الفصل السابع عشر

أسماء في السجن

ولا تسل عن حال أسماء لما وجدت نفسها في حجرة لا يدخل إليها النور إلا من كوة في أعلى البناء، وليس فيها إلا حصير بالٍ. فأخذت تفكر فيما آلت إليه أمورها وما تتوقعه من العذاب، فندمت على ما أبدته من الجرأة في الدفاع عن علي، ولكنها شعرت أنها أقدمت على ذلك بالرغم منها، فقد كانت كلما سمعت اسم علي طربت واستعزت أو خافت وتهيبت وهي لا تقدر على كبح إحساسها.

فلما خلت إلى نفسها تمثَّلت لها حالها كما هي، فتذكرت ما مر بها من الأهوال منذ حداثتها وما قاسته من البلاء في أسفارها وجهادها وما كان من وفاة أمها قبل وصولها إلى المدينة وضياع سرها، ولما وصل ذهنها إلى هنا اعترض ظلمة كدرها نور ضعيف من الأمل في كشف السر على يد القسيس مرقس. ثم تصورت مروان وما سامها من العذاب في بيت الخليفة عثمان، وتذكرت أنه كان البيت الذي كاشفت فيه محمدًا بالحب فطربت لذلك، ثم تذكرت سفرها إلى مكة وما لاقته من المرض والتعب وما عقب ذلك من أسرها ومسيرها في الصحراء مهددة بالموت وبالعار، حتى قضى الله بنجاتها فعادت إلى خطر آخر ونجت منه، وكيف بُشِّرت بالكشف عن نسبها ثم شهدت وقعة الجمل …

وتتابعت عليها الذكريات حتى وصلت إلى ما هي فيه من السجن، فعظم الأمر عليها واشتد الأسف بها حتى أجهشت بالبكاء، فحاولت التجلد لئلا يقال إنها بكت من اليأس أو الخوف، وهي إنما بكت لنكد حظها وسوء طالعها وما يقف في سبيلها من العقبات التي لم تكن تخطر لها ببال. فالتفتت إلى ما حولها فلم تجد أحدًا وتطاولت بعنقها إلى باب السجن فرأت السجان في غفلة عنها، فأطلقت لنفسها عنان البكاء وأخذت تناجي نفسها تارة تذكر أمها وطورًا حبيبها وآونة عليًّا وأخرى تندب حظها، واستغرقت في ذلك حتى نسيت نفسها وغاب رشدها كأنها أُصِيبت بنوبة عصبية، فلم يعد في إمكانها إمساك عواطفها عن البكاء والنحيب.

وما زالت في ذلك حتى تعبت فغلب عليها النعاس فنامت على ذلك الحصير، فرأت فيما يرى النائم أمها تمشي إليها على بساط من الورد المنثور وعليها حلة أرجوانية طويلة الذيل مزركشة بالذهب تجرها وراءها وعلى رأسها تاج من زهر الرمان، ورأتها تمشي الهويناء وهي تتلمس الخطى كأنها تحاذر مرور النسيم. فبُغِتت أسماء لرؤية خيال أمها ولا سيما لما رأتها في عافية تامة وقد ارتد إليها لونها وتوردت وجنتاها وأشرق وجهها، وظلت أسماء في دهشة شاخصة إلى ذلك الخيال وكأنها سمعته يقول بصوت رخيم: «هل عرفت أباك يا أسماء؟»

فأسرعت أسماء إليها وألقت نفسها على صدرها تستنشق حنان الأمومة، فانتعشت وجعلت تقبلها وتقول: «لا، لا يا أماه لم أعرفه بعد. قولي لي، قولي فقد نفد صبري.»

فضمتها والدتها إلى صدرها، وهمست في أذنها: «اخفضي صوتك لئلا يسمعك الإمام.»

فأطاعتها وقالت بصوت خافت: «قولي لي يا أماه من هو أبي.»

