المتعقلين وجميع الأمم الراقية متفقون على أن للإنسانية سنة أدبية واحدة ثابتة عامة غير متغيرة؛ هي سنة الحق والواجب، وجميعهم متفقون على أن الحق واحد لا يختلف فيه اثنان؛ أي إنه كالأوليات الرياضية، وإنما إذا اختلفوا في تحديد الحق والواجب فلأن جانبًا منهم منثلمو الشخصية الإنسانية الكاملة التي أشرنا إليها آنفًا — وقد تمثلت في تضاعيف أبحاثنا الآنفة والآتية شخصية ذكية عارفة متعلقة فطنة فاضلة — أو لم يستطيعوا أن يتمشوا على السنة الأدبية؛ فضلُّوا السبيل عن الحق والواجب، وادعاه كلٌّ منهم كما شاءه لا كما هو.

(١-٩) السُّنَّة الأدبية تكمل الشخصية

فالحق والواجب مثل أعلى يُسعَى إليه لا وصية تطاع أو تعصى. وما دمت تسعى إلى هذا المثل الأعلى فأنت تمشي على السنة الأدبية؛ سنة الحق والواجب، وأنت محتفظ بشخصيتك الكاملة، فإن أسأت فهم الحق والواجب وأنت حسن الإرادة والقصد، فلا تفقد شخصيتك الإنسانية الكاملة؛ لأنك لا تلبث أن تشعر بانثلامها عند ظهور الخطأ، ومتى ظهر لك الخطأ لا تلبث أن تصححه توخيًا لسلامة شخصيتك.

لا بدع أن نضِلَّ السبيل عن الحق والواجب لجهل أو لضعف، ولكننا ما دمنا مصرين على السعي إلى المثل الأعلى فنحن في سبيلنا إلى محجة الحق والواجب، ولا بد أن نصل.

ولو كان جميع الناس يستوفون الحكمة والقوة الأدبية والفطانة والتعقل لوجدوا أنفسهم ملتقين عند نقطة واحدة؛ هي نقطة الحق الواحد المطلق العام الثابت، ولا يحتاجون حينئذٍ لاعتناقه إلا إلى حسن الإرادة والقصد، فإذا كان لهم هذا أيضًا صاروا آلهة.

فاختلاف الناس في الحق ليس لأن الحق غير موجود، أو غير مطلق، أو هو نسبي، ولا لأنه ليس سنَّة ثابتة ولا عامة، بل لأنهم مختلفون في الحكمة والتعقل وحسن الإرادة، فهناك أناس حكماء يفهمون الحق ولكنَّهم لا يريدونه كما هو، بل كما تريده شهواتهم، وهناك أناس حسنو الإرادة ويبتغون الحق، ولكنهم ضعاف الحكمة سيئو التعقل؛ فيسيئون فهمه. وهناك أنصاف آلهة حكماء حسنو التعقل والإرادة، فيفهمون الحق تمامًا ويعتنقونه. هكذا يختلف الناس في ادعاء الحق.

•••

قبل الانتقال من هذا الموضوع لا بدَّ من ملاحظة لدفع بعض التباسات على القارئ، لم نفرق بين الشرائع الأدبية والدينية والمدنية، باعتبار أنها مستقلة بعضها عن بعض في الحياة العملية، وإنما هي متمايزة من الوجهة الفلسفية، فكل شريعة دينية أو مدنية مشتملة على الحق والصواب إنما هي شريعة أدبية أيضًا؛ كالصدق أو الأمانة مثلًا، فالشرائع الثلاثة تقول: لا تكذب ولا تسرق.

