التوراة قراءة نقدية

تأسيس

على الصفحة الأولى للكتاب المُقدَّس (النسخة العربية) نقرأ إعلانًا افتتاحيًّا يقول:

الكتاب المقدس؛ أي كتاب العهد القديم والعهد الجديد، وقد تُرجم من اللغات الأصلية وهي: اللغة العبرانية، واللغة الكلدانية، واللغة اليونانية.

والعهد القديم يشمل مجموعة الكتب اليهودية المُقدَّسة، التي يُشار إليها في مجموعها — مجازًا — باسم التوراة، وهو الاصطلاح الذي استَخدمناه في عنونة كتابنا هذا للدلالةِ على مجموعةِ كُتب العهد القديم، رغم أن التوراة تقتصر على الكتبِ الخمسة الأولى من العهد القديم، لكن الاصطلاح صار دارجًا للدلالة على مجموع الكتب اليهودية التي يشملها ذلك العهد بكامله، وهو المُختَص في صفحةِ عُنوان الكتاب المُقدَّس، بالترجمة عن اللغة العبرانية واللغة الكلدانية، أمَّا العهد الجديد فيشمل مجموعة الكتب المُقدَّسة للعقيدة المسيحية، وهو فقط من بين مجموعِ كُتب الكتاب المقدَّس، المُترجَم عن اللغة اليونانية.

ويُطلَق على كُتب العهدَين اصطلاحًا لفظة «أسفار» (جمع «سفر» أي: كتاب، وتعني السور أو المحيط بالمحتوى)، و«سفر» هي المقابل العبري لكلمة «سورة» في اللغة العربية؛ حيث يتبادل الحرفان «ف» و«و» بين العبرية والعربية، كما في «ليفي» العبرية، ومقابلها «لاوي» في العربية، وقد اعتُبرت تلك السور أو الأسفار عند أصحابها كتبًا مُقدَّسة؛ أي مُوحًى بها. أمَّا كلمة العهد في التسميتَين «العهد القديم» و«العهد الجديد» فتعني الميثاق؛ بمعنى أن كِلتا المجموعتَين من الكتاباتِ عبارةٌ عن ميثاقٍ أخذه الله على البشر، وارتبَطوا به مع الله، فكان العهد القديم ميثاق العقيدة اليهودية، بينما أصبح العهد الجديد ميثاق العقيدة المسيحية.

وكُتب العهد الجديد تُمثِّل مجموعة الأناجيل وعددُها أربعةُ أناجيلَ هي على الترتيب: إنجيل متَّى، إنجيل مرقس، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنَّا؛ هذا إضافةً إلى سِفر أعمال الرسل، ومجموعة رسائلَ تخُص تلامذة المسيح والتي بشَّروا بها الأُمم، وهي:
  • رسائل بولس الرسول: رسالةٌ إلى رومية، ورسالتان إلى كورنثوس، ورسالة إلى غيلاطية، ورسالة إلى أفسس، ورسالة إلى فيليبي، ورسالة إلى كولوسي، ورسالتان إلى تسالونيكي، ورسالتَان إلى تيموثاوس، ورسالة إلى تيطس، ورسالة إلى فيلمون، ورسالة إلى العبرانيِّين.

  • رسالة يعقوب الرسول.

  • رسالتان لبطرس الرسول.

  • ثلاث رسائل ليوحنَّا الرسول.

  • رسالة ليهوذا.

  • سِفر الرؤيا، وهو سِفرٌ خاص ناتئ يخص رؤيا ليوحنَّا اللاهوتي.

وتلك الأسفار والرسائل في مجموعها، إضافةً إلى الأناجيل، تُشكِّل سبعة وعشرين كتابًا أو سِفرًا، تُكوِّن منظومة المقدَّس المسيحي: أناجيلَ ورسائلَ مقدَّسة.

لكن الأَهَم، والذي يعنينا هنا، هو القسم الأول من الكتاب المقدَّس، وهو القسم الأكبر والأضخم «العهد القديم» أو التوراة، ويتضمن تسعةً وثلاثين سِفرًا ضخمًا هي على الترتيب: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويِّين، وسفر العدد، وسفر التثنية، وسفر يشوع، وسفر القضاة، وسفر راعوث، وسفر صموئيل الأول، وسفر صموئيل الثاني، وسفر أعمال الملوك الأول، وسفر أعمال الملوك الثاني، وسفر أخبار الأيام الأول، وسفر أخبار الأيام الثاني، وسفر عزرا، وسفر نحميا، وسفر أستير، وسفر أيوب، وسفر مزامير النبي داود (المعروف إسلاميًّا باسم الزبور لاختلاط حرفي الباء والميم بين اللسان العبراني واللسان العربي)، وسفر الأمثال، وسفر الجامعة، وسفر نشيد الأنشاد الذي لسليمان، وسفر إشعيا (وهو مجموعةُ نبوءات)، وسفر دانيال، وسفر هوشع، وسفر يوئيل، وسفر عاموس، وسفر عوبيديا، وسفر يونان، وسفر ميخا، وسفر ناحوم، وسفر حبقوق، وسفر صفنيا، وسفر حجي، وسفر زكريا، وسفر ملاخي.

وعادةً ما يتم تقسيم هذه المجموعة من الأسفار إلى أربعةِ أقسامٍ هي على الترتيب:
  • القسم الأول: المعروف باسم التوراة، أو كُتب موسى الخمسة أو البانتاتك ويشمل خمسة أسفار هي: التكوين Cenesis والخروج Exodus واللاويِّين Leviticus والعدد Nambers والتثنية Deuteronomy. وتُعَد تلك الأسفار الخمسة أَهمَّ أجزاء العهد القديم، وتُنسَب بجملتها إلى النبي موسى بِوحيٍ من الله.

    ويحكي السفر الأول منها (التكوين) تاريخ العالم من لحظة البدء بخلق السموات والأرض، ثُمَّ آدم ونسله، ويسير مع ذلك النسلِ حتى يصل إلى أولاد يعقوب المعروف بإسرائيل، وهم اثنا عشر ولدًا يُعرفون بالأسباط أو بني إسرائيل، وينتهي السِّفْر باستقرار هؤلاء ضيوفًا على أرض مصر، في زمنٍ حلَّت به المجاعة بالمنطقة بكاملها، ومن المُرجَّح عند العلماء أن هذا السِّفر قد تَمَّ تأليفه حوالي القرن التاسع قبل الميلاد؛ أي بعد موسى بحوالي خمسةِ قرون، وهو افتراضٌ علمي لا يأخذ بعين الاعتبار مسألةَ نسبتِه لِلوَحي أو لموسى من الأساس.

