الفصل الثالث عشر

أسماء في الأسر

وكان محمد بن أبي بكر في شغل شاغل من أمر الحرب والاستعداد لها، ولكنه كلما خلا إلى نفسه لحظة ذكر أسماء، وكلما رأى قادمًا من سفر ظنه مسعودًا، فلما أبطأ مسعود في القدوم خاف أن تكون أسماء أُصِيبت بسوء، وكلما تصور ذلك زاد قلقه واقشعر بدنه، وودَّ لو أنه يذهب في مهمة إلى البصرة أو الكوفة لعله يلقاها أو يسمع بخبرها فيطمئن قلبه.

فبات ذات ليلة في خيمته وقد تسلط عليه القلق لما هم فيه من النصرة للإمام علي وما يتوقعونه من البلاء، فعظم عليه الأمر وأرق ورأى أن يلتمس الذهاب بنفسه إلى البصرة يستنهض أهلها لنصرة الإمام، وعزم على أن يبكر في الصباح لمخاطبة الإمام في ذلك. وإنه لفي هذا إذ سمع صوتًا خارج الخيمة يشبه صوت مسعود فهب من فراشه وناداه، فجاءه ودخل عليه في ثياب السفر، ودخلت في أثره امرأة لم يعرفها محمد في بادئ الأمر لضعف نور المصباح، ولكنه ما لبث أن تبين أنها العجوز فبُغِت وتذكر أسماء فقال: «ما وراءك يا خالة؟! أين أسماء؟!»

قالت: «أظنها الآن في البصرة أو في الكوفة، أو لا أدري أين هي.»

قال: «وكيف تركتِها وجئت وحدك؟!» قالت: «هي أمرتني أن أجيء، وسأقص عليك نبأها بعد أن أستريح.» قالت ذلك وتنهدت وقد أضناها التعب، فسأل محمد مسعودًا: «أين لقيتها؟ وما الذي دعا إلى هذه الغيبة؟»

قال: «طال عليَّ الأمد في البحث عن الركب، وكأنهم غيروا طريقهم وتعرجوا في مسيرهم، فتشابهت عليَّ سبلهم فقضيت أيامًا أستقصي حتى كدت أدرك البصرة، ورأيت جيش أم المؤمنين عن بعد. ثم تحولت إلى طريق آخر فعثرت على هذه الخالة سائرة وحدها فسُرِرت بلقياها، وسألتها عن أسماء ومكانها فقالت إن الركب ساروا بها إلى حيث لا تدري، وإن أسماء بعثتها إليك برسالة لا أدري ما فيها. وكنتُ عازمًا على مواصلة البحث عنها فمنعتني، فجئت بها إليك.»

فعجب محمد لذلك، والتفت إلى العجوز وقال: «قصي علينا الخبر يا خالة من أوله إلى آخره.»

فجلست وأخذت في سرد الحديث فقالت: «هل أقص خبرنا منذ ودعتنا في المدينة وسرنا نحن إلى مكة؟»

قال: «سمعت هذا من خالتي أم الفضل، ولكنني أريد أن أعلم كيف خرجتم من مكة؟»

قالت: «كانت أسماء مريضة عند أم الفضل وهي على مثل الجمر في انتظار إشارة منك للانتقال إلى المدينة، لأنها أصبحت بعد ما رأت من عزم أهل مكة على طلب دم عثمان لا تستطيع الإقامة بها. وكانت مع ضعفها كلما ذكرت عليًّا والحرب والانتصار له تتشدد وتتقوى، حتى خُيِّل إليَّ أنها كانت تشتاق النزول إلى ساحة الوغى دفاعًا عن الإمام علي لقوة إيمانها ببراءته من دم عثمان، وكانت كلما ذكرت ذلك تبكي وتحرق أسنانها غيظًا لقعودنا في مكة بالرغم منها. وعظم الأمر لديها يوم خرجت أختك ورجالها من مكة يريدون البصرة لطلب دم عثمان، فإنها أصبحت في ذلك اليوم على أشدها لفرط ما هاج من عواطفها رغبةً في المسير إلى المدينة، وإنما كان يقعدها قولك لها يوم وداعها أنكَ ستبعث إليها من يستقدمها. فبعد سفر أم المؤمنين بيوم أو يومين جاءنا رسول بكتاب زعم أنه منك، ولم تكد أسماء تتم قراءته حتى هبَّت من فراشها وقد أشرق وجهها وأبرقت أسرتها وقالت: هيا بنا يا خالة إلى المدينة، فإن محمدًا بعث من يحملنا إليه. فنظرت إلى الرسول فلم أذكر أني أعرفه، فقلت له: أين الجمال والأحمال؟ قال: هي خارج المدينة وقد سرَّحناها للراحة. فلم يرق لي كلامه لأني لا أعرفه، وكانت خالتك أم الفضل جالسة فسألتها فقالت إنها لا تعرفه أيضًا، فخلوت بأسماء وحذرتها من المسير مع قوم لا تعرفهم، فأبت إلا الركوب وقالت إنها لا تبالي من كانوا فإنما غرضها الخروج من ذلك السجن، فأطعتها وخرجنا والرجل يسير أمامنا وأسماء لا تزال ضعيفة من عقبى الحمى.

وكنتُ قبل خروجنا من البيت قد عرضت عليها أن يذهب الرسول فيأتينا بالجمال إلى البيت فنركب من هناك، ولكنها لم تستطع صبرًا وأبت إلا المسير حالًا. فوصلنا إلى المكان الذي أشار إليه الرسول، فرأينا هودجًا على جملين وجمالًا أخرى وبضعة رجال لم أعرف أحدًا منهم، فخامرني الريب ونبهت أسماء إلى ذلك فلم تنتبه كأن رغبتها في المسير إليك أسكرتها وأعمت بصيرتها. فركبنا والخدم في ركابنا حتى أتينا مكانًا تتشعب فيه الطريق إلى شعبتين، وهناك رأينا أناسًا مسلحين ينتظروننا وفيهم شاب بلباس ثمين كأنه سيدهم، فلما وصلنا إلى المفرق وقفت جمالنا ودنا الرجال برماحهم فتحققنا وقوع الخيانة. وكان الليل قد أسدل نقابه فلم نعرف أحدًا من هؤلاء، فلما رأيناهم تحولوا عن طريق المدينة إلى طريق البصرة قلت: «إلى أين أنتم ذاهبون بنا؟!» فقالوا: «إلى حيث نشاء.» فهالني جفاء الجواب، ونظرت إلى أسماء على ضوء القمر فإذا هي ثابتة الجأش على ضعفها. وقد كنا في الهودج معًا، فحالما تحولنا إلى ذلك الطريق أنزلوني من الهودج وحملوه على جمل واحد، وأركبوني الجمل الآخر فأطعت مرغمة.»

وكانت العجوز تتكلم ومحمد مصغٍ يتطاول بعنقه لسماع تتمة الحديث وقد ظهر القلق على وجهه، فاستأنفت العجوز حديثها وقالت: «وما زلنا سائرين مسرعين طول الليل حتى أصبحنا وتبينت الوجوه وتفرست جيدًا، فرأيت بينهم رجلًا تذكرت أني رأيته في خدم بيت أختك أم المؤمنين، وتأملت الشاب ذا اللباس الفاخر فإذا هو ذو جمال وقيافة فظننته سيدهم، ولم أعرف من هو ولكنني عرفت أن اسمه سعيد، ويلوح عليه أنه من أهل البصرة.

