الفصل الرابع

(إلى الخلف تلوح مدينة ماسيليا وشاطئ البحر. إلى الأمام وفي الجهة اليسرى منظر صخور تظللها أشجار تحت ظلالها ممر ضيق يؤدي إلى المسرح.)

(يدخل ميرون ونيوكليس وإلفينور وذلك من الشمال.)

ميرون : وا خجلاه! وا خجلاه! إن الذئب ليساعد الذئب، أما هذه المدينة التي تفاخر بحضارتها وعدلها ونظامها، فإن أبناءها يذهبون ضحية الأسر والعبودية، ولا تحرِّك ساكنًا لحماية بنيها، بل تصمُّ آذانها، ولا تسمع استغاثتهم. فوا خجلاه! وا خجلاه!
نيوكليس : إنك لا تجهل يا ميرون أن القانون الأساسي يقضي بأن تحمي المدينة بنيها لغاية مرمى ظلال أسوارها، أما أنت فقد قبض عليك المتوحشون خارج هذه المنطقة.
ميرون : إنه لقانون عادل، وحماية أبوية حقًّا! لأنهم أولًا رفضوا مساعدة فتاة لا ناصر لها في دفع فدية أبيها، ولما ذهبت المسكينة وافتدت أباها من الأسر بنفسها، ها هم يرفضون مساعدتي، سواء بالمال أو الرجال، فيحق لي أن أصيح بأعلى صوتي قائلًا: وا خجلاه وا خجلاه! يا للعار يا للعار!
إلفينور : إننا لا نجهل أحزانك، ونشاركك في ألمك ومصابك، وعندما طلبت ابنتك منا المساعدة لم تترك لنا وقتًا نتدبر فيه وسيلةً لإنقاذك، بل إنها …
ميرون (مقاطعًا) : إنها لفتاةٌ حقًّا، ولكنها تحمل قلب رجل! آه يا ابنتي المسكينة!
نيوكليس : أنت تعلم أن لَيْكُونَ الصياد، هو الذي حمل إلينا نبأ وقوعك في الأسر، فاجتمعنا حوله لنستمع الخبر، ونتشاور في الأمر وكيفية المساعدة. وبصرف النظر عن ذلك، فإذا انضم رجال الشواطئ إلى أصدقائنا هنا في ماسيليا، فإن ابنتك تنجو لا محالة، وها قد أقبل لَيْكُونْ، ومعه بعض الأصحاب.

(يدخل ليكون ومعه بعض الصيادين والنساء.)

لَيْكُونْ : أين ميرون؟ ومَن هو فيكم؟ مَن هو والد تلك الفتاة الباسلة؟
ميرون : أنا أنا! هل أتيتم لمساعدتي وإنقاذ ابنتي؟
صياد : نعم نعم! مستعدون لبذل جهدنا.
لَيْكُونْ : نحن يونانيون، نحترم اليونان ونبغض المتوحشين، وإذا ضاعت علينا تلك الفتاة فيا لعار ماسيليا ويا لعار اليونان أجمع!
النساء : نحن النساء نسير معكم.
ميرون : فلتبارككم الآلهة! ولْتُجزِكم على ذلك. ولكن يجب أَلَّا نُضيع يومًا واحدًا؛ خشيةَ أن يقتل المتوحشون ابنتي.
لَيْكُونْ : إذن فهلموا ننتشر في القرى والبلاد، ونثير ثائرة الصغار والكبار! فاذهب يا نيوكليس من اليمين، وأذهب أنا إلى الشمال، وأنت يا ميرون وإلفينور، انتظراني عند منزل ريساس الغني؛ لأنه وعدنا بالمساعدة. فهلموا الآن أيها الرفاق، هلموا هلموا!

(يخرجون ويبقى ميرون وإلفينور.)

ميرون : آه يا ابنتي يا ابنتي! هل سأراك مرة أخرى؟ لو كنت شابًّا قويَّ الساعد، لبذلت قوَّتي ومهجتي في سبيل إنقاذك.
إلفينور : حسبك حزنًا يا ميرون، هلمَّ بنا إلى منزل ريساس!

(يخرجان من الشمال، يظهر أنجومار وبارتينيا على الصخرة إلى الشمال.)