قالت: «إنما جئت إليك الآن لأخبرك بذلك، فاعلمي أن أباك هو …» وسكتت لحظة وهي تتلفت يمينًا وشمالًا وعيناها تلمعان كأن الماء يغشاهما، وأسماء شاخصة إليها وقلبها يكاد يتفطر وسمعها مرهف لسماع اسم أبيها، ولكنها ما لبثت أن رأت أمها ترتعد وقد أخذ لونها في الامتقاع وهي تنظر إلى شبح قادم إليها، ثم رأتها أجفلت وحاولت الفرار فتشبثت أسماء بها وهي تقول: «امكثي بالله لا تذهبي، انطقي باسم أبي!» فلم تلتفت إليها وحاولت التملص منها وأسماء ممسكة بها. وفجأة أفاقت مذعورة فرأت نفسها في تلك الحجرة المظلمة على ذلك الحصير القذر، وسمعت صوتًا لم تكد تموجاته تدرك أذنها حتى ارتعدت فرائصها لمشابهته صوت مروان بن الحكم عدوها القديم، فقالت في نفسها: «أعوذ بالله من حظي على يد هذا الرجل! ما زال ذكره شؤمًا عليَّ حتى في أحلامي، كنت في ألذ الأحلام فأيقظني بصوته.»

فما كادت تفتح عينيها حتى رأت مروان واقفًا أمامها وقد تقلد حسامه وأتقن هندامه، فلما رأته استعاذت بالله ولم تلتفت إليه.

فتقدم مروان إليها وهو يقول: «لقد صفحنا عما مضى يا أسماء، كنت ترجعين عن غيك وتعلمين أن محمدًا وعليًّا لا يغنيان عنك فتيلًا. أنت الآن في دمشق مسقط رأسك ومقر آبائك، ما لك وللمدينة والكوفة؟ أصغي لنصحي وارجعي عن عنادك، واعلمي أنك إذا أطعتني هذه المرة صفحت عما مضى وكنت أسعد فتاة وإلا فإنك مقتولة لا محالة، لأنك في قبضة يدي أفعل بك ما أشاء. واعلمي أن معاوية سيبعث إليك ليحقق معك في شأن ما فهت به في المسجد مما لا يأتيه إلا كل مختل الشعور، فإذا شئت البقاء حية فاعتذري مما فرط منك وحالفي القوي، ولا يغرنك انتصار علي في البصرة فإنه سيلقى منا سيوفًا لا تُفَل ورجالًا لا تُرَد وقلوبًا كالحجر الصلد، وستخرج الخلافة من يديه فيخضع لنا هو وأولاده وكل من يلوذ به.»

وكان مروان يتكلم وأسماء ترتعد وجلًا وقلبها يكاد يفر من صدرها وصعد الدم إلى وجهها فتوردت وجنتاها واحمرَّت عيناها، وهي مع كل ذلك مطرقة تفكر وقد أيقنت أن حياتها بين يديه ويدي معاوية، فحدثتها نفسها بادئ الأمر بأن تعمل بما توحيه عواطفها فتنتهر مروان وتوبخه، ولكنها تذكرت ما جرته عليها جرأتها في المسجد فأمسكت وتجلدت وهي تكظم الغيظ ولم تحر جوابًا.

فظن سكوتها لينًا أو رضاءً فدنا منها وبالغ في التودد إليها فقال: «لعلك تذكرين ما عاملتني به من الجفاء، وأنا أعذرك وآمل أن تكوني قد ارعويت، لأنك إنما كنت مدفوعة إلى ذلك بطيش الشبيبة، وكنت تحسبين محمدًا أهلًا لك، وقد رأيت كيف انقلب أمرهم جميعًا، وكيف قام المسلمون عليهم يطالبون بدم الخليفة عثمان. ولا أظنك تجهلين ما فعله محمد وقد كنت شاهدة مقتل عثمان، ألم تريه وقد دخل عليه وأمسك بلحيته وهمَّ بقتله فوبَّخه الخليفة وذكَّره فرجع؟ أتعدين ذلك دفاعًا؟ وهل تزعمين بعد ذلك أن محمدًا خير من مروان؟»

فثقل كلام مروان على أسماء ثقل الجبال حتى كادت تحرج باحتقارها إياه فتبوح له، ولكنها كظمت الغيظ وسكتت فطفحت عواطفها دموعًا وهي مطرقة لا تنظر إليه.

ففرح مروان وتحقق ندمها، وهمَّ بالدنو منها ليستأنف الحديث، وإذا بالسجان دخل وقال لمروان: «إن الأمير بعث يستقدم السجينة إليه.» ثم تقدم السجان ودعا أسماء إلى المثول بين يدي معاوية، فوقفت ومسحت عينيها وخرجت فرأت خارج السجن بضعة رجال بالسيوف والحراب، فقال لهم مروان: «لا حاجة إليكم فإنها تسير غير محروسة إلى مجلس الأمير.»