ولم تكد جمالنا تستريح حتى دنا الرجل من هودج أسماء وأنا أنظر إليه من بعيد وأسمع شيئًا مما يقول، ففهمت أنه يسألها عن حالها وهل لا تزال تفضل المدينة وأهلها، ورأيت منه احتفاءً عظيمًا بها إذ أمر بطعام فاخر قدمه لها وجعل كل رجاله في خدمتها …»

فقاطعها محمد قائلًا: «وهل أكلت من طعامه وأجابته على كلامه؟»

فقالت: «والله يا بني إني لم أشاهد في حياتي كلها لا في الجاهلية ولا في الإسلام فتاة ولا شابًّا أثبت جأشًا من أسماء ولا أصبر على المكاره منها، فقد كانت مع ضعفها وعلمها بالخطر الذي وقعت فيه مطمئنة لا يبدو على وجهها شيء من دلائل الخوف والاضطراب. وقد لحظت لما كان ذلك الشاب يكلمها أنها كانت تجيبه بكلام لم أسمعه، ولكنني رأيت أثره في وجه الشاب تهيبًا وخوفًا منها وكأن الخطر قد زاد أسماء هيبة وجلالًا كما زادها الضعف حسنًا وجمالًا. وأما أنا فكنت خافقة القلب مضطربة الحواس لا أكاد أستطيع الوقوف لشدة الارتعاش، وهي جالسة في هودجها والقوم ولا سيما سعيد وقوف على خدمتها لتلبية كل إشارة منها.»

فقال محمد: «لم تجيبيني يا خالة عن سؤالي، هل أكلت من طعامهم؟» قالت: «لا يا سيدي، لم أرها تأكل، ولكنني لا أظنها استطاعت البقاء بلا طعام.»

قال: «ثم ماذا؟» قالت: «ولم نسترح إلا قليلًا، ثم نهض الركب وسرنا نطوي البيداء ووجهتنا العراق، وأنا لا أدري ماذا أعمل. ولو رأت أسماء فائدة من المقاومة لفعلت، ولكنها وجدت نفسها عزلاء وحولها رجال مدججون بالحراب والسيوف والرماح. ولكني أُعجِبت بشجاعتها وسكينتها، وكانت طول الطريق ساكتة تتأمل كأنها تفكر في طريقة للنجاة. وأما سعيد أصل البلاء ورأس الخطيئة فلا ريب أنه أقدم على فعلته وأسماء طِلْبته ولكنه كان متهيبًا، وربما همَّ بأن يكلمها بشيء في نفسه فإذا دنا من هودجها ارتُجَّ عليه فتظاهر بأمر آخر. وقضيت اليوم الثاني وأنا أحاول الدنو من أسماء لعلنا نتعاون على سبيل للنجاة فلم أستطع، لأنهم كانوا يفرقون بيننا عنوة. فبتنا ثم أصبحنا وقد مللت هذه الحال، فلاح لي أخيرًا أن أتظاهر بالتعب والمرض لعلهم يسمحون لي أن أراها وأرى ما يكون، فشكوت ألمًا وعجزًا عن الركوب فقال سيد القوم: «اتركوها في الطريق وسيروا»، فصحت: «دعوني أنظر ابنتي، دعوني أودعها!» وأخذت في البكاء فسمعتني أسماء وطلبت أن تراني فحملوني إليها، فأجلستني في هودجها وأرخت ستائره ومشى الركب بنا، فلما خلونا سألتها عما في نفسها فتنهدت وقالت: «إني لم أقع عمري في مثل ذلك، وأنا أعلم الناس بما يحدق بي من الخطر، ولكنني لا أرى الخوف يجديني نفعًا، ولا أنا أستطيع دفاعًا فأنا عزلاء وهم عشرة مسلحين. ويلوح لي أنهم سائرون بنا إلى معسكر أم المؤمنين، وأن هذا الشاب المغرور من رجالها، وأظنه طامع فيَّ فليطمع ما شاء، ولعلي أجد سبيلًا للنجاة. ولكني أريد أن أبلغ محمدًا خبرًا مهمًّا، فكيف العمل؟!» فقلت لها: «أنا أبلغه إياه فإن هؤلاء الرجال يريدون التخلص مني، فإذا أنا تظاهرت بحب التخلف عنهم خلفوني وساروا، فقولي ما تريدين»، قالت: «سأكتب ذلك في كتاب توصلينه إليه.» وسرنا هنيهة ثم وقف الركب وجاء ذلك الشاب فرفع الستر عن الهودج وقال: «انزلي من هذا الهودج إن الجمل لا يستطيع حملك»، فشكوت له التعب والمرض، فقال: «لا يعنيني»، فقالت له أسماء: «تمهل ريثما نصل إلى مكان نستريح فيه جميعًا، فإذا لم تقدر على الركوب معنا تركناها أو أوصلناها إلى قافلة تسير بها.» وكانت أسماء تتكلم والشاب ينظر إليها وقد هام بها ولم تزده أنفتها إلا حبًّا، وكأنها سحرته فأصابه خبل، فقال: «حسنًا». فوصلنا في المساء إلى مكان فيه آبار وشجر فنزلنا جميعًا ونصبوا الخيام، فطلبت أسماء الخلوة فتركوها ووقفوا خارج خلوتها لئلا يدهمها أحد فقضت هناك ساعة حتى قلقت عليها، ثم خرجت إليَّ وقد احمرَّت عيناها وتبلَّلتا وبيدها منديل قطعته من قميصها دفعته إليَّ وقالت: «احتفظي بهذا الكتاب وادفعيه إلى محمد»، فتناولته وخبَّأته بين أثوابي وأنا أحاذر أن يراني أحد، وقالت أسماء: «أسرعي في المسير إلى محمد ما استطعت.» وكانت هناك قافلة قادمة نحونا فعلمت أن ركبنا سيرحل قبل وصولها، فتظاهرت بعجزي عن الركوب والمشي، فلما رأى أصحابنا القافلة آتية تهيئوا للرحيل وطلبوا إليَّ أن أركب أو أمشي، فلما اعتذرت هموا بتركي. وطلبت أن أودع أسماء فأذنوا لي في ذلك، وقد بكت حين ضممتها وقبَّلتها مرارًا، ولكنها أسمعتني كلامًا عزاني على فراقها وطمأن قلبي عليها فقالت: «لا تخافي عليَّ يا خالتي، فإني أرجو أن يكون هذا ذريعة إلى خدمة عظيمة أقوم بها للإمام علي ومحمد، وعلى الله اتِّكالي»، ولم أكد أجيبها حتى أقلع جملها وسار وهي تلتفت إليَّ وتبتسم وأنا أبكي. فظللت وحدي أنتظر وصول القافلة، فإذا وجهتها غير ما ظننت وطريقها غير طريقي، فنهضت أسعى في أثرها فسبقتني، وما زلت أسير تارة وحدي وطورًا أصطحب راعيًا أو ماشيًا حتى لقيت مسعودًا على ما قصه عليك.»

