الواجب على المرأة لعائلتها

إلى هنا كان كلامنا في التربية والأعمال التي لا بد منها لحفظ وجود المرأة على الوجه اللائق بها. ونريد الآن أن نتكلم على الأعمال والتربية التي تلزم للمرأة لتكون نافعة في عائلتها.

وجميع الناس متفقون على أن قوام العائلة ونظامها في يد المرأة، ولكن ليس كل كالناس سواء في فهم هذه القضية، فالجمهور الأعظم من الناس يفهمون أن معنى ذلك هو أن تقوم المرأة بخدمة زوجها وأولادها إن كانت العائلة فقيرة، أو تدبر أعمال الخدمة للذين يؤدون هذه الأعمال بأوامر تصدرها إليهم ومراقبتها لهم إن كانت العائلة غنية.

إلى هذا الحد يقف فكرهم: هكذا بخسنا المرأة حقها في جميع الأحوال، فبعد أن حرمناها حريتها وأفقدناها استعدادها للقيام بضرورات حياتها انتهى بنا الحال إلى أن ضيقنا دائرة أعمالها، حتى في العائلة. وهذا أقوى دليل على أن كل ما يختص بارتقاء المرأة يرتبط بعضه ببعض، فالمرأة المهذبة الحرة هي التي يمكن أن يكون لها نفوذ عظيم في عائلتها، والمرأة الجاهلة المستعبدة لا يمكن أن يكون لها من النفوذ في عائلتها أكثر مما يكون لرئيسة الخدم في البيت.

ظن المسلمون أن تمتع المرأة بحريتها، واشتغالها بما يهتم به الرجال والتوسع في تربيتها يفضي إلى إهمالها في القيام بما يجب عليها في الشئون العائلية، فوضعوا بينها وبين العالم الخارجي حجابًا تامًا؛ حتى لا يشغلها شيء عن معاشرة زوجها وإدارة منزلها وتربية أولادها. ولكن انظر إلى النتيجة تجد أنها خلاف ما قصدوه؛ حيث إن المرأة المصرية لا تعرف كيف تعاشر زوجها، ولا يمكنها أن تشتغل بإدراة بيتها ولا تصلح لأن تربي أولادها.

ذلك لأن جميع أعمال الإنسان مهما اختلفت وتنوعت هي صادرة عن أصل واحد وهو عمله وإحساسه، فإن كان هذا الأصل راقيًا كان أثره في كل شيء كبيرا نافعا حميدا وإن كان منحطًا كان أثره في كل شيء حقيرًا ضارا غير محمود.

فالوظيفة الحقيرة التي تؤديها المرأة المصرية عندنا اليوم في العائلة هي لمنزلتها من ذلك الأصل المتقدم ذكره، ولكن عجز نسائنا الآن عن القيام بالأعمال التي ينبغي أن تناط بهن لا يحملنا على اليأس من ارتقائهن ولا على الحكم باستحالة بلوغهن إلى الحد الذي يرجى لهن.

فعلى المرأة واجبات غير ما يظن الجمهور عندنا، وأهم هذه الواجبات هي: تربية الأولاد:

إذا أردت أن تعرف مقدار جهل الأمهات عندنا بأبسط مبادئ التربية، انظر إلى إحصائيات وفيات الأطفال عندنا وإحصائيات تلك الوفيات في مدينة مثل (لوندره) تجد أن عدد الموتى من أطفالنا يزيد عن ضعف عدد الموتى من أطفال مدينة (لوندره) وقد اطلعت على إحصائية مصلحة عموم الصحة التي نشرت في هذا العام فوجدت أن عدد المتوفين بين الأطفال الذين لم يتجاوز عمرهم خمس سنين هو في مدينة القاهرة ١٤٥ في الألف ويقابل ذلك في مدينة (لوندره) ٦٨ في الألف.

فإذا كانت صحة أولادنا، ومرضهم وحياتهم وموتهم متعلقا بالطريقة التي يتبعها النساء في تربيتهم، أفلا يكون من ضعف العقل وسخافة الرأي أن نكل أولئك الأولاد إلى ما يقترحه الجهال، ونتركهم إلى خرافات المراضع ونصائح العجائز تتصرف فيهم كيف تشاء؟!

إن الأمهات الجاهلات يقتلن في كل سنة من الأطفال ما يربو على عدد القتلى في أعظم الحروب! وكثير منهن يجلبن على أولادهن أمراضًا وعاهاتٍ مزمنة تصير بها الحياة حملا ثقيلا عليهم طول عمرهم، وليس لهذا البلاء سببٌ في الأغلب سوى جهل الأمهات بقوانين الصحة، لو كانت أم الطفل تعرف أن كل ما يتعلق بتغذية الطفل ومسكنه وملبسه ونومه ولعبه له أثر على جسمه، لأمكنها أن تتخذ له وقاية من العلل بقدر معارفها الصحية، ولو علمت كل أم أن أغلب الأمراض التي تنهك جسم ولدها لا تصيبه من غير سبب، وأنها المسئولة عن صحته ومرضه لما تساهلت في وقايته من كل من شأنه أن يضر ببدنه، ولكن كيف تصل إلى معرفة ذلك من جهلها الذي يخيل لها أن المسببات تقع بلا أسباب أو تحصل بأسباب خارقة للعادة؟!

لا ينبغي هنا أن أشرح بالتفصيل كل ما يليق أن يعرفه القراء في هذا الموضوع، وإنما نقول بالإجمال: إن التربية الجسمية للولد وحدها تستدعي معارف كثيرة، يتعلق أغلبها بقوانين الصحة، وأن معرفة هذه القوانين تحتاج إلى مقدار عظيم من معارف أخرى لابد منه ليتيسر فهمها.

فعلى الأم أن تعرف أفضل الطرق لتغذية الأطفال؛ لأن الانتظام في نمو الجسم يرتبط دائما بانتظام التغذية، وجود الأنسجة، وخصوصًا النسيج المخي، تتعلق بجودة التغذية حتى قال بعض علماء الطب: إن الأمم التي تفضل غيرها في التغذية تفوق سواها في القوة، وتتغلب على غيرها من الأمم.

وعلى الأمم أن تعرف كيف تقي جسم ولدها من أعراض الحر والبرد، وما هو الماء الذي ينبغي استعماله في نظافة جسمه من حار أو فاتر أو بارد، وعليها أن تعرف أن للهواء والشمس أثرًا حميدًا في الصحة، فلا تحرمه من التمتع بهما. وهكذا يقال في الأشياء الأخرى كالنوم واللعب وما أشبه ذلك.

ثم يجب عليها من فترة إلى أخرى أن تكون على علم تام بنفس الطفل، ووظائف قواه العقلية والأدبية، وإلا كانت أول عامل في فساد أخلاق ولدها.