أنجومار : مِن هنا، مِن هنا يا بارتينيا.
بارتينيا : بل الطريق من هنا.
أنجومار : انتظري انتظري، تمهلي؛ لأن النزول من على هذه الصخرة خطر، ناوليني يدك (ينزلان من الطريق الضيق إلى المسرح) متى تثقين بي يا بارتينيا؟ أنسيت ما حدث بالأمس؟ عندما صممت على رأيك، وسرت في الطريق المخالف، فكدت تقعين في الهاوية العميقة لولا أني أخذت بيدك؟
بارتينيا : حقًّا لقد كنت على حافة الهلاك؟
أنجومار : لن يصيبك سوءٌ ما دمتُ معك.
بارتينيا : لقد أنقذتني من الموت، وبالأمس عندما كاد يقتلني البرد أوقدتَ لي حربتك، فدفئت وجرت دمائي في عروقي، فيا لك من وفيٍّ أمين!
أنجومار : تعالي من هنا، فقد انتهت سلسلة الجبال، وها الغابة تنبسط خلفنا.
بارتينيا : صدقت، وعندما كنت آتية لإنقاذ أبي ركعت على ركبتي في هذا المكان أصلي للآلهة، ضارعة خاشعة، أسألهم نصرتي والأخذ بيدي.
أنجومار : لا تؤلميني بهذه الذكرى، أظن أن منزلك بعيد من هنا!
بارتينيا (تلتفت إلى الخلف لترى ماسيليا) : انظر! هاكَ البحر يزبد ويضطرب، وهاكَ على مرمى النظر معبد أَرتميسْ فيا لحناني إليك يا ماسيليا! أحن إليك حنينًا يَهُزُّ قلبي وكلَّ جسمي! فأركع على ركبتي هنا، أسبِّح بحمدك أيتها الآلهة الخالدة، شاكرة لك فضلك العظيم عليَّ؛ إذ أنقذت أبي وَرَدَدْتِنيِ إلى وطني! فشكرًا لكِ وحمدًا!
أنجومار (على حِدَة) : آه ليتني مِتُّ قبل هذا!
بارتينيا (تنهض وتتقدم مع أنجومار) : سأرى أبي وأمي دامعةً باكيةً، ولكنها دموع الفرح والسرور، فأرتمي في أحضان الحنان والعطف، وأُقبِّل تلك الدموع الطاهرة، المنحدرة على تلك الوجنات الشاحبة! سلام عليك يا وطني! انظر يا أنجومار، أَلَا ترى ستار الليل بديعًا، وهو ينسدل على تلك المنازل والأبراج، فتحتجب وراءه! ما لي أراك مكتئبًا؟ وها أنت تراني أكاد أُجَنُّ من الفرح! أَلَم نقتسم حرارة الشمس وبرودة الليل؟ ألم نتشاطر وعورةَ الطريق ومشقة السفر؟ وها قد انتهى كل شيء، فيجب أن تفرح وتتهلَّل!
أنجومار : أفرح وأتهلل؟ هنالك في الغابات المخيفة، هنالك حيث السكينة الرهيبة، والمخاطر تحيط بك من كل جانب، والفزع متملك فؤادك، وفكرك كله منحصرٌ فيَّ وحدي، وآمالك كلها متجهة إليَّ، هنالك فقط كنت سعيدًا، بل أسعد الناس أجمعين! أما هنا، فإني أنظر إلى تلك الأسوار المنحوسة، وأراها ستفرق بيني وبينك، وستنزع روحك من روحي.
بارتينيا : نعم تذكرت؛ إذ هنا يجب أن نفترق. ولكن لا، هلمَّ معي إلى المدينة!
أنجومار : أنا؟ أأدخل هذا السجن المظلم، المحوط بأسواره؟ أأدخل عند أولئك اليونانيين المتمدنين، وأنا ذلك البربري الحر الطليق! كلَّا، وهذا هو الطريق الذي يؤدي إلى ماسيليا، وذلك يعود بي إلى الجبال، فيا ليتني ما رأيتك قط يا فتاة! والآن أستودعك الآلهة (متظاهرًا بالذهاب).
بارتينيا : بل انتظر حتى أعطيك شيئًا تتذكرني به في مستقبل الأيام، فَخُذْ هذا الخِنجر، على سبيل التذكار (تناوله خنجرها).
أنجومار : خِنجرك؟ إنه يذكِّرني بأني أسأتُ إليك يومًا بشراستي، فَهَمَمْتِ بقتل نفسك.
بارتينيا : بل يذكِّرك بأنك حميتني يومين وليلتين، بدون أن أضطر لاستعماله في الدفاع عن نفسي. والآن، الوداع!
أنجومار : لا لا، لا تتركيني، تزوجيني يا بارتينيا، فإني زعيم قومي، ورأس قبيلتي، ولا تَخْشِي من عوائدها الوحشية وخشونة أخلاقنا، وستكونين سيدة نفسك، سيدة القوم، بل مليكتنا! فهلمي معي وأنا أبني لك بيتًا خاصًّا تحت ظلال الأشجار، تنبسط أمامه المراعي الخصبة ترعاها الماشية والأنعام، وبجواره الغدران تجري، ويهب النسيم العليل، فيمتلئ قلبانا بالحب والسعادة والآمال، فهلمي معي إلى النعيم المقيم والهناء الخالد!
بارتينيا : ليت شعري ماذا أقول!
أنجومار : لِمَ تَغُضِّينَ عينيك صامتة وأنت التي قلت لي إن الحب الصحيح رقيق حنون تُنْكَرُ فيه النفس؟! وأقسم لك بالسماء وما فيها أن أكون لك أودع مِن حَمَلٍ وأَرَقَّ من زَهْرَة، أقرأ في عينيك كل ما تريدين، وآتيك به حتى لو كان في السماء أو الماء، فتعيشين معي ذات مالٍ وافر، شريفةً سعيدة. فلا ترتابي، هلمي معي ولا تذكري الفراق!
بارتينيا : لا تكلمني بهذه النغمة الساحرة.
أنجومار : ألا تقبلين؟
بارتينيا : مهلًا.
أنجومار : لا لا، فأنت مرتابة فيَّ، بل تكرهينني.
بارتينيا : كلَّا، بل أحترمك وأراك شريفًا.
أنجومار (مكتئبًا) : ولكنْ لا تحبينني.
بارتينيا : أيرضيك أن أهجر أبي وأمي وهما في الشيخوخة؟ وهل أنسى تلك السنين الطويلة التي أَوْلَيَاني فيها الحنان والحب، وهل أهجر تقاليدي ودياري لألحق بقومٍ أغراب، هم أعداء وطني؟
أنجومار : أعرف أنك تحتقرينني.
بارتينيا : لا لا، وأقسم بحياتي! لأني أراك في أرفع منازل النبل والشرف، بل أراك نجمًا زاهيًا زاهرًا، لولا سحابة خفيفة تُظلِّلُكَ قليلًا. فيا ليتك كنت يونانيًّا تعرف الحقوق والقوانين والنظامات، ولكنك من قوم لا إله لهم غير القوة والبطش، ولا حاكم لهم إلا السيف، ولو لم تكن ذلك (تسكت قليلًا).
أنجومار : لماذا تسكتين؟ بل قولي واجهري بالقول، قولي لو لم أكن ذلك البربريَّ المتوحش كما تسمينني، قولي لو لم أكن مغتصب القطعان والأغنام، قولي لو لم أكن ذلك اللصَّ السفاح قاطع الطرق، قولي وأعيدي ما قلتيه لي من قبل!
بارتينيا : أنجومار!
أنجومار : أعرف كل ذلك، وأعرف الهوَّة التي تفصل بيننا، وأنك تخجلين من صحبتي وأنك تخافين لَوْمَ أهلك ومواطنيك من اليونانيين المتمدينين، الذين يهزءون برجل وحشيٍّ مِثْليِ، فصُحبتي تجلب لك الخجل، بل العار، وإنك لَمُحِقَّةٌ في ظنونك، فالوداع!
بارتينيا : لا تتركني غاضبًا!
أنجومار : غاضبًا! آه يا بارتينيا، ليتك تستطيعين أن تري قلبي! أنا أنا … ولكن كفى … فالوداع (يخرج مندفعًا).
بارتينيا : أنجومار! تعالَ واستمع لي! آه … إنه لا يكترث لقولي، فذهب ولن أراه إلى الأبد! فما هذا؟ لقد تغيرت الدنيا فجأة؛ إذ كان كل شيء في عيني زاهيًا مشرقًا، فأمسى مظلمًا عبوسًا، حتى لَيُخَيَّلُ لي أن أزهار الوادي قد ذَبلَتْ وذَوَتْ، وجَفَّتْ أوراقها الناضرة! فكأن الربيع قد مات ولم يكن من قبل حيًّا (تبكي) لماذا أبكي وما هذه الدموع؟ لا لا، لا يجوز لي أن أبكي، وعليَّ واجبات يجب أن أُؤدِّيَها، فانْهَضي يا بارتينيا فإن وطنك ينتظرك، حيثُ والداي وأصحابي! آه يا أنجومار لقد فَقَدْتُكَ إلى الأبد ولن أجد عنك بديلًا (تبكي).

(يعود أنجومار وهو يتقدم ببطء.)