•••

وفرغت العجوز من كلامها وقد تعبت ومحمد شاخص إليها ثم قال: «أين كتاب أسماء؟» فمدت يدها إلى جيبها وأخرجته وكانت قد خاطته بباطن ثوبها، ثم دفعته إليه فإذا هو قطعة من قميص أسماء، فاستأنس به وأدنى المصباح منه ونظر فإذا فيه كتابة بمداد أحمر وأحرف لم يألفها لقربها من الشكل النبطي الذي كان يكتب به عرب الشام وتستغرق قراءته زمنًا. فأومأ إلى مسعود أن يذهب بالعجوز إلى مكان تستريح فيه، وأغلق باب خيمته وجلس إلى جانب المصباح وطفق يقرأ الكتاب فإذا فيه:

أكتب إليك هذا بمداد من دمي، إذ لا سبيل على غيره وأنا في صحراء قاحلة وحولي أناس لا أدري غرضهم من أسري، على أنهم لن ينالوا مني وطرًا. وقد علمت أنهم سائرون بي إلى معسكر أم المؤمنين بالبصرة، وأظنهم من رجال تلك الحملة. لا تجزع يا محمد ولا تخف على أسماء، فإنها بحول الله لا تخشى بأسًا. وقد كتبت هذا إليك لأنبئك بحالي وأدعوك إلى عهد بيننا نجعله نذرًا علينا، هو أن تكون أعمالنا وحواسنا وقوانا مكرسة لخدمة أمير المؤمنين ابن عم رسول الله ، فقد اتهموه ظلمًا بدم عثمان وأنا وأنت أعلم الناس ببراءته، فعلينا القيام بنصرته. حتى إذا انتهينا واستقام الأمر نظرنا في أنفسنا وأجبنا داعي القلب.

هذا ما أدعوك إليه، وأرجو أن تعاهدني عليه ولا أظنك تخالفني فيه، وأنا منذ الآن ساعية في هذا السبيل وأرجو أن يكون أسري عونًا على هذه الخدمة. فأنت تعمل من جهة وأنا من جهة أخرى أعمل لإقناع أم المؤمنين حين ألقاها ببراءة الإمام. آه! يا ليتها كانت معنا ليلة وجدناه يبكي عند قبر الرسول! آه من تلك الليلة! كم لقيت فيها من الأهوال! على أني سأذكر لها ذلك، وأننا سمعناه يندب الإسلام ويتخوف وقوع الفتنة، ولعلها تؤمن ببراءته. أقول هذا على أمل تذليل العقبة الوعرة التي أراها في سبيلي. فإذا مت فإني أموت شهيدة العفاف والغيرة على الإسلام والنصرة للإمام رجل هذه الأمة … ومرة أخرى أدعوك إلى العهد على نصرة الإمام علي والتفاني في ذلك، فإذا فرغنا منه على خير فكرنا في أنفسنا. والسلام.

أسماء

ولم يفرغ محمد من تلاوة الكتاب حتى امتلأ قلبه حمية وطفح إعجابًا بأسماء وعجب لتوارد الخواطر بينها وبينه فقبَّل كتابها وأثنى على غيرتها، ولكنه ما زال خائفًا عليها من غائمة ذلك الأسر، فقضى ليلته مضطربًا وقد مال إلى الذهاب في مهمته إلى العراق لعله يلقى أسماء فينقذها.

•••

خرج محمد في صباح اليوم التالي قاصدًا فسطاط الإمام علي لعله يسمع خبرًا جديدًا، فلما دخل عليه رأى في مجلسه جماعة من الصحابة يتحدثون فيما هم فيه من الأحوال ويتشاورون، والإمام مقطِّب الوجه يفكر فيما قام من الفتنة.

وفيما هم في ذلك دخل غلام مبغوتًا فسأله علي: «ما وراءك؟»

قال: «إن في الباب ركبًا قادمين من البصرة وفيهم رجل ملثم.»

قال: «فليدخل كبيرهم».

فدخل رجل ملثم الوجه، حيَّا الإمام عليًّا وكشف عن وجهه فإذا هو أحلط الوجه أملط لا شعر له في لحيته ولا شاربيه ولا حاجبيه ولا أشفار عينيه، فأنكره علي وتأمله وقال له: «من الرجل؟!»

قال: «أنا عثمان بن منيف عاملك على البصرة.»

فبُغِت الإمام وقال: «ما الذي أصابك؟!»

قال: «بعثتني بلحية فجئت أمرد!»

قال علي: «أصبت أجرًا وخيرًا. احك لنا خبرك وما دعا إلى نتف شعر وجهك على ما نرى!»

قال: «بعثتني يا مولاي عاملًا على البصرة فلقيني الناس وسُرُّوا بخلافة الإمام علي، ثم ما لبثت أن سمعت أهل البصرة يتحدثون بأمر حدث، وأن كتبًا وردت على بعضهم من أم المؤمنين تدعوهم فيها إلى الأخذ بثأر عثمان، وأنها قدمت من مكة وأقامت في الحفير على بضع ليال من البصرة تنتظر الجواب، فأهمني الأمر كثيرًا فبعثت رجلين؛ أحدهما رجل عامة والآخر رجل خاصة، يسألانها عما تريده. فعادا وأخبراني أن أم المؤمنين وطلحة والزبير مصرون على طلبهم دم عثمان منك، وأن الآخرَيْن لم يبايعاك إلا كرهًا، فشاورت رجالي فقال بعضهم: «ننصرهم»، وقال آخرون: «نردهم»، ورأيت لهم نصراء في البصرة فخفت اتساع الخرق. ثم علمت أن عائشة جاءت المربد (وهو السوق خارج البصرة) ومعها رجالها، فخرجت إليها بنفسي ومعي بعض أهل البصرة ممن يرون رأيي. فلما انتهينا إلى المعسكر سألناهم عن غرضهم، فوقف طلحة وتكلم بفضائل الخليفة عثمان وحث على الأخذ بثأره ثم قام الزبير بمثل ذلك، وأيدهما من معهما من الرجال. فقلت لهما: «بايعتما عليًّا وجئتما تقولان ما تقولان!» فوقفت أم المؤمنين وألقت كلامًا حرضت فيه الناس على طلب دم عثمان، وقالت قولًا كثيرًا وكان لكلامها تأثير شديد على كل من سمعها، حتى إن جماعة كبيرة من رجالي مالوا إليها. ثم اشتد اللجاج بين الرجال ونشبت الحرب فقُتِل من رجالي جماعة كبيرة، فتنادينا إلى الصلح وتواعدنا على أن يبعثوا إلى المدينة فإن كان طلحة والزبير أُكرِها على البيعة سلمت إليهما الأمر وإلَّا فإنهما يرجعان، فبعثت إليكم وفدًا في ذلك.»

فقال علي: «وقد أجابهم أهل المدينة أنهما بايعا طائعَين.»

قال عثمان: «نعم يا مولاي، جاءهم الوفد بذلك فأنكروه وبعثوا إليَّ، وكانت ليلة ذات رياح ومطر ساروا فيها إلى المسجد وقت صلاة العشاء، فأرسلت بعض رجالي لأرى ماذا يريدون فقتلوهم، ثم جاءوا إليَّ وأخرجوني ونتفوا لحيتي وشعر حاجبَيَّ وأشفار عينَيَّ كما ترى، فجئت بالخبر كما وقع.»

فقال علي: «إنا لله وإنا إليه راجعون! وكيف أهل البصرة الآن؟»

قال: «إن سوادهم مع أم المؤمنين.»

فأطرق عليٌّ، وكل من في مجلسه سكوت ينتظرون ما يبدو منه فظل ساكتًا، حتى شعر الناس أنه يريد أن يخلو بخاصته، فخرجوا جميعًا وفي جملتهم محمد بن أبي بكر وقد ساءه تعاظم الأمر إلى هذا الحد. ولم يكد يدرك خيمته حتى جاءه رسول يستقدمه إلى علي فأسرع إليه فلم يرَ عنده إلا محمدًا بن جعفر، فدخل وحياه وهو يتوقع أن يسمع منه أمرًا جديدًا، فلم يكلمه حتى جلس على وسادة بجانب محمد بن جعفر، فقال له والاهتمام ظاهر في وجهه: «أتدري لماذا دعوتك؟»

قال: «خير إن شاء الله.»