انظر إلى ما تعمله امرأة مصرية مع ولدها تجده مما لا يصدر عن إنسان عاقل يقدر لعمله نتيجة، مثال ذلك أنها تمنعه من اللعب كي لا يشوش عليها، وهي لا تدري أنها بمنعها إياه من اللعب تقف في سبيل نموه، وإذا أرادت أن تؤدبه هددته بما لا تستطيع أو بما لا تريد أن تنفذه أو خوفته بموهومات تثير في ذهنه خيالات ربما لازمته مدة حياته، وإذا أرادت أن تكافئه، وعدته بوعود لا تفي بها، فتكون له بذلك قدوة في الكذب، وتحدث في نفسه ضعف الثقة بالقول، وهي في أغلب حالاتها تظهر الغضب عليه، وتنهره بالصوت الشديد وتزعجه بحركات التهديد، كأنها تريد أن تثبت له بأقوى الدلائل أنها عاجزة عن ضبط نفسها وسياسة قواها، وربما كان السبب الذي أثار غضبها لا يستحق من ذلك كله شيئًا، فإذا رأت منه انفعالا مما صدر منها لم تلبث أن تضمه وتقبله، وتظهر له غاية الندم على ما صدر منها، والولد المسكين لا يدري كيف استحق غضبها أولا، ثم رضاها ثانيا.

هذه العيوب ليست خاصة فقط بالأمهات، بل تجد كثيرا من الآباء عندنا؛ لجهلهم بالطبيعة الإنسانية يستعملون في تربية أولادهم طرقا لا تقل في الشناعة والسخافة عما تستعمله النساء. ومن أقبح ما يصنعه كثير من الآباء مع أبنائهم، أن يشتم ويسب الوالد ولده بألفاظ لا يدري الطفل معناها، فيجيبه الولد بمثلها، فإذا أحسن الإجابة ضحك أبوه مسرورا، واستبشر بنجابة ولده!

وكذلك ترى الواحد يأمر ولده أمرًا لا داعي له فيخالفه الطفل فينقض عليه كالوحش فاقد الشعور، ويضربه في أي مكان يصادفه من جسمه، ولم يكن ذلك إلا لأنه يرى في عدم طاعة ولده إخلالا بسلطته وامتهانا لعظمته.

ولو كان هذا الأب يعقل ما يفعل وعلم أن كل ما يعود عليه الطفل في نشأته يحدث في نفسه أثرا يكون مبدأ لملكة راسخة فيها، لما عوده على ما لا يحسن أن يراه منه في كبره، ولو علم أن المقصود من التربية ليس أن يتعود الطفل على أن يطيع كل أمر يصدر إليه، وإنما الغرض منها أن يتعود على أن يحكم نفسه لاجتنب الأمر والتهديد والضرب، فإن هذه الوسائل لا تهيئ الطفل إلى أن يحكم نفسه، وإنما يتمرن الطفل على أن يحكم نفسه إذا اجتهد أبواه في إقناعه وتنبيه عقله إلى عواقب أفعاله؛ حتى يتولد في نفسه اعتقاد ثابت بأن ما يصيبه من خير أو شر فهو من كسبه.

أفضل طريق للتربية يؤدي إلى هذه الغاية (أن يحكم الشخص نفسه) هي أن يترك الطفل وميله، يعمل العمل حسب ما يسوقه إليه خاطره، ولا يتداخل المربي إلا ببيان ما ينتج عن هذه الأعمال بصورة نصيحة وإرشاد، فإذا لج الصبي في مخالفة النصيحة تركه حتى يقع في عاقبة عمله، لكن مع المراقبة الدقيقة؛ كي لا يكون ضرر العمل شديدًا، وإنما يسوغ الردع والمنع في الأحوال النادرة التي يعرض الصبي نفسه فيها للخطر.

بهذه الطريقة يستعد الطفل إلى أن يكون رجلا يعتمد على نفسه في الوقت الذي لا يجد بجانبه أحدا يدفع عنه ويحافظ عليه.

يمكنني أن أقرر بوجه الإجمال حقيقة أود أن يطلع عليها كل أب وأم، وهي أن جميع العيوب التي تشاهد عند الأطفال، مثل الكذب والخوف والكسل والحمق، هي ناشئة من جهل أبويه بقواعد التربية، وأن من السهل إزالة هذه العيوب بالوسائل الأدبية، وقد يتوصل لإزالتها بالوسائط الطبية.

إذا كانت وقاية الطفل من الأمراض وتطهيره من العيوب مما يحتاج إلى معلومات كثيرة كما ذكرنا. فالوقوف على غرائز الطفل الطيبة وغرض الصفات الحميدة في نفسه يحتاج إلى معارف أدق ومعلومات أوفر.

يظن الجمهور الأعظم من الناس أن التربية من الهنات الهيئات، ولكن من يعرفها حق المعرفة يعلم أن لا شيء من الشئون الإنسانية — مهما عظم — يحتاج إلى علم أوسع ولا نظر أدق ولا عناء أشق مما تحتاج إليه التربية، أما من جهة العلم فلأنها تحتاج إلى جميع العلوم التي توصل إلى معرفة قوانين نمو الإنسان الجسماني والروحاني، وأما من جهة المشقة والعناء، فلأن تطبيق هذه القوانين على ما يلائم حال الطفل من يوم ولادته إلى بلوغه سن الرشد يحتاج إلى صبر ومثابرة في العمل ودقة في الملاحظة والمراقبة قلما يحتاج إليها عمل آخر.

لا يؤخذ من ذلك أني أذهب إلى أن كل أم يجب عليها أن تحيط بتلك العلوم الواسعة، ولكن أقول: إن جميع الأمهات يجب عليهن أن يعرفن كلياتها، وكلما زاد علم الواحدة منهن بأصول تلك العلوم وفروعها، زادت قوة استعدادها لتربية أولادها.

يرى أني أهملت شان الآباء عند الكلام على التربية وليس ذلك من باب السهو؛ بل لأن مدار التربية كلها على الأم، فالولد ذكرا كان أو أنثى، من وقت ولادته إلى سن المراهقة، لا يعرف قدوة له سوى والدته، ولا يعاشر غيرها، ولا يرد على حواسه إلا الصور التي تعرضه لها، فنفسه صحيفة بيضاء، وأمه تنقشها كما تشاء، ويتم نقش الصحيفة وتكون كتابا مسطورا عندما يبلغ الطفل سن الرابعة عشرة، كما قال (ألفونس دوريه) وليس في إمكان الناشئ بعد ذلك أن يضيف على ما رسا في نفسه، أو ينقص منه إلا شيئا قليلا لا يترتب عليه تغيير الكتاب.

