الفصل السادس

إنجلز العالِم

حدثت طفرة هائلة في أعداد المؤمنين بالأفكار الماركسية عام ١٨٧٥ مع تكوين حزب اشتراكي كبير موحد وناجح انتخابيًّا في ألمانيا، وتقبَّلَ إنجلز التحدي.

في البداية اتَّبع منهجًا غير مباشِر تَمثَّل في نقد أعمال أوجين فون دوهرينج، وهو أكاديمي تحوَّلَ للاشتراكية وكان يحظى بتأثير متزايد داخل الحزب. واستجابةً لمطالب الجماعة المناهضة لدوهرينج داخل قيادة الحزب، تولَّى إنجلز مهمةَ توضيح «موقفنا في مواجهة ذلك الرجل»، بتعبيره الذي قاله في خطاب لماركس في ٢٤ مايو ١٨٧٦ (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد الرابع والثلاثون). في سبعينيات القرن التاسع عشر، نشر دوهرينج مجموعة أعمال هي: «التاريخ النقدي للاقتصاد السياسي والاشتراكية»، و«مقرر في الاقتصاد السياسي»، و«مقرر في الفلسفة باعتبارها نظرة علمية صرفة للعالَم ونسق حياة». وأخذ إنجلز منطقيًّا الكتابَ الأخير كهدف أساسي لهجومه؛ لأن هذا العمل «يكشف على نحو أفضل الجوانبَ والأسس الضعيفة للحجج المقدمة عن الاقتصاد»، وكتب إنجلز إلى ماركس فقال إن «تفاهات» دوهرينج، عُرِضت «بطريقة أبسط من تلك التي عُرِضت بها في الاقتصاد.» كانت بنية نقد إنجلز لدوهرينج مستوحاةً إلى حد كبير من الملخص غير المترابط الذي وضعه دوهرينج لما أسماه «فلسفة الواقع». وطبقًا لإنجلز، قدَّمَ دوهرينج قدرًا قليلًا من «الفلسفة الفعلية؛ من منطق صوري وجدل، وميتافيزيقا … إلخ»، وكان لديه منهج مضحك تمثَّلَ في اعتبار «كل ما يبدو طبيعيًّا أنه طبيعي في الواقع» (المراسلات المختارة لماركس وإنجلز؛ أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد الرابع والثلاثون).

ظهر كتاب «ثورة السيد أوجين دوهرينج في العلوم»، المعروف باسم «الرد على دوهرينج» على شكل أجزاء في صحيفة اشتراكية ألمانية في الفترة ما بين عامَي ١٨٧٧ و١٨٧٨، ثم نُشِر في ثلاثة كُتَيِّبات، ثم نُشِر مرةً أخرى في هيئة كتاب قبل أن يَفرض قانونُ ١٨٧٨ المناهض للاشتراكية الرقابةَ في ألمانيا بوقت قصير، وأسفر العمل عن اضطراب كبير داخل الحزب الاشتراكي، ونُشِرت ثلاثة فصول من الكتاب تحت عنوان: «الاشتراكية المثالية والاشتراكية العلمية» في ترجمة فرنسية عام ١٨٨٠، وباللغة الألمانية عام ١٨٨٣، وعاد الكتاب الكامل في الظهور عام ١٨٨٦ وعام ١٨٩٤. وبحلول عام ١٨٩٢ كان كُتَيِّب «الاشتراكية المثالية والاشتراكية العلمية» متداولًا، كما زعم إنجلز، بعشر لغات. وكتب إنجلز فقال: «لا أدري إذا ما كان أيُّ عمل اشتراكي آخَر — حتى «البيان الشيوعي» الذي كتبتُه مع ماركس عام ١٨٤٨، وحتى «رأس المال» الذي ألَّفَه ماركس — قد حظي بهذا القدر من الترجمات؛ ففي ألمانيا ظهرت أربعُ طبعات، إجمالي عدد النسخ فيها ٢٠ ألف نسخة تقريبًا» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني). لقد وضع إنجلز الماركسية على الخريطة وجعلها تحظى بالشهرة.

كانت لدى إنجلز ثلاثة أسباب لمناقشة كتابات دوهرينج؛ أولها «الحيلولة دون إتاحة فرصة جديدة للانقسام الفكري والبلبلة داخل الحزب، الذي كان لا يزال في بداياته وبدأ لتوِّه في تحقيق وحدة واضحة المعالم»؛ فقد كانت آراء دوهرينج تحظى بالقبول باعتبارها آراءً اشتراكية دون أي تحفُّظ، هذا فضلًا عن استعداد بعض الأشخاص لنشر هذا المعتقد بين العمال، وخروج البعض على سياسة التحرير الخاصة بجريدة الحزب.

أما السبب الثاني، فهو ما قال عنه إنجلز عام ١٨٧٨ «فرصة لصياغة آرائي في صورة إيجابية حول الموضوعات المثيرة للجدل، التي تستأثر اليوم باهتمام علمي أو عملي عام.» وعلى الرغم من أن عمل إنجلز لم يقدِّم نظامًا «بديلًا»، فقد تمنى إنجلز «ألَّا يفشل القارئُ في ملاحظة الرابط الكامن في الآراء المختلفة التي قدَّمتُها.»

والسبب الثالث أن إنجلز كان يهدف إلى تحذير القراء من الأنظمة الألمانية الأخرى التي تمثِّل «الهراء المطلق»، والتي فيها «يكتب الناس عن كل موضوع لم يدرسوه، ويقدِّموا ما كتبوه على أنه المنهج العلمي الدقيق الوحيد.» لم يكن دوهرينج سوى «واحد من أكثر الأشخاص النمطيين» الذين يروِّجون ﻟ «العلوم الزائفة المغالية في إثبات مصداقيتها»، ومع ذلك، اعترف إنجلز صراحةً أنه هاوٍ غير متخصِّص في التشريع والعلوم الطبيعية، وجعل إسهامه في تلك الموضوعات قاصرًا على «تصحيح الحقائق التي ليس فيها خلاف» (الرد على دوهرينج).