قال: «أسمعت ما فعلت أختك وطلحة والزبير في البصرة؟ لقد أساءوا إلى عاملنا وحضوا الناس على حربنا لأننا على زعمهم قتلنا عثمان، وأنت تعلم أن أهل الكوفة حزب كبير يهمنا استنفارهم ليكونوا معنا في هذه الحرب إذا كان لا بد منها، وقد انتدبتك أنت وابن أخي هذا لتسيرا إلى أبي موسى الأشعري عاملنا على الكوفة تستنفران الناس لنصرة الحق.»

فوقف محمد وقد ثارت حميته وقال: «إننا طوع أمرك، وإن الدفاع عن الحق ونصرة أمير المؤمنين فرض واجب علينا.»

قال علي: «تأهبا واخرجا إلى أبي موسى، واقرأا هذا الكتاب على الناس وادعواهم إلى الإصلاح فإننا لا نريد سواه، وأنا لاحق بكما. وأستعين الله في نصرة الحق وكبح جماح الباطل!» فخرجا يتأهبان للرحيل.

فلنتركهما سائرَيْن في هذه المهمة ولنعد للبحث عن أسماء.

•••

أما أسماء فقد كان السبب في أسرها أن أحد كبراء البصرة، ممن جاءوا مع ابن عامر إلى مكة، شاهدها ساعة وقوفها في العريش ومخاطبتها مروان بتلك الشجاعة مع ما كان يتجلى في محياها من المهابة والجمال، فوقعت من نفسه موقعًا عظيمًا وعلق قلبه بها، وكان من أهل اليسار والبذخ. فلما انفض المجلس سأل عنها فأخبره بعض الذين اطلعوا على حديثها سرًّا من خدم أم المؤمنين أنها مخطوبة لمحمد بن أبي بكر، وأنها باقية في مكة تنتظر أمره بالذهاب إلى المدينة. فحدثته نفسه أن يخطفها ويغريها بحبه ويتزوجها، وهو يعتقد أنها لا تلبث أن ترى جماله وتعلم بجاهه وغناه حتى تهواه وتفضله على محمد، فيحظى بها وينتقم من محمد لنقمته على عثمان. فاصطنع ذلك الكتاب على لسان محمد وبعث به مع بعض رجاله فجاءت معه، فسار بها كما تقدم وهو تارة يستعطفها وطورًا يعدها بالسعادة عندما يصل بها إلى البصرة. وخُيِّل إليه في بادئ الرأي أنها مالت إليه لما آنسه من سكوتها وتصبرها، ولم يعلم أنها فعلت ذلك حزمًا وتعقلًا. وكان يود التخلص من العجوز فتيسر له ذلك على أهون سبيل كما رأيت. فقضى أيامًا في مسيره وهو يعرج في الطريق روحة وجيئة يلتمس رضاها قبل الوصول إلى البصرة، فلما دنا من البصرة عرج على طريق ينتهي بالكوفة وكان له فيها منازل وصنائع.

وكانت هي تفكر في طريقة للنجاة، وكثيرًا ما حدثتها نفسها أن تجافيه وتظهر احتقارها له، ولكنها كانت تعود فتصبر مخافة أن يفتكوا بها.

فلما صاروا على مقربة من الكوفة لم يرَ بدًّا من استجلاء أمرها، فصبر حتى أسدل الليل نقابه وجاءها وهي مستلقية في الهودج التماسًا للراحة، وكان بجانب الهودج نار أوقدوها للاستضاءة، فرفع ستائر الهودج فانتبهت أسماء وجلست، ولما رأت سعيدًا استعاذت بالله، أما هو فحياها بلطف وقال لها: «ألا تظنين البصرة خيرًا من المدينة يا أسماء؟»

فأطرقت ولم تجب، فجثا أمامها ومد يده محاولًا أن يمس معصمها بينما أخذ ينظر إلى وجهها وقد انعكست عليه أشعة لهيب النار، فلم يكد يمس يدها حتى أجفلت وجذبتها من بين أنامله وبالغت في الإطراق.

فقال لها: «ما بالك يا مليحة؟ ألا تزالين تجافينني وأنت تعلمين أني أسير هواك؟ فهل تخشين ألا تلاقي في منزل محبك الإكرام الذي يليق بك؟ إنك لا تلبثين أن تنزلي في بيتك بالبصرة أو في الكوفة حتى تشعري بالسعادة التي تنتظرك هناك مما لا يتأتى لأحد سواي أن يهبك إياه؛ فهناك تجدين الخدم والحشم، والدور والمنازل، والخيل والماشية، والملابس الفاخرة، وكل أسباب الراحة. ألا تمنين عليَّ بنظرة تدل على رضاك؟»

وكان سعيد يتكلم وعينا أسماء شاخصتان إلى تلك النار الموقدة بجانب هودجها، لا يحاكيها في ذلك الليل الهادئ إلا نيران قلبها المتقدة حبًّا لمحمد وغيرةً على الإسلام، وقد ازدادت اتِّقادًا وحدة لما سمعته من كلام ذلك الشاب وأرادت أن توبخه وتردعه، ولكنها علمت أنها إذا فعلت ذلك عرَّضت نفسها للخطر فتنهدت وظلت صامتة.

أما هو فظن تنهدها دليلًا على أثر كلامه فيها، فابتسم ومضى نحوها جاثيًا ومد يده ليمسك أناملها وهمَّ بالتكلم فجذبت يدها منه، ونظرت إليه والشرر يكاد يتطاير من عينيها ثم أعرضت عنه وهي تحرق أسنانها، فابتسم هو وهَشَّ وقال بنغمة المحب الولهان: «بالله ألا رحمت قلبًا قيدته بسلاسل هواك، ورمقته بلفتة أو بكلمة! قولي يا أسماء، قولي إنك راضية بي عبدًا رقًّا وأنا أكرس حياتي لخدمتك، والله إني لم أقل هذا لأحد قبلك! تعطفي بالله وارفقي، كفى سكوتًا وإعراضًا! اعلمي يا مليحة أنني إنما أريد سعادتك وأن الله ساقني إليك لحسن حظك وحظي، وأن ابن أبي بكر ليس أهلًا لك ولا هو يستحقك، ولسوف ترين ما يحل به إذا احتدم القتال.»

ولم تعد أسماء تستطيع صبرًا على ذلك بعد أن سمعت التعريض بمحمد، فحدثتها نفسها أن تصفعه على وجهه ولكنها كظمت غيظها بالرغم منها، وعمدت إلى توبيخه فقالت بنغم ضعيف وصوت رخيم: «إني لا أراك أهلًا للنزال.»

فسُرَّ سعيد لكلامها وإن يكن توبيخًا له، لأنه رجا أن يصل بالحديث معها إلى استرضائها، فقال: «وما أدراك يا فاتنتي أني غير أهل لذلك؟»

قالت وهي تنظر إليه نظرة التأنيب: «لأن الرجل الذي يقطع الفيافي والقفار طلبًا للثأر أو نصرة للحق على ما تزعمون لا يرتكب جريمة التزوير، ومن كان حرًّا صادقًا يلقى الرجل في حومة الوغى لا يكلم فتاة يعلم أنها تحب سواه.»