    أمَّا السِّفر الثاني (الخروج) فيَعرِض للأحداث التي مرت بها القبيلة الإسرائيلية في مصر، وقصة النبي موسى وقيادته لبني إسرائيل في رحلة خروج — أو هروب — كبرى، ويحكي السفر أحداث الرحلة بتدقيقٍ وتفصيلٍ شديدَين، ويشير إلى أسماءِ ومواضعِ الحِل والتَّرحال بكثافة وإصرار، إضافةً لما يحويه ذلك السِّفر من بعض أحكام الشريعة اليهودية في العبادات والمُعامَلات والعقوبات، ويُرجَّح أنه قد تَمَّ تأليفه زمنَ تأليفِ سِفر التكوين.

    والسفر الثالث هو سفر «التثنية»، الذي شُغل معظمه بأحكام الشريعة اليهودية الخاصة بالحرب والسياسة والاقتصاد، والمعاملات والعقوبات والعبادات، وقد سُمي التثنية لأنه ثَنَّى أو أعاد ذكر التعاليم التي يُفترض أن موسى تلقاها من ربه، لكن العلماء يُرجِّحون أن هذا السفر قد تم تأليفه في أواخر القرن السابع قبل الميلاد؛ أي بعد موسى بحوالي سبعة قرون، وذلك أثناء وجود القبيلة الإسرائيلية في المنفى البابلي.

    والسفر الرابع هو سفر «اللاويِّين» أو الليفيِّين، نسبةً إلى لاوي أو ليفي Lievi أحد الأسباط، والإشارة هنا إلى أبناء ليفي أو سلسلةِ نسلهِ من أحفاد الأحفاد، الذين اشتغلوا بالكهانة اليهودية، ومن هؤلاء الأبناء كان النبي موسى، وقد شُغل معظم هذا السفر بشئون العبادة وطقوسها، خاصةً ما تعلَّق منها بطرق تقديم الأضاحي والقرابين.

    أمَّا السفر الخامس وهو سفر «العدد»، فقد اهتَم بإحصائياتٍ عن عددِ قبائل بني إسرائيل، وجيوشهم، وأموالهم، وأيِّ أَمرٍ كان يمكن إحصاؤه في شئونهم؛ لذلك سُمي «العدد» من عملية العد والإحصاء.

  • القسم الثاني: ويُعرف بالأسفار التاريخية، وعددها اثنا عشر سِفرًا، قامت بعرضِ تاريخِ بني إسرائيل بعد استيلائهم على كنعان (فلسطين)، وهي أسفار: يشوع (ويشوع هو خليفةُ موسى على قيادة بني إسرائيل إلى فلسطين بعد موت موسى، بعد استيلائهم على بعض أرض فلسطين)، ثُم سِفر راعوث (وهو اسمُ جَدةِ داودَ من جهةِ أبيه)، ثُم سِفر صموئيل الأول، وصموئيل الثاني (وصموئيل هو آخرُ قضاةِ إسرائيل قبل انتهاء النظام القَبلي وقيام المملكة المركزية). ثُم يلي ذلك سِفران بعنوانِ أعمال الملوك أو الملوك أول وثاني، ويحكي تاريخ ملوك بني إسرائيل بدءًا من أول ملوكهم «شاول» مُرورًا بداود وولده سليمان وسلسلة الملوك من بعدهم. ويلي ذلك سِفران بعنوان أخبار الأيام، وهما أول وثاني بدورهما، ويعرضان على الترتيب شجرة النسب من آدم إلى يعقوب إسرائيل، وهو تَكرارٌ سَبَق عرضُه في سفر التكوين. ثُم بعد ذلك يتم تقديمُ عرضٍ لتاريخِ داود، ثُم ولدِه سليمان، ثم عَرضَ لتاريخِ إسرائيل السياسي بعد سليمان.

    ويأتي بعد ذلك سِفر عزرا ويُنسب إلى عزرا النبي الذي تمكَّن من إعادة الإسرائيليِّين من منفاهم في بابل إلى فلسطين، وذلك حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، وإليه تُنسب محاولةُ إعادةِ تجديد الديانة ونفخِ الروح في القومية الإسرائيلية، إضافة إلى قيامِه بتجديدِ بناء الهيكل، ويُنسب إلى عزرا النشط هذا تحريرُ كثيرٍ من أسفار العهد القديم، حتى بلغ منزلةً عظيمة الشأن، عند بني إسرائيل.

    ومن بين تلك الأسفار التاريخية يأتي أيضًا سفر نحميا نسبةً إلى نحميا، أحد وجهاء بني إسرائيل، والذي تمكَّن بمساعدة عزرا من إقناع ملك الفرس، بالسماح لهم ببناء الهيكل مرةً أخرى. ويلي نحميا سفر أستير وهو سِفرٌ صغير يشتمل على تسعةِ إصحاحاتٍ فقط، يروي قصة الإسرائيلية الجميلة أستير، التي تمكَّنَت من إغواء أحشويريش ملك الفرس فتزوَّجَها، كما تمكَّنَت من إحباطِ مؤامراتِ وزيره هامان ضد بني ملَّتِها، ودبَّرَت مع عمها الكاهن مردخاي مكيدةً قضت عليه وعلى أنصاره، حتى سمَح لهم الملك الفارسي بِالوُلُوغِ في الدم كيف شاءوا، فقام الإسرائيليون بذبح الآلاف من قومِ هامانَ ونسائهم وأطفالهم، وحتى اليوم يحتفل أصحاب الملة اليهودية بذكر تلك المذبحة الدموية في عيد البوريم، أو عيد أستير، وذلك في شهر مارس من كل عام.

  • القسم الثالث: ويُعرف بمجموعة أسفار الأناشيد أو الأسفار الشعرية، ويشمل أسفارًا في صِيَغ الأناشيد والمواعظ الدينية المؤلَّفة تأليفًا شعريًّا وهي خمسة أشعار: أولها أيوب ثم المزامير، وبعده سِفر أمثالِ سليمان ثُمَّ سِفر الجامعة وهو منسوبٌ بدوره لسليمان، ومن بعده سِفر نشيد الأنشاد وهو بدوره من أعمال سليمان حسب عنوانه «نشيد الأنشاد الذي لسليمان».
  • القسم الرابع: ويُسمى بمجموعة أسفار الأنبياء (النبييم)، ويشمل سبعة وعشرين سفرًا تعرض لتاريخ أنبياء إسرائيل بعد موسى، وهي إشعيا، وأرميا، ومراثي أرميا، وحزقيال، ودانيال، وهوشع، ويوئيل، وعاموس، وعوبديا، ويونس، وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجي، وزكريا، وملاخي.