هذا السر في احترام الغربيين نساءهم، وتقديسهم أمهاتهم. فهم يعلمون أن كل ما هم عليه من الصفات الحسنة والأخلاق الطيبة، هو من فضل أمهاتهم اللاتي أودعن فيهم بضعة من أرواحهن، وهي خير بضعة كانت عندهن، إن كان بين الغربيين من يشعر من نفسه بحب الحق والميل إلى جميل الفعال ويقدر شرف النفس قدره، ويرأف بالفقير ويتألم لأنين المريض ويرحم الحيوان، إن كان يوجد بينهم من حواسه ليست إلا الصور التي تعرض لها، فنفسه صحيفة بيضاء وأمه جعلت الترتيب والنظام قاعدة عمله، والجد والاجتهاد مشتهي نفسه، إن كان فيهم من يجد في نفسه احتراما لدينه وتكريما لشأن وطنه وشوقا إلى طلب الكمال في كل شيء، فليس ذلك لأنه قرأ في الكتب أو تعلم في المدرسة أن هذه الصفات ممدوحة، ولو كان الأدب يعلم بالحفظ لكان إصلاح العالم من أسهل الأمور، وإنما كان ذلك لأن والدته أرادت أن يكون على هذه الصفات، وكابدت ما لا يوصف من المتاعب لطبعها في نفسه وتثبيتها في طبعه.

فهي التي كانت تحرص ألا يقع تحت حواسه صورة قبيحة، وهي التي كانت تقدم إليه صور الأشياء الجميلة على أشكالها المختلفة، وهي التي كانت تعوده على العادات النافعة شيئا فشيئا حتى رسخت فيه كما ترسخ جذور النباتات في الأرض.

هذه الوظيفة التي تقوم بها الأمهات في تلك البلاد هي أهم وأنفع ما يعمله إنسان حيٌّ على وجه الأرض، إذن لا يوجد شيء أهم ولا أنفع من تهذيب نفوس الأطفال وإعدادهم لأن يكونوا رجالا صالحين.

من هذا يتبين أن عمل المرأة في الهيئة الاجتماعية هو تكوين أخلاق الأمة، تلك الأخلاق التي أثرها في الاجتماع، من حيث ارتقاء الأمم وانحطاطها، يفوق آثار النظامات والقوانين والديانات.

لهذا لا يوجد بين الغربيين من يجهل مقام المرأة في الوجود الاجتماعي وشأنها في العائلة ولا بأس من أن نورد هنا شيئا من كلام بعض فلاسفتهم؛ لنبين للقراء منزلة النساء في رأيهم.

قال (سيملس): «للمرأة في تهذيب النوع الإنساني أكثر مما لأيّ أستاذ فيه، وعندي منزلة الرجل في النوع من منزلة المخ من البدن ومنزلة المرأة منزلة القلب».

وقال (شيلر): «كلما وجد رجل وصل بعمله إلى غايات المجد، وجدت بجانبه امرأة محبوبة».

وقال (روسو): «يكون الرجال كما تريد النساء، فإذا أردت أن تجعل الرجال من ذوي الهمة والفضيلة، فعلّم النساء الهمة والفضيلة».

وقال (فنلون): «إن الواجبات التي تطالب بها النساء هي أساس الحياة الإنسانية فالمرأة تدير جميع شئون العائلة، وبهذا العمل يكون لها أعظم نصيب في إصلاح الأخلاق أو إفسادها، ليست الأمة صورة تقوم بنفسها كما يتخيل، وإنما هي مجموع العائلات، وما من أحد يمكنه أن يهذب العائلة سوى المرأة».

وقال «لامارتين»: «إذا قرأت المرأة كتابا فكأنما قرأ زوجها وأولادها».

وأمثال هذه الحكم مما نطق به العلماء والفلاسفة، وما ورد في مؤلفاتهم لبيان ما للمرأة من الأثر في إصلاح أخلاق الأمم بلغ من الكثرة حدا بحيث لا تمكن الإحاطة به.

ومن الغريب أن الكثير من شبابنا الذين لهم إلمام باللغة الأجنبية والذين لا بد أن يكونوا قد اطلعوا على بعض هذه المؤلفات يرون أني بالغت في إعلاء شأن المرأة وتعظيم وظيفتها، بل كان من أمر بعضهم أن احتقر رأينا، وعده من سقط المتاع الذي لا يليق بأن ينظر فيه. وكان العالم الأزهري الذي رد على كتاب (تحرير المرأة) قد عبر عن أفكارهم عند قوله:

«ما سمعنا في تاريخ من التواريخ، ولا في سفر من الأسفار، ولا في خبر من الأخبار أن أمة من الأمم أو دولة من الدول تقدمت بنسائها وارتفع شأنها بإناثها، وهذه الدول الأوربية ارتفعت في هذه الأيام واشتهرت بالعلوم والمعارف والحرف والصنائع، واختراع الأمور العظيمة التي عم نفعها، فأيّ شيء من هذه العلوم والمعارف، وأيّ أمر من مخترعات الحرف والصنائع اشتهرت به امرأة من النساء؟

والذي يقرأ هذه السطور يحق له أن يظن هذا العالم الأزهري وأمثاله لم يطلعوا على تاريخ من التواريخ ولا سفر من الأسفار ولا خبر من الأخبار!

فالنساء اللاتي خلد التاريخ ذكرهن لشهوتهن بالعلوم والمعارف، أو بالأعمال العظيمة لسن بذوي العدد القليل، وتوجد مؤلفات ضخمة تشتمل على تراجم حياتهن، وليس في إمكاننا أن نأتي هنا على ذكر أعمال بعض من اشتهر من النساء في التاريخ، وربما تسمح لنا الفرصة كتاب لذلك، إنما يمكننا أن نؤكد هنا إلا أنه لا يوجد علم من العلوم ولا فن من الفنون إلا وقد برهنت المرأة فيه على أنها مستعدة لأن تصل إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني.

وإني أستلفت العالم الأزهري خصوصا إلى سلف أمته الصالح ليعلم أن تاريخ دينه لم يخل من ذكر النساء اللاتي كان لهن أجمل الأثر فيه.

على أن الأمر لا يحتاج تحقيقه إلى التاريخ، فقد وجد في القرن الذي نحن فيه كثير من النساء اللاتي ارتفع شأنهن وذاع ذكرهن في جميع الممالك المتمدنة.

هذه (مارية متشل) اكتشفت نجمًا ذا ذنب سمي باسمها، وعينت مديرة (الرصد خانه) في أمريكا، ومعلمة لعلم الفلك، ولها مؤلفات كثيرة في هذا لعلم.

و (كارولين هرشل) اكتشفت سبعة نجوم، فمنحها مجمع علمي ﺑ (لوندره) الميدالية الذهبية.

و(تريز دويافير) لها مؤلفات عظيمة في الجغرافيا وفي علم طبقات الأرض، وكانت عضوًا في المجمع العلمي بمدينة (منخ).

و«صوفي جرمين» لها اختراعات جليلة في العلوم الطبيعية.