فإن كان الإنسان لا يكذب خوفًا من عقاب الآخرة، ولا يسرق خوفًا من السجن؛ كان طائعًا الشريعتين الدينية والمدنية، ولكنَّه لا يعد إنسانًا أدبيًّا، ولا يكون ذا شخصية إنسانية كاملة حين يرتدع لهذا الغرض، وإنما إذا كان يصدق ولا يسرق فلأنه ينفر من الكذب والسرقة، ويستلذ الصدق والأمانة لا لأنه يخاف العقاب؛ فهو إذن إنسان أدبي ذو شخصية أدبية كاملة.

(٢) قاعدة الحقوق والواجبات القومية

(٢-١) تعارض الحقوق والواجبات الفردية القومية

رأيت فيما سبق أنه قد يعرض للضمير وجهان في قضية واحدة، أو يتعارض حقان في سلوك واحد، فيختلط على الضمير أمرهما، مثال ذلك: أن فئات العمال الأوروبية تجحد الحرب، وتنشر دعاية لشجب كل حرب، ولكن لما شبت الحرب العظمى تطوع قسم منهم أو انتظموا في سلك الجندية عن رضًى، بدعوى أن الدفاع عن الوطن حق، والقسم الآخر بقوا يشجبون الحرب، فهل الصواب واحد، أو متعدد، أو مختلف الوجوه؟ والجواب أن الحق نسبي في الجماعات كما سيتضح لك فيما يلي.

سترى في فصل آخر عن الحياة الإنسانية الأدبية أن قاعدة الحق والصواب هي الحرص على المثل الأعلى؛ فكل سلوك يتجه إلى المثل الأعلى هو صواب. والمثل الأعلى هو هدف الرقيِّ الذي ترمي إليه الحياة الإنسانية. والحياة الإنسانية الصاعدة في سُلَّم الرقي إلى المثل الأعلى — في الجمال والجودة اللذين تقوم بهما السعادة — إنما هي الحياة الاجتماعية لا الحياة الفردية، وما الحياة الفردية إلا جزء منها تنال قسطها من السعادة عن يدها كما سترى في فصل آتٍ؛ لذلك تجد مقر الصواب والحق والجيد إنما هو في الحياة الاجتماعية.

إذن لا معنى للحق والصواب في الفرد وحده إذا استطاع فردٌ أن يستقل بمعيشته تمام الاستقلال، كما لو عاش في عزلة بعيدًا عن الناس، فلا حدَّ لحقه ولصوابه، وله أن ينقاد لغرائزه فقط؛ إذ لا شأن له في الحياة الأدبية، ولا الحياة الأدبية متوقفة على فرد، ولا هي ذات معنى لهذا الفرد، بل هي متوقفة على الجماعة، فحيث وجدت جماعة صار للحق والصواب معنًى؛ لأن خطط السلوك حينئذٍ يحتمل أن تحتك وتصطدم وتتقاطع؛ إذن نبتدئ قاعدة الحق أن تتأسس في الجماعة.

(٢-٢) حقوق الأسرة والقبيلة

إن نواة الجماعة الأولى العائلة، وغرض العائلة الرئيسي الحرص على البقاء، والحرص على كل ما يمكن من السعادة، وهي لا تستطيع البقاء والحصول على السعادة إلا إذا تمتع كل أفرادها بهما، فإذا تعرض أحدهم لخطر ولم يتداركه الآخرون تعرضت العائلة للانفكاك، وبالتالي تعرض سائر الأفراد للخطر نفسه؛ إذن يجب أن يفضي سلوك كل فرد من أفراد العائلة إلى الحرص على بقائها وعلى سعادتها جميعًا. وهذا الوجوب يوجب أيضًا أن يكون على كل فرد واجبات، وله حقوق متكافئة، بحيث يبقى أفراد العائلة مرتبطين متضامنين.

ثم إذا تناسلت العائلة فأصبحت عدة عائلات في أسرة واحدة نشأ حقل آخر للحقوق والواجبات بين عائلات الأسرة ترتبط فيها العائلات وتتضامن، وبقدر محافظتها على هذه الحقوق والواجبات تضمن بقاءها وسعادتها. وأقل تغرض أو تحيز أو تشيع أو غبن في الحقوق بين العائلات يعرضها للانفكاك، وبالتالي يعرض بقاءها وسعادتها للخطر.