أنجومار : بارتينيا!
بارتينيا : لقد عُدْتَ إليَّ مرةً أخرى.
أنجومار : لقد عُدْتُ ولن نفترق، وسأذهب معك إلى المدينة، وأكون يونانيًّا.
بارتينيا : ماذا تقول؟
أنجومار : نعم سأصير يونانيًّا حتى لا تحتقريني يا بارتينيا، أو تخجلي من صُحبْتي. ولقد تركتُ على الأعشاب درعي ورمحي، كما هجرت من قبل قومي، وسأتخلى عن عوائدي وطباعي، وأتعلم عوائدكم وطباعكم، ومنذ صمَّمت على هذا العزم، شعرت في نفسي بالنشاط والقوة.
بارتينيا : إذن فستأتي معي.
أنجومار : ولست أجهل أنه يجب عليَّ فهم أمور كثيرة، ولكنك ستعلمينني كل شيء، وعندها تحبينني؛ لأني أسمع صوتًا خارجًا من أعماق قلبي، كأنه صوت الآلهة، يوحي إلى نفسي أنك ستحبِّينَني.
بارتينيا (لنفسها على حِدَة) : وإذا لم أحبَّك فمن ذا الذي أحبُّه في هذا العالم؟ (له) إذن فستذهب معي إلى ماسيليا، ولكن لا يعرفك هناك أحد، فمن الذي يأويك؟
أنجومار : يأويني؟ إني أطلب من أول شخص يقابلني شيئًا من المِلح والوقود ولا أحتاج لغير ذلك، وها أرى شخصين مُقبِلَيْن نحونا، وأظنهما يونانيَّين، إذن ﻓَﻠ…
بارتينيا : إنه أبي، نعم أبي (تجري إليه مسرعة).
أنجومار : أبوها! يا لَحُسْنِ حَظي (تعود بارتينيا وميرون وإلفينور).
ميرون : ابنتي العزيزة عادت إليَّ؟ وا فرحاه! يجب أن أشكر الشجاع الباسل الذي … من هذا الذي أرى؟ (إلى إلفينور) أحد المتوحشين، الهربَ الهربَ!
بارتينيا : لا تَخَفْ يا أبتاه، فهذا أنجومار الذي رَدَّ لي حريتي، ورافقني إلى هنا يحرسني.
ميرون : ماذا تقولين؟ أهو فَعَل ذلك؟ وهل أتى وحده؟
بارتينيا : لقد أتى صديقًا مُسَالِمًا، فاذهب إليه يا أبي، واعطف عليه كما كان يعطف عليَّ، هَلُمَّ إليه يا أبتاه (تأخذه من يده وتذهب به إلى أنجومار ثم تلتفت إلى إلفينور) وأنت يا إلفينور، قل لي كيف حال أمِّي؟
ميرون (على حدة) : حقيقةً لقد أتى وحده وليس معه أحد من قومه، إذن فلأتقدم إليه مطمئنًا (يتقدم نحو أنجومار مترددًا) أنا أنا … أشكرك … فمرحبًا بك … إني أرحب بك … جدًّا، وما كنت لأظن أني سأراك بهذه السرعة … أظنك أتيت لأجل الفدية؟
أنجومار : ما هذا؟
ميرون : لا تغضب، فإني لم أحصل على الفدية بعدُ، وغاية ما هناك أني حصلت على شيء قليل منها، وسأعطيك ما اقتصدته.
أنجومار : أيها الشيخ، لقد دَفَعَتِ ابنتُك فديتَك بنفسها، وأنا اشتريتها من قومي ورددت عليها حريتها.
ميرون (مندهشًا) : أنت!
أنجومار : والآن أتيت أخطب وُدَّكَ وأرجو صحبتك، وأن أعيش معك.
ميرون (متلعثمًا) : تعيش معي! أنت؟! إنك لزعيم المتوحشين.
أنجومار : لا أنكر أني كنت عدوَّك وأنك كنت أسيري، وأني عاملتك معاملة الأسرى، ولكنني رَدَدْتُ عليك ابنتك وأتيتك مسالمًا، فتناسَ الماضي ولعلك تجد من وفائي وإخلاصي أكثر مما وجدت من بغضي وعداوتي، أتخشى أن تضع يدك في يدي؟
ميرون : أخشى؟ لا لا، اليونانيون لا يخافون، ولكن هل أنت واثق أنك أتيت وحدك؟ فأنا أنا … لا أخشاك، ولكن بني وطني لو رأَوك …
أنجومار : قل لهم إن أنجومار قد أتى وحده، يريد الإقامة بينهم، وإذا كان أحدهم يحمل لي ضغينة على سيئة مَضَتْ، فليتقدم إليَّ، وليتقدموا إليَّ أجمعين.
ميرون : رحماكِ أيتها الآلهة، إنه سيقاتل المدينة كلها!
أنجومار : إني لا أعبا بهم ولا أكترث لهم. أما أنت أيها الشيخ فسأتخذك صديقي بل وأجعلك في منزلة أبي، فناولني يدك، كما لو كنت ولدك (ميرون يناوله يده بعد تردد) شكرًا لك. خذني الآن إلى بيتك، وعلمني عوائدكم، لأكون يونانيًّا مثلكم.
ميرون (منزعجًا) : آخذك إلى منزلي؟
أنجومار : نعم وسيكون منزلك مقدسًا كمعابد الآلهة.
ميرون : تريد أن تكون يونانيًّا وأن أعلِّمَك ذلك! أنا … أنا … أنا … أشكرك كثيرًا جدًّا ولكني رجل فقير، وإذا أضَفْتُك في منزلي، فيجب أن تشاركنا في فقرنا ومتاعبنا وتعاستنا.
أنجومار : وهل أخشى الفقر وقد هجرت قومي وعشيرتي وبلادي، وخرجت من كل ذلك صفر اليدين؟ أو أخشى المتاعب والتعاسة وبارتينيا إلى جانبي؟! هَلُمَّ هَلُمَّ أيها الشيخ ولا تهزأ بي، بل قل لي ما الذي يجب عليَّ فعله؟
ميرون (ضاحكًا) : يجب عليك قبل كل شيء أن تخلع هذه الجلود التي تلبسها.
أنجومار : أخلع جلدي (ينظر إلى ملابسه) هاها فليكن ذلك، ثم ماذا؟
ميرون : وأن تقصَّ شعر رأسك ولحيتك.
أنجومار : شعري ولحيتي؟! هذا لا يكون أبدًا، فإن هذه الشعور هي فخرنا، والدليل على شرف مولدنا وحريتنا (يلتفت فيرى بارتينيا تنظر إليه) ومع ذلك … فليكن، لا بأس سأقص شعري.
ميرون (على حدة) : تدهشني وداعته، مع أنه كان وحشيًّا (إليه) ثم عندي حقول ومزارع تحتاج إلى أيدٍ عاملة، تشتغل فيها بالفأس والمحراث ويجب عليك أن …