وكل أهل العلم يعلمون أن (المركيزة دوشاتليه) هي التي نشرت مذهب نوتوني في فرنسا (وكلمنس رويه) هي التي نشرت مذهب (داروين) و(مدام استيل) هي أول من عرف ألمانيا لأوربا، وكذلك (مدام تارنوسكي) هي التي نشرت مذهب (لمروزو) في البلاد الروسية.

أما عدد الفلاسفة والأدباء من النساء اللاتي نشأن في هذا القرن الذي سبق لا يمكن حصره في مثل هذا الكتاب، ولكني لا أرى بدا من ذكر اثنتين من بينهن لم يسبقهما رجل في فن الكتابة، وهما (مدام لا فايت) و(جورج سند).

على أن الارتباط الذي ادعيناه بين تقدم الأمم وارتقاء حال النساء، لم نقصد به أن المرأة تفيد الأمة مباشرة باختراعاتها العلمية، ومذاهبها الفلسفية، وإنما نعني به بخاصة ما لها من العمل في إصلاح العائلة ثم الأمة على الوجه الذي بيناه.

بعبارة أخرى نقول: إن ظهور رجل عالم أو حكيم فاضل في أمة يعد من الحوادث التي يشترك في أحداثها سببان:

الأول: استعداده بالوراثة لما ظهر فيه.
والثاني: تربيته التي ساعدت على نمو هذا الاستعداد فيه، بحيث لو فقد أحد هذين السببين امتنع احتمال وجود هذا الرجل العالم أو الفاضل.

من هذا يتبين أن شخصية الإنسان الأدبية تتكون من عاملين عامل طبيعي، عامل صناعي، وليس في استطاعتنا أن نؤثر في الأول، ولنا على الثاني سلطة واسعة؛ حيث إنه يمكننا بالتربية الأولى أن ننمي غريزة الطفل، إن كانت غريزة صالحة، ونكملها ونزيدها حسنا، ويمكننا أن نضعف من أثرها أن كانت بضد ذلك، نعم أن لهذه السلطة الثانية جدا تنتهي إليه، ولكن سعة دائرتها تمكننا من الانتفاع بها انتفاعا عظيما إذا عرفنا كيف نتصرف فيها واهتدينا إلى طرق التربية الصحيحة.

فهذه التربية الأولى — وزمامها في يد المرأة — هي التي أكسبتها ذلك المقام الرفيع الذي لا يعلوه مقام في الهيئة الاجتماعية.

وليس تأثير المرأة في العائلة مقصورًا على تربية الأطفال، بل المشاهد بالعيان أن المرأة تؤثر على جميع من يعيش حولها من الرجال، فكم من امرأة سهلت على زوجها وسائل النجاح في أعماله، وأعدت له أسباب الراحة والاطمئنان؛ ليتفرغ لأشغاله، وكم من امرأة شاركت زوجها أو أخاها أو والدها في متاعبه، وكم من امرأة طيبت قلب الرجل وقوت عزيمته في حالة اليأس والقنوط، وكم رجل طلب المجد ومعالي الأمور طمعا في إرضاء محبوبته، فبلغ الغاية مما طلب.

وضع (استيوارت ميل) في صدر كتابه المسمى (الحرية) الذي طبعه بعد وفاة زوجته العبارة الآتية:

«إني أهدي هذا الكتاب إلى الروح التي ألهمتني أحسن ما وضعته من الأفكار، إلى صديقتي وزوجتي التي كان غرامها بالحق والعدل أعظم ناصر لي، والتي كان استحسانها من أكبر المكافآت التي أرجو نيلها على عملي، كان لها في جميع ما كتبته إلى الآن، ولها في هذا الكتاب حصة من العمل لا تنقص عن حصتي فيه، وأكبر أسفي أن هذا الكتاب طبع بالحالة التي هو عليها الآن قبل أن تعيد النظر فيه، ولو كان في استطاعة قلمي أن يعبر عن نصف ما دفن معها من الأفكار العالية، والوجدان السامي لانتفع العالم به أكثر مما ينتفع بجميع ما أكتبه صادرا عن فكري ووجداني بدون مشورة عقلها الفريد».

وكانت زوجة (باستور) الشهير مشاركة له في جميع مباحثه العلمية وبنت (لمبروزو) تشتغل إلى الآن مع والدها، ومن هذا القبيل أن (مارك) الشهير فقد بصره فلم يجد له معينا على معيشته إلا ابنته، فكانت تلقي دروسًا بالأجرة، وتمد والدها بما تكسب من دروسها، ثم إنها كانت تحثه على إتمام بحثه العلمي، وتكتب ما يمليه عليها؛ حتى صار بمعونتها من أشهر علماء التاريخ الطبيعي.

هذه الأمثلة، وغيرها مما يطول شرحه، تدلنا على أن المرأة المهذبة يمكنها، فضلا عن تربية أولادها، أن تعمل كثيرا من الأعمال لمصلحة الرجال وسعادتهم، وأي مصلحة للرجال أعظم من أن يعيش وبجانبه رفيقة تلازمه في الليل والنهار، في الإقامة والسفر، في الصحة والمرض، في السراء والضراء، رقيقة ذات عقل وأدب، عارفة بحاجات الحياة كلها، تهتم بكل شيء يمس بمصلحة زوجها ومستقبل أولادها، تدبر ثروته، وتحافظ على صحة وتدافع عن شرفه، وتروج أعماله، تذكره بواجباته، وتنبهه إلى حقوقه، وتعرف أنها باجتهادها تجد في منفعتها كما تجد في منفعة زوجها وأولادها؟

وهل يسعد رجل لا يكون بجانبه امرأة يهبها حياته، وتشخص الكمال بصداقتها أمام عينيه فيعجب بها، ويتمنى رضاها، ويتوسل إليها بفضائل الأعمال، ويدنو منها بعقائل الصفات ومكارم الأخلاق، صديقة تزين بيته، وتبهج قلبه، وتملأ أوقاته، وتذيب همومه؟

هذه الحياة التي لا يشعر الرجال عندنا بشيء منها هي من أعظم الينابيع للأعمال العظيمة، وأقول ولا أتردد فيما أقول: «إذا لم تبلغ رقة الإحساس عندنا إلى حد يرتبط الرجال فيه مع النساء على نحو ما ذكرنا، واستمر الرجال على إهمال النساء وتركن في هذه الحالة الساقطة التي يتألم الكل من آثارها وهم لا يشعرون، ولم يبادروا بإعداد المرأة بالتربية إلى أن تكون رقيقة مساوية للرجل، وعشيرة عارفة بإدارة بيتها وصديقة تفدي زوجها بأعز ما لديها. وأما محيطة بما يجب عليها لأولادها، عارفة بطرق تربيتهم، فكل ما فعلناه إلى الآن وكل ما نفعله في المستقبل لترقية شأن أمتنا يضيع هباء منثورًا!

هذا هو الحق الذي انتهينا إليه عند بحثنا عن أسباب تأخر الأمم الشرقية عموما والإسلامية خصوصا.