    ويُرجِّح العلماء أن مُعظَم تلك الأسفار قد تم تأليفها بين النصف الأخير من القرن التاسع قبل الميلاد، وأوائل القرن السادس قبل الميلاد، وأن بعضها يمكن تزمينه بأواخر القرن الرابع قبل الميلاد.

(١) علاقة النبي موسى بالتوراة

بات معلومًا — اليوم — أن نسبة «الأسفار الخمسة الأولى من التوراة» إلى النبي موسى، أمرٌ مشكوك فيه تمامًا، وغيرُ علمي بالمرة، بل أصبح من العلمي القطعُ بتأليفه على يدِ عددٍ من الكُتَّاب الذين اختَلفَت مشاربهم وأمزجتهم وثقافتهم ومواقعهم الاجتماعية وتوجُّهاتهم العقائدية، وهو الأمر الذي فرض نفسه في النهاية على المؤسَّسات الدينية ذاتها، حتى إنك تجد في مُقدِّمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدَّس، الصادرة في عام ١٩٦٠م ما نصه:

ما من عالمٍ كاثوليكي في عصرنا، يعتقد أن موسى ذاتَه كتب كلَّ التوراة، منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف حتى على وَضعِ النص؛ لأن ذلك النص قد كتبه عديدون بعده؛ لذلك يجب القول: إن ازديادًا تدريجيًّا قد حدث، وسبَّبَته مناسباتُ العصور التالية، الاجتماعية والدينية.

وقد كان السبب في إطلاق اصطلاح «أسفار موسى الخمسة» على التوراة، هو افتراضٌ إيماني يَنسِب تأليفها إلى النبي موسى، حتى صار ذاك الافتراض عقيدةً يهودية منذ عهد فيلون السكندري ويوسفيوس في القرن الأول قبل الميلاد، اللذَين عاصرا المسيح، وأعلنا أن موسى هو مُؤلِّف التوراة، وهي العقيدة التي ظلَّت تأخذ بها الكنيسة إلى زمنٍ قريب، ولا تزال سائدة في كثيرٍ من الكنائس.

إلا أن التوراة نفسَها تُقدِّم لمن يبحثها شواهدَ تقطع بأن تلك النسبة إلى موسى باطلةٌ تمامًا، ومن تلك الشواهد على سبيل المثال:
  • هناك عباراتٌ تتعلق بموسى في التوراة، ويستحيل أن تصدُر عنه وذلك مثل الآية التي تقول: «وأمَّا الرجلُ موسى فكان حليمًا جدًّا أكثرَ من جميع الناس الذين على وجه الأرض» (عدد، ١٢: ٣)؛ فهنا واضح تمامًا أن الكاتب شخصٌ آخر يتحدث عن موسى، ويذهب إلى تأكيد حِلم «الرجل موسى»، كما لو كانت محاولةً للتنصُّل من أحداث سيرة ذلك النبي التوراتية، تنفي عنه صفة الحلم بالمرة. ومثل تلك الآية، الأخرى التي تقول: «وأيضًا الرجل موسى كان عظيمًا جدًّا في أرض مصر، وفي عيونِ فرعونَ وعيونِ الشعب» (خروج، ١١: ٣). هذا ناهيك عن الخبر الخاص بوفاة موسى والذي يقول: «فمات هناك موسى عبد الله في أرض موآب حسب قول الله، ودفنه في الجواء في أرض موآب» (تثنية، ٣٤: ٥)، وبالطبع يستحيل أن يكتب موسى عن نفسه أنه قد مات، بل ويُحدِّد موضع دفنه.

  • إنك تجد في التوراة أسماءً لمواضعَ جغرافيةٍ يستحيل أن يكون لدى موسى علمٌ بها؛ لأنها كانت في عُمق أرضِ فلسطين وموسى مات ولم تطأ قدمُه أرضَ فلسطين. إضافةً إلى أن أكثرَ تلك الأسماءِ لم تكن قد سُمِّيَت زمنَ موسى، بل تمَّت تسميتها حسبَ ظروفٍ ومُستجدَّاتٍ حدثت بعد موسى بثلاثة أو أربعة قرون؛ مثل اسم مدينة دان (تكوين، ١٤: ١٤؛ تثنية، ٣٤: ١)، ومثل مجموعة القرى المعروفة باسم يائير (عدد، ٣٢: ٤١؛ تثنية، ٣: ١٤)، وهي القُرى التي لم تظهر أصلًا في الوجود إلا في عصر القضاة بعد زمن موسى بِقرون (انظر: القضاة، ١٠: ١٤).

  • وفي قصة يوسف خطأٌ تاريخي هائل، يُطلق على فلسطين أرض العبريِّين (تك، ٤٠: ١٥) وهو الاسم الذي لم يُطلَق إلا بعد ذلك بزمان، بينما قبل ذلك — بتأكيد التوراة نفسها — كانت تُسمَّى أرض الفلسطينيِّين، وأرض الكنعانيِّين.

  • وفي سفر التكوين سقطةٌ فاضحة تُؤكِّد كتابة التوراة بعد قيام الملكية المركزية لإسرائيل؛ أي بعد أربعة قرون من زمن النبي موسى، والسقطة تتضح في حديث التوراة، وقولها إن ما ترويه عن زمن موسى، كان «قبل أن يملِك ملِكٌ من أبناء إسرائيل» (تكوين، ٣٦: ٣١؛ عدد، ٢٤: ٧)، وهي جملة لا يكتبها إلا شخصٌ عاصر العهد الملكي وعَرفَ بقيام المملكة، إنها بالقطع لا يمكن أن تُكتَب إلا في العصر الملكي لإسرائيل.