أنجومار : ماذا؟ أنا أشتغل خلف المحراث، أنا أتناول هذا العمل الدنيء الذي لا يشتغله إلا عبد رقيق؟! كأنك تريد أن تستأسرني وتجعلني عبدك!
ميرون : لا تغضب لا تغضب، فأنت الذي أردت أن تكون يونانيًّا، ونحن هنا قوم فقراء يجب علينا أن نكدَّ ونشتغل، فأنا أشتغل وزوجتي تشتغل وبارتينيا تشتغل أيضًا …
أنجومار : أتقول إن بارتينيا تشتغل أيضًا؟
ميرون : نعم، يجب عليها ذلك.
أنجومار : بارتينيا؟ لا لا، لن أجعلها تشتغل أبدًا، وسأقوم مقامها في كل الأعمال، حتى ولو كان ذلك وراء المحراث، فماذا تريد مني أيضًا.
ميرون : ويجب عليك أيضًا أن تشتغل معي في المصنع لتتعلَّم صنع السيوف والدروع.
أنجومار : هذا أعمله بكل سرور؛ لأنه عمل مجيد، تستخدم فيه القوة لأجل القوة فما أجملَ المطرقة الضخمة وهي تنزل على الحديد بضرباتها الثقيلة، فيلتوي١
ميرون : ويكفي لإثبات ذلك أن يراه الإنسان مرة واحدة، وهو يشتغل خلف المحراث في المزرعة، أو بين المطرقة والسندان في المصنع، فيعلم أن أنجومار رجل همة وشرف. ولقد أصبح ربحي الآن يعادل ثلاثة أمثال ما كان عليه من قبل؛ وذلك بفضل نشاطه وأمانته (يتناول حزامه من زوجته ويلبسه) فلا تخافي ولا تفزعي؛ لأنه يظهر أنهم يطلبونني في المجلس، لاستطلاع رأيي وأفكاري فقط؛ لأني أعرف أولئك المتوحشين حق المعرفة، وقد عشت بينهم حينًا من الدهر، فأصبحت لا أخشاهم. هيا بنا يا نيوكليس (يخرجان من الشمال).
أكتيا : الأعداء على الأبواب! ويظن ميرون أنهم يطلبونه في المجلس لاستطلاع أفكاره، وربما كانوا يطلبونه لمعاقبته.
بارتينيا : لا تخافي يا أمي؛ لأن أنجومار قد أقام في المدينة بإذن الحاكم.
أكتيا : ولكنه قد جلب إلينا المصائب.
بارتينيا : وهل تنسين أنه هو الذي رَدَّ عليكِ ابنتك؟
أكتيا : لا أنسى ذلك، ولكن بوليدور مُحِقٌّ في أن يقول …
بارتينيا : أماه! يجب ألا تسمعي كلام ذلك الوغد الخبيث النية.
بوليدور (في الخلف) : أيقال فيَّ هذا القول؟
بارتينيا : ولماذا تسمحين له أن يُغَيِّرَ قلبك على أطهر وأشرف …
أكتيا : كفى كفى! فإني أقول لك إن بوليدور …
بارتينيا : لا أحب أن أسمع اسم هذا الرجل. ويدهشني أنه لا يزال يقتفي آثاري، وأنك لا زلتِ تستمعين له! ولذلك أقول لك يا أمي: إني أفضل شر أنواع الفقر والموت عن هذا الرجل الذي أكرهه أشد الكُرْهِ!
بوليدور (وهو لا يزال في الخلف) : سأخفض من كبريائك وأقتل فيك هذه العاطفة مهما كلفني الأمر.
أكتيا : ولكنه يتهددنا يا ابنتي ﺑ …
بارتينيا : يتهددنا؟ ذلك السَّفِلُ اللئيم؟ فليفعل ما شاء! فإني أحتقره وأكرهه، ولا أعبأ بتهديداته.
بوليدور (وهو يهدد بقبضة يده) : إذن فانتظري (يخرج من الشمال).
أكتيا : اسكتي لِئَلَّا يسمعك! ولكن لماذا تكرهينه إلى هذا الحد، مع أنه على الأقل لم يُشْهِر سيفًا في وجهك، كما فعل أنجومار، ولم يستعبد أباكِ، كما فعل أنجومار؟ وأقول لك الحقيقة، إني أكره منظره، وشَعْرَه الطويل ولحيته المتجعدة، وعندما يقع نظري عليه أشعر أن قلبي ينفر منه.
بارتينيا : ولكنه قد قصَّ شعره ولحيته الآن، فأصبح كسائر اليونانيين في شكله وملابسه.
أكتيا : نعم، إنه يوناني في زِيِّه وملبسه، ولكنه ما زال وحشيًّا في شكله ومشيته وصوته، وحشيًّا في نظراته التي يتجلى فيها احتقاره لقومنا ومواطنينا، وسيظل على هذه الطباع ما دام حيًّا.
بارتينيا : وهل في ذلك عيب، وقد نشأ في الغابات والجبال حرًّا شجاعًا قويًّا؟
أكتيا : إن شجاعته شجاعة وحشية، ألم تَرَيْهِ بالأمس في المصارعة، حين قذفَ بخصمه خارج الدائرة؟ أنسيت عندما رمى الكرة فكادت تصيب الحاكم؟
بارتينيا : وهل نسيت أيضًا أنه هو الذي قتل الذئب الذي كان يفتك بماشية المزرعة؟ أنسيت عندما هبَّت العواصف على الميناء، وعَلَتِ الأمواج كالجبال، وكان أحد الصيادين في قاربه يكافح هياج البحر، ويستغيث بالناس وقد أوشك على الغرق، فلم يستطع أحد مساعدته، فقذف أنجومار بنفسه إلى الماء، وهو يَهُدُّ الأمواج بساعديه هَدًّا، حتى أنقذ الصياد المسكين وأنقذ قاربه؟ أنسيت أنه هو الذي يشتغل الآن في المزرعة وفي المصنع، بَدَلَ أبي المسكين الذي بَيَّضَتِ الأيام شعره وأنهكَ الزمان قوته؟
أكتيا : على كل حال لا أستطيع أن أنكر أن أنجومار قد أفادنا، وأنه لا يخلو من صفاتٍ يُمْدَحُ عليها، ولكنه لا يحترمني. ومع ذلك فإني أكرر ما قلته، وهو أنه جاسوس خائن، وأقول له ذلك في وجهه، أين هو؟ (تنادي) أنجومار!
بارتينيا : ماذا تريدين أن تفعلي يا أمي؟ احترمي على الأقل واجبات الضيافة.
أكتيا : انتظري. (تنادي) أنجومار (لابنتها) سترين الآن كيف يرتعد ويضطرب عندما يعلم أني أعرف أنه خائن وجاسوس. أنجومار!
بارتينيا : إنك يا أماه لا تعرفين شيئًا عن تلك الروح الطاهرة، وذلك القلب النقي.