وبالتدريج استحوذ المشروع الثاني — عرض «الآراء الإيجابية» — على الاعتبارات الأخرى الموجودة في ذهن إنجلز. وفي مقدمة الطبعة الثانية لكتاب «الرد على دوهرينج» عام ١٨٨٥، المكتوبة بعد نحو عامَين من وفاة ماركس، كتب إنجلز أن جدله «تحوَّلَ إلى عرض مترابِط بنحوٍ أو بآخر للمنهج الجدلي والنظرة الشيوعية للعالم التي حاربْتُ أنا وماركس من أجلها.» واستطرد فقال: «هذه النظرة تحظى الآن بالاعتراف والدعم حتى خارج حدود أوروبا، في كل دولة تحتوي على طبقة عاملة من ناحيةٍ، ومُنظِّرين علميين دءوبين شجعان من ناحية أخرى.» ورأى إنجلز أن هذا الجمهور كان حريصًا على نحو كافٍ على «تقبُّل الجدل المناهض لمعتقدات دوهرينج فقط من أجل التصوُّرات الإيجابية.» وما وصفه في مقدمة عام ١٨٧٨ بأنه «آرائي»، أصبح في كتابات إنجلز اللاحقة عن ذلك الموضوع آراءً مشتركة بينه وبين ماركس (الرد على دوهرينج). وفي مقدمة عام ١٨٩٢ لكُتَيِّب «الاشتراكية المثالية والاشتراكية العلمية»، قال إنجلز إن ترويج «الآراء التي أَعتنِقها أنا وماركس» هو «السبب الأساسي الذي دفعني للاضطلاع بهذه المهمة المزعجة من جميع النواحي الأخرى.» لقد منحته الشمولية المنهجية في أعمال دوهرينج فرصةً لتطوير تلك الآراء المشتركة حول مجموعة كبيرة متنوعة من الموضوعات (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني). والغريب أن ماركس هو صاحب المقدمة الأصلية للكتيب، لكنها كانت موقَّعة باسم زوج ابنته الاشتراكي الفرنسي بول لافارج (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد التاسع عشر).

وفي عام ١٨٩٤ ظهر ماركس على نحو أكبر في عرض إنجلز لكتاب «الرد على دوهرينج»؛ نظرًا لأن إنجلز قد أضاف بعد ذلك بعضًا من محتوى مخطوطات ماركس إلى الفصل العاشر من الكتاب. وبعد أن اقتطع إنجلز في السابق مُسوَّدات ماركس من أجل الجزء الذي يتحدَّث عن الاقتصاد السياسي في الكتاب، ضمن إنجلز ما اقتطعه من المسوَّدات وكرَّرَ الشكر والتقدير الذي كان مكتوبًا في طبعة ١٨٨٥، وكانت هذه هي أول مرةٍ يكشف فيها على الملأ أن ماركس قد ساعَدَه في تأليف جزء صغير من كتاب «الرد على دوهرينج».

في الفصل الأول من العمل بصورته الأصلية التي نشره بها إنجلز، أسهب في توضيح الفروق التي تناولها عام ١٨٥٩ في مراجعته النقدية لكتاب «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» — وهي: الميتافيزيقا والجدل، والمثالية والمادية، والمدخل التاريخي والمنطقي لتطوُّر الرأسمالية — ونَسَبَ الفضلَ إلى ماركس في اكتشاف «التصوُّر المادي للتاريخ»، و«سر الإنتاج الرأسمالي من خلال فائض القيمة»، وعلَّقَ إنجلز على الأمر الأول فقال:

لقد اتضح أن كل التاريخ الماضي كان تاريخًا لصراعات الطبقات؛ وأن طبقات المجتمع المتناحرة هذه كانت دائمًا نتاج أنظمة الإنتاج والتبادل؛ أيْ باختصارٍ نتاج الظروف الاقتصادية في عصرها. ورأينا أن الهيكل الاقتصادي للمجتمع يشكِّل دائمًا الأساس الحقيقي، الذي من خلال البدء به فقط يمكننا التوصُّل لتفسير نهائي للهيكل العلوي الكامل للمؤسسات القضائية والسياسية، وكذلك للأفكار الدينية والفلسفية وغيرها من الأفكار الخاصة بأي فترة تاريخية معينة.

ولخَّصَ إنجلز الاكتشافَ الثاني — نظرية فائض القيمة — على النحو التالي:

لقد أوضحنا أن الاستحواذ على العمل غير مدفوع الأجر هو أساس نظام الإنتاج الرأسمالي، وأساس استغلال العامل الذي يحدث في ظله؛ وأنه حتى لو اشترى الرأسمالي قوةَ العمل من العامل بقيمتها الكاملة باعتبارها سلعةً في السوق، فإنه سيظل يحصل على قيمة أكبر ممَّا دفع مقابلها؛ وأنه في التحليل النهائي يشكِّل فائضُ القيمة هذا مجموعاتِ القيمة التي منها تتراكم باستمرار الكتلُ الرأسمالية المتزايدة في أيدي الطبقات المالكة (الرد على دوهرينج).

كان إنجلز مؤسس المادية الجدلية والتاريخية، والمعتقدات الفلسفية والتأريخية التي طوَّرها الماركسيون في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأصبحت تلك المعتقدات أساس الفلسفة والتاريخ الرسميين في الاتحاد السوفييتي وفي معظم البلدان الأخرى التي أعلنت أنها بلدان ماركسية؛ كما أصبحت أيضًا نقطة جدل مهمة داخل المجموعات السياسية الماركسية في البلدان غير الماركسية، وأصبحت مصطلحاتُ هذه المعتقدات مألوفةً في الفلسفة الأكاديمية وفي علم التأريخ، والسبب في ذلك يرجع في الأساس إلى أعمال كُتَّاب ليس لهم صلة بالاتحاد السوفييتي. لقد طوَّرَ إنجلز آراءه الجدلية على النحو الذي عبَّر به عنها عام ١٨٥٩ في أول طبعة لكتاب «الرد على دوهرينج» (١٨٧٨)، على الرغم من أن تلك الآراء كانت بعيدةً عن الصياغة المنظمة. وفي الفصل الأول، كتب إنجلز عن «الميتافيزيقا» فقال:

يَعتبر الميتافيزيقي الأشياءَ وانعكاساتها الذهنية المتمثلة في الأفكار، مواضيعَ للبحث بعضها منفصل عن بعض، ينظر إليها واحدًا بعد الآخَر، وواحدًا دون الآخَر، وهي ثابتة وجامدة ومعطاة مرة واحدة وإلى الأبد. إنه لا يفكِّر إلا في التضاد بين الأشياء، دون توسُّط بينها، ويقول: «نعم نعم، لا لا؛ وما زاد عن ذلك، فهو ضرب من الشر.» بالنسبة إليه، الشيء يكون إما موجودًا وإما غيرَ موجود؛ فالشيء لا يمكن أن يكون نفسَه وشيئًا آخَر في الوقت نفسه؛ فالموجب والسالب يتنابذان تمامًا، والسبب والنتيجة يقف كلٌّ منهما للآخَر في حالة تناقُض صارم (الرد على دوهرينج).

وزعم إنجلز على النقيض من ذلك أن «قطبَيِ التناقُض» يتداخلان فعليًّا، فكتب أن الجدل، خلافًا للميتافيزيقا (التي تغفل التداخل)، «يفهم الأشياء وتمثيلاتها بترابطها، ويتابعها وحركتها وأصلها ونهايتها الأساسية»، وأن «الطبيعة دليل على الجدل»؛ ولهذا السبب احتضنت المادية الحديثة «معظم الاكتشافات الحديثة في العلوم الطبيعية»، وكانت «جدليةً في الأساس» (الرد على دوهرينج). وفي الفصول التالية استعرض إنجلز «الكم والكيف» و«نفي النفي»، وهما قانونان آخران من القوانين الجدلية، وكتب فقال إن: «الجدل لا يعدو أن يكون علم القوانين العامة للحركة وتطور الطبيعة، والفكر والمجتمع البشري» (الرد على دوهرينج).