  • هناك تعبيرٌ متواتر في التوراة هو «حتى اليوم»، يلحق قَصَّ بعضِ الأحداث، كالقول إنه تم تسميةُ مدينةِ كذا بهذا الاسم وهذا اسمها «حتى اليوم»، أو إن الحدث قد أدى إلى تدميرِ مدينةِ كذا وظلَّت على حالها ذلك «حتى اليوم». والمُلاحَظ أن كل التسميات والأحداث التي لحِق بها هذا التعبير، تمَّت بعد عصر موسى بقرونٍ، إضافةً إلى مساحةٍ زمنية أخرى يُضيفها تعبير «حتى اليوم»؛ أي حتى يومِ كتابةِ الحدث وتدوينه. وهو ما يُشير باليقين إلى مسافةٍ زمنية أخرى تفصل بين الحدث وبين زمن التدوين؛ مما يَبعُد بزمنِ كتابة التوراة عن زمنِ موسى مسافاتٍ أخرى. ونموذجًا لذلك التعبير المتواتر ما يمكنك أن تجده في عدةِ مواضعَ؛ مثل «تكوين، ٣٥: ٢٠؛ وتكوين، ٤٧: ٢٦؛ وتكوين، ٤٨: ١٥؛ وخروج، ١٠: ٦؛ وعدد، ٢٢: ٣٠؛ وتثنية، ٢٢: ٣٠؛ وتثنية، ١٠: ٨؛ وتثنية، ١١: ٤».

  • أمَّا تعبير «ولم يظهر نبيٌّ مثل موسى» (تثنية، ٣٤: ١٠) فهو يشير إلى معرفة الكاتب بظهور أنبياءَ بعد موسى، والمُفترَض أن ذلك لم يكن معلومًا زمن موسى، علمًا أن هؤلاء الأنبياء لم يبدأ تواجُدهم الفعلي إلا بعد عهدِ صموئيل ومع قيام المملكة الإسرائيلية.

  • وعلى مثل تلك المُلاحَظات التي يمكن لقارئٍ مُدقِّق أن يراها في التوراة، تتالت التأكيدات التي ترفض نسبة التوراة إلى موسى؛ فكان تأكيد توماس هوبز الفيلسوف الإنجليزي (١٥٨٨–١٦٧٩م) أن تدوين التوراة قد تَمَّ بعد موتِ موسى بزمنٍ طويل. ثم تبعه الفيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا (١٦٣٢–١٦٧٧م) الذي انتهى إلى إنكارِ أيِّ احتمالٍ يمكن بموجبه نسبة التوراة إلى موسى، وقدَّم على ذلك شواهدَ عديدة، وقدَّم عددًا من القرائن التي تُشير إلى أن كُتب العهد القديم بدءًا من سِفر التكوين وحتى سِفر الملوك الثاني، قد كتبها عزرا الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. وكان الطبيب الفرنسي جاك أوستراك (١٦٨٤–١٧٦٦م) أول من كشَف عن احتواءِ سِفر التكوين على روايتَين مختلفتَين، وأوضح حقيقةَ وجودِ اسمَين مختلفَين للإله في ذلك السفر وفي قِسمٍ من سِفر الخروج، هما «إلوهيم = الآلهة» و«يهوه». وقد ربط «أوستراك» بين ذلك وبين روايات التوراة فاكتشف أن الأجزاء التي تَستخدم اسم «إلوهيم» تروي روايةً مختلفة عن تلك التي تستخدم اسم «يهوه».

ويأتي الألماني جراف (١٨٦٥م) ليُكمل تلك الدراسات فيقوم بعمليةِ عكسٍ وقلبٍ شامل للتصوُّر التقليدي، الذي شاع عن كون القصة الإلوهيمية هي الأقدم، ليؤكد أن القصة اليهودية كانت هي الأقدم، بينما دُوِّنَت القصة الإلوهيمية في فترة العودة من المنفى البابلي زمن عزرا، وذلك خلال القرن الخامس قبل الميلاد.١

ولعل أَهمَّ ما ينفي نسبة التوراة إلى موسى، أنها لم تكن أبدًا موضوعًا واحدًا متكاملًا دفعةً واحدة، يؤكِّد ذلك التكرار الذي يمكنك ملاحظته في قصة الخلق، مما يُشير إلى اختلاف المؤلِّفِين، بل إنك تجد في ذلك التَّكرار مخالفاتٍ جوهرية، ونماذجَ لتلك الروايات والمخالفات ما يمكن أن نُورِده كأمثلة وليس حصرًا:

في قصة الخلق أو التكوين التي يمكن للقارئ الرجوع إلى نصها كاملًا بالتوراة منعًا للإطالة، يمكننا أن نقف على ذلك التناقُض في فعل الخلق، الذي يقوم به مرةً من سُمِّي في الترجمة العربية «الله» وهو في الأصل العبري «يهوه». كما في القول: «في البدء خلق الله السموات والأرض» (تكوين، ١: ١) أو كما في القول: «وقال الله ليكن … كذا وكذا.» ومرةً أخرى نجد الخالق في ذات القصة لكن في مواضعَ أخرى هو «إلوهيم» أو «الآلهة»، وذلك كما في قوله لأعضاء مجمعه الإلهي: «نعمل الإنسان على صورتنا كشَبَهنا» (تكوين، ١: ٢٦).

وفي موضعٍ من القصة يقوم الإله بخلق السماء والأرض دفعةً واحدة «في البدء خلق الله السموات والأرض» (تكوين، ١: ١)، بينما في موضعٍ آخر تكون السماء والأرض موجودتَين في الأصل في هيئةِ غمرِ ماءٍ أزلي مظلم يَفتُقه الله عن بعضه إلى سماء و«أرضٍ خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظُلمةٌ وروح الله يرف على وجه المياه … وقال الله ليكن جَلَدٌ في وسط المياه، وليكن فاصلًا بين مياه ومياه، فعمل الله الجَلَد … ودعا الله الجَلَد سماء» (تكوين، ١: ٢–٨).

وفي مشهدٍ آخر من دراما التكوين، نجد الإله يقوم بإنباتِ النبات في الأرض ويضع فيها حيوانها ودبَّاباتها «وقال الله لِتنبت الأرض عشبًا وبقلًا يُبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمر يعمل ثمرًا كجنسه بِزْرُه فيه على الأرض» (تكوين، ١: ١١)، وفي مشهدٍ آخر نجد برِّيَّةً بلا عشب يقوم الرب الإله فيها بخلقِ آدم، ثم يضعه فجأةً في مكانٍ يُدعى جنةَ عدْنٍ ليزرع أرضها ويفلحها «هذه مبادئ السموات والأرض حين خُلِقَت، يوم عَمِل الرب الإله الأرض والسموات، كل شجر البرِّيَّة لم يكن بعدُ في الأرض، وكل عُشب البرية لم ينبُت بعدُ … وجَبَل الرب الإله آدمَ ترابًا من الأرض … وغرَسَ الرب الإله جنةً في عدْن شرقًا ووضع هناك آدمَ الذي جبَله» (تكوين، ٢: ١–٨).