(يدخل أنجومار من خلف المسرح وهو بزي فلاح يوناني.)

أنجومار : مَن يناديني؟
أكتيا : ها! لقد أتيت أخيرًا بعد أن ناديتُك ثلاث مرات!
أنجومار : كنت أُغَنِّي وأجهِّز نفسي لألعاب المساء.
أكتيا : تغني؟ طبعًا! لأنه يَسُرُّكَ أن ترى أصحابك مرة أخرى.
أنجومار : أي أصحاب؟
أكتيا : لا تتجاهلِ الأمر وأنت تعرفه، ألا تعلم أن المتوحشين يحاصرون المدينة؟
أنجومار : أصحيح؟ إذن فقد خرجوا للأخذ بثأرهم من قبيلة أللُّوبروجي، وَمَرُّوا بهذه المدينة في طريقهم.
أكتيا : قبيلة أللُّوبروجي! حقًّا إنك لبريء طاهر، وليكن طريقهم ما يكون، إنما بعض الناس يظن أن طريقهم وطريقك واحد.
أنجومار : طريقهم وطريقي؟
أكتيا : نعم، ويقولون أيضًا إنك قد دخلت المدينة لتفتح أبوابها لقومك.
أنجومار (بغضب) : أنا؟ مَن قال ذلك؟
أكتيا : أنا، وأقوله في وجهك، فأنت جاسوس خائن! وأنت …
أنجومار (هاجمًا عليها) : ويلَكِ يا امرأة (يتراجع متألمًا) ولكن لا، لا لا، فأنت أمُّ بارتينيا فلا أجيبك بكلمة (يدخل إلى المنزل).
أكتيا : أرأيتِ الآن كيف يهزأ بغضبي، ولا يراه يستحق أن يبرئ نفسه أمامي؟
بارتينيا (تقترب من الباب وتنادي) : أنجومار!
أكتيا : لماذا تنادينه؟ أتريدين أن يواجهني ويهينني مرةً أخرى؟
بارتينيا : لا، بل أريد أن أسأله بعض الأسئلة.
أكتيا : لا أريد أن تسأليه شيئًا، إني أكاد أُجن من تصرفاتك! فأبوك يتهدد حياته الخطر، وها أنا ذاهبة إليه في المجلس، فامكثي هنا واسألي هذا الوحش ما تريدين أن تسأليه، وثقي به ما تشائين، أما أنا، فقد عرفته، ولن يستطيع بعد الآن أن يخدعني (تخرج من الشمال).
بارتينيا (تروح وتجيء) : لقد أخطاتِ يا أمي، أخطأتِ جدًّا! فوا أسفاه لك يا أنجومار! (ترى أنجومار ينزل دَرَج البيت متمهلًا فتشير إليه) تعالَ يا أنجومار، أتظن أنك احترمتَ أمي، حين وَلَّيْتَ لها ظهرك، وهي تكلمك، ولم تجاوبها؟
أنجومار : ألم تقولي لي من قبل إنه يجب عليَّ أن أنسحب إذا وجدتُ أمَّكِ غَضْبَى بدون سبب؛ وذلك احترامًا لسنها؟ وقد فَعَلْتُ ذلك، فلم أجاوبها، ودخلت إلى المنزل صامتًا.
بارتينيا : ولكن كان في إمكانك أن تنفي التهمة عن نفسك بلطف، لا أن تتهيج وتغضب، ثم تخرج وتتركني وحدي أتحمل الآلام.
أنجومار : إني آسف جدًّا.
بارتينيا : ليس في إمكاني أن أجعلك تكترث لكلامي.
أنجومار : أكترث لكلامك؟ إني لا أفكر في شيء مثلما أفكر فيك وفيما تقولينه لي، سواء كنتُ في المزرعة أو في المصنع، حتى في النوم! ولكن يظهر أن كل شيء سيذهب عبثًا، وكلَّ دروسكِ لي ستضيع سدًى، وعلى ذلك فلن تحبيني.
بارتينيا : بالعكس، فإنك قد حَفِظْتَ شيئًا كثيرًا.
أنجومار : يا لَحَنِيني إلى غاباتي وموطني في الجبال! هنالك كان قلبي حرًّا، وتصرفاتي غير مقيدة، وأفكاري لا يحددها شيء. هنالك نشأت، وهذى طباعي، فلا أستطيع تغييرَها! ولكني لست أدري، ما الذي يجيش في صدري ويتجلى في نظراتي ويضيء في عينيَّ؟! أهو الحب أم البغض؟ أم السرور أم الحزن؟ إذن فَلأَبْقَ حرًّا ما دامت عواطفي لا تقبل القيد.
بارتينيا : ولن تكون إلَّا كذلك، ولا يرضيني أن تكون إلَّا كما أنت، شريف النفس، طاهر القلب. ولكن لا تنسى أن لكل شيء حدًّا وقيدًا؛ ولذلك ترى أن حرية النفس يجب أن يكون لها حَدٌّ وقيدٌ، وها أنت قد تعلمت شيئًا كثيرًا، فأصبحت تحترم القانون والنظام، لا تعترف بإله القوة ولا تمجِّده، وتحب قومي حبًّا خالصًا، فأنت الآن يوناني صميم. ومع ذلك ينقصك شيء من لين العريكة واللطف، وستناله قريبًا.
أنجومار : وعند ذلك يا بارتينيا، هل …
بارتينيا (ضاحكة) : قف عند هذا الحد؛ لأنك لم تتعلم بعد، ولا يُنتظر أن تتعلم بهذه السرعة.
أنجومار : آه! هذا ما تقولينه لي دائمًا، فإنك بدلًا من أن تشجعيني، أراك تُبعدين عني الغاية كلما اقتربتُ منها. ويظهر أنك قد تغيرت أيضًا؛ لأنك كنت قبلًا تشجعيني، وتستنهضين همتي، وتَقصِّين عليَّ الأقاصيص وتنشدين لي الأغاني، أما الآن فأراك بعيدة عني، وعواطفك نحوي قد فَتَرَتْ. وعلى كل حال فإني قانع منك بالنظر إلى عينيك، وحسبي منكِ ذلك.
ميرون (في الخارج ينادي) : بارتينيا! بارتينيا!
بارتينيا : اسْمَعْ! إن أبي ينادي (يدخل ميرون من الشمال وخلفه أكتيا).
ميرون : بارتينيا! أين أنجومار؟
أنجومار : ها أنا.
أكتيا (لزوجها) : ألا تقول لي الآن ما الخبر؟
ميرون : انتظري قليلًا حتى أستريح؛ لأنهم آتون هنا حالًا.
أكتيا : من؟ المتوحشون؟
ميرون : كلَّا يا غبية، بل سمو الحاكم وأتباعه.
أكتيا : آه! هذا ما قلته! إن أنجومار سيجلب علينا المصائب.
ميرون : كلامك فارغ دائمًا. إن أنجومار سيجلب لنا الفخر والاعتبار والشرف! ها هم قد أقبلوا (إلى أنجومار) أنجومار، استعدَّ الآن يا عزيزي؛ لأني سأستقبلهم (يذهب لاستقبال الحاكم).
أكتيا : الفخر والاعتبار! إن قلبي يخفق خفوقًا شديدًا.

(يدخل الحاكم وحاشيته فيستقبلهم ميرون بالانحناء.)