هذا الرأي الذي عرضناه على القراء أولا، نعرضه عليهم الآن مرة ثانية، وكل ما نرجوه منهم هو ألّا يضربوا به عرض الحائط كما أشار عليهم كثير من أصحاب الأفكار والكتاب الذين طعن أغلبهم في كتاب (تحرير المرأة) قبل أن يقرؤه.

لا خلاف في أن الأمم الإسلامية في حالة ضعف تستدعي المبادرة إلى علاجها، فيتعين علينا أن نشخص هذا الداء بمعرفة أسبابه أولا، ثم نبحث عن دوائه، كما يفعل كل طبيب يهتم بعلاج مريض، فما هي أسباب الداء؟

أسبابه تنحصر إما في الإقليم، أو في الدين، أو في العائلة، أما الإقليم فلا يصح أن يكون سبب الداء؛ لأنه من المعلوم أن الأمة المصرية من أقدم الأمم، ويعترف لها المؤرخون بالسبق في الابتكار ثم إلى العرب ثم إلى أوربا. وظهر فيها أول دين كبير في العالم، وتمتعت مدة قرون بمدينة مشهورة لا تزال آثارها إلى الآن، وستبقى خالدة في ما لا يزال، وحكمت نفسها ودبرت أمورها مدة أجيال، بل أتى عليها زمن تغلبت فيه على ما جاورها، وبعد عنها من الأمم العظيمة، وقهرتها وأخضعتها لحكمها.

ثم بعد فقد استقلالها حافظت على وجودها وهيئتها رغما عما طرأ عليها من المتقلبات والمظالم والمصائب التي توالت عليها، وهذا يدل على أنها وهبت في طبيعتها حياة قوية، وأنها مستعدة للمقاومة في المزاحمة مع الأمم الأخرى، فإذا كان الإقليم لم يعق الأمة المصرية عن إتيانها بأعظم الأعمال، ولا عن تأسيس الشرائع وابتكار العلوم والفنون، فلماذا يصير مانعًا لها من الترقي في هذه الأيام التي قد تلطفت فيها بلا ريب درجة حرارة الإقليم؟

على أنه لم يثبت بأدلة صحيحة يسندها العلم أن الحرارة تؤثر في الجسم والعقل تأثيرا سيئا وغاية ما ينشأ عن اختلاف الأقليم تفاوت في الأمزجة والأخلاق بين الأمم، فمن المشاهد أن سكان الشرق يمتازون بالذكاء وسرعة الفهم وقوة الذاكرة، وهذه الصفات النفسية تعرضهم ما قد ينقصهم من الجلد والمثابرة في العمل.

وفي الشرق أقاليم باردة وسكانها ليسوا أقل انحطاطا في المدينة من سكان الأقاليم الحارة.

وأما نسبة تأخر المسلمين في المدنية إلى الدين الإسلامي فهو خطأ محض، من ذا الذي يقول: إن الدين الإسلامي، الذي يخطاب العقل ويحث على العمل والسعي، يكون هو المانع من ترقي المسلمين؟ وقد برهن المسلمون أن دينهم عامل من أقوى العوامل للترقي في المدنية، ولا يجوز بعد سطوع هذا البرهان التاريخي أن يرتاب أحد في هذه المسألة. نعم إن الدين الإسلامي الصحيح قد تحول اليوم عن أصوله، واستتر تحت حجب من البدع، ووقف نموه، وانقطع ارتقاؤه من عدة قرون، وظهر لهذا الانحطاط الديني أثر عظيم في أحوال المسلمين، ولكن هذا الانحطاط الذي ينسب إليه بعض الكتاب الغربيون تأخر المسلمين في المدنية يحتاج نفسه إلى سبب يرد هو إليه، فهو سبب ثانوي لا أولي.

وعلى هذا فليس ما نراه في أحوال المسلمين ناشئًا عن السببين المذكورين، فإن أحدهم لا تأثير له بالمرة، والثاني يعد من الأسباب الثانوية، بقي عندنا السبب الثالث، فهو الذي ينبغي أن تنسب إليه هذه الحال التي نشكو منها، فانحطاط المسلم كانحطاط الهندي والصيني وجميع سكان الشرق ما عدا اليابان، ناشئ من حالة العائلة في هذه المجتمعات.

وذلك أن العائلة هي أول شيء يقع تحت حواس الإنسان في أول نشأته، وهي الشيء الثابت المستمر الذي يراه دائمًا، فإذا رأى الطفل فيها مثال الترتيب والعمل ورفعة النفس ورقة العواطف، تعلقت نفسه بهذه الخلال، وبهذا التعلق يخطو الخطوة الأولى في سبيل ارتقائه، حتى إذا صار رجلا وجد من حاله الشخصي ما يساعده على هذا الارتقاء.

فالارتقاء حينئذ له دوران:

الأول: دور إعدادي يقطعه الإنسان في مدة طفولته وصباه، وفيه ترتسم في نفس الطفل الترتيب والتنظيم، وينشأ فيه الميل إلى الأفعال الجميلة، وتتوجه نفسه إلى حب الكمال وتتعود فيه آلات الجسم على النشاط والحركة.
والثاني: دور عملي يقطعه الإنسان في سن الرجولة إلى آخر العمر، وفيه تخرج هذه الصفات من حالة الكمون إلى الظهور في العمل.

فإن أهمل الإعداد في الدور الأول استحال صعود الشخص في درجات الارتقاء، ومهما حفظ بعد ذلك من العلوم في المدارس، ومهما كانت التعاليم الأدبية الدينية التي تلقى عليه، فهو يعيش كالطائر الذي قص جناحه، كلما هم أن يطير سقط، ومتى تحقق بالتجربة من عجزه استسلم إلى حظه، ورضي به، وانتهى الحال إلى أن يفضله على كل شيء سواه.

ذلك لأن التعليم، سواء كان دينيا أو علميا، لا يمكن أن يكون له أثر نافع إلا إذا وجد من النفس عونا على النجاح، كما أن البذرة مهما كانت جيدة لاتنبت إلا في الأرض الصالحة لنموها.

يقضي أولادنا الآن أوقاتهم في تعلم القراءة والكتابة واللغات الأجنبية، ومطالعة العلوم سنين، ثم ينتقلون إلى علوم أخرى أعلى وأرفع من تلك، فإذا انتهت مدة الدراسة ودخلوا في ميدان الحياة العمومية انتظرنا منهم أن يكونوا بيننا رجالا ذوي إحساس شريف وعواطف كريمة وأخلاق حسنة، وهمم عالية، رجالا يشعرون ويعملون، ورجونا منهم أن نجني ثمار هذا التعليم الذي بذل في سبيله النفيس من الوقت والمال، ولكن، واأسفاه! نرى آمالنا فيهم خائبة، نرى لهؤلاء الشبان المتعلمين قلوبا يابسة وهمما صغيرة، وعزائم ضئيلة.