أمَّا أفصح الإشارات لوجود روايتَين مختلفتَين لقصة الخلق، فهو ما جاء عن آدم عندما وُضِع في الجنة، فمرةً نعلم أنه لم يكن مُحرَّمًا عليه أكل ثمرة الخلد أساسًا، بينما نفهم في موضعٍ آخر أنه كان مخلوقًا للفناء «حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذتَ منها؛ لأنك تراب، وإلى التراب تعود» (تكوين، ٣: ١٩).

ثم تناقضٌ آخر؛ فلدينا روايةٌ تؤكِّد أن عملية الخلق قد بدأت بخلق السموات والأرض دفعةً واحدة «في البدء خلق الله السموات والأرض» (تكوين، ١: ١)، وأنه بعد ذلك تَقرَّر إنارة الكون «وقال الله ليكن نورٌ فكان نور. ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلًا» (تكوين، ١: ٣–٥)، بينما لدينا روايةٌ أخرى تتحدث عن السماء والأرض كموجودٍ واحدٍ أصلي في هيئةِ محيطٍ أَزَلي مظلم، وترجئ تلك الرواية إيصال الإنارة إلى ما بعد فَتْق هذا المحيط إلى سماء وأرض «وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلًا بين مياه ومياه. ودعا الله الجلدَ سماءً … وقال الله لتكن أنوارٌ في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل» (تكوين، ١: ٦، ٨، ١٤).

أمَّا أبرز الشواهد على مزجِ روايتَين مختلفتَين للتكوين، فهو الكيفية التي تم بها خلق الإنسان الأول؛ ففي مواضعَ من القصة نجد الخالق يخلق الإنسان دفعةً واحدة، ككائنٍ واحد يجمع في ذاته الواحدة بين الذكورة والأنوثة «يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمِلَه «ذكرًا وأنثى، خلقه وباركه ودعا اسمه آدم»» (تكوين، ٥: ١)، لكن في موضعٍ آخر نجد الإله يخلق زوجَين متمايزَين ذكرًا وأثنى «على صورة الله خلق الزوجَين، ذكرًا وأنثى خلقهم» (تكوين، ١: ٢٧).

وبالطبع لم تكن شواهد التداخُل بين رواياتٍ مختلفة تَمَّ جمعُها، أمرًا واضحًا في قصة الخلق وحدها؛ فهناك دلائلُ أخرى في رواياتٍ أخرى تشير إلى هذا الأمر بسفور؛ ففي قصةِ نوحٍ نجد روايةً تقول إن الله قد أمر نوحًا أن يأخذ معه في الفُلك من كلٍّ زوجَين اثنَين «ومن كل حيٍّ من كلِّ ذي جسدٍ اثنَين من كل، تدخُل إلى الفُلك لاستبقائها معك، تكون ذكرًا وأنثى» (تكوين، ٦: ١٩)، بينما نجد روايةً أخرى ترتفع بهذا الرقم فتقول: «من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعةً ذكرًا وأنثى» (تكوين، ٧: ٢). ثُمَّ في موضعٍ نجد نوحًا يستكشف أحوال الطوفان «وأرسل الغراب فخرج مترددًا حتى نشِفَت المياه عن الأرض» (تكوين، ٨: ٧)، بينما المستمر في القراءة يجد المياه لم تنشف بعدُ، فيرسل الحمامة، ثم بعد فترة «في الشهر الثاني في اليوم السابع والعشرين من الشهر جفَّت الأرض» (تكوين، ٨: ١٤). والقصة النُّوحية مليئةٌ بمثل تلك التناقُضات التي لا تغيب على فراسةِ قارئٍ مهتم، وهي ذات التناقُضات التي تغُص بها بقية أسفار التوراة بلا استثناء؛ فهناك كمثالٍ تعليلاتٌ قدَّمتها التوراة لتفسير بعض التسميات، كتعليلها لتسميةِ مدينةِ «بئر سبع» بهذا الاسم؛ فالتسمية في رواية تقول إنها سُمِّيَت كذلك نسبةً إلى سبعِ نعاجٍ قدمها النبي إبراهيم لأبيمالك ملك مدينة جرار الفلسطينية، كرمزٍ لميثاق عدم اعتداء بينهما، وهو الوارد في «تكوين، ٢١: ٢٨–٣١». لكن في روايةٍ أخرى نجد التسمية تعود إلى إسحاق بن إبراهيم الذي حفَر له عبيده بئرَ ماءٍ «فدعاها شعبه، لذلك اسم المدينة بئر سبع إلى هذا اليوم» (تكوين، ٢٦: ٣٣). وذات التناقُض نجده في تعليلِ تسميةِ مدينة «بيت إيل»؛ فهو في رواية ينُسَب إلى يعقوب بن إسحاق عندما نام فأتاه الله في المنام فقام مُتيقنًا أن هذا المكان مسكن الله فسمَّاه بيت الإله أو بيت إيل «ودعا اسم ذلك المكان بيت إيل، ولكن اسم المدينة أولًا كان لوز» (تكوين، ٢٨: ١٩)، وفي روايةٍ أخرى تُنسَب التسمية إلى يعقوب أيضًا لكن في قصةٍ أخرى ومناسبةٍ أخرى حيث حدَّثه الله «ودعا يعقوب اسم المكان الذي فيه تكلم الله معه بيت إيل» (تكوين، ٣٥: ١٥). هذا بينما نعلم من التوراة ذاتها «أن المدينة كانت تحمل اسم بيت إيل قبل يعقوب وقبل أبيه إسحاق وقبل جده إبراهيم»؛ حيث نعلم أن إبراهيم هبط أرضَ فلسطينَ غريبًا «ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته، وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق» (تكوين، ١٢: ٨).

وفي قصة يوسف نجد يهوذا أحد الأسباط وهو هو صاحبُ اقتراحِ بيعِ يوسف للإسماعيليِّين بعشرين مثقالًا (تكوين، ٣٧: ٢٦–٢٨)، بينما في موضعٍ آخر نجد رءوبين أخاهم يقترح إلقاءه في الجب (تكوين، ٣٧: ٢١، ٢٢، ٢٤)، ثُمَّ تجد نفسك هنا في متاهة: هل ألقَوه أم باعُوه؟ ومن الذي أنقذه أو اشتراه؟ تجار إسماعيليون أم مديانيون؟ التضارُب هنا يصل قمته فلا تخرج بطائل.