الحاكم : كفى كفى يا ميرون. أين ضيفك؟
ميرون : هنا يا مولاي، فهل تتنازلون سموكم بتشريف منزلي الحقير؟
الحاكم : كلَّا، بل نَادِهِ إلى هنا. (يشير ميرون إلى أنجومار فيتقدم. إلى أنجومار) هل أنت أنجومار يا صاحبي؟
أنجومار : نعم، هو كما تقول.
ميرون (إلى أنجومار على حِدَة) : قل: «سُموَّكم»، ألا تفهم؟
الحاكم : لقد علمنا أنك تريد أن تكون يونانيًّا؛ وبذلك تصبح من أهالي ماسيليا.
أنجومار : تلك رغبتي.
الحاكم : إن ماسيليا تمنحك هذه الرغبة، وزيادة على ذلك، تعطيك منزلًا تقيم فيه ومزرعة واسعة، وأن تتمتع بكل ما يتمتع به الأهالي.
أنجومار : كل ذلك لي أنا؟
بارتينيا : يا للآلهة!
ميرون (لزوجته) : أسمعت الآن يا امرأة؟
الحاكم : ليس ذلك فقط؛ لأننا علمنا أنك تحب هذه الفتاة، وسنعطيها ثلاثين أوقية من الفضة بصفته مَهرًا لها، ونزوجها لك.
أنجومار : بارتينيا!
الحاكم : إنما نشترط عليك أن تُثبت لنا بأجلى برهان أن مصلحة ماسيليا هي أقدس واجباتك، فماذا تفعل لتثبت لنا ذلك؟
أنجومار : ماذا أفعل؟ إني لا أجد شيئًا يستحيل عليَّ فعله! وإذا أردتم، فإني أنزع النجوم من أبراجها، والأَرضَ من محورها! إني لأكاد أُجَنُّ، ولا أرى شيئًا مستحيلًا.
الحاكم : ألم يبلغك الخبر، إن المتوحشين يحاصرون المدينة؟
أنجومار : لقد أخطات؛ لأنهم لا يقصدون المدينة بسوء، ولكنهم مَرُّوا بها في طريقهم لمحاربة قبيلة أللُّوبروجي.
الحاكم : فليكن قصدهم ما يكون، إنما ماسيليا ترى هؤلاء القوم أعداءً لها، (يأخذ أنجومار إلى ناحية) وإنك تعرفهم، ويمكنك أن تدخل خيامهم، كأنك تريد أن ترى أصحابك منهم، وتسألهم عن وطنك وبلادك، فتستطلع قوتهم واستعدادهم وكلمةَ سرهم، ونظام جموعِهم، وفي المساء تعود إلينا لتتولى قيادة جندنا إلى النصر والظفر.
أنجومار (بغضب شديد) : آه (بارتينيا تهدِّئ رَوْعَهُ).
الحاكم : ماذا تقول؟
أنجومار : أأخون بني وطني وأخدعُهم! أأخون مَن يأتمنني وأقتله في نومه بسيف الغدر وخنجر الخيانة! أأخون مَن يتكلمون لغتي وكانوا من قبلُ إخواني؟!
الحاكم : : فَكِّر في المكافأة: بارتينيا، والشرف والمال.
أنجومار : خُذْ ما منحت! وخُذْ بارتينيا أيضًا؛ فإنها أعز شيء عليَّ في الدنيا، بل هي قلبي وحياتي، ومع ذلك خُذْها؛ لأنها لو عُرِضَتْ عليَّ ومعها سعادةُ العالم كلُّها، لرفضتُها ورفضتُ ما حَمَلَتْ، ولا أدفع ثمنها خيانةً وغدرًا ومذلةً وعارًا!
الحاكم : ألا تريد أن تكون يونانيًّا؟
أنجومار : كنت أريد ذلك قبل ما كنت أعلم أنكم خونة، فهجرت قومي وعشيرتي وبلادي راغبًا في الإقامة معكم، ولو كنتم دعوتموني إلى القتال الشريف، لسبقتكم إلى ساحاته، وحاربتُ إلى جانبكم بمنتهى الإخلاص والشهامة (باحتقار) ولكن سيوف المدنية ليست إلَّا سيوف غدرٍ وخيانةٍ وجبن، وهذه أمور أجهلها وما تعلمتها قط! فاذهب! اذهب؛ لأننا لا نفهم بعضنا، فأنت متمدن مهذب، وأنا رجل وحشي. اذهب!
الحاكم : اكْفُفْ لسانك الزَّلق، فقد منحناك ساعة واحدة للتفكير في الأمر، فإما أن تقبل، وإما أن نُطَهِّرَ المدينة من أنفاسك النجسة، فاختر لنفسك ما يحلو! وأنت يا ميرون، إذا آويتَ هذا الرجل في منزلك أو صَاحَبْتَه، فإن حياتك في خطر (لأتباعه) هلمُّوا إلى المجلس (يخرج الحاكم وأتباعه).
أكتيا : مَنِ المخطئ فينا الآن؟ إن الشرف الذي جلبه إليك هو تهديد حياتك.
ميرون : لا لا، كفى، فقد قطعت علاقاتي معه نهائيًّا (إلى أنجومار) اخرجْ من هنا، ابتعد عنَّا، فإني أُغلق باب بيتي في وجهك؛ لأني وطنيٌّ صميم، ادخلي المنزل يا بارتينيا.
أنجومار : ميرون!
ميرون (لزوجته وابنته) : ادخلي المنزل يا امرأتي، ادخلي يا ابنتي (تدخلان المنزل).
أنجومار : كلمةً واحدة.
ميرون : ولا نصف كلمة! ألم تَرَ الخطر الذي يتهددني بسببك؟ ومع ذلك فلا أنكر فضلك، وأشكرك عليه كثيرًا، ولو كان لي رأسان، لخاطرت برأس منهما في سبيلك، ولكن للأسف لا أملك إلَّا رأسًا واحدًا، فاذهب عنَّا، اذهب اذهب (بصوت عالٍ) فأنا رجلٌ أحب بلادي (يدخل منزله ويغلق الباب خلفه).
أنجومار : لقد قُضي الأمر، وضاعت آمالي، ولن أرى وجهها بعد اليوم، أو أسمع صوتها. ولم يبقَ في الإقامة هنا خير أو فائدة، فهيَّا هيَّا، وليُغْلِقُوا عليَّ أبواب نذالتهم، فإمَّا أن أموت، أو أَشُقَّ لي طريقًا بين سيوفهم (يهم بالخروج، بارتينيا تنسلُّ من منزلها بدون أن يراها خلال عبارته الأخيرة).
بارتينيا : أنجومار، هل أنت راحل عنَّا؟
أنجومار : وهل ترتابين في ذلك؟
بارتينيا : وإلى أين تذهب؟
أنجومار : لا تسأليني عن مقصدي؛ إذ ليس لي إلَّا طريقان، طريق إلى السماء حيث تقيمين، وليس لي إليه سبيل، والطريق الآخر إلى الصحاري والقفار حيث أُحْرَمُ من رؤياك إلى الأبد، فأنا ذاهب إلى حيث وُلدتُ ونشأتُ، ذاهب إلى موطني في الجبال، ذاهب إلى غاباتي وأحراشي التي أرضعتني لُبان الصدق والشهامة، وأورثتني الشمم والإباء، ذاهب إلى حيث أحرص على ما رَضعْتُ، وأُبْقِي على ما ورثتُ، ذاهب عنك ولو أن قلبي يكاد ينفجر!
بارتينيا : وهل أنت مصمم على تَركي؟
أنجومار : أتريدين أن أبقى لِأُضَيِّعَ كرامتي وأفْقِدَ شرفي؟ حسبك يا بارتينيا، إني راحل عنك، وصورتك خالدة في ذهني! فالوداع يا بارتينيا.
بارتينيا : لم يَحُنِ الوداعُ فصبرًا.
أنجومار : خيرٌ لي أن أموت مرةً واحدة، من أن أموت أَلْفَ مرة، فالوداع!
بارتينيا : لقد نسيتَ سيفَك الذي أَعطيتَه لأبي، عندما دخلتَ منزِلَنا.
أنجومار : لا حاجة لي به، فقد انتزعه الأمل من يدي، والآن … والآن …
بارتينيا : ها هو سيفك، أَردُّه إليك لامعًا كما سَلَّمْتَه لنا (يتقدم نحوها ليأخذه) لا لا، فأنا التي أحمل سيفك.
أنجومار : أنت يا بارتينيا!
بارتينيا : لقد حملتُ معه درعك وحربتَكَ من قبل، فلماذا لا أحمله لك الآن؟
أنجومار : إذَنْ … كَفَى، يجب أن نفترق هنا.
بارتينيا : لا لا، يجب أن أحمل لك سيفك يا أنجومار.
أنجومار : أتحملينه إلى آخر هذا الشارع؟
بارتينيا : بل إلى البوابة، بل إلى أبعد من ذلك، إلى شاطئ البحر، بل إلى الجبال والوديان، إلى مشارق الأرض ومغاربها، بل إلى حيث تذهب إلى حيث تريد، سأكون معك وإلى جانبك، ما دام قلبي يخفق والدماء تجري في عروقي!
أنجومار : أنتِ يا بارتينيا؟ …
بارتينيا : نعم، سأكون معك، ولن أفارقَك (ترمي السيف وتضم أنجومار) فطريقُك طريقي، وحظُّك حظي، وحيث تريد الإقامة فهنالك أُقيم، واللغة التي تتكلمها أَتعلَّمُها وأتكلَّمُها، وما يسرك يسرني، وما يُحزنك يؤلمني، فأنا لك أنت، ولن يُفرِّقَنَا بعد اليوم شيء!
أنجومار : هل أنا في حلم؟ إنك لتهزئين بقلبي! أَنتِ تحبينني؟ أنت ابنةُ ماسيليا تحبينني أنا! أنا الغريب المتوحش؟!
بارتينيا : لا تقل هذه الكلمة مرةً أخرى؛ لأننا لا نُقَاسُ بنُبلِك وشرفك! فيا للآلهة حين وقفوا أَمامَك مطرقين خجلًا، وأنت الذي أتيتَ إلينا، لتأخذ عنَّا الحضارة والنظام، فَعَلَّمْتَنَا ما يفيض به قلبك من أقدس العواطف، علمتنا الصدق والشرف والشهامة. فيا لجلال موقفك فيهم، عندما ضحيتَ الحياة وما حوته من الآمال، لأجل الواجب وحده! ويا لخجلي منك يا سيدي؛ إذ ظننتُ أني سأعلِّمك شيئًا! فسامحني، سامحني واغفر لي ذنبي.
أنجومار : أنتِ لي يا بارتينيا! أنتِ لي!
بارتينيا : بل كنتُ لكَ من قبلُ، منذ ذلك اليوم الذي عَرَفْتُ فيه البكاءَ والخوف، بل منذ ذلك اليوم الذي سقَطَ فيه سيفك من يدك بعد أن هَدَّدْتَ به حياتي. نعم، منذ ذلك اليوم أحببتك، وكلما كان الحياء يمنعني عن إظهار حبي، كلما ازداد حُبُّكَ في قلبي! لقد ظلمتك بكبريائي، وظلمتُ نفسي، والآن أجني عاقبة بَغْيِي، فأتوسل إليك بإرادة الهوى، خاضعةً ذليلة صاغرة أن تجعلني زوجتك، بل خادمتَك وأسيرَتَك، فأركع في التراب على قدميك (تكاد تركع على ركبتيها فيمنعها أنجومار ويضمها إلى صدره).
أنجومار : على قدميَّ! أسيرتي؟! لا لا، فلنكن فرعين لشجرة مباركة، يَسْمُوَانِ إلى السماء، فنحن كما كنت تقولين:
رُوحان من عالم الأرواح طارا لغاية
وقلبان يضطربان كالفلك في البحر