فأحنى الرجل رأسه عند كلامها وقال: «لقد صدقت أيتها العذراء، ولكني إنما زورت التماسًا لقربك إذ لم يبقَ لي إليه غير هذا السبيل، فأنا أستغفر لذنبي لديك.»

قالت: «إنك إنما أذنبت إلى غيري، فإذا كنت رجلًا فالقَ محمدًا واستغفره، فإما أن يغفر لك وإما أن ينازعك فنرى من هو الرجل.»

فجلس سعيد ودنا منها حتى كاد يلامسها ومد يده فقبض بواحدة على زندها وجعل الأخرى على نقابها وأراد أن ينزعه، فجذبت يدها منه ووقفت وقد أخذ الغضب منها مأخذًا عظيمًا وقالت: «ابتعد عني ولا يغرنك سكوتي ومرضي، والله إن تمدد يدك لأكسرنها!»

فضحك سعيد وقال: «لا تغضبي يا حبيبتي، فإني لم أفعل شيئًا يغضبك ولكنني أسترضيك وأستعطفك، فأفيقي من غفلتك ولا ترفضي نعمة أنعم الله بها عليك.»

قالت وهي تتحفز للخروج من الهودج: «إذا كنت تزعم أنك تريد رضاي فاعلم أنك تطلب عبثًا، وإذا حدثتك نفسك بوطر تبغيه فاعلم أنها تحدثك باطلًا وأن احتراقي في هذه النار أيسر مما تدعوني إليه.»

فقال وقد حار في أمره وهو يكظم غيظه ولا يزال يرجو رضاها: «تمهَّلي يا حبيبتي وتبصري فيما أقوله لك، ولا ترفسي النعمة التي أعرضها عليك باسم الحب.»

فقالت بنغمة جافية: «لا تنطق بالحب فإنك تتكلم باطلًا، ولا تستعظم قوتك وتستكثر رجالك فإن ذلك لا يرهبني.»

•••

ولما رأى سعيد من أسماء هذا الإصرار، وقف على قدميه بغتة وصاح فيها صيحة دوَّت في ذلك الليل الهادئ وانتهرها قائلًا: «أراك قد بالغت في القِحَة، واستخففت بي وإنك تعلمين أنك أسيرة بين يدَيَّ!» قال ذلك وأمسك بيديها، فانتفضت من بين يديه ورفسته برجلها فألقته على الأرض وأعرضت بوجهها عنه.

فهبَّ من وقعته وصاح برجاله فتجمهروا حول أسماء وقبض بعضهم على يديها وبعضهم الآخر على كتفيها، فتملصت من بين أيديهم وصاحت فيهم قائلة: «عار عليكم وأنتم رجال مسلحون أن تتجمهروا على فتاة عزلاء!»

فصاح سعيد فيهم: «قيدوا هذه الخائنة وشدوا ساعديها!»

فقالت: «ما الخائن إلَّا أنت يا نذل، أتظن أن القيود تقيد شيئًا من حريتي؟» وهمَّت بعصا من عصي الهودج استلتها في وجوه الرجال فتفرقوا أمامها تهيبًا من منظرها ورفقًا بها، فوبَّخهم سعيد وحثَّهم فعادوا وتكاثروا عليها وهي تحاول دفعهم، فعثرت رجلها بعقال الجمل فوقعت على الأرض فأسرعوا إليها وشدوا وثاقها، وهي لا تبالي بما يفعلون وسعيد واقف ينتفض غيظًا، وأمرهم أن يلقوها في الهودج ويربطوها به ففعلوا.

فلما أيقنت بالخطر القريب ترقرقت الدموع في عينيها وصاحت: «آه يا محمد! أين أنت؟! يا ويل الأنذال اللئام الذين لا ذمة لهم ولا ذمام!»

فلما سمعها سعيد تنادي محمدًا ضحك ضحكة تخالطها رعدة الغضب وقال: «لا تذكري محمدًا ولا ترجي نجاة من هذا الأسر!» ثم أمر رجاله فتفرقوا، ودنا منها وعاد إلى الملاينة فقال: «كيف أنت الآن؟ ألا ترجعين عن غيك؟ إنك أسيرة بين يدَيَّ وحياتك رهن إشارتي إلا إذا أجبت طلبي فتصيرين أنت الآمرة الناهية، قولي إنك رضيت بي، قولي إنك تحبينني وكفى.»

فصاحت به قائلة: «لا، لا، لا أحبك، اذهب عني يا شيطان ولا ترني وجهك!»

قال: «أعنادٌ وروحك في قبضة يدي؟»

قالت: «لا تهددني بالموت فإنه خير مما أتوقعه، واقتلني وأرحني من هذه الحياة.»

قال: «لا أقتلك بل أذيقك العذاب، لا بل أعيد النصح وأدعوك إلى حبي.» ومد يده إلى شعرها ولم يكد يلمسه حتى اقشعر جسمها وانتفضت وكان الوثاق محلولًا من بعض أطرافه فتملصت يدها وأخرجت ذراعها ودفعت يده بعنف، فجرد حسامه وهجم عليها به ليخوفها لعلها تطيعه، فوقفت وذراعها الأخرى مشدودة إلى جسدها ومدت يدها إلى سيفه فأخذته من يده وهو لا يمنعها منه، فقطعت بقية الحبال وأغارت عليه والسيف مشهر بيدها ففر أمامها، فأسرع رجاله إليها فأصابت أحدهم بضربة على عنقه فخرَّ قتيلًا، وهمَّت بالباقين فتكاثروا وتهافتوا عليها بالرماح والحراب والسيوف فأصابها رمح في زندها، فسقط السيف من يدها ووقعت مغشيًّا عليها من شدة الألم، فأسرعوا وشدوا وثاقها وهي لا تعي. فلما رآها سعيد مغمى عليها أمر بالماء فرشوها به حتى أفاقت فقال: «اتركوها لتستريح»، وحسب أنها ستذعن لأمره فجلس بالقرب منها يعلل نفسه برضائها بعد ما أصابها من الضنك.

وأما هي فازداد نفورها منه ويأسها من الحياة، ولما رأت ما هي فيه من الخطر الأكيد عظم عليها الأمر فلم تتمالك من البكاء والشهيق.

فدنا سعيد منها وقال بنغمة الظافر: «والآن يا أسماء كيف ترين نفسك؟»

قالت: «لا أراني أزداد إلا نفورًا منك! اذهب من أمامي.»

قال: «يا للعجب! أبعد هذا ترجين خلاصًا؟!»

قالت: «لا، لا أرجو ولا أطلب غير الموت فإنه غاية ما أرجوه، ولكن آه!» وعادت إلى البكاء وهي تقول: «أين أنت يا محمد؟! أرني وجهك قبل الممات ولو لحظة!»

فلما سمعها تذكر محمدًا اتقدت الغيرة في قلبه وصمم على الفتك بها، فجرد حسامه ووقف فوق رأسها فنظرت إلى السيف وضوء اللهيب ينعكس عليه فيلمع، فأيقنت أنه قاتلها لا محالة فصاحت: «أين أنت يا محمد يا ابن أبي بكر؟! زودني بنظرة منك قبل الممات!»