أما العواطف فهي بالتقريب، فيهم معدومة، فلا يروق لأعينهم منظر جميل، كما لا ينفرهم مشهد قبيح، ولا يعطفهم حنو، ولا تبكيهم مرحمة، ولا يحترمون كبيرا، ولا يستصغرون صغيرا، ولا تحركهم منفعة إلى عمل مهما عظم نفعه.

وليس لذلك من سبب سوى أن التربية لم تتناول وجدانهم في كل السنين، هذا الوجدان الذي هو المحرك الوحيد للعمل لا يظهر ولا يقويه ولا ينميه إلا التربية البيتية، ولا عامل لها في البيت إلا الأم، فهي التي تلقن ولدها. احترام الدين والوطن والفضائل، وتغرس في نفسه الأخلاق الجميلة، وتنفث فيها روح العواطف الكريمة، وأشد من هذا كله أثرًا في نفسه ظهورها في عينيه متحلية بهذه الصفات، فيقلدها من غير فكر، ثم يعتاد على ذلك شيئا فشيئا؛ حتى تصير هذه الصفات حاجات لنفسه لا يمكن أن تنسلخ عنها.

ولا يكون لنفسه شيء من ذلك إذا قضى زمن صباه ولم ترد عليه صورة من هذه الصور، ولم ينطبع في روحه مثال من هذه الأمثلة، فلو أدركها بعد ذلك بالتعليم كانت محفوظات في ذهنه لا ينفذ منها شيء إلى باطن نفسه، فلا يحدث له شعور صحيح يكون داعيًا للعمل وحاثا عليه.

من هذا ترى شعراءنا ينمقون القوافي في وصف ما يكابد العاشق من مرارة العشق وآلامه، وهم لا يعشقون، وخطباءنا يلقون على أسماع غيرهم أحسن المقالات في حب الوطن، والحث على القيام بالواجبات الوطنية، ولا يأتي قائل منهم بشيء يبرهن به على أنه شاعر بما يقول، وترى أن أهل الدين الذين وقفوا حياتهم على خدمته أقل الناس شعورًا بالإحساس الديني الحقيقي، وترانا جميعا منصرفين عن كل شيء ونحن نطلب كل شيء!

بينما كنت أكتب هذه السطور اطلعت في جريدة (المؤيد) على رسالة لحضرة الفاضل إبراهيم بك الهلباوي حررها على ظهر المراكب التي سافر فيها في هذا العام إلى أوربا، وقد أعجبني من هذه الرسالة المفيدة أمر أخصه بالذكر، وهو توخي كاتبها الصدق في القول، والذي دعاني للكلام عليها هنا هو أن حضرة إبراهيم بك الهلباوي شرح لنا ما كان يجده من نفسه ويتردد في صدره عندما مر على جزيرة (كريد) فقال:

«هذه أول مرة انكشفت فيها لعينى هذه الجزيرة بعد انسلاخها من حكم الدولة، وإعطاء أوربا إياها هدية لثاني أنجال ملك اليونان! وقد حاولت، حال المرور، بها أن أتذكر بحسرة وجزع الحوادث التي سبقت أو اقترنت أو نتجت عن هذا التغيير، من قتل وسفك دماء مسلمي هذه الجزيرة وما نالهم من الذل والمظالم، ثم مصادرة من بقي منهم في أموالهم وثمرات أتعابهم، كمسلم حقيقي يألم بمصائب أخيه فلم تجد نفسه في جسمي دما يتأثر ولا بقلبي محلا للأسف أو الرحمة».

«ولما تساءلت مع وجداني عن سبب هذه الجمود وعدم المبالاة بما دهمنا من النوائب والمصائب، قلت: لعل ذلك لكثرة ما لحقنا منها؛ حتى تدمم القلب وأوشك أن يقال عنه: «تكسرت النصال على النصال».

«وقد بدا لنفسي جواب آخر على عدم الاكتراث بما أصاب مسلمي كريد، لم يبعد عني اختلاج النفس بالأسف على مصائبهم فقط، بل أوشك أن يخجلني، حيث مر بخاطري حسبان ذلك المصاب، ذلك أني قبل المجيء إلى الإسماعيلية كان آخر سفري على خط السويس من جهة القاهرة محطة الزقازيق، ثم اتجه القطار بنا نحو الإسماعيلية. وهي المرة الأولى في حياتي التي مررت بها على (التل الكبير) والقصاصين و«المحسمة» و«نفيشة» هذه المواقع التي اتخذت خطوطا للدفاع ضد الجيش الإنكليزي في سنة ١٨٨٢ والشأن أن المرور على مثل هذه البقاع للمرة الأولى يحرك لوعة الأسف وذكرى ضياع مجد البلاد واستقلالها، ومع ذلك لم أجد ألما أو اضطرابًا.

هذا ما كتبه أحد رجال المصريين المشهورين بالذكاء ومحبة الوطن وإذا أردنا أن نصدق في القول مثله يجب علينا أن نعترف أننا إذا مررنا أيضا على هذه البقاع وشاهدناها، فلا تتحرك نفوسنا أكثر مما تحركت نفسه، ولا تشعر بأكثر مما شعرت.

ومن البَدَهي أن هذا الجمود، كما سماه صاحب هذه المقالة، ليس منشؤه أن إبراهيم بك الهلباوي رجل جاهل أو لا يعرف أن محبة الوطن واجبة، وليس سبب هذا الجمود ما توهمه حضرته من أن قلوبنا صلبت؛ لكثرة ما لحقنا من المصائب؛ لأن توالي المصائب لا يذهب بالشعور من النفس ولا يضعفه بل يزيد الشعور ويقويه ويعلّم الصبر ويشد العزائم.

وإنما السبب الحقيقي لفقد الشعور إلى هذا الحد هو إهمال تربية العواطف عندنا في زمن الطفولية، وتبع ذلك أن أعصابنا أصبحت لا تتأثر إلا بالإحساسات المادية التي تقع عليها مباشرة، وصارت غير قابلة للتأثر بالمعاني النفيسة.

رأيت مدة وجودي في فرنسا طفلا عمره عشر سنين كان يتفرج بجانبي على فرقة من العساكر الفرنساوية وهي عائدة من حرب التونكين، فلما مر أمامه حامل العلم وقف هذا الغلام باحترام ورفع قبعته وحيا العلم وصار يتابعه بنظراته حتى غاب عنه، فأحسست أن الوطن تجسم لهذا الطفل في العلم الذي مر أمامه، وأثار فيه جميع الإحساسات التي بعثها فيه ما تربى عليه من حبه حتى خلته رجلا كاملا، أما الرجال والنساء الذين كانوا يشهدون هذا المنظر فقد وصلت بهم قوة الشعور إلى أنهم صاروا يعملون أعمال الأطفال، فكان الكثير من النساء يقبل العساكر ودموع الفرح تسيل على خدودهن، وأغلب الرجال كانوا يرقصون ويغنون ويلقون بقبعاتهم في الطريق.