عند استعراض «التصور المادي للتاريخ» في كتاب «الرد على دوهرينج»، ربط إنجلز هذه النظرة بنظرته «الجدلية» للعلوم، زاعمًا أن «القوى الاجتماعية تعمل بالضبط مثل القوى الطبيعية»، وأن «الأسباب النهائية لكل التغيُّرات الاجتماعية والثورات السياسية يجب البحث عنها … في التغيُّرات في أنماط الإنتاج والتبادل … ليس في الفلسفة، وإنما في «النظام الاقتصادي» الخاص بكل حقبة محددة» (الرد على دوهرينج). وفي مقدمة عام ١٨٨٥ لكتاب «الرد على دوهرينج»، ربط إنجلز ربطًا أكثر وضوحًا بين آرائه حول الجدل وعملِ ماركس عن الاقتصاد السياسي وتطوُّر المجتمع الصناعي المعاصر، فقال: «كنتُ أنا وماركس إلى حدٍّ كبير الشخصين الوحيدين اللذين أنقذَا الجدل الواعي من الفلسفة المثالية الألمانية، وطبَّقناها في التصوُّر المادي للطبيعة والتاريخ.» واستطرد إنجلز في موضوعه فكتب أنه كان يهدف إلى إقناع نفسه تفصيلًا «بالأمور التي لم أكن في شكٍّ منها في العموم»:

إنه في الطبيعة، وسط فوضى التغيُّرات التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، تفرض القوانينُ الجدلية الخاصة بالحركة نفسها، تمامًا مثل تلك القوانين التي تحكم وقوع الأحداث عن طريق المصادفة في التاريخ، وهي القوانين نفسها التي تُكوِّن على نحوٍ مشابِهٍ السمةَ السائدة على مدار تاريخ تطوُّر الفكر البشري، وترتقي تدريجيًّا إلى الوعي في عقل الإنسان (الرد على دوهرينج).

إن استخلاص الأفكار الرئيسية لجدل إنجلز الموجود في مقدمة عام ١٨٨٥ يجعل كتاب «الرد على دوهرينج» واضحًا ومفهومًا، على النقيض من العمل غير المنظم المنشور عام ١٨٧٨ والمنسوب لماركس.

كانت فكرة إنجلز عن الميتافيزيقا غير مألوفة؛ حيث عرَّفها بأنها موقف فلسفي معين (أي: الاعتقاد بأن المفاهيم لديها مرجعيات ثابتة، وأن الحقيقة والزيف هما الصفتان الوحيدتان والواضحتان للفرضيات)، بدلًا من كونها مجرد إطار للمفاهيم العامة المجردة يمكن ملؤه بالآراء الفلسفية الجوهرية المتعلقة بالموجودات وسبب وجودها. إن حديثه عن الجدل باعتباره عمليةَ تطوُّرٍ من خلال التعارض (أو التناقض أو التضاد)، يتفق مع جهود هيجل في تحديد المتناقضات المختلفة التي تظهر في تطوُّر الظواهر التي فحصها، إلا أن كلًّا من هيجل وإنجلز كان يكتب كما لو كان الجدل يعكس عملية ضرورية وحتمية من عمليات التطور التي تتبع لها — أو حتى تخضع لها — عمليةُ الاختيار الإنساني في نهاية المطاف، واعتبر كلٌّ من هيجل وإنجلز أن العمليات الطبيعية جدلية «في حد ذاتها»؛ ممَّا يوحي بوجود نوع من المعرفة أنكرها معظم الفلاسفة المعاصرين. على النقيض من ذلك، استنتج ماركس من خلال سرده الاقتصادي والسياسي للمجتمع الرأسمالي أن الثورة كانت — إن جاز القول — جيدةً مثلما كانت حتمية، دون الاستعانة بفكرة الضرورة التاريخية. وبالمثل، لم يتطرَّق إلى النطاق المعقَّد المتمثِّل في الرابط السببي بين الظواهر المادية والسلوك البشري، فيما عدا فكرة أن الظروف المادية للإنتاج تخلق احتمالات للاختيار الإنساني، وفي الوقت نفسه تضع قيودًا على ما يمكن إنجازه. وفي الخاتمة التي كتبها للمجلد الأول لكتاب «رأس المال»، عرَّفَ الجدل العقلاني بأنه ذلك المتضمن في فهمه الإيجابي للظروف فهمًا لنقيضه. وفي حين أن هيجل لم يقترب من تعريف الجدل باستثناء تعليقه الذي قدَّمَه في مقدمة كتاب «علم المنطق»، قائلًا إنه إدراك للأمور الإيجابية الموجودة في الأمور السلبية، فقد ربط إنجلز الجدلَ بالقوانين الطبيعية المرتبطة بالحركة في الطبيعة، والحركة في التاريخ (تطوُّر الأحداث على الأرجح)، والحركة في الفكر (قواعد المنطق الصوري على الأرجح)؛ وأكد فحسب على الرابط المزعوم بين المادة الموجودة في حالة حركة (التي درسها إنجلز في الكيمياء والفيزياء) والتاريخ والفكر، ومن غير المفاجئ أنه لم يحدِّده مطلقًا. وبالرغم من ذلك، لم يكن هيجل أو إنجلز أو ماركس من السذاجة بحيث يستعينون بالصيغة الثلاثية المتمثِّلة في الإثبات والنفي ونفي النفي، في كل ما فهمه كلٌّ منهم على حدة من خلال الجدل، وتلك الصيغة الثلاثية طالما نُسِبت إليهم عن طريق الخطأ. وبالفعل سَخِرَ ماركس بوضوحٍ من هذا الأسلوب المستخدَم في فهم الفلسفة الهيجلية. وقد اخترع الصيغة الثلاثية هاينريش موريتس تشاليبيوس، وهو من أوائل المعلِّقين على فلسفة هيجل بعد فترة قصيرة من وفاته، وهذا التفسير لم يوضِّح الفكر الهيجلي — بل فعل النقيض — وكانت له نتيجةٌ أخرى تمثَّلت في إساءة تفسير منهج ومحتوى أعمال ماركس وإنجلز على نحو خطير.

كان لدى إنجلز وجهة نظر وضعية تجاه العلوم؛ إذ قال إن «تراكم الحقائق المأخوذة عن العلوم الطبيعية تجبرنا على» الاعتراف «بالتصور الجدلي للطبيعة»؛ وكانت لديه وجهة نظر حتمية فيما يتعلق بالعلوم الاجتماعية؛ إذ كان يبحث عن السببية النهائية (الرد على دوهرينج). كما أنه كان أيضًا ماديًّا صارمًا؛ وفي إحدى الفقرات التي يعود تاريخها إلى عام ١٨٧٥ أو ١٨٧٦، والمأخوذة من كتاب «جدل الطبيعة» (وهو عمل لم يُنشَر إلا في عام ١٩٢٧)، كتب أن المادة نفسها مسئولة عن السببية كلها والوعي أيضًا:

إننا على يقين من أن المادة تظل خارجيًّا على حالها في كل تحولاتها، دون أن تفقد مطلقًا أيًّا من صفاتها؛ ولذلك فإننا على يقين أيضًا أنه بالضرورة الحتمية نفسها التي سيفني بها أعظمُ إبداعاتها على وجه الأرض، المتمثِّل في العقل المفكر، فإنها لا بد أن تُنتجه مرة أخرى في مكان آخَر وفي زمان آخَر (جدل الطبيعة).