وعليه فلا مناص من الاعتراف بأن التوراة، مجموعةٌ جَمَّة من التآليف التي اشترك في وضعها مجموعةُ مؤلِّفِين، اختلَفوا، ولم يلتقُوا أبدًا لتصفيةِ ما بينهم من خلافات، وأن هذه المجموعة من التآليف تُعنى بمسائلَ دينية ودنيوية وسياسية وأدبية وتاريخية. أمَّا الذي يجب الإشارة إليه وعدم إهماله فهو شهادة العهد القديم نفسه في كثيرٍ من الإشارات الواضحة إلى أسفارٍ يحيلنا إليها، فلا نجدها ضِمنَ المُقدَّس المجموع، مما يُدلِّل بسفور على ضياعِ كثيرٍ من الكتب والأسفار ونموذجًا لذلك، وهنا سنُحاول الحصر، وسنأتي بالنصوص التوراتية التي تُحيلنا لمزيد التفصيل في أسفارٍ أخرى، بينما هذه الأسفار غيرُ موجودة على الإطلاق.

  • لذلك يُقال في كتاب حروب الرب: «واهب في سوفة وأودية أرنون» (العدد، ٢١: ١٤). (هنا سِفر حروب الرب وهو غيرُ موجود.)

  • «فدامَتِ الشمس ووقَف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه أليس هذا مكتوبًا في سِفر ياشر، فوَقفَت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يومٍ كامل» (يشوع، ١٠: ١٣). (هنا سِفر ياشر، وهو مفقودٌ بدوره.)

  • «فكلَّم صموئيل الشعب بقضاء المملكة وكَتبَه في السفر ووضعه أمام الرب» (صموئيل الأول، ١٠: ٢٥). (وهنا سِفر قوانين المملكة، وهو غيرُ موجود.)

  • «وأمور داود الملك الأولى والأخيرة، هي مكتوبة في سفر أخبار صموئيل الرائي، وأخبار ناثان النبي، وأخبار جاد الرائي» (أخبار أيام أول، ٢٩: ٢٩). (وهنا ثلاثة أسفار هي أخبار صموئيل الرائي وناثان النبي وجاد الرائي، وهي بدورها لا يُعلم شيءٌ عنها.)

  • «وبقيةُ أمور سليمان الأولى والأخيرة، إمَّا هي مكتوبة في أخبار ناثان النبي، وفي نبوءة أخيا الشيلوني، وفي رؤى يعدو الرائي» (أخبار أيام ثاني، ٩: ٢٩). (وهنا إشارة إلى سِفرَين آخرَين مفقودَين هما سِفر أخيا الشيلوني، وسِفر يعدو الرائي.)

  • «وبقية أمور يهوشافط الأولى والأخيرة، ها هي مكتوبة في أخبار ياهو بن حناني، المذكور في سفر ملوك إسرائيل» (أخبار أيام ثاني، ٢٠: ٣٤). (وهنا سِفرٌ آخرُ مفقود هو سفرُ أخبارِ ياهو بن حناني.)

  • «وبقيةُ أمورِ عزيا الأولى كتبها إشعيا بن آموص النبي» (أخبار أيام ثاني، ٢٦: ٢٣). (والإشارة هنا إلى سِفر من إشعيا المعروف؛ فالسفر المفقود هنا لإشعيا النبي، وقد دوَّنه عن الملك الإسرائيلي عزيا.)

  • «وبقية أمور حزقيا ومراحمه، ها هي مكتوبة في رؤيا إشعيا بن آموص النبي» (أخبار أيام ثاني، ٣٢: ٣٢).

  • «وكذلك فإن أخبار الملك الإسرائيلي حزقيا بدورها ليست مُدوَّنةً في سفر إشعيا المعروف؛ وعليه فهناك سِفر دوَّنه إشعيا عن أخبار هذا الملك فُقد بدوره، ما كان هو ذات السفر المفقود الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة مباشرة.»

  • «ورثى أرميا يوشيا، وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم، وجعلوها فريضةَ إسرائيل» (أخبار أيام ثاني، ٣٥: ٢٥).

  • «وهنا إشارةٌ لِمَراثٍ كتبها النبي أرميا على الملك الإسرائيلي يوشيا، الذي قُتل على يد الفرعون المصري نخاو، وأن تلك المراثي كانت تُرتَّل كطقسٍ فرضي على بني إسرائيل في صلواتهم، أو في تاريخ المناسبة السنوي، وهي غيرُ موجودة في أرميا أو مراثيه الموجودة بالعهد القديم الموجود بين أيدينا، مما يشير إلى كونها شكَّلَت سِفرًا بذاتها فُقد بدوره.»

  • «وكان بنو لاوي رءوس الآباء مكتوبِين في سفر أخبار الأيام إلى أيام يوحانان بن الياشيب» (نحميا، ١٢: ٢٣).

    (وبالبحث في السفر الموجود بالعهد القديم والمعروف بأخبار الأيام الأول، والسفر المعروف بأخبار الأيام الثاني، لم نجد تلك الإشارات حتى يوحانان بن الياشيب، مما يقطع بوجودِ سِفر أخبارِ أيامٍ ثالث هو المقصود بتلك الإشارة، وهو غيرُ موجودٍ بالعهد القديم، مما يُشير إلى ضَياعه بدوره.)

وتأسيسًا على ذلك يمكن القول إن هناك ستة عشر أو سبعة عشر كتابًا قد ضاعت من العهد القديم، وربما يصل الرقم إلى عشرين إذا أخذنا بإشاراتٍ إلى ثلاثةِ كتبٍ مفقودة تُنسب إلى الملك سليمان، هذا عدا ما ضاع ولم تُشِرْ إليه أسفار العهد القديم، ولم نعلم بأمره. وكان ضَياع تلك الأسفار وغيرها أمرًا محتومًا، اقتضَته ظروف المنطقة والحروب التي خاضها الإسرائيليون، والتي تعرَّض أثناءها هيكلُهم للتدمير والتلَف أكثرَ من مرَّة. هذا إضافةً للمدة الطويلة التي تطلَّبها تدوينُ ذلك المُقدَّس الهائل، والتي امتدَّت زمنًا طويلًا، وكان هذا بحد ذاته مدعاةً لنقصٍ شديد تعرَّض له ذلك الكتاب، الذي يُلقي بظله على أي بحثٍ ديني أو تاريخي فيه. ناهيك عن خضوعِ الأسفار لمُؤثِّراتٍ مختلفة وعديدة باختلاف الأزمان والأحداث التي عمِلَت فيها حذفًا أو زيادة، حتى إنك تجد اليوم نزاعًا داخل المؤسَّسات اللاهوتية ذاتها، حول مدى أصالة سِفرَي الجامعة ونشيد الأنشاد، وهل هما مُقدَّسان يهوديان، أم دخيلان من دياناتٍ أخرى.