•••

وسارت أسماء بقدم ثابتة وقلب جريء، ومروان وراءها مبتهج القلب بما تجدد عنده من أمل في الحصول عليها، فقد كان مسحورًا بجمالها وهيبتها طامعًا في نيلها، ليفخر بأن قد نالها دون محمد بن أبي بكر.

وما عتموا أن وصلوا إلى قصر منيع من بناء الرومان، كان في الأصل قصرًا لحاكم الشام من الروم، وعند بابه الحراس بالسيوف والحراب. فدخلت في دار رحبة ومروان أمامها يدلها على قاعة المجلس، فعرج بها حول البركة حتى دخل قاعة كبيرة فيها الوسائد والطنافس على الجانبين، وفي صدرها معاوية على مقعد وإلى جانبه عمرو بن العاص وولداه محمد وعبد الله، وبين أيديهم جماعة من الأمراء لم تعرفهم. فدخلت ووقفت ونظرت إلى الحضور نظرة فاحص بسكينة وجلال ثم وجهت نظرها إلى معاوية غير متهيبة، فنظر إليها وتأمل فيما يتجلى في وجهها من المهابة، وكانت ما زالت غاضبة وقد قطَّبت أسرتها وازدادت وقارًا فأُعجِب بهيبتها وجمالها، وكان قد أُعجِب من قبل بشجاعتها وإقدامها. فلما وقفت بين يديه قال لها: «ما الذي حملك على الجرأة التي ظهرت منك في المسجد اليوم؟»

قالت: «إنما حملني على ذلك الحق والصدق، فقد سمعت تعريضًا برجل اتهموه وهو بريء.»

قال معاوية: «وما أدراك أنه بريء وأنت فتاة قاعدة في بيتك؟»

قالت: «إني أعلم من الأمر فوق ما يعلم كل واحد منكم، وقد تحققت يقينًا أن عليًّا أمير المؤمنين بريء مما يتهمونه به.»

فاعترضها عمرو بن العاص قائلًا: «لا تقولي أمير المؤمنين، فإننا لم نبايعه.» فقالت: «إن لم تبايعوه أنتم فقد بايعه سواد المسلمين في المدينة والبصرة ومصر وسائر الحجاز، وهو ابن عم الرسول وأحق الناس بهذا الأمر.»

فقال عمرو: «أراك تحكمين في أمور تجهلينها، فلو أجمع الناس على بيعته ما اضطُرَّ إلى الحرب وسفك الدماء. يكفيه أنه كان السبب في قتل الخليفة عثمان الذي أصبح دمه طليعة ما سُفِك وسيُسفَك من الدماء.»

فنظرت أسماء إلى عمرو وقالت: «ألست ابن العاص؟» قال: «نعم».

قالت: «ألم تكن أول ناقم على ذلك الخليفة المقتول لأنه عزلك عن مصر وولاها أخاه عبد الله؟ ألم تفرح بقتله؟ ولكن الدهاء أبعدك والناس يعرفون القاتل أو الساعي في القتل.» قالت ذلك وقد ظهر التأثر في وجهها مما بدا عليه من الامتقاع.

فعظم جوابها على عمرو وخاف أن تتمادى فقال لها: «ممن أنت يا فتاة؟»

قالت: «من هذا المكان.»

قال: «إني أسألك عن أبيك.»

فسكتت ولم تجب، فتقدم مروان وهو يأمل أن يخفف غضب معاوية وعمرو على أسماء، طمعًا في رضائها واستبقائها وقال: «إنها أموية، وقد قُتِل يزيد أبوها فيمن قُتِلوا مع عثمان.»

فقال معاوية: «أأموية أنت؟» فلم تجب.

فقال: «كيف تكونين أموية وتقولين ما لا يقوله بنو أمية؟! أليسوا مجمعين على أن عثمان قُتِل ظلمًا وقد نهضوا للأخذ بثأره؟»

فقالت: «لا يهمني أموية كنت أم غير أموية ولكنني أشهد بما أعلم، فأنا لا أرى أحدًا مظلومًا في هذه الفتنة غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وإني أقول هذا رضيتم أم غضبتم. ولعلكم تتهددونني بالقتل أو السجن، فلا أبالي التهديد ولا الوعيد. هذا قولي فافعلوا ما تشاءون.»