الواقع أن إنجلز قد علَّق على عمليات الاستقصاء العلمية هذه من أجل تأليف كتاب «الرد على دوهرينج»، وكان الدافع المباشِر الذي جعل إنجلز يتبنَّى التفسير الجدلي للعلوم الطبيعية، هو رده على الطبعة الثانية من كتاب لودفيج بوخنر «الإنسان ومكانه في الطبيعة في الماضي والحاضر والمستقبل. أو مِن أين جئنا؟ ومَن نحن؟ وإلى أين نذهب؟» ذلك الرد الذي اتسم بالنقد اللاذع للأفكار المقدمة في ذلك الكتاب. ظهرت خطة هذا العمل النقدي في وقت مبكرٍ للغاية عام ١٨٧٣، وفي خطابٍ كَتَبَه لماركس في ٣٠ مايو، ذكر إنجلز «أفكاره الجدلية حول العلوم الطبيعية» وطلب مساعدته.

ورَدَتْ على خاطري وأنا في الفراش هذا الصباحَ الأفكارُ الجدلية التالية حول العلوم الطبيعية:

موضوع العلوم الطبيعية هو المادة في حالة الحركة؛ أيِ الأجسام. لا يمكن فصل الأجسام عن الحركة؛ فأشكال الأجسام وأنواعها يمكن معرفتها فقط من خلال الحركة؛ ومن الأجسام غير المتحركة، وغير المرتبطة بعلاقاتٍ مع غيرها، لا يمكن تأكيد أي شيء. فعندما يكون الجسم في حالة حركة، عندها فقط يكشف حقيقته؛ ومن ثَمَّ تعرف العلوم الطبيعية الأجسام من خلال دراستها في ضوء علاقة بعضها ببعض، وهي في حالة الحركة. ومعرفة الأنواع المختلفة للحركة هي معرفة الأجسام؛ لذلك فإن دراسة تلك الأنواع المختلفة للحركة هي الموضوع الرئيسي للعلوم الطبيعية … وأنت بجلوسك هناك في مركز العلوم الطبيعية ستكون في أفضل موقع للحكم على وجود جدوى من هذه الأفكار (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد العشرون؛ المراسلات المختارة لماركس وإنجلز).

كان ردُّ ماركس ودودًا ومختصرًا وغير معبِّر عن موقفه بوضوح، فقال: «لقد وصلني خطابك للتوِّ وسَرَّني كثيرًا، لكنني لا أريد أن أخاطِرَ بإبداء أي رأيٍ قبل أن آخذ وقتي في التفكير في الأمر واستشارة «المرجعيات»» (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد الثالث والثلاثون).

يبدو أن «المرجعيات»، على حد علمنا، لم يكونوا مبهورين كثيرًا بأفكار إنجلز، على الرغم من أن ماركس حاوَلَ توضيح هذا الأمر له بلطف؛ فعلى سبيل المثال، علَّقَ الكيميائي كارل شورليمر في الهوامش الجانبية لخطاب إنجلز، مُعرِبًا عن أنه متَّفِق مع فكرة أن دراسة الأشكال المختلفة للحركة هي الموضوع الرئيسي للعلوم الطبيعية، وأن حركة الجسم الواحد لا بد من التعامُل معها تعاملًا نسبيًّا، وعبَّرَ عن رأيه بقوله: «صحيح تمامًا!» إلا أنه عندما كتب إنجلز أن الجدل بصفته النظرةَ العلمية للعالَم، لا يستطيع في حد ذاته الانتقالَ من الكيمياء إلى «العلوم العضوية» قبل أن تفعل الكيمياء هذا الأمر بنفسها، وعندما تحدَّثَ عن علم الأحياء قائلًا: «أما عن الكائن الحي، فلن أدخل في أي جدل يخص هذا الأمر في الوقت الراهن.» علَّقَ شورليمر قائلًا: «ولا أنا أيضًا.» لقد وجد «مرجعيات» ماركس أن العلم في خطاب إنجلز كان مقبولًا على نحو أكبر مقارَنةً بالجدل (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد الثالث والثلاثون).

لم توجد مراسلات أخرى، على حد علمنا، بين ماركس وإنجلز حول كتاب إنجلز «جدل الطبيعة»، إلا في خطاب إنجلز المكتوب في ٢١ سبتمبر ١٨٧٤، الذي علَّقَ فيه على المقالات التي كتبها تيندال وهكسلي في مجلة «نيتشر»، قائلًا إنها «أعادَتْه … مرةً أخرى إلى موضوع الجدل»، على الرغم من أنه في مرات عديدة أشار ماركس إلى مشروع إنجلز، بل وقام بعمليات بحث قصيرة من أجله (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد الثالث والثلاثون).

وفي الخطاب الأخير بين ماركس وإنجلز حول بحث إنجلز من أجل كتابه «جدل الطبيعة»، كان ماركس مقتضبًا جدًّا بالفعل؛ ففي ٢٣ نوفمبر ١٨٨٢، كتب إنجلز يقول:

قدَّمَتْ لي الكهرباءُ نصرًا كبيرًا؛ ربما تتذكَّر حديثي حول الخلاف بين ديكارت ولايبنتس … فالمقاومة في الكهرباء تمثِّل ما تفعله الكتلةُ في الحركة الميكانيكية، وهذا يوضِّح أنه في الحركة الكهربائية وكذلك [في] الحركة الميكانيكية — هنا السرعة، وهناك شدة التيار — يكون شكل الحركة القابل للقياس الكمي عاملًا بسيطًا للقوة الأولى، في حالة إذا كان التحوُّل بسيطًا «غير مصحوب» بتغيُّر في الشكل، أما إذا كان التحول «مصحوبًا» بتغير في الشكل، فإن ذلك الشكل [يكون] عاملًا «تربيعيًّا». هذا قانون طبيعي عام عن الحركة وضعْتُه لأول مرة (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد الخامس والثلاثون).

كان ردُّ ماركس في ٢٧ نوفمبر محدَّدًا على نحو مميز؛ إذ لم يذكر مطلقًا قوانين الطبيعة فقال: «إن تأكيد دور العامل «التربيعي» عند تحوُّل الطاقة مع تغيُّر شكل القوة الثانية، لَهُوَ أمر رائع جدًّا، وأنا أهنِّئك عليه» (أعمال ماركس وإنجلز بالألمانية، المجلد الخامس والثلاثون).