(يخرج إلى المسرح ميرون وزوجته أكتيا من منزلهما.)

ميرون : ما الذي أرى؟ ادخلي البيتَ يا شقية!
بارتينيا : لا أدخله إلَّا مع أنجومار.
ميرون : ألم تسمعي تهديد الحاكم؟ ألم تسمعي العقوبة؟ (إلى أنجومار) اخرج من هنا.
أنجومار : لا أخرج بدونها؛ لأنها لي أنا، بل لي إلى الأبد.

(يدخل بوليدور من الشمال ومعه اثنان من اليونان.)

بوليدور (إلى أنجومار) : أظنك تستطيع دفع قيمة هذه الوثائق؟ مائتا دراخمة تقريبًا، وإذا شئت الدقة في الحساب، فإني أطالبك بمائتين وثلاثة عشر دراخمة.
أنجومار : ماذا تقول يا رجل، وهل أنا مدين لك بشيء؟
بوليدور : لا لا، ولكن ميرون مدين لي بهذا المبلغ، ويجب عليه أن يدفعه لآخر دراخمة.
ميرون (إلى بوليدور) : لستُ مدينًا لك بشيء يا سيدي.
بوليدور : مائتان وثلاثة عشر دراخمة، فلا تتكلم كثيرًا.
ميرون : إني حقيقةً مدين بنحو هذا المبلغ، ولكْن لجملة أشخاص.
بوليدور : كل هذا المبلغ لي أنا؛ لأني اشتريتُ ديونك منهم، وأصبحتُ الآن دائنك الوحيد، فادفع لي الدَّين في الحال.
ميرون : لا أستطيع.
بوليدور : إذن فأقبض عليك؛ إذ أصبحتَ عبدي الرقيق، أنت وزوجتُك وابنتك، كلكم عبيدي الأرقاء، وسأبيعك وأبيع زوجتك. أما هذه الفتاة الملعونة، فسأبقيها في قبضتي (يهجم عليه أنجومار ويقبض على عنقه).
أنجومار : أيها الكلب الوقح! اركع على قدميها واسألها المعذرة والرحمة.
بوليدور : النجدة يا قومي!
بارتينيا (إلى أنجومار) : دعه يا أنجومار، دعه فإنه مُحِقٌّ في قوله، والقانون يحكم له بذلك.
أنجومار : أيحكم القانون بأن تكوني أسيرته!
بارتينيا : نعم، وا أسفاه! فأطْلِق سراحه.
أنجومار : أُخْلِي سبيلك طوعًا لأمرها، وإلَّا سحقتك تحت قدميَّ، فما الذي تريده الآن؟
بوليدور : مائتان وثلاثة عشر دراخمة، ولا أتنازل منها عن شيء.
أنجومار : ولكنهم لا يملكون هذا المبلغ يا رجل.
بوليدور : إلَّا أنهم يملكون أنفسهم، وأنا لا أفرِّط في مالي.
أكتيا (إلى بوليدور) : إن بارتينيا ستتزوجك.
بوليدور : لا أريدها، بل أريد أموالي، وإلَّا فأنتم عبيدي.
أنجومار : قل لي: هل أنت مصمم على طلبك؟
بوليدور : كل التصميم، فإما أن أُوَفَّى دَيني ذهبًا أو أجسامًا.
أنجومار : ألا تتزعزع؟
بوليدور : مالي أو عبيدي.
أنجومار : انتظر …
بوليدور : ولا لحظة، هلمُّوا أيها العبيد.
أنجومار : مهلًا! أنت تريد ما يعادل في قيمته مائتا دراخمة؟
بوليدور : وثلاثة عشر، ولا أتنازل عن شيء مطلقًا.
أنجومار : سأعطيك رقيقًا يعادل كلَّ ما تملك من المال.
بوليدور : أين هو؟
أنجومار : هنا.
بوليدور : مَن هو؟
أنجومار : أنا!
بارتينيا : لا لا! لا تسمع كلامه، فهو مجنون لا يعرف شيئًا!
أنجومار : أَوَكنتِ مجنونةً عندما قدمتِ نفسَكِ رهينةً لمن تحبين؟! فَكِّري في ذلك (يشير إلى والدها) خذني يا رجل، فإني أسيرك.
بوليدور : آخُذُك! أآخذ شيطانًا إلى بيتي؟!
أنجومار : حَذَارِ أن تَضَعَ أُصبعًا عليها أو على أهلها، وإلا علمتك كيف تكون الحياةُ مع عدوك أنجومار. واعلم بأنك معي دائمًا وعيني لا تغفل عنك، فأنا عدوك اللدود، ويدي تنالك ولو كنت في أبراج مشيَّدة تحرسها المدينة كلها.
بوليدور : عفوًا عفوًا، فقد قبلتُ رأيك (لنفسه على حِدة) سأنتقم منه بالسياط والأغلال!
أنجومار (يخطف الأوراق من يده) : إذن أعطني هذه الوثائق (إلى ميرون) أنت حر الآن يا ميرون، كلكم أحرار!
بارتينيا (ترمي نفسها في أحضان أنجومار) : يا للتعاسة والشقاء!
أنجومار (إلى بوليدور) : اسمع الآن أيها الشيخ، لقد وَفَيْتَ بوعدِك مضطرًا، أما أنا، فأفي بوعدي مختارًا، وسأخدمك بإخلاصٍ وصدق (إلى بارتينيا) لا تبكِ يا بارتينيا، ولا تَتَشَبَّثي بي كذلك؛ لأني لا أجد في كل ما أَوْلَيتنيه من السرور ما ترتاح إليه نفسي مثل سرور اليوم؛ لأنه أطهر وأقدس، والعبودية التي تمنحك الحرية لهي في نظري أجمل عزاءٍ، وهي أحب إلى نفسي من كل حرية.
بوليدور : يجب أن أُجَرِّبكَ لأتحقق صدق قولك، فتعالَ هنا أيها العبد (ينظر إلى الخارج جهة اليمين) ما الذي أرى؟ الأعداء المتوحشين (يُسمع صوت صياح وغوغاء في الخارج) خيانة خيانة! ضاعت المدينة وضاعت أموالي!
أنجومار (ينظر إلى اليمين) : صهٍ يا غبي! ألا تراهم يحملون أغصانًا خضراء؟ إنهم رسل الطمأنينة والسلام.