فقال سعيد: «أتظنين أني أقتلك الآن؟ لا، لا تعلقي نفسك بهذه الأمنية، فإنني سأميتك صلبًا.» وأشار إلى بعض الوقوف من رجاله فرفعوها عن الأرض وأوقفوها إلى شجرة من السنط وألصقوا ظهرها بها وشدوها إليها شدًّا وثيقًا بحبال مجدولة من ألياف النخيل، وكان في جذع الشجرة نتوءات وأشواك أصابت بدنها فآلمتها. لكنها لم تبالِ في جانب ما شعرت به من الشوق لرؤية محمد في آخر ساعة من ساعات الدنيا، وحزنت على فراقها الحياة دون التزود بنظرة منه. وكانت تفكر في ذلك وهي ترسل نظرها إلى الظلام من حولها، فلا تتبين غير تلك النار الموقدة بين يديها.

أما سعيد فتركها مشدودة إلى الشجرة وذهب هو ورجاله يلتمسون الراحة أو النوم، وظلت هي مصلوبة تنظر تارة إلى الأفق وطورًا إلى السماء وآونة إلى النار أمامها وهي غارقة في بحار الهواجس، وحدثتها نفسها أن تلين لسعيد وتعده خيرًا ريثما ترى ما يجيء به القدر، ولكنها علمت أنه لا يكتفي من رضاها بالكلام فقط، فعادت إلى اضطرابها وهي تنظر إلى النار فرأتها قد أخذت في الخمود فخافت أن تنطفئ فلا يبقى ما يؤانسها. على أن خمودها جعل الأفق أكثر ظهورًا فقد كانت لا ترى فيه إلا ظلامًا دامسًا، فلما خمدت النار ظهر في أطراف الأفق بعض الأشباح من الشجر أو التلال، وكانت لفرط قلقها تحسب الأشباح أناسًا قادمين لإنقاذها.

•••

وفيما هي تحدق في الأفق رأت أشباحًا تتحرك، فتفرست جيدًا فإذا هي هجن وأفراس عليها رجال فاستأنست بهم وهمت بأن تستنجدهم فمنعتها الأَنَفة وعزة النفس، فقالت في نفسها: «إذا كان لي نصيب في الحياة أتى أولئك الركب لإنقاذي بإلهام من الله.»

وظل سعيد ساهرًا يتوقع أن تسترضيه أسماء فرأى الأشباح عند الأفق وعلم أن ناره ستهديهم إليه فأمر بإطفائها، فلما رأت أسماء الرجال يهمون بإطفاء النار أيقنت أنهم خائفون، فقالت في نفسها: «عسى أن تقع عاقبة خوفهم على رءوسهم»، واستبشرت. على أنها لم تكد تفعل حتى رأت سعيدًا قادمًا نحوها والحسام مجرد في يده، وصاح وهو يحسبها لا ترى أحدًا قادمًا وقال: «هل لان قلبك الآن أم ماذا؟!» فلم تجب، فقال: «قولي، أجيبي، إن حياتك بين شفتيك فإما أن تعيشي سعيدة وإما أن يجري دمك على جذع هذه الشجرة!»

فحارت في أمرها ولم تدرِ بمَ تجيبه وهي تعلم أنها إذا أجابت بالرفض ضربها بالحسام وهي مشدودة الوثاق، فرأت المماطلة خير ذريعة لنجاتها ريثما يصل أولئك الركب عساهم أن ينجدوها، فلم تجب.

فأدرك سعيد قصدها وخاف إن هو انتظر جوابها أن يصل الركب، فشرع الحسام بيده وصاح بها: «قولي حالًا، فإما أن أسمع صوت قبولك وإما أن تسمعي صوت حسامي على عنقك!»

فعظم عليها هذا التهديد وهجرها التعقل، فقالت: «لا، لا، لا أرضى! فاضرب عنقي والله يجزي الظالمين!» ثم صاحت: «آه يا محمد يا ابن أبي بكر! أين أنت؟! آه! لو تعلم مصير أسماء!»

فلما سمع سعيد قولها نزل بالسيف على عنقها وهو لا يريد قتلها لأنه لا يزال يرجو رضاءها، فاضطرب السيف في يده فوقع على جذع الشجرة فوق كتفها فأصاب وثاق أسماء فانحل، فلما رأت وثاقها محلولًا ظنت نفسها في حلم وأدركت أنه أخطأ الضرب، فانطلقت مسرعة نحوه وهي تتميز غيظًا.

ورأى هجومها عليه فصاح برجاله فتكاثفوا حولها بحرابهم وسيوفهم، فصاحت فيهم: «أما فيكم من يرعى الذمام ويخاف الله؟!» قالت ذلك ولاحت منها التفاتة فرأت الركب قد أصبحوا منها قاب قوسين أو أدنى، وسمعت صوتًا كالرعد القاصف وقع في أذنها وقوع الماء على قلب الظمآن، ألا وهو صوت محمد بن أبي بكر يقول: «لبيك يا أسماء! لقد جاءك الفرج، اخسئوا يا أنذال!»

أما هؤلاء فما كادوا يسمعون صوت محمد ويرون معه رجاله حتى حملوا ما استطاعوا حمله من متاعهم وولوا الأدبار، وما لبثوا أن تواروا عن الأبصار تاركين بعض جمالهم والهودج.

ولا تسل عن أسماء وما حلَّ بها لمَّا سمعت صوت محمد، فإنها أُخِذت ولبثت صامتة تحسب نفسها في منام حتى دنا وناداها باسمها، فقالت: «محمد؟! أين كنت يا حبيبي؟! هل بعثك الله لتنجيني؟! أفي يقظة أنا أم منام؟!»

قال: «بل في يقظة. ما الذي أصابك؟! هل من بأس عليك؟!»

قالت: «لا بأس بي غير جرح خفيف في زندي أصابني وأنا أدفع هؤلاء اللئام، ولولاه لقتلتهم جميعًا ولكن السيف سقط من يدي وعثرت بعقال الجمل فشدوا وثاقي.» ونظرت فرأت مع محمد رجلًا آخر لم تعرفه فخجلت لما أبدته من دلائل الحب، فأدرك محمد ما بها فقال: «لا تجزعي، هذا محمد بن جعفر ابن أخي أمير المؤمنين، وهؤلاء خدم سائرون في ركابنا إلى الكوفة وقد جئنا بمهمة في خدمة أمير المؤمنين، فاجلسي الآن واستريحي وقُصِّي علينا خبرك.» فجلست ومحمد بن جعفر يُعجَب بما يبدو من همة تلك الفتاة، وكان قد سمع من محمد حديثها وأُعجِب بغيرتها على الإمام وعلى الإسلام، فأحبها بالسماع. فلما رأى فيها تلك الحمية رغب في سماع حديثها، فجلسا وقصت أسماء ما جرى لها وهما شاخصان يزدادان إعجابًا. وقص محمد ما حدث له بعد مجيء كتابها، وقضوا الليل في الأحاديث وقبل الفجر أغمضت أجفانهم ساعة فاستراحوا. فلما انبلج الصبح وأفاقوا نظروا إلى ما حولهم فإذا ببقايا الهاربين، وفيها كثير من الزاد والآنية وجثة ملقاة عن بعد، فنظر محمد إليها وسأل أسماء عنها فقالت: «إنه أحد أولئك الطغام أدركته بضربة ذهبت بحياته.»

قال: «بُورِك فيك! نحن الآن ذاهبون إلى الكوفة وهي على مقربة منا، فهلمَّ بنا إليها لنقضي مهمتنا ثم نذهب بك إلى المدينة تقيمين بها حتى تنقضي الحرب.»

فقالت وهي تنظر إليه نظر العاتب: «لعل كتابي لم يصل إليك؟!»

قال: «لقد وصل»، قالت: «فكيف تدعوني إلى الإقامة بالمدينة وقد آليت لأنصرن الإمام عليًّا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا؟!»