استفاض إنجلز في الحديث عن ماركسية سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر في أعمال أخرى تناولَتِ الفلسفةَ المادية وآراءً ماديةً حول أصل الإنسان ومؤسساته الاجتماعية والسياسية، وفي عام ١٨٨٦ انتهز فرصةً لتوضيح فرضيات «النظرة الماركسية للعالم»، واستفاد من ذلك في إكمال العمل الذي بدأه مع ماركس في كتاب «الأيديولوجية الألمانية». قدَّمَ إنجلز مراجعتَه النقدية المطولة لكتاب «لودفيج فيورباخ» للكاتب كيه إن ستاركي، واصفًا إياه بأنه «عرضٌ قصير ومترابط لعلاقتنا بالفلسفة الهيجلية»، و«اعترافٌ كامل بتأثير فيورباخ — أكثر من أي فيلسوف آخَر من الفلاسفة الذين تَلَوْا عصر هيجل — علينا خلال فترة العاصفة والاندفاع.» ولمَّا انتقد إنجلز مخطوطةَ كتاب «الأيديولوجية الألمانية»، واصفًا إياه بأنه غير صالح للاستخدام لأنه لا يتضمن نقدًا لمعتقد فيورباخ نفسه، فضلًا عن كونه عرضًا غيرَ كامل «للتفسير المادي للتاريخ»؛ لفت الانتباه إلى أطروحات ماركس الإحدى عشرة عن فيورباخ، التي لم تكن قد نُشِرت في ذلك الوقت؛ تلك الأطروحات التي أضافها فيما بعدُ (في صورة محررة) على هيئة ملحق بعد ظهور مراجعته النقدية المطولة في كتاب عام ١٨٨٨ (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني). وبقيامه بهذا الأمر، أطلق إنجلز أولَ استقصاء عن أعمال ماركس المبكرة، متتبعًا العواملَ التي أثَّرت عليه، لا سيما الفلسفية منها في المقام الأول، وباحثًا في الأعمال الأولى لماركس عمَّا يوضِّح أصولَ ومعانيَ أعمالِه اللاحقة.

بعد أن أوضح إنجلز في كتابه «لودفيج فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية» «الأهميةَ الحقيقيةَ» للفلسفة الهيجلية — قائلًا إنها تكمن في أنها «وَجهت للأبد الضربةَ القاضية لفكرة غائية كل منتجات الفكر والفعل البشريين» — انتقل ليفسِّر مرة أخرى مقدمةَ ماركس لكتابه «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» التي يعود تاريخها لعام ١٨٥٩ (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني). وكتب ماركس يقول:

في العموم يمكن وصف أنماط الإنتاج الآسيوية والقديمة والإقطاعية والبرجوازية المعاصرة بأنها عصور تسير في اتجاه تقدُّمي في عملية التكوين الاقتصادي للمجتمع، كما أن علاقات الإنتاج البرجوازية هي آخر الأشكال العدائية لعملية الإنتاج الاجتماعية — وهي ليست عدائية بمعنى العداوة الفردية، بل عداوة نابعة من الظروف الاجتماعية لحياة الأفراد، وفي الوقت نفسه تَخْلق القوى المنتجةُ التي تتكوَّن في رحم المجتمع البرجوازي، الظروفَ المادية لحلِّ تلك العداوة؛ ولذلك فإن هذا التكوين الاجتماعي، يضع نهايةً لعصرِ ما قبل المجتمع البشري (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الأول).

يعبِّر إنجلز عن ذلك قائلًا: «كل الأنظمة التاريخية المتعاقبة ما هي إلا مراحل انتقالية في المسار اللانهائي لتطور المجتمع البشري من الأدنى إلى الأعلى.» وأضاف: «إن كل مرحلة هي مرحلة ضرورية.» ورأى أن «الفلسفة الجدلية ليست سوى انعكاس لهذه العملية في العقل المفكر.» وكان «هذا النوع من التوجه متفِقًا تمامًا مع الحالة الحالية للعلوم الطبيعية، التي تنبَّأت بنهاية ممكنة حتى للأرض.» وعلى الرغم من أنه «بالنسبة إلى التاريخ البشري» وفقًا لهذه النظرة الجدلية، «لا يوجد جانب تصاعدي فحسب، بل يوجد جانب تنازلي أيضًا»، فلقد كنَّا لحسن الحظ «على مسافة كبيرة من نقطة التحول.» كان منهج إنجلز يتمثَّل في البحث عن «حقائق نسبية قابلة للتوصُّل إليها عن طريق العلوم الوضعية، وجمع نتائجها من خلال التفكير الجدلي» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

وبعد أن حاوَلَ تحديد العلاقة بين التفكير الجدلي والتاريخ والعلوم، تناول إنجلز «القضية الأساسية الكبرى لكل الفلسفة»؛ ألا وهي: «علاقة التفكير والوجود». وفي سعيه لحل هذه المشكلة، حاول التعامل مع العلاقات بين المادة والوعي، والمنهج العلمي والتفسير، وقال في هذا الشأن:

إننا ندرك المفاهيم الموجودة في رأسنا بطريقة مادية كالعادة؛ بوصفها صورًا للأشياء الحقيقية بدلًا من اعتبار الأشياء الحقيقية صورًا لهذه المرحلة أو تلك من المفهوم المطلق. وهكذا أصبح الجدلُ علمًا للقوانين العامة للحركة، لكلٍّ من العالم الخارجي والفكر البشري؛ مجموعتان من القوانين متطابقتان في الجوهر، لكنهما تختلفان في طريقة التعبير عن كلٍ منهما، لدرجة أن العقل البشري يستطيع تطبيقهما بطريقة واعية، بينما في الطبيعة وأيضًا في معظم التاريخ البشري حتى الآن، تؤكِّد هذه القوانين نفسها بطريقة غير واعية، في شكل الضرورة الخارجية، وسط سلسلة لا نهائية من الحوادث التي تبدو كمصادفات في ظاهر الأمر. وبهذه الطريقة أصبح جدل المفاهيم نفسه مجردَ انعكاس واعٍ للحركة الجدلية للعالم الحقيقي؛ وبذلك أصبح الجدل الهيجلي مقلوبًا على رأسه، أو بالأحرى استعاض عن رأسه، الذي كان يقف عليه، بقدمَيْه (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