بمثل هذه المناظر وبما يدور فيها من الأحاديث أمام الأطفال ينغرس الشعور الوطني في نفوسهم ويزهر ويثمر، وهكذا الحال في تربية الفضائل الأخرى.

فانحطاط المصري إنما هو ناشئ من حرمانه من هذه التربية الأولى ينمو الطفل بيننا كما ينمو النبات، ولا يهتم أحد من أهله إلا بإعطائه التغذية والملبس، فهم يعتنون به كما يعتني أيّ إنسان بحيوان يحبه، فكل بناء يقام بعد ذلك على هذا الأساس هو بناء على الرمل لا يلبث أن ينهار مهدوما.

وبالجملة: إن التربية تنقسم إلى قسمين:

تربية العقل: وهي التي توجه مدارك الإنسان إلى اكتشاف حقائق العالم.
وتربية الروح: وهي التي توجه إرادته إلى الخير وتميل بإحساسه إلى الجميل، وكلتاهما لازمة لسعادة الإنسان.

أما التربي العقلية فمنبعها المكاتب والمدارس وأما التربية الروحية فلا تكتسب إلا في العائلة، ولا يمكن اكتسابها في العائلة إلا إذا كانت الأم في أول من يدبرها، ولا يمكن أن تدبرها الأم إلا إذا كانت على جانب عظيم من الرقي العقلي والأدبي؛ لهذا قلنا: إن المصريين إذا أرادوا أن يترقوا وجب عليهم أن يعملوا لارتقاء شأن المرأة المصرية.

ومما يوجب الأسف أن المصريين لم يفهموا إلى الآن هذه الحقيقة تمام الفهم، في حين أن رجالا من مسلمي الهند قد صعدوا بفكرهم وتوصلوا بأبحاثهم إلى إدراك شأن المرأة في الهيئة الاجتماعية وأحاطوا بما لوظيفتها من الأهمية، وقد قام رجلان من أعاظمهم؛ أحدهما الأمير عليّ القاضي والثاني عناية حسين.

فنشر الأول مقالة جميلة موضوعها (النساء في الإسلام) ترجمت في مجلة (المقتطف) في عدديها الصادرين في شهري يونية ويولية سنة ١٨٩٩ ونقتطف منها — من غير ترتيب — ما يأتي:

«ما من مقياس يقاس به ارتقاء الأمم مثل منزلة المرأة فيها، فإذا أراد مسلمو الهند أن يرتقوا وجب عليهم أن يعيدوا للمرأة المنزلة الرفيعة التي كانت فيها في صدر الإسلام».

«وكفى من تاريخ روسيا الحديث دليلا على ارتباط تقدم الأمم المادي والمعنوي بمقام المرأة فيها، فقد بقي نساء الأشراف في روسيا متحجبات إلى بداية القرن الثامن عشر، يعشن في بيوت، بل في سجون لا يدخلها النور ولا الهواء، أسدلت الأستار على كواها، وأحكمت الأقفال على أبوابها، ووضعت مفاتيحها في جيوب الآباء والأزواج، وإذا أريد نقلهن من مكان إلى آخر نقلن في محفات متحجبات متبرقعات كما تنقل النساء في بلاد الهند، فلما ففكت قيود النساء، وجارين الرجال في العلم والتهذيب، وصرن من دعائم الهيئة الاجتماعية، صارت بلاد الروس من أعظم ممالك الأرض».

«كانت شمس المعارف في المشرق فانتقلت إلى المغرب، فمنه يجب أن نستمد النور وكل من يسعى في إعلاء شأن نسائنا له عندنا شكر، ولكن لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

«ولا بد أن يسأل سائل: هل كان نساء الخلفاء وغيرهن من النساء يبرزن ملتفات بالأكفان، كالنساء الشرقيات في مدن الشرق الآن؟! ويظهر لي أنهن لم يكن يلبسن غير النقاب، يسترن به وجوههن كما تستر النساء الأستانة الآن باليشمك، فيخفي غضون الشيخوخة، ويظهر جمال الصبا، أما البرقع الشامل للوشاح والنقاب والخمار، فلم يشع إلا في أواخر عهد السلاجقة، وأما الاحتجاج بالبردة على ما هو شائع الآن عند مسلمي الهند وغيرها من البلدان، فلم يكن مصروفا في تلك العصور، والنساء من الطبقات العليا كن يظهرن أمام الرجال غير متبرقعات».

«واستخدام العربِ الخصيانَ في عهد معاوية، آخذين ذلك من الروم، واقتبسوا نظام الحريم في عهد الوليد الأموي الثاني، وأمر المتوكل — نيرون العرب — بفصل النساء عن الرجال في الولائم والحفلات العمومية، ولكن بقيت النساء يختلطن بالرجال إلى أواخر المائة السادسة للهجرة وكن يقابلن الزوار ويعقدن مجالس الأنس، ويمضين إلى الحرب لابسات الحديد، ويساعدن إخوانهن وأزواجهن في الدفاع عن القلاع والمعاقل».

«ولما اضمحل شأن الخلفاء في أواسط المائة السابعة ومزق التتار شمل الدول العربية، قام العلماء يتجادلون في هل الأليق بالنساء أن يظهرن أيديهن أو أقدامهن؟!»

وألقى الثاني خطبة في جمعية الآداب الإسلامية بمدارس في الهند ترجمت في جريدة (المؤيد) الصادرة في ١٤ يوليو سنة ١٩٠٠ نقتطف منها ما يأتي:

«ولدينا نقطة أخرى عظيمة الأهمية لا أدري مندوحة من الكلام فيها والبحث فيما يتعلق بشأنها؛ إذ لا ترتقي أمة ولا تسمو مملكة إلا بواسطتها، وهذه النقطة هي تربية البنات.

إذا لم تتحققوا أيها السادة أن النساء والرجال توأمان عاملان في الهيئة الاجتماعية، أنهم إما أن يقوموا معا، وإما أن يسقطوا معا، فلا سبيل إلى الرقي ولا وسيلة إلى التقدم والنجاح، تذكروا أن الطفل هو والد الرجل، وأنه متى كانت الأمهات جاهلات لا يقدر على بث أنوار المبادئ الأدبية والتهذيبية في نفوس أولادهن ولا يرقين عقولهن ولا يقوين أبدانهن بالوسائل الصحية، فإننا نبقى إلى الأبد في آخر صف من صفوف الأمم».