وكان مروان في أثناء كلامها يفكر فيما يرجوه من رضائها، وعيناه شاخصتان إلى الحضور لئلا ينظر إليها أحد نظر الراغب فيها، وود لو أنهم يقطعون الحديث لئلا تقول قولًا يثير غضب معاوية فيأمر بقتلها.

أما عمرو فرأى بحسن فراسته ودهائه أن يظهر الاستخفاف بكلام أسماء ويبدى الرفق بها، لأنه رآها لا ترضخ للعنف وخاف أن تتمادى في كشف ما كان ساعيًا فيه ضد عثمان قبل قتله، فقال لها: «أراك يا بنية مغرورة، ومن العبث أن نجادلك ولا سيما أن النبي أوصانا بالنساء رفقًا لأنهن ضعيفات، ثم إنك أموية من لحمنا ودمنا، فارفقي بنفسك وارجعي عن غيك وامكثي عندنا في أمن وأقلعي عما أنت فيه.»

فقالت: «لا تستضعفوني، ولا تأملوا رجوعي، ولا تحسبوني أموية ولا هاشمية، فافعلوا ما تشاءون، وقد قلت لكم إني لا أهاب الموت.»

فتقدم مروان إلى معاوية وهمس في أذنه قائلًا: «أرى الكف عن جدالها، فاتركوا أمر إقناعها إليَّ لأني أعرفها من قبل ذهابها إلى المدينة فقد كانت مقيمة بدمشق وأعرف أبويها، وأنا أضمن إقناعها طوعًا أو كرهًا إذ لا يليق بنا استبقاؤها على هذا العناد، فإما أن ترجع عن غيها أو نقتلها والقتل أمر مستدرك فأرى أن نقنعها بالحسنى.» ثم التفت إلى عمرو وقال بحيث يسمعه الاثنان ولا تسمعه أسماء: «ولا يخفى عليكما أننا إذا أخذناها في حزبنا فإنها تطلعنا على كل دخائل عليٍّ ورجاله، لأنها عالمة بكل أسرارهم. فاتركا هذا الأمر إليَّ.» ثم تنحى جانبًا وأسماء خائفة مما بدا منه. فقال معاوية: «خذوها الآن إلى منزل مروان وسننظر في أمرها.»

فقطعت الحديث قائلة: «لعل منزله السجن.» قال: «كلا».

قالت: «بل خذوني إلى السجن حيث كنت في هذا الصباح.»

فخاف مروان إذا أصروا على إرسالها معه أن تصرح بشيء ضده فقال: «خذوها إلى السجن.» واعتزم أن يكلمها هناك.

•••

أشار معاوية إلى الحراس فساروا وأسماء معهم غير هيَّابة ولا وجلة. وأما مروان فإنه أسر إلى كبير الحراس أن يجعلها في غرفة من غرف السجن وحدها، وأن يضيقوا عليها لعلها تشعر بحاجة إلى النجدة. ولم يدركوا السجن إلا بعد الغروب فدخلوا بها من باب كبير إلى دار رحبة اتصلوا منها بممر مظلم، انتهوا منه إلى بضع درجات نزلوا عليها إلى دار صغيرة تستطرق إلى غرف عديدة دخلوا في إحداها، واتصلوا من هذه بحجرة أخرى واطئة السقف مظلمة تتصاعد منها رائحة الرطوبة والعفونة وقد نبتت الطحالب على جدرانها وتحلَّب الماء عنها، فأقعدوها على حصير بالٍ ورجعوا وظل السجان وحده، فلما خلا المكان إلا منهما نظر إليها وكأنه أشفق على شبابها وتوسم فيها مهابة ووقارًا، ولكنه لم يخاطبها فتركها على ذلك الحصير وعاد وهو يرجو أن تخاطبه هي وتلتمس نجدته متى أحست بالوحدة أو شعرت بالجوع والخوف.

أما هي فلما رأت نفسها في تلك الحجرة وقد خلا المكان من الناس واستولى السكوت على تلك الجدران العفنة، لبثت تفكر في حالها وما صدر منها في حضرة معاوية من الأقوال مخافة أن تكون قد فاهت بما يدل على عجز أو خوف، فرأت أنها أدت الأمانة حق أدائها، ولكنها مع ذلك أسفت لأنها لم يُتَح لها إتمام قولها.