في النسخة الأولى لهذه الاستعارة الشهيرة والغريبة جدًّا، كتب إنجلز (في نقده الذي يعود لعام ١٨٥٩) أنه في جدل هيجل «انعكسَتِ العلاقة الحقيقية وأصبحت مقلوبةً.» وفي عام ١٨٧٢ أضاف ماركس تعليقاته المقتضبة جدًّا على منهج كتاب «رأس المال» وعلاقته النقدية والمصححة لمنهج هيجل، ولاحَظَ ماركس أن «منهجه الجدلي» كان «مناقِضًا» لمنهج هيجل؛ لأن هيجل يرى «العالم الحقيقي مجرد شكل ظاهري خارجي «للفكرة»»، بينما وجهة نظره كانت العكس؛ أيْ إن: «المثالية ليست سوى انعكاس العالم المادي في العقل البشري، وترجمته إلى أشكال فكرية.» وعلى الرغم من أن ماركس امتنع عن الاستعانة بنظريات إنجلز القائلة بأن القوانين الجدلية واحدة بالنسبة إلى كلٍّ من الطبيعة والتاريخ والفكر، وكذلك وجهة نظر إنجلز القائلة بأن الحركة الجدلية لها انعكاس واعٍ في العقل، فقد علَّقَ ماركس قائلًا إن الجدل مع هيجل «يقف على رأسه.» وكتب: «يجب أن يصحح وضعه مرة أخرى، إذا أردتم اكتشاف القلب العقلاني داخل القوقعة الصوفية» (رأس المال، المجلد الأول)، أو بالأحرى مثلما زعم إنجلز في السابق أن ماركس «استخرج من المنطق الهيجلي القلبَ الذي يضمُّ اكتشافاتِ هيجل الحقيقة» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الأول). لقد شكَّلت استعارات إنجلز بشأن الجدل الهيجلي الخاصة بالقلب والوقوف على الرأس والقلوب والقواقع تحدِّيًا حتى لمحاولاته تفسيرها، وقادت ماركس على نحو واضح إلى نطاق غامض من الاستعارات المختلطة.

وفي كتاب «لودفيج فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية» برَّرَ إنجلز قوانين الحركة العامة، من خلال الاستعانة ﺑ «ثلاثة اكتشافات مهمة» في العلوم الطبيعية؛ وهي: اكتشاف الخلية، ممَّا أدَّى إلى «قانون عام واحد» لتطوُّر كافة الكائنات والأنواع العليا؛ وتحوُّل الطاقة باعتباره تجسيدًا وحفظًا «للحركة الكونية»؛ و«دليل» داروين على أن كل المنتجات العضوية، بما فيها الإنسان، كانت نتيجةً للتطور. وبالرغم من أن تطوُّر المجتمع اختلف في أمر واحد عن تطور الطبيعة، كما قال إنجلز (لأنه في تطور الطبيعة توجد فقط «عناصر فاعلة غير واعية عمياء»)، فإن العناصر الفاعلة الواعية في المجتمع — التي ربما تكون مهمةً في «عصور وأحداث معيَّنة» — أنتجَتْ «وضعًا متشابهًا تمامًا مع ذلك السائد في نطاق الطبيعة غير الواعية.» وكتب إنجلز أنه في كلٍّ من الطبيعة والتاريخ «تتحكَّم الصدفة» في ظاهر الأمر، لكنَّ كلًّا من الطبيعة والتاريخ «تحكمهما دائمًا قوانين داخلية خفية»، ومن خلال هذه المعرفة يمكن كشْفُ مسار التاريخ الحديث في ضوء العلاقات التي زُعِم أنها علاقات سببية:

على الرغم من أنه في كل الفترات السابقة كادت دراسة الأسباب المحركة للتاريخ تكون مستحيلةً — نظرًا لِلتَّداخلات المعقَّدة والخفية بين تلك الأسباب ونتائجها — فإن فترتنا الحالية بسطت تلك التداخلات إلى حدٍّ كبيرٍ جعَلَ حلَّ هذا اللغز ممكنًا. منذ بداية الصناعات الواسعة النطاق؛ أيْ على أقل تقدير منذ معاهدة السلام الأوروبية لعام ١٨١٥، لم يَعُدْ يخفى على أي شخص في إنجلترا أن النضال السياسي كله في إنجلترا قد أيقظ مزاعم السيادة لدى طبقتين هما: الطبقة الأرستقراطية المالكة للأراضي والطبقة البرجوازية [الطبقة الوسطى] … وثبت في التاريخ المعاصر على الأقل أن كل النضالات السياسية هي نضالات طبقية، وأن كل النضالات الطبقية من أجل التحرُّر، رغم الطابع السياسي الذي تتخذه تلك النضالات بالضرورة — لأن كل نضال طبقي هو نضال سياسي — تثير في النهاية مسألة التحرر «الاقتصادي» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

في «التصوُّر الماركسي للتاريخ» — وفقًا لإنجلز — نجد أن تلك «التداخلات» قد اكتُشفت «في الحقائق»؛ فالفلسفة، «المستبعدة من الطبيعة والتاريخ»، تركت لنفسها فقط «نطاق الفكر المجرد»، الذي يمثل «نظرية قوانين عملية التفكير نفسها؛ المنطق والجدل» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

كان تأكيد إنجلز على حتمية الأحداث التاريخية يستند فقط على أن ماركس وصف ببساطة الفترات المتعاقبة بأنها تسير في اتجاهٍ تقدُّميٍّ. وبالمثل لم يشرح إنجلز كيف يمكن أن يشقَّ العقلُ طريقَه من نطاق المصادفة في التفكير إلى انعكاس التطور الجدلي، وبالفعل لم يتناول قط العلاقةَ المتداخلة بين السببية والمصادفة، سواء في العالم المادي، أم في الأحداث التاريخية، أم في الإدراك البشري. وفيما يتعلق بالمنطق والفلسفة، ترك لنا إنجلز فقط «القوانين» الجدلية الثلاثة التي وضعها — وهي: تحوُّل الكمِّ إلى كيف، وصراعُ المتناقضات، والتطور من خلال التناقض (أو نفي النفي) — بالإضافة إلى وجهة نظره القائلة بأن الفئات ليست لها مرجعيات ثابتة واضحة. وقال إنجلز عن وجهة النظر الأخيرة بأنها «الفكرة الأساسية الكبيرة» وراء «المادية الجدلية»، فكتب:

يجب ألا يُفهَم العالم على أنه مجموعة من «الأشياء» الجاهزة، بل على أنه مجموعة من «العمليات» تمرُّ فيها الأشياء التي تبدو ثابتة ظاهريًّا — وكذا صورها الذهنية في عقولنا أو ما نطلق عليه المفاهيم — بتغيُّر دائم من الظهور والاندثار؛ ورغم كافة أشكال المصادفة الظاهرة وكل أشكال التراجع المؤقت في هذا التغيُّر، فإن ثمة تطوُّر تقدُّمي يتحقَّق في النهاية (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

وعلى الرغم من أن «قوانين» إنجلز ووجهة نظره الجدلية ككل مفيدة باعتبارها مبادئ للتفسير والتحليل، فإنه لا يمكن اعتبارها أسسًا لنظام منطقي.