هنا صار عندنا حقلان من الحقوق والواجبات: حقل أدنى؛ وهو حقل العائلة، وحقل أعلى منه، وهو حقل الأسرة. ويحتمل كثيرًا أن يتضارب الحقلان، يحتمل جدًّا أن يصطدم حق العائلة بحق الأسرة. قد يهمل رب العائلة قسمًا من واجباته عن عائلته لكي يقوم بواجبه نحو الأسرة، كأن يترك زراعته أو ماشيته لينضم إلى رجال الأسرة في الدفاع عن الأسرة كلها، أو قد يضطر أن يقدم بعض مورد رزقه لبيت المال لكي ينفق على مصالح الأسرة، أو العشيرة، أو القبيلة، إذا انضمت بعض أسرات لبعض، وبذلك يكون قد حرم أسرته أو عائلته بعض ذلك الرزق.

فهنا لديه سعادة عائلته وسعادة الأسرة أو العشيرة، فعلى أيهما يجب أن يكون أحرص؟ إذا كانت سعادة عائلته متوقفة على سعادة العشيرة كلها، فبالطبع يجب أن تُقدَّم سعادة العشيرة على سعادة العائلة. هذا إذا كانت روابط العشيرة متينة. وأما إذا كانت هذه الروابط رخوة، والخلاف والنزاع ينتاب العشيرة كل حين بعد آخر، فالمسافة فيها نظر، فللفرد أن يتحمل من الواجب نحو العشيرة بقدر ما فيها من الارتباط والتضامن، وإلا كانت تضحيته الكثيرة لها غبنًا لعائلته أو لأسرته.

هكذا الأمر بين الأقوام والأمم والشعوب، فإن مقدار ما في القوم من التضامن والتكافل والتعاون يعين ما على الفرد من الواجب وما له من الحق، أو يقسم حقه وواجبه بين نفسه أو عائلته وبين قومه. والجماعات عشائر أو قبائل أو أقوامًا أو أممًا وشعوبًا تسير في سبيل رقيِّها إلى المُثُل العليا بقدر ما فيها من التضامن والتعاون، اللذين يُعيِّنان ما على أفرادها من الواجبات وما لهم من الحقوق.

وبقدر ما تتوزع الحقوق والواجبات بالتكافؤ حسب الاستحقاق والمقدرة تسرع القبيلة أو الأمة في سبيل الرقيِّ. والأمة التي يختل فيها هذا التوازن بين أفرادها في الحقوق والواجبات، ويكثر فيها الغبن والحيف والاغتصاب — إما لأن القوانين غير عادلة، أو لأنها غير منفذة — تتقهقر وتتعرض للفناء.

(٢-٣) محدودية حق الفرد وواجبه

إذن حق الفرد وواجبه محدودان بحدود دائرة أمته أو قومه، وما وراء هذه الدائرة يباح له كل ما يستطيع الحصول عليه، ولا يجب عليه شيء. على هذه القاعدة تعينت الحقوق والواجبات في الأمم القديمة، وعلى هذه القاعدة كانت القبائل والأمم تغزو بعضها بعضًا، وتعد الواحدة ما تنهبه من الأخرى بالسيف حقًّا لها جزاء لانتصارها؛ أي لأرجيحة قوتها على قوة الأخرى، ولكن إذا كان أحد أفراد هذه الأمة المنتصرة ينهب جاره يعد مجرمًا ويعاقب.

على هذه القاعدة أوعز موسى لنساء بني إسرائيل أن يستعرن حلي نساء المصريين ليأخذنها معهن حين هربت الأمة الإسرائيلية من مصر، وعلى هذه القاعدة كان موسى يعد بني إسرائيل وهم في برية سيناء بأرض كنعان وبيوت أهلها وإناثهم وماشيتهم كغنيمة لهم، وعلى هذه القاعدة تستبيح دول أوروبا الآن استعمار بلاد الشرق وشمالي أفريقيا، واستثمار أتعاب أهلها.