فانظر إلى ما يكتبه رجال من أهل الفقه والعلم في الهند، وإلى ما كتبه فقهاؤنا وكتابنا حيث قالوا: إن المرأة لا شأن لها في ارتقاء الأمم، وإنها لا يجب أن تتعلم إلا ما يلزمها من فرائض دينها للعبادة، ولا يسوغ لها أن تتعلم لقراءة والكتابة، وقاموا جميعهم ينصحون الناس بتشديد الحجاب عليهم، ويحذرونهم من السير في طريق الكمال الذي أشرنا إليه؛ بحجة أنه تقليد للغربيين في عاداتهم، ويوهمون أن الغربيين أنفسهم متألمون من حال نسائهم.

وقد بينا بالتفصيل الأسباب الاجتماعية التي يلزم لأجلها العناية بشأن المرأة وإخراجها من الحجر الذي سقطت تحته أزمانا طويلة، وبرهنا على أنها هي صاحبة السلطة على الأخلاق، والقابضة على زمام الآداب، وأنها هي التي تسوق الأمم في طريق الخير والشر، وأنها لا يمكنها أن تحسن القيام بهذه الوظيفة الاجتماعية، إلا إذا كانت على جانب عظيم من العقل والعلم والأدب.

نقول هذا مع اطلاعنا على ما كتب في شأن المرأة الغربية، ومع علمنا بما هي ولا نرى مانعًا من السير في تلك الطريق التي سبقتنا فيها الأمم الغربية؛ لأننا نشاهد أن الغربيين يظهر تقدمهم في المدنية يوما فيوما، ونرى أن البلاد التي يتمتع فيها النساء بحريتهن وبجميع حقوقهن هي التي تسير كالدليل أمام الأخرى وتهديدها في سبيل الكمال في المدنية، ومن جهة أخرى نرى أن جميع الأم التي حطت من شأن نسائها على غاية من الضعف، وهي في ذلك على درجة واحدة أو نسب متقاربة، لا يظهر التفاوت بينها مع اختلاف الأقاليم وتباين الشعوب والأديان.

هذا هو المشاهد الواقع تحت أنظارنا، ولا يمكن لعاقل أن يجادل فيه.

أما ما زعموه من أن الأوربيين يتألمون من حال نسائهم أو يشتكون من بعض مطالبهن فذلك موضوع آخر غير ما نحن فيه، ومسألة النساء التي هي موضوع بحثنا في بلادنا غير مسألتهن في ما يكتبه بعض الكتاب الغربيين، فإننا في هذه البلاد نطالب بمنح المرأة حريتها الجسمية، وإنالتها حقوقها الشرعية، وتهذيبها وتمكينها من أداء وظائفها في البيت، وهذا الطلب لا ينازعنا فيه غربي مما انحطت درجته في العقل والإحساس.

وإنما يشكو بعض الكتاب الغربيين من سوء استعمال بعض النساء لحريتهن، ومن طلبهن مساواة الرجال في حقوقهم السياسية.

وحينئذ فالاستدلال بآراء هؤلاء الكتاب للرد علينا هو مغالطة أو خلط بين موضوع وموضوع؛ إذ كل إنسان يميز بين تقرير الحق وبين استعماله.

هذه حرية الصحافة هنا وفي بعض بلاد أوربا قد ساء استعمالها إلى حد أن صار كل إنسان يتألم منها، ولكن لم يفكر عاقل في أن يدعي أن الواجب هو الحجر على الأفكار؛ لأن هذا الدواء يكون أمر من الداء الذي يرام معالجته.

فالأسباب التي يبني عليها كتابنا رأيهم في الحجر على حرية النساء هي عين الأسباب التي انتحلتها الحكومة الشرقية لحرمان أبنائها من حرية القول والكتابة والعمل، وهي التي أغرت متأخري المسلمين بقفل باب الاجتهاد في التوفيق بين أحكام الدين وحاجات الأمم على اختلاف الأمصار والأعصار، مع عدم الخروج عن الأصول العامة التي قررها الكتاب والسنة الصحيحة، وهي التي زينت للآباء عندنا أن يستعملوا في تربية أولادهم وسائل القسوة والغلظة، وهي التي كانت تقضي على الحكام عندنا، من عهد ليس ببعيد، بوضع تعريفة للبائعين يحددون فيها أثمان اللحم والخضار والمسلي وأغلب ما يباع ويشترى في الأسواق.

ومنشأ ذلك كله الاهتمام بإزالة المضار التي تظهر في بعض أحوال البشر، والغفلة عن المحافظة على منافعهم، وقد يكون من أسباب تلك الغفلة أن وجوه المنافع في أحوال الناس، وهي جهات حسنها تخفى عادة على من ينظر إليها نظرًا سطحيًا، أما وجوه الضرر فتظهر عادة للعموم؛ لأنها تتشكل بأشكال الجرائم والفظائع التي تنفر منها النفوس، فأول ما تتجه إليه النفس النافرة هو أن تمحو هذا بأية طريقة، وأقرب الطرق وأسهلها في بادئ الأمر هو العنف والشدة.

ولكن المتأمل إذا تروى في الأمور، يجد أن لسير الإنسانية قوانين خاصة يجب مراعاة أحكامها في نمو الحياة واستكمال قواها، سواء في الأفراد أو في الاجتماع، وأن كل مخالفة لهذه القوانين لها أثر سيئ وضرر عظيم يلحق الفرد أو الهيئة الاجتماعية.

إذا تقرر هذا فسلب المرأة حريتها هو أكبر مخالفة لقوانين نموها العقلي والأدبي، فالتعويل على حرمان المرأة من حريتها في إلقاء ضرر سوء استعمال ذلك الحق ربما يفيد في منع بعض النساء من إتيان ما ينشأ عنه ذلك الضرر، ولكن من المحقق أنه بجانب هذه الفائدة الخاصة المؤقتة يجلب ضررا عاما مستمرًا وهو تعطيل النمو في ملكات صنف النساء بتمامه.

وبالجملة، فإننا لا نهاب أن نقول بوجوب منح نسائنا حقوقهن في حرية الفكر والعمل بعد تقوية عقولهن بالتربية، حتى لو كان من المحقق أن يمررن في جميع الأدوار التي قطعتها وتقطعها النساء الغربيات؛ لأننا على ثقة من أن جميع المطالب التي يطمح إليها نساء الغرب في هذه الأيام ليست من الوسائل التي يعضل حلها، ويدوم القلق بسببها، بل يقضي فيها المستقبل بحكم العقل والحق.

ورب سائل يسأل: إلى متى تنتهي هذه الأدوار التي تنتقل فيها النساء؟ فالجواب أن ذلك سر مجهول ليس في طاقة أحد من الناس أن يعلمه، وكما أننا نجهل ماذا يكون حال الرجل بعد مائتي سنة؟ كذلك لا يمكننا أن نعرف ماذا يكون حال المرأة بعد مرور هذه المدة؟ وإنما نحن على يقين من أمر واحد وهو أن الإنسانية سائرة في طريق الكمال، وليس علينا بعد ذلك إلا أن نجدّ السير فيه ونأخذ نصيبنا منه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