قال: «لقد جاهدتِ وسعك، وأنت مريضة الآن.» قالت: «لا بأس عليَّ بإذن الله.»

قال: «فلنذهب معًا إلى الكوفة ثم نرى ما يكون.»

قالت: «لا أرى في ذهابي إليها فائدة.» قال: «وماذا إذن؟»

قالت: «أنت تسير في مهمتك، وأما أنا فأذهب إلى أختك أم المؤمنين بالبصرة عسى أن أُوفَّق إلى إقناعها ببراءة الإمام عليٍّ، فتكفَّ عن الحرب حقنًا لدماء المسلمين. إن الأمر لأعظم مما تتصوره يا محمد، وقد آليت على نفسي أن أضحي بكل شيء في سبيل دفع هذه الفتنة.» فأُعجِب بحميتها وقال لها: «ولكنني لا أرى سعيك إلا ذاهبًا عبثًا.»

قالت: «علَيَّ السعي وعلى الله التوفيق. وكيف الطريق إلى البصرة؟»

قال: «إذا كان لا بد من ذهابك إليها فإني أزودك بخبير من رجالي يسير في خدمتك حيث تشائين.» قال ذلك ونادى مسعودًا وكان في جملة صحبه في هذا السفر، فجاء مسرعًا فقال محمد: «هذه أسماء التي حملتَ إليَّ كتابها، وهي تريد البصرة فأوصلها إلى معسكر أم المؤمنين وعد إليَّ في الكوفة.»

فنهضت أسماء وأمرت مسعودًا أن يهيئ الجمل، فقال: «ألا تركبين الهودج؟»

قالت: «لا، ليس ذا وقت التنعم، أركبني جملًا خفيفًا.»

ونظرت إلى محمد وقالت: «إن الوقت ثمين يا محمد، فلنسر في مهمتنا عسانا أن نُوفَّق إلى تلافي الفتنة.»

فنهض محمد وركبوا جميعًا. فسارت أسماء ومسعود نحو البصرة، ومضى الباقون نحو الكوفة وهم يعجبون بما آنسوه من بسالة أسماء وحميتها وغيرتها.

سارت أسماء تستحث جملها ومسعود على جمله أمامها ليهديها إلى الطريق، فمضى معظم النهار لم يستريحا ولا تناولا طعامًا، فلما كان الغروب سألته أسماء عن البصرة فقال: «إنها على بضع ساعات منا، فأرى أن نبيت هنا الليلة لندخل المدينة صباحًا.» قالت: «لا صبر لي على الانتظار، هلمَّ بنا ولا بأس من وصولنا إلى البصرة ليلًا فنقيم في المربد.»

قال: «إن جيش أم المؤمنين مخيم هناك.»

قالت: «سر بنا على خيرة الله، فإني إنما أقصد معسكرها.»

فلم يستطع مسعود مخالفتها، وظل سائرًا يتلمس الطريق تلمسًا لأن الظلام كان حالكًا. واتفق أن هبت الريح وتلبَّدت الغيوم، فلم يعد يرى الطريق أمامه ولا النجوم حتى يهتدي بها، ولكنه رأى نورًا بعيدًا فعلم أنه نور دير لبعض النساطرة كان قد زاره في بعض سفراته في تلك الأنحاء، فجعل ذلك النور وجهته وأسماء سائرة في أثره وهما صامتان لا يسمعان إلا وقع أخفاف الجمال.

•••

وكان مسعود قلقًا لمسيرهما في هذا الظلام وخاف أن يعترضهما وحش أو يهويا في هوة، وقد عجب لشجاعة أسماء وتحملها مشقة السفر. على أنه ما عتم أن سمع طنين سهم في الجو مر أمام عينيه فجفل وصاح: «من ذا هناك؟!» ولم يتم كلامه حتى سمع صوت أسماء تقول: «آه! قتلتني قتلك الله!» فعلم أن السهم أصابها فتحول إليها وقال: «ما بالك يا سيدتي؟! ما الذي أصابك؟!»

قالت: «أصابني سهم في جنبي وأظنه قاتلي!» فترجل وأناخ جملها فإذا هي تسند جنبها بيدها والسهم ما زال مغروسًا فيه فنزعه بخفة، فصاحت صيحة دلت على شدة تألمها، فتحير في أمره وخاف أن تموت أسماء بين يديه في ذلك القفر المظلم، فوضع يده على جرحها وضغطه بكفه وهو يرتعش خوفًا، ثم سألها عن حالها فقالت: «إني مقتولة لا محالة!» فلم يرَ مسعود خيرًا من أن يحملها على جمله ويسرع إلى ذلك الدير، فأردفها وساق جمله وقاد جملها وراءه وأسرع إلى الدير، ولما وصله وجده مقفلًا وسوره عاليًا لا يمكن اجتيازه، ثم تذكر أن القوم يعلقون على الأديار أجراسًا يدقها من يجيء طارقًا، وبحث عن حبل الجرس حتى وجده فدق الجرس ولكن لم يجبه أحد، فكرر الدق فسمع صوتًا جهوريًّا يقول: «من الطارق؟» فأجاب مسعود قائلًا: «افتح ناشدتك الله وأسرع إلى إغاثتنا!»

فقال: «من أنت؟» قال: «إننا غرباء في ضنك شديد، افتح رعاك الله!» قال ذلك وصبر فلم يعد يسمع صوتًا، ونظر إلى أسماء وهي مطروحة عند الباب تئن أنينًا عميقًا، فأمسكها بيدها ويده ترتجف خوفًا عليها فرآها باردة، فجس جرحها فغاصت أنامله في الدم وكان قد تخثَّر وملأ ثوبها، فحاول أن يجلسها ليتحقق حالها فإذا هي تشخر وقد ارتخت مفاصلها فزاد اضطرابه وهمَّ بأن يصيح ببواب الدير، فرأى رأسًا عاريًا قد وَخَطَه الشيب قد أطل من الكوة والمصباح في يده ينعكس نوره على لحيته البيضاء ويقول: «اصدقنا أيها الطارق من أنت؟»

فصاح مسعود قائلًا: «إننا غرباء ومعي مريض يشرف على الموت، أنجدنا جزاك الله خيرًا!»

ولم يتم مسعود كلامه حتى سمع صوت مزلاج الباب كأنه شُدَّ بحبل، فانفتحت خوخة صغيرة في وسط الباب المصفَّح بالحديد، فرأى مسعود أنه لا يستطيع الدخول من الخوخة وأسماء على تلك الحال، فسأل الراهب أن يفتح الباب كله وأشار إلى أسماء وهي بين يديه. فأسرع الراهب خفيفًا برغم شيخوخته وجر عُضَادة ضخمة من خشب كان الباب موصدًا بها ففتحه، وساعد مسعودًا في نقل أسماء إلى أقرب غرفة هناك وأجلساها على الفراش، وخف الراهب إلى رئيس الدير ليخبره الخبر. وما لبثوا حتى جاء الرئيس وهو شيخ هرم قد رَقَّ بدنه وتجعَّد جلده واشتعل رأسه شيبًا، وعيناه تشعان قوة وصحة وقامته مستوية تدل على نشاط وهمة، فتقدم إلى الفتاة وهي ملقاة على الفراش وسأل مسعودًا عما بها فقص عليه الخبر. فأدارها على جنبها الصحيح وأخذ في كشف الجرح، فحول مسعود وجهه عنها حياءً واحتشامًا، واشتغل الرئيس وراهبه بغسل الجرح وتضميده، وأمر بلبن فغسله به، ثم صب عليه ماءً مقدسًا يحتفظون به لمثل هذه الحال وربطه، وأمر بملاءة من نسيج الصوف فغطاها بها لتدفئتها، ورش وجهها بالماء المقدس ودهنه بزيت من مصباح الدير المضيء أمام صورة المسيح وهو يدعو الله أن يقرب الشفاء. وأفاقت أسماء لحظة ولكنها لم تقل شيئًا ثم عادت إلى الأنين، وكان رئيس الدير وهو يغسل وجهها يتفرس في ملامحها كأنه تذكر شخصًا يشبهها. وأخذ يعتذر لمسعود من الإبطاء في فتح الباب لتخوفهم من الطارقين الذين كثروا يومئذٍ على أثر قدوم أهل مكة إلى البصرة، ووقوع بعض الوقائع الحربية. فلما فرغ من تضميد الجرح تحول إلى مسعود فسأله: «من الفتاة؟»

قال: «إنها فتاة لبعض كبار الصحابة.» ولم يزد.