وبالإضافة إلى توضيح الفرضيات «المادية» لمعرفة الطبيعة والتاريخ، وضع إنجلز أيضًا تصوُّرًا «ماديًّا» لأصل الإنسان، وكان ماركس نفسه قد قدَّمَ بعضَ الملاحظات التي تناولت الكيفية المحددة التي يختلف بها الإنسان عن الحيوانات، عندما ناقَشَ في كتابه «رأس المال» مفاهيمَ العمل والإنتاج الاجتماعي، والتي من بينها:

إننا لا نتعامَل الآن مع أشكال العمل البدائية الغريزية التي تذكرنا بالحيوان. وثمة فاصل زمني لا يمكن قياسه، يفصل بين الوضع الذي كان فيه الإنسان يطرح قوة عمله في السوق للبيع باعتبارها سلعةً، وبين الوضع الذي كان لا يزال فيه العمل البشري في مرحلته الأولى الغريزية. إننا نتصور العمل في شكل يجعله عملية بشرية حصرية؛ فالعنكبوت تقوم بعمليات تشبه العمليات التي يقوم بها النساج، والنحلة أيضًا تتفوق على كثير من المعماريين في تشييد خلاياها. أما ما يميِّز أسوأَ المعمارين عن أفضل النحل، فهو أن المعماري يشيد البنيان في خياله قبل أن يبنيه في الواقع (كتاب رأس المال).

كان نِقَاش ماركس في العموم تصوريًّا ومجردًا على نحو أكبر مقارَنةً بتخمينات إنجلز شبه التاريخية، المضمنة في أعمالٍ كذلك الذي لم يُكمِلْه «دور العمل في تحوُّل القرد إلى إنسان»، والذي كتبه في عام ١٨٧٦ لكنه نُشِر في صورة مقالة عام ١٨٩٦ بعد وفاة كاتبه بوقت قليل. وفي هذه المقالة تولى إنجلز مهمة تفسير العمل بوصفه «أهم الشروط الأساسية لكل الوجود البشري»؛ فعندما بدأت القِرَدة «التي تسير على أرض مستوية في الاستغناء عن مساعدة اليدين والتكيف شيئًا فشيئًا مع المشية المنتصبة»، اتخذت «الخطوة الحاسمة في التحوُّل من قِرَدة إلى بشر.» لقد كانت وجهة نظر إنجلز عن التطور متأثِّرةً بمذهب لامارك في التطور، أكثر من تأثُّرها بنظرية داروين على وجه التحديد، ويتمثل هذا التأثر في اعتقاد إنجلز أن السمات التي يكتسبها الأفراد يمكن أن تُورَّث إلى الأجيال اللاحقة؛ قال في هذا الشأن:

ومن ثَمَّ فاليد ليست مجرد عضو للعمل، «لكنها أيضًا نتاج العمل». ومن خلال العمل وحده، ومن خلال التكيُّف مع العمليات الجديدة باستمرار، ومن خلال وراثة التطوُّر الخاص المكتسَب بهذه الطريقة الذي حدث في العضلات، والأوتار، والعظام ولكن عبر فترة أطول، ومن خلال التوظيف دائم التجدد لهذه البراعة المكتسبة وراثيًّا في عمليات جديدة أكثر تعقيدًا؛ من خلال كل هذا اكتسبت اليد البشرية قدرًا عاليًا من الكمال، مكَّنَها من المساهمة في إبداع رسومات رفائيل، وتماثيل تورفالدسن، وموسيقى باجانيني (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

استشهد إنجلز بقانون داروين المفترض المسمَّى «قانون ترابط النمو» لتفسير أمثلة أخرى من التنوع والانتخاب:

إن الزيادة التدريجية في مهارة اليد البشرية وما صاحَبَها من تكيُّف للقدمين مع المشية المنتصبة، كان لهما أثرهما بلا شك، بموجب هذا الترابط، على الأجزاء الأخرى في الكائن الحي. ومع ذلك، فإن هذا الفعل لم يخضع حتى الآن لقدرٍ كبيرٍ من الفحص يمكِّننا من فعل شيء آخَر في هذا الصدد أكثر من مجرد ذِكْر الحقيقة بوجه عام (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

وفقًا لإنجلز، بدأ العمل مع صناعة الأدوات، التي كان أقْدَمُها يُستخدَم في أغراض القنص والصيد، وكان هذا بداية التحوُّل من «النظام الغذائي النباتي فقط إلى ذلك المعتمِد على اللحوم أيضًا.» ومع تقديم «كل الاحترام للأشخاص النباتيين»، قال إنجلز إن النظام الغذائي المعتمِد على اللحوم كان ضروريًّا للتطوُّر السريع للدماغ. وقد عرض إنجلز تطور الإنتاج الاجتماعي بين البشر على نحوٍ يوضِّح كيف أننا «طوَّرنا تدريجيًّا تصوُّرًا واضحًا … لنشاطنا الإنتاجي»، بحيث إنه بعد ثورة كاملة سوف تتاح لنا فرصة السيطرة على آثار هذا النشاط الإنتاجي وتنظيمها (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الأول).

وفقًا لإنجلز، أكَّدَتِ الاكتشافاتُ الحديثة في مجال الأنثروبولوجيا، كَتِلْك التي تَمَّتْ في علوم الأحياء والكيمياء والفيزياء والتاريخ والفلسفة، حقيقةَ «تصوُّره المادي للتاريخ» القائم على «الجدل». وألَّف إنجلز كتابَ «أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة» ونَشَرَه عام ١٨٨٤، وقدَّمَ فيه محاولةً مطولة لتوضيح تطابق الأعمال الأنثروبولوجية الحديثة مع رؤيته «المادية» لأصل الإنسان وأصل المجتمع، لدرجةٍ تجعل رؤيته تبدو كما لو كانت قد أصبحَتْ مؤكَّدة من خلال أبحاث مستقلة. وكان إنجلز مهتمًّا في الأساس بكتاب «المجتمع القديم» الذي نُشِر عام ١٨٧٧ للعالم الأمريكي لويس هنري مورجان. قال مورجان إن التقدُّمَ التقني في إنتاج وسائل المعيشة لعب دورًا حاسمًا في التطور البشري من الهمجية إلى البربرية إلى الحضارة. وفي تخطيط هذا المسار استعرض مورجان الأسرة والحكومة والملكية، ومن هذه المناقشة نشأ كتاب إنجلز، أول عمل ماركسي عن الأنثروبولوجيا، وقد ظهر من هذا الكتاب أربع طبعات، وكانت له عدة ترجمات عام ١٨٩٤.