فهي تقيم قسط الحق بين أفراد شعوبها، ولكنها لا تقيمه بينها وبين أمم الشرق، ولا بين بعضها والبعض، بل تعتمد على القوة في تحديد الحق، فإذا حدث صدام بين حق إنكلترا وحق مصر مثلًا كان حق إنكلترا عند الإنكليزي مقدمًا؛ لأن لها أسطولًا يأخذه عنوة، ولكن إذا حدث مثل هذا الصدام بين إنكلترا وكندا أو أستراليا مثلًا لا يتحرك الأسطول، بل يتقدم قضاء بريطانيا والمستعمرات للفصل في الخلاف على قاعدة الحق الذي عينه تضامنها وتعاونها.

(٢-٤) نسبية الحق والواجب لقوة التضامن

فترى مما تقدم أن سنة الحق والواجب القوميين نسبيان؛ أي إن الحق والواجب مناسبان لقوة التضامن والتكافل بين الأفراد والجماعات. فالحق في الجماعة أو الأمة الواحدة هو الحق الذي يقضي به الضمير ولو مسندًا إلى شريعة تزكيه، ولكنه بين جماعة وأخرى، أو أمة وأخرى، أو طبقة وأخرى؛ كالأعيان والعامة، تعينه القوة بنسبة القوتين المتنازعتين. ولا يخفى عليك أن الحق الذي تعينه القوة ليس حقًّا أدبيًّا.

(٢-٥) الحق والواجب المطلقان

قد تقول إذن: لا حق مطلق مستمد من الضمير، وغير مستند على القوة، وإذن لا شأن للسنن الأدبية؛ لأنها لا تعين الحق المطلق مهما اختلف الأفراد والطبقات والجماعات والأمم.

بلى، يوجد حق مطلق لا مصدر له غير الضمير السليم إذا ألغينا القومية والشعبية والدولية، وأقمنا مكانها الإنسانية فقط، وجعلناها رابط الأمم الأسمى، واعتبرنا جميع الناس على اختلاف مللهم ونحلهم أفرادًا في مجتمع واحد هو الإنسانية، حينئذٍ يعين الحق المطلق التضامن المفروض بين جميع الناس، وتعاونهم في السير بالإنسانية إلى المثل الأعلى في السعادة العامة.

ونعتقد أن العالم كله سائر في هذا السبيل تحت راية الإنسانية؛ لأن الأمم بِجَرْيها جميعها نحو المثل الأعلى في رُقيِّها الأخلاقي والعلمي والسياسي والاقتصادي أصبحت تشعر بضرورة التضامن العام والتعاون الشائع. وهما يوجبان عليها توحيد الحق والواجب والاتجاه إلى الحق المطلق. فالأمم الآن تتبادل المنافع وتشترك في المصالح؛ ولذلك تعقد المعاهدات وتسنُّ القوانين الدولية. وأخيرًا لم ترَ بدًّا من إنشاء القضاء الدولي، وتأليف جمعية لهذا الغرض.

نعم، إن هذه المعاهدات والقوانين الدولية ونحوها لا تكفل حتى الآن قيام الحق المطلق؛ لأن ارتباطها بعضها ببعض لا يزال واهنًا ضعيفًا رخوًا، ولهذا لا تزال هذه القوانين متحيزة متشيعة مغرضة. وإنما كلما جرت الأمم في سبيل الرقيِّ انضمت تحت لواء الإنسانية العامة، وتوثقت روابطها، وبالتالي قربت إلى الحق المطلق الذي هو مثل أعلى أيضًا.

١  والصواب هنا يشمل الحق أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١