(٢) تدوين العهد القديم وترجمته

انتهى التطوُّر الأخير لأعمالِ مدرسةِ يوليوس فلهاوزن الألمانية حول الكتاب المُقدَّس (١٨٤٤–١٩١٨م)، إلى الكشفِ عن وثائقَ أربعةٍ مختلفة يتكون منها المُقدَّس اليهودي التوراتي (العهد القديم)، هي على الترتيب:
  • (١)
    مصدر يهوي Jaheist: ويُرمز له اختصارًا بالرمز J وقد أُخِذَت التسمية من اسم الإله يهوه Jahouva لأنه الاسم الإلهي الغالب على الاستعمال في هذا المصدر، ويرجع تأليفه إلى حوالي عام ٨٥٠ق.م في مملكة يهوذا؛ أي المملكة الجنوبية. وقد ركَّز هذا المصدر على الوعد الذي أعطاه الله للبطاركة من إبراهيم إلى موسى. وإن كان يحق لنا أن نرى ذلك التركيز في هذا المصدر، محاولةً لإضفاء الشرعية التاريخية والدينية، على الائتلاف الذي أنشأه داود، بوضعه هو وأسلافه في خِضَم تاريخٍ أقدم، لجعلِ مملكةِ داود ميثاقًا وعهدًا مع الله، يمتد شرعًا إلى العهد مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى، ويمنح وَحدةَ القبائل المعروفة بالأسباط وجودًا تاريخيًّا قديمًا، وهي الوحدة التي لم تتحقق إلا بعد خروج القبائل الإسرائيلية من مِصر، بقصدِ وضعِ أساسٍ قوميٍّ تاريخيٍّ متينٍ للدولة التي وحَّدَت القبائل، حتى يصعد بتاريخِ تلك القومية التاريخية عَبْر الأنساب إلى زمنِ الخلق الأول.
  • (٢)
    مصدر إلوهيمي Elohist: ويُرمز له اختصارًا بالرمز E نسبةً إلى الاسم الإلهي الغالب في ذلك المصدر وهو إيل EL أي الإله، وإللوهيم أي الآلهة، ويرجع زمن تأليفه إلى حوالي ٧٧٠ق.م، ويُرجَّح أنه قد تم تأليفه في المملكة الشمالية إسرائيل، ثُم تَمَّ بعد ذلك إدماج المصدرين اليهوي J والإلوهي E في مجموعةٍ واحدة يُرمز إليها بالرمز EJ وذلك حوالي عام ٦٥٠ق.م. وقد عُني هذا المصدر، باستكمال النقص الذي حدث في المَصدَرين اليهوي والكهنوتي الذي سياتي ذكره الآن.
  • (٣)
    سفر التثنية Deuteronomy: ويُرمز له اختصارًا بالرمز D ويعني بالإغريقية «القانون الثاني»، ويُعد مصدرًا منفصلًا، تم تأليفه خلال القرن السابع قبل الميلاد، وتزعم الرواية التوراتية أنه كان مخفيًّا في مكانٍ أو فجوةٍ بجدران المعبد، وتم الكشف عنها عام ٦٢٢ق.م أثناء حكم الملك اليهودي «يوشيا» عند ترميم معبد أورشليم (ملوك ثاني، ٢٢: ٣–١٠؛ و٢٢: ٣–٢٥)؛ حيث عثَر المُرمِّمون في وجودِ كبير الكهنة «حلقيا» على كتاب الشريعة وأحضروه للملك، فترك فيه أثرًا عظيمًا، حتى قام بموجبه يُحرِّم كل الطقوس المختلفة عن الوثنية، وقصر العبادة على معبد يهوه في أورشليم وحده. لكن المُلاحَظ هو تعرُّض ذلك المصدر لكثيرٍ من الحشو والإضافات من عناصرَ ثقافيةٍ لا علاقة لها بالبيئة الصحراوية البدوية، وواضحٌ أن كاتبها ينتمي لثقافةِ دولةٍ متماسكة يحكمها ملك، ويُعنى هذا السفر بالإضافة للشريعة، بوضعِ تشاريعِ الحرب وما جاء من أوامرَ إلهيةٍ بشأنها.
  • (٤)
    المصدر الكهنوتي Priestly: ويُرمز له اختصارًا بالحرف P وهو تجميعٌ كهنوتي يرجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد، ويرُكِّز على شعائر العبادة والطقوس، ويعود للتركيز على العهد مع نوح وإبراهيم وموسى وداود، ويقوم جوهره على وجوب إخلاص اليهود للعهد حتى يستحقوا الخلاص والوفاء بالعهد، وذلك عن طريق التزامهم شريعتهم بدقة، وشريطةَ أن يتمسكوا بلحظتَين تاريخيتَين جوهريتَين: لحظة العهد القديم مع الله الذي أخذوا فيه الأرضَ مُقابل الخِتان، أمَّا اللحظة الأهم والأخطر فهي لحظة الإنقاذ بكبرى المعجزات (فلق البحر) عند الخروج من مصر، لذلك يكاد العزف على معجزة البحر عند اليهود، يُشكِّل ترنيمةً دائمة، وركنًا أساسيًّا في الاعتقاد، ويرجع زمن ذلك المصدر إلى عهد «عزرا»، وقد تَمَّ إدماج هذا المصدر مع المصدر اليهوي والمصدر الإلوهيمي حوالي نهاية القرن الخامس قبل الميلاد.