فأعاد الرئيس نظره إليها وأدنى المصباح من وجهها وكان قد امتُقِع ونَحَل وهي مغمضة العينين كأنها في سبات، وقال: «فهي إذن مسلمة؟» قال: «نعم».

فلمح الرئيس في صدرها حجابًا اعتاد النصارى جعله على صدورهم، وكان زندها مكشوفًا فرأى عليه رسم الصليب فالتفت إلى مسعود وقال: «ولكنني أرى عليها بعض شارات النصرانية!»

فضجر مسعود من تدقيقه وهو لا يهمه ساعتئذٍ إلا شفاؤها فقال: «لا أدري يا سيدي سوى أنها مسلمة، فلعل لتلك الإشارة سببًا لا أعلمه.»

فسكت الرئيس وجلس على مقعد بالقرب من فراش المريضة، وهو تارة ينظر إلى وجهها وطورًا يطرق متأملًا كأنه يبحث في ذاكرته عن شخص يشبهها.

ثم نظر إلى مسعود وقال له: «امضِ يا بني إلى غرفة الأضياف إذا أردت طعامًا، ثم اذهب إلى رقادك مطمئنًّا فلا يمضي على هذه الفتاة قليل حتى تصحو وتتحسن صحتها بقوة الله وبركة صاحب هذا الدير.»

فقال مسعود: «إني لا أشعر بالجوع ولا أنا في حاجة إلى الرقاد، وأوثر أن أبقى هنا لأرى ما يصيبها.»

قال: «لا خير في بقائك، ولا بأس عليها لأننا ما مسحنا جريحًا أو مريضًا بهذا الماء المقدس إلا شفاه الله. اذهب إلى فراشك وإذا شئت البقاء خارج الحجرة فلا بأس.»

فاستحيى مسعود من تكرار الاعتذار، فخرج وجلس على حصير وراء الغرفة.

أما الرئيس فخلا إلى الراهب وأخذا يتسارَّان ويتخاطبان بلسان نصارى العراق الكلداني ويشيران إلى أسماء. وكان مسعود لقلقه لا يغفل عن حركة تحدث فقلق لهذه المسارَّة، وأصاخ بسمعه فلم يفهم من كلامهما شيئًا، فجعل يرصد ما يبدو منهما فإذا بالرئيس قد أمر الراهب فخرج ثم عاد وبيده كتاب ضخم ففتحه فقرأ وتمتم ثم ركع الاثنان، فعلم أنهما يصليان فصبر حتى فرغا من الصلاة وقاما، فرأى الرئيس دنا من أسماء وهو يمسح الماء عن جبينها ويتأملها، ثم جلس إلى جانبها ولبث ينتظر ما يبدو منها. وبعد قليل تحركت كأنها تتقلب من جنب إلى الآخر، وما كادت تفعل حتى صاحت من الألم، فسُرَّ مسعود لصياحها لعلمه أنه يدل على اليقظة، فدخل الغرفة فرأى أسماء قد فتحت عينيها ونظرت إلى ما حولها، فوقف بصرها عند وجه الرئيس وحاولت التفرس فيه ولكن الضعف غلب عليها فذبلت أجفانها وأطبقت عينيها وعادت إلى الرقاد. فأومأ الرئيس إلى مسعود بيده وابتسم كأنه يقول: «أبشر! إنها قد أفاقت»، ففرح مسعود وظهر البشر عليه وتوسل إلى الله أن يتم شفاءها. وقضت أسماء ليلتها راقدة وتنفسها هادئ.

•••

وفي الصباح جاء مسعود إلى غرفتها فرأى الراهب الشيخ إلى جانبها يهتم بالكشف عن الجرح وتبديل رباطه فخرج، حتى إذا فرغ الراهب من عمله نادى مسعودًا فدخل ونظر إلى وجه أسماء فإذا هي قد أفاقت وفتحت عينيها فحمد الله ودنا منها، فلما رأته قالت له: «آه من النذل الذي عجز عن لقائي وجهًا لوجه فأراد قتلي غدرًا!» وحرقت أسنانها.

فقال مسعود: «لا بأس عليك يا سيدتي، ولا تعبئي بما فعله ذلك الغادر. على أننا لا ندري من هو.»

قالت: «لا ريب عندي في أنه ذلك الجبان الذي حاول اختطافي، فليس في هذه الديار من يعرفني سواه، قبحه الله!»

قال: «هل أذهب إلى مولاي محمد لأروي له ما وقع؟»

فقطعت عليه الكلام قائلة: «لا، لا تفعل، فإن أخشى ما أخشاه أن يسرع إليَّ إذا علم بما حدث ويهمل مهمته التي أنفذه فيها أمير المؤمنين وهي تمس المسلمين عامة، فلا يليق أن نشتغل عنها بحياة فرد من أفرادهم، فضلًا عن أني بحمد الله في عافية، ولا إخالني إلا راكبة جملًا أو جوادًا إلى معسكر أم المؤمنين عما قليل لأؤدي المهمة التي ندبت نفسي لها.» ثم صعَّدت بصرها وأشارت بيدها كأنها تقول: «فقدر لي الله أن أستأخر هنا إلى حين.» وشفعت إشارتها بدمعتين كبيرتين انحدرتا على خديها، ثم التفتت إلى أيقونة معلقة أمامها شغلت نفسها بالنظر إليها.

وكان الراهب في أثناء ذلك مشتغلًا بقراءة درج (رق) في يده، فيه فرض من فروض الصلاة.

ولما سمع مسعود كلام أسماء وشاهد الدمع ينحدر من عينيها تأثر من منظرها واستعظم كتمانها حالها عن محمد، فقال لها: «كيف أكتم عنه حالك وقد عهد إليَّ في العناية بك؟!»

قالت: «افعل ما أقول لك، اتركني هنا واذهب إليه لعله يحتاج إليك في شيء، وأنا لا بأس عليَّ في هذا الدير فإن أصحابه أهل ضيافة ورعاية. وقد صرت على مقربة من معسكر أم المؤمنين، وبعد أيام أنقه من جرحي فأذهب إليها، والاتكال على الله.»

فتركها ومضى إلى غرفة الرئيس فرآه خارجًا، فسأله عن رأيه في جرح أسماء فطمأنه بألا خوف منه، وبأنه سيتولى العناية بها حتى تشفى.

وبات مسعود هناك، وفي الصباح خف إلى رؤية أسماء فسُرَّ لتحسن حالها، ثم ودعها ومضى وهي تلح عليه في أن يطمئن محمدًا عنها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