وقضت ساعات وهي جالسة لا تبالي الظلمة ولا الجوع ولم يزرها النوم لعظم اضطرابها، ثم انتبهت إلى ما هي فيه من الخطر إن لم يكن من معاوية ورجاله فمن مروان وآماله، وأيقنت أنه آتٍ إليها تلك الليلة طمعًا في رضائها عنه، والموت عندها خير من إجابة طلبه. فالتفتت إلى ما حولها وهي لا تكاد ترى جدران الغرفة لشدة الظلام، فأنصتت لعلها تسمع مشيًا أو كلامًا فإذا كل شيء هادئ ساكن لا يكدر سكونه إلا طنين البعوض حول وجهها ونقيق الضفادع نقيقًا ضعيفًا، يدل من اتجاهه على أن السجن قائم على ضفة نهر بَرَدَى الذي يتشعب في دمشق فيسقي أهلها بأنابيب من الحجارة أو الخزف متفرقة في كل منازلها، فاستأنست بذلك النقيق ولكنها استوحشت من الظلمة الدامسة مخافة أن تلسعها عقرب أو يلدغها ثعبان على غرة.

وبينما هي تفكر في حالها وقد شغلتها الوحشة عن التفكير في الخطر المحدق بها، إذ سمعت خطوات بطيئة تدل على تلصص صاحبها في مشيته، فجمد الدم في عروقها وخافت أن يكون ذلك القادم مروان، فأشاحت بوجهها نحو الخطى وقلبها يخفق حتى كادت تعد دقاته. وإذا بذلك الصوت يقترب نحوها فأجفلت ونهضت وتهيأت للدفاع إذا مست الحاجة، ولبثت تنتظر ما يكون. فإذا بالخطوات تبتعد وتضعف حتى لم تعد تسمعها، فعلمت أن أحدًا كان قادمًا نحوها ثم رجع، فازدادت قلقًا وظلت واقفة ترتعد لعظم التأثر، وودت لو أن ذلك القادم وصل إليها لتعلم من هو وما غرضه فإن رجوعه زاد بلبالها. وصممت أن تتفانى في سبيل الدفاع وأن تصرح لمروان، إذا كان هو القادم، بما في ضميرها ولو أدى ذلك إلى قتلها.

ولبثت برهة لم تعد تسمع في أثنائها صوتًا، ولكنها ما برحت مضطربة شاخصة بعينيها إلى الجهة التي سمعت الصوت منها، وطال انتباهها حتى لم تعد تستطيع إطباق أجفانها ونسيت موقفها.

وفيما هي كذلك لمحت نورًا ضعيفًا في دار السجن الصغرى، فاستأنست به وتذكرت مروان فخافت أن يكون قادمًا إليها، على أنها تشجعت وقالت في نفسها: «فليأتِ فإما أقتله أو يقتلني فأستريح من هذا الموقف.» ولم تكد تفكر في ذلك حتى رأت النور يتعاظم ويقترب، ثم بان المصباح يحمله رجل عرفت من لباسه وقيافته أنه السجان فهدأ روعها، ونظرت إليه فإذا هو يحمل المصباح في إحدى يديه ويحمل بالأخرى قصعة، فلما دنا من غرفتها تأكدت أنه هو، فلبثت تنتظر ما يبدو منه فإذا هو يقول: «سامحيني يا سيدتي لأني تركتك إلى الآن بلا طعام ولا نور! فإني لم أكن أعرف أنك تنتمين إلى الأمير مروان.»

فلما سمعت ذلك الاسم ارتعدت فرائصها ولكنها لم تجب. وأما السجان فدخل الغرفة ووضع المصباح على الأرض وقدم القصعة وفيها خبز ولحم وهو يقول: «هذا طعام بعث به إليك الأمير مروان، وكلفني أن أنبئك بأنك لن تبيتي في هذا المكان إلا الليلة، وفي الغد ينقلك إلى منزله.» فنفرت منه وقالت: «لا حاجة بي إلى طعام، فارجع من حيث أتيت.»

قال: «لقد قضيت نهارك بلا طعام، ألا تأكلين شيئًا؟»

قالت: «لست جائعة. عد بالطعام.»