وفي شرح وجهة نظر ماركس لعام ١٨٥٩، القائلة بأن «نمط إنتاج الحياة المادية يحدِّد العمليات الحياتية الاجتماعية والسياسية والفكرية في العموم»، قال إنجلز إن العامل الحاسم في التاريخ كان «كخيار أخير» هو إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الحالية. وكان لعملية الإنتاج وإعادة الإنتاج شقَّان: الأول هو وسائل المعيشة والأدوات المطلوبة، والثاني هو إنتاج البشر أنفسهم الذي ربطه إنجلز بنشر النوع والأسرة. وكتب أن المؤسسات الاجتماعية كانت محدَّدة وفقًا للتطوُّر النسبي الخاص بهذين العاملين: «كلما قلَّ تطوُّر العمل، أصبح حجم إنتاجه محدودًا على نحو أكبر، وأصبحت ثروةُ المجتمع محدودةً كذلك، وبدَا النظام الاجتماعي خاضعًا على نحو أكبر لروابط الجنس.» ومع تطوُّر إنتاجية العمل، ظهرت نتيجةً لذلك عواملُ اجتماعية جديدة، وكسرت سمة «روابط الجنس» التي ميَّزت المجتمع القديم؛ وبعدها تطوَّرت بحُريةٍ الصراعاتُ الطبقية التي شكَّلت محتوى كل الأحداث التاريخية المدوَّنة حتى عصرنا الحالي (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

وأضاف إنجلز إلى عمل مورجان، الذي كان يتناول بصفة أساسية هنودَ أمريكا الشمالية، تعليقاته الخاصة عن اليونان وروما والسلتيين والألمان. وحظي مورجان ببعض المديح المميز من إنجلز الذي كتب يقول:

إعادة اكتشاف أن نَسَب العشائر إلى الأم، المعروف بحق الأم، هو المرحلة الأولية لمرحلة نَسَب العشائر إلى الأب، المعروف بحق الأب، تلك المرحلة المميزة للشعوب المتحضرة؛ لَهُوَ أمر مهم لتاريخ المجتمع البدائي مثلما أن نظرية داروين للتطوُّر مهمة لعلم الأحياء، وأيضًا مثلما أن نظرية فائض القيمة لماركس مهمة لعلم الاقتصاد السياسي (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

ومن اكتشاف مورجان توصَّلَ إنجلز إلى الاستنتاج القائل بأن «الإطاحة بحق الأم كان أكبر هزيمة تاريخية للجنس الأنثوي.» واتخذت السلطة الحصرية للرجال شكلَ العائلة الأبوية في بادئ الأمر، ثم تطوَّرَ الشكلُ إلى الزواج الأحادي الذي منه ظهرت الأسرة الأثينية التي كان الأزواج اليونانيون «يخجلون فيها من إظهار الحب لزوجاتهم، فيُسَلُّون أنفسهم ﺑ «المحظيات» … إلى أن انغمسوا في شذوذ حب الغلمان.» وزعم إنجلز أن الزواج الأحادي لم يظهر بسبب حب جنس معيَّن، لكنه ظهر نتيجةً لخضوع جنسٍ لجنس آخَر، من أجل توفير وَرَثة لأب ثابتة أبوَّتُه على نحوٍ قاطع. واقتبس إنجلز من كتاب «الأيديولوجية الألمانية» فيما يتعلَّق بهذا الموضوع فقال: «أول أشكال تقسيم العمل كان بين الرجل والمرأة من أجل إنجاب الأطفال.» واستطرد قائلًا: «أول عداء بين الطبقات ظهر في التاريخ صادَفَ ظهورُه تطوُّرَ العداء بين الرجل والمرأة في الزواج الأحادي، وأول قهر طبقي صادَفَ ظهوره قهْرَ الجنس الأنثوي على يد الجنس الذكوري.» ووفقًا لإنجلز، كان الزواج الأحادي في واقع الأمر صورة أخرى لنمط تاريخي ما؛ فهو تطور، لكنه في الوقت نفسه، «تراجع نسبي، تتحقَّق فيه رفاهيةُ وتقدُّمُ مجموعةٍ ما من خلال شقاء وقمع المجموعة الأخرى» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

وفيما بعدُ تكهَّنَ إنجلز بما سيئول إليه تطوُّر الزواج بعد إلغاء الإنتاج الرأسمالي وعلاقات الملكية، فقال: «إلا أن ما سوف يختفي بالتأكيد من الزواج الأحادي هو كل الصفات التي لصقت به نتيجةً لظهوره من منطلق علاقات الملكية، وهذه الصفات هي؛ أولًا: سيطرة الرجل، وثانيًا: عدم قابلية الزواج للفسخ» (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

ومع ذلك لم يكن إنجلز متفائلًا كليَّة بشأن التحرُّر في المجتمع المستقبلي؛ ففي كتابه «الرد على دوهرينج»، فسَّرَ وجهةَ نظر ماركس القائلة بأن ثورة البروليتاريا سوف تنهي مع الوقت الحكمَ الطبقي فقال:

إن تدخُّلَ الدولة في العلاقات الاجتماعية يصبح غير ضروري في مجالٍ تلو الآخَر، ثم يتلاشى من تلقاء نفسه؛ وتحلُّ محلَّ حكم الأفراد إدارةُ الأشياء وإدارة عمليات الإنتاج؛ فالدولة لا «تُلغَى»، بل «تتلاشى» (الرد على دوهرينج).

قدَّمت مقالة إنجلز «عن السلطة» — التي كتبها عام ١٨٧٢، ونُشِرت في البداية في صحيفةٍ إيطاليةٍ عام ١٨٧٤ — ملامحَ معينة عن طابع هذه الإدارة المستقبلية، وكان غرضه هو مواجهة الميول اللاسلطوية لدى الحركة الاشتراكية الدولية، لا سيما التصدي لنفوذ باكونين. إن تعريف إنجلز للسلطة بأنها «فرض إرادة الآخر على إراداتنا» تستلزم، كما قال، «الخضوعَ»، وهذا بالتأكيد «غير مقبول من جانب الطرف الخاضع.» وحتى بعد حدوث ثورة اجتماعية ستظل الصناعةُ الواسعةُ النطاقِ في حاجةٍ إلى نوع من الخضوع والسلطة، وكتب يقول إن هذه الأمور «مفروضة علينا.» وتابَعَ إنجلز حديثَه الجدلي، فزعم أن السلطة والاستقلال من «الأشياء النسبية»، وأنه في ظل التنظيم الاجتماعي في المستقبل سيتم تقليلُ السلطةِ «الحدودَ التي تجعلها ظروفُ الإنتاجِ حتميةً.» ويضع إنجلز تصوُّره عن هذه السمة في المجتمع المستقبلي من خلال وجهة نظره الجدلية التي تتسم بالشمولية قائلًا:

إذا كان الإنسان، باستخدامه لمعرفته وعبقريته المبدعة، قد أخضَعَ قوى الطبيعة، فإن قوى الطبيعة بدورها تنتقم لنفسها منه بإخضاعه، في المجالات التي يستغلها فيها، لاستبدادٍ حقيقيٍّ منفصِل عن كافة أشكال التنظيم الاجتماعي (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

لقد كان لوجهة نظر إنجلز الجدلية تأثيرٌ واسع النطاق، ومن المؤكَّد تمامًا أن السبب في ذلك يرجع إلى أنها تزعم تضمُّنها العلمي لكل مجالات الدراسات الفيزيائية والاجتماعية في علم واحد. ووفقًا لإنجلز يتنبَّأ هذا العلم «بالسقوط الحتمي» للرأسمالية، ويبرِّر برنامجًا سياسيًّا لتحرير عمال العالم (الأعمال المختارة لماركس وإنجلز، المجلد الثاني).

وتُجرَى حاليًّا محاولاتٌ لتقييم أعمال إنجلز وتحديد مدى تأثيرها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