(يدخل الحاكم وحاشيته ومعه أَلَسْتور ونوفيو وبعض المتوحشين يحملون أغصانًا خضراء.)

الحاكم : ها هو الرجل الذي تبحثون عنه!
أَلَسْتور : أنجومار (يسرع إليهم أنجومار ويحييهم).
أنجومار : نوفيو، لماذا أتيتم؟
أَلَسْتور : أُشيع عندنا أن أحد رجالِنا أسيرٌ في هذه المدينة، ولما كنا في طريقنا لمقابلة قبيلة أَللُّوبروجي، فضَّلنا أن نقف هنا قليلًا، لنرى مبلغ الإشاعة من الصحة والحقيقة.
الحاكم : ها أنتم ترونه حُرًّا طليقًا.
أَلَسْتور : بل هو يتكلم عن نفسه، تكلم يا أنجومار، تكلم يا فخر قبيلتنا وفخر الجبال، إذا كنتَ في هذه المدينة أسيرًا فإن رجالنا محيطة بالأسوار، مستعدون لِدَكِّها دَكًّا وتحريرك عنوة، فقل لنا: هل أنت حرٌّ طليق؟
أنجومار (بهدوء) : لا.
أَلَسْتور : إذن فكيف أنت؟
أنجومار (مبتسمًا) : إني هنا أسير.
أَلَسْتور : ويلٌ لهذه المدينة منا، سنجعل عاليها سافلها، ونقضي عليها القضاء الأخير، فإلى السيف، إلى السيف!
أنجومار : لا لا، لا تهيِّجِ الرجال، أتظنون أن أنجومار يقع في الأسر إلَّا بإرادته؟
أَلَسْتور : إذن فأين ذلك الزعيم القادر الذي استأسرك؟ أريد أن أراه! أين هو؟
أنجومار (مشيرًا بيده إلى بوليدور الذي انسلَّ إلى أحد الأركان) : ها هو هناك.
أَلَسْتور : أهو هذا الرجل (يرفع بلطته فوق رأس بوليدور).
بوليدور : النجدة! ارحمني بحق الآلهة! أغيثوني!
الحاكم (يتقدم بعد أن كان يتكلم مع ميرون على حِدَة)، (إلى أنجومار) : أيها الشهم الشريف، لقد رُدَّتْ عليك حريتك.
أنجومار : كلَّا أيها الحاكم، إن شرفي يقضي عليَّ بأن أكون أسير ذلك الرجل كما اتفقت معه، وإني لست ممن يخفرون الذمم أو ينكثون بالعهود، إنما من أراد أن يُطْلِقَ حرية أنجومار فليدفعْ فِدْيتَه.
الحاكم : نحن ندفعها (إلى أتباعه) اصرفوا مقدار الفدية من خزانتنا، وهذا هو عين العدل الذي يقضي أيضًا بأن يجمع هذا الرجل متاعه وحوائجه (مشيرًا إلى بوليدور) وأن يُطْرَدَ من هذه المدينة؛ لأنه سُبَّةُ ماسيليا وعارها.
بوليدور : الرحمة يا سمو الحاكم الأعظم، إن المتوحشين يحيطون بالمدينة، فيسلبون مالي ومتاعي.
الحاكم (إلى بوليدور) : هذا يعنيك وحدك، ولا شأن لنا فيه (إلى أتباعه) فَلْيُنَفَّذْ أمرنا! اخرجوا به. (الأتباع يسحبون بوليدور ويخرجون به)، (إلى أنجومار) أيها الشريف أنجومار، ما دام قومُك يحملون مثل قلبك الطاهر ونفسك الأبية الحرة، فإنهم جديرون بأن يكونوا أصدقاء ماسِّيليا وحلفاءَها البَرَرَة! وإنك تذكر أننا عرضنا عليك منذ لحظة منزلًا ومزرعة وهذه الفتاة اليونانية لتكون زوجةً لك.
أَلَسْتور : الفتاة اليونانية! إذن فقد خسرنا زعيمنا، فالوداع، ولْتَهْنَئي بالأمن والسِّلْم يا ماسيليا!
الحاكم : إننا نطلب ما هو أكثر من الأمن والسلم، نطلب صحبتكم وصداقتكم، نطلب أن نكون وأنتم إخوانًا، نطلب منكم أن تُنْشِئوا لكم مدينة بجوار مدينتنا، ويكون أنجومار حاكمًا عليها!
الجميع (يصيحون هاتفين) : لِتحيا ماسيليا وليحيا أنجومار!
ميرون (لزوجته) : أسمعت يا امرأة؟ لقد أصبحتُ حَمَا حاكمٍ عظيم (إلى أنجومار) فلتهنأ يا سمو الحاكم، أَلَا تقول لي كلمة؟
أنجومار : دعني الآن يا ميرون، فإن رأسي المضطرب لا يتحمل التفكير إلَّا في شيء واحد، وهو أن بارتينيا أصبحت لي إلى الأبد (يضمها إلى صدره) وإني لمدين إلى الحب بهذا السرور وهذه النعم.
بارتينيا : بل إلى الحب والشرف.
أنجومار : لقد ارتبطنا الآن برابطةٍ لا انفصام لها.
روحان من عالم الأرواح طارا لغاية
وقلبان يضطربان كالفلك في البحر
انتهت الرواية في الساعة السادسة وثلث من مساء يوم الإثنين ١٣ ربيع الثاني سنة ١٣٣٥ / ٥ فبراير سنة ١٩١٧م.
ولله الحمد والشكر على آلائه.
آمين آمين يا رب العالمين.
١  حتى هذا الموضع تنتهي صفحة رقم ٦١ من مخطوطة مسرحية «أنجومار». وللأسف الشديد وجدنا أربع صفحات مفقودة من المخطوطة، وهي صفحات ٦٢–٦٥. والجزء التالي يبدأ من صفحة رقم ٦٦، وهو تتمة لحوار ميرون؛ كما يتضح من السياق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