فعجب السجان لقولها وقد كان يتوقع ارتياحها لعطف مروان عليها، فقال لها: «ولماذا هذا يا سيدتي؟! تناولي لقمة لتسدي جوعك.»

قالت: «خذ الطعام، إني لست جائعة.» قالت ذلك وحوَّلت وجهها عنه.

فقال: «دعي القصعة والمصباح هنا وافعلي بهما ما تشائين، وها أنا ذا عائد.» قال ذلك ورجع.

فلما خلت إلى نفسها ظل بصرها على المصباح تتأمل حركاته والبعوض يحوم حوله وفكرها تائه، وقلبها يخفق كلما تصورت مروان قادمًا نحوها. وأرادت أن تسند ظهرها إلى الحائط فأحست برطوبته فابتعدت.

•••

وعاد السكون إلى المكان مدة طويلة وأسماء في إبان اضطرابها حتى كأنها نسيت وجودها، ثم انتبهت على صوت أقدام تمشي في الغرفة الخارجية بهدوء، فأجفلت وتأكدت أن مروان قادم فخفق قلبها وصعد الدم إلى رأسها وتهيأت للفتك به. وحولت نظرها إلى الخارج فرأت شبحًا قادمًا يخطو خطو السارق المتلصص وقد التف بعباءة، فخافت ولكنها تجلدت لترى ما يبدو منه، فلما دنا من باب الغرفة همت بأن تخاطبه فإذا هو يقول بصوت ضعيف: «لا تخافي يا سيدتي إني جئتك بالفرج، لا تخافي.»

فلما سمعت كلامه ارتعدت فرائصها وذكرت أنها تعرف الصوت فقالت: «من أنت؟!»

قال: «إني عبدك مسعود، لا تخافي. وقد جئت لإنقاذك.»

قالت: «من أين أتيت؟! ومن أرسلك؟! هل هبطت من السماء أم خرجت من جوف الأرض؟!»

قال: «لم يرسلني أحد ولكنني كنت سجينًا في هذا المكان منذ فارقتك في دير البصرة، لأني خرجت من الدير وفيما أنا عائد إلى الكوفة ظفر بي جماعة من بني أمية كانوا قادمين بمهمة من معاوية، فقبضوا عليَّ وساقوني إلى هذا السجن لأني من صنائع ابن أبي بكر. وأشكر الله الآن على وجودي هنا لعلي أستطيع إنقاذك من أيدي هؤلاء الظالمين.»

فاطمأن بالها ولكنها حسبت نفسها في منام مثل منام الأمس، فقالت: «وكيف عرفت أني هنا؟!» قال: «رأيتك مع الحراس لما أتوا بك عند الغروب، ولبثت أنتظر فرصة آتي بها إليك، وقد جئت حتى كدت أقترب منك فسمعت خطوات السجان فهرولت راجعًا. وأما الآن فلا خوف علينا من السجان، تعالي معي.»

قالت: «وأين السجان؟» قال: «ذهب إلى بيت مروان.»

قالت: «وكيف ذلك؟! أخشى أن يكون هنا!» قال: «لا تخافي، لأني حرضته على المسير إلى مروان ليخبره برفضك طعامه، وليحثه على المجيء للانتقام منك، وأطمعته بمال يناله منه إذا فعل ذلك، وعزمت على الخروج في أثناء غيابه.»

قالت: «والباب؟» قال: «لقد ظن السجان المسكين أنه أقفله ولكنه ما زال مفتوحًا. تعالي قبل أن يعود السجان أو يأتي مروان.» فترددت برهة وقد أكبرت أمر الفرار، فأدرك مسعود ترددها فقال: «أتحسبين خروجك من هذا السجن فرارًا، وما بقاؤك فيه غير الموت والعار؟ تعالي، وأسرعي أناشدك الله!»

ومشى فمشت هي في أثره، ثم عاد إلى المصباح وقال: «أرى أن نطفئ هذا المصباح لئلا يدل علينا.» وأطفأه فأظلم المكان ولم تعد أسماء تعرف الطريق، فأمسك بيدها ومشيا وهي ترتعد، حتى خرجا من الغرفة الثانية إلى الدار الصغرى وأطلا على البيت، وما صعدا الدرجات حتى سمعا كلامًا في طرفه الآخر مما يلي الدار الكبرى، فوقفا ينصتان فإذا بمروان والسجان يتحدثان ومروان يقول: «لا بد لي من قتلها إذا ظلت على عنادها، وقد كنت أتوقع هذا العناد منها ولذلك فإني أرسلتك بالطعام وسرت في أثرك.»

فجمد الدم في عروق مسعود وأسماء وأيقنا بالهلاك، وشق ذلك على مسعود لأنه عرض أسماء للخطر. أما هي فهدأت روعها وضغطت يد مسعود وجرته إلى ما وراء باب الممر حيث انزويا وقلباهما يخفقان، ولبثا ينتظران دخول مروان والسجان فسمعا مروان يقول: «هات المصباح وتعال.»

فقال السجان: «في حجرتها مصباح تركته عندها.»

ودخلا الممر وصدى خطواتهما يتعاظم رويدًا رويدًا حتى بلغا الباب الثاني الذي اختبأ مسعود وأسماء وراءه، فلما رأى مروان المكان مظلمًا وقف وقال للسجان: «أين هو المصباح، إني أرى السجن مظلمًا؟»

فقال السجان: «إني وضعته في حجرتها ولعلها أطفأته كيدًا وقحة، هلمَّ لنرى.»

فقال مروان: «إني لا أرى الطريق لشدة الظلام، هات مصباحًا آخر.»

قال: «هلم ندخل ثم آتيك بالمصباح. انزل هذه الدرجات على مهل، ها إني أخطوها أمامك، تمسك بمصراع الباب من عندك.»

ونزلا ومروان يتوكأ بإحدى يديه على السجان وبالأخرى على الباب، حتى وصلا أرض الدار الصغرى فمشيا حتى دخلا الغرفة وهما يتلمسان الأرض.

ولا تسل عن حال مسعود وأسماء في تلك اللحظة، فقد كانت عندهما أطول من شهر. فحالما علما بدخول مروان والسجان إلى الغرفة أشار مسعود إلى أسماء أن تخلع نعليها وكان هو بلا نعل، ففعلت وتحول كلاهما من وراء الباب إلى الممر بخفة وسرعة، ومنه إلى الدار الكبرى فالباب الكبير وكان ما زال مفتوحًا، وأسرعا إلى الشارع وهما لا يصدقان أن قد ظفرا بالنجاة.

وكانت أسماء تعرف طرق الشام معرفة جيدة، فلما بعدا عن السجن وقفا برهة يتدبران المكان الذي وصلا إليه، فعرفته أسماء وسارت قاصدة كنيسة ماري يوحنا.

وقبل أن تصل إلى الكنيسة تذكرت خادمها والجوادين في الخان، فوقفت تتردد بين أن تسير إلى الكنيسة أولًا أو إلى الخان، فسألها مسعود عن سبب ترددها.

فقالت: «أتردد بين أن أذهب إلى كنيسة ماري يوحنا فأقيم بها، وبين أن أسير إلى الخان حيث يقيم الخادم ومعه الدواب.»

فتعجب مسعود لترددها وهو لا يرى حاجة إلى الكنيسة لأنه لا يعلم بما أنبأها به الراهب في دير البصرة، فقال: «ما لنا وللكنائس؟! هيا بنا إلى الخان ومنه إلى الكوفة فقد علمت أن الإمام عليًّا وسائر الصحابة هناك.»

فتنهدت وقالت: «نعم، إنهم جميعًا هناك ولكن لي في هذه الكنيسة غرضًا يهمني، وإنما جئت دمشق من أجله ولا بد لي من إتمامه، ولكني أرى ذهابي إلى الكنيسة في آخر هذا الليل مما يوجب شبهة أو تساؤلًا، والكنيسة والمسجد متلاصقان أو هما بناء واحد، فأرى أن أمضي بقية هذا الليل في الخان لأرى الخادم وأدبر أموره ثم أسير إلى الكنيسة.» ثم مشت ومسعود إلى جانبها فسألته: «هل أنت عازم على الذهاب إلى الكوفة؟» قال: «نعم، إن شاء الله.»

قالت: «إذا لم يكن بدٌّ من ذلك، فأوصيك بأن تبلغ الإمام ورجاله ما فيه أهل الشام من النقمة لعثمان والمطالبة بدمه.» وقصت عليه ما رأته في المسجد من التحريض والتهديد بالأصابع والقميص، إلى أن قالت: «واذكر لهم أني باقية هنا بضعة أيام ريثما تتم مهمتي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