وانتهت المدرسة الألمانية، إلى أنه قد تم تجميع المصادر الأربعة في كتابٍ واحد، هو العهد القديم، حوالي عام ٢٠٠ق.م، أمَّا الأسفار المتأخرة مثل سفر المكابيِّين الأول والثاني (في النسخة السبعينية اليونانية)، فقد تم تحريرها خلال القرن الأول قبل الميلاد. إلا أن مدرسة «فلهاوزن» قامت بعملٍ جريء حقًّا عندما عَكسَت الترتيب اللاهوتي التقليدي القديم لتأليف الأسفار، بناءً على ما أصبح بيدها من نتائج، وبحيث أصبح الترتيب يُعاد على النحو التالي: أسفار الأنبياء، فالأسفار التاريخية، ثم أسفار موسى الخمسة مضافًا إليها سِفر يشوع لِتتشكَّل التوراة من ستةِ أسفارٍ بدلًا من خمسة، ثم أُضِيفَت إليها الأسفار بترتيبٍ منهجي حسب مادتها، وليس حسب الترتيب الزمني لتأليفها.

أمَّا عن الطرق والوسائل والأدوات التي استخدمها مؤلِّفو التوراة ومُحرِّروها في التدوين، فهي ما يمكن استخراجه من الكتاب المقدَّس ذاته؛ فنجد سفر أرميا (٢: ٣٦) يُحدِّثنا عن تدوين الأدراج، بمعنى اللفائف، وتُكتب من اليمين إلى اليسار. وقد أكَّدَت ذلك الأسلوب في الكتابة أسفارٌ عدة؛ مثل سفر حزقيال (٢: ٩؛ ٣: ١) وسفر زكريا (٥: ٢؛ ١) وسفر المزامير (٤٠: ٨). وأمَّا الأداة التي استُخدِمَت في الكتابة على اللفائف، فكانت أحيانًا قلم الاردواز كما يذكر المزمور (٤٥: ٢)، أو باستخدام الأحبار كما في سفر أرميا (٣٦: ١٨).

ويبدو أن تلك الأدراج قد بَدأَت بأوراق البردي المصرية، ثم تطوَّرَت إلى الكتابة على الرَّق (الجلود)، وظلَّت تلك المخطوطات على هيئة اللفائف حتى جاء القرن الثالث قبل الميلاد حيث بَدأَت تأخذ شكل الكتب، مع الاستمرار في العمل بنظام اللفائف، وهو نظام لا زال معمولًا به إلى اليوم في الأشكال الطقسية التي تُمارَس في المعابد «من بابِ تحنيط التاريخ»، ونجد ذلك مُستعمَلًا خاصة في أسفار التوراة وسفر أستير بشكلٍ مُحدَّد.

إلا أنَّ أول أسلوبٍ اتَّبعه الإسرائيليون في التدوين، وإن كان غير موجودٍ منه الآن أيُّ أثَر يُشير إليه، أو لم يُعثر على شيء منه حتى تاريخه، فهو أسلوب النقش المصري القديم على المِسلَّات، وكان أول من اتبعه النبي موسى، واستَخدَمه في كتابه ألواح الشريعة الحجَرية، والمزعوم أنها نُقِرَت على الحجر أو نُقِشَت بيد الإله نفسه، ووَردَت قصَّتها في عددٍ من الإصحاحات المتفرقة في سفر الخروج التي جمعناها ورتَّبناها حسب ترتيبِ ورودها كالتالي:
  • «وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل وكن هناك، فأُعطيك لَوحَي حجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم … ودخل الجبلَ أربعين نهارًا وأربعين ليلة» (خروج، ٢٤: ١٢، ١٣، ١٨).

  • «ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء، لَوحَي شريعة مكتوبَين بإصبع الله» (خروج، ٣١: ١٨).

  • «فانصرف موسى ونزل من الجبل، ولوحَا الشهادة في يده؛ لوحان مكتوبان على جانبَيهما، من هنا وهناك كانا مكتوبَين، واللوحان هما صَنعة الله، والكتابة كتابة الله، منقوشة على اللوحَين … وكان عند اقترابه من المحَّلة أنه أبصر العِجل والرقص، فحَمِي غضبُ موسى وطرَح اللوحَين من يدَيه وكَسرهما في أسفلِ الجبل» (خروج، ٣٢: ١٥، ١٦، ١٩).

  • «ثَمَّ قال الرب لموسى: انحت لك لوحَين من حجرٍ مثل الأولَين، فأكتب أنا على اللوحَين الكلمات التي كانت على اللوحَين الأولَين، اللذَين كسرتَهما … فنحت لوحَين من حجرٍ كالأولين، وبكَّر موسى في الصباح، وصعِد إلى جبلِ سيناءَ كما أمره الرب وأخذ من يدَيه الحجر» (خروج، ٣٤: ١–٤).

  • وقد جاء في الأَثَر الإسلامي: «إن الله تعالى خلق آدمَ بيده، وخلق جنةَ عدْنٍ بيده، وكتبَ التوراةَ بيده.»٢ كما جاء في الآيات الكريمة: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً (الأعراف: ١٤٤).
  • هذا بالإضافة إلى أسفار الشريعة، التي أَمر موسى أتباعه بكتابتها، وبذات الطريقة، وهو ما يتضح في قوله لهم: «يوم تعبُرون الأردن إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك، تُقيم لنفسك حجارةُ كبيرة، تُشيِّدها بالشيد، وتكتب عليها جميع كلماتِ هذا الناموس … حين تعبُرون الأردن تُقيمون هذه الحجارة، التي أنا أُوصيكم بها اليوم، في جبل عيبال، وتُكلِّسها بالكلس … وتكتب على الحجارة جميع كلماتِ هذا الناموس، نقشًا جيدًا» (تثنية، ٢٧: ٢، ٤، ٨).

  • أمَّا اللغة التي دُوِّنَت بها الأسفار، فهي كما جاء على غِلاف العهد القديم من الكتاب المقدَّس: العبرانية والكلدانية، والعبرانية، كما يُقرِّر المقدَّس التوراتي أن اللغة العبرية هي لغةُ أو لسانُ أو شَفةُ كنعان الفلسطينية (إشعيا، ١٩: ١٨). وإن كان من المفيد العلم أن بعض الأجزاء قد كُتِبَت باللغة الآرامية، وأجزاءً أخرى كُتِبَت بالخط المُربَّع (الآشوري) بعد السبي البابلي، وقد استخدم تلك اللغة «عزرا» صاحبُ معظم أجزاء العهد القديم.

أمَّا المنطق التاريخي، فيفترض أن بَدء الكتابة، بل وربما اللغة، التي استخدمها الخارجون من مصر بقيادة موسى، هي اللغة المصرية، خاصة إذا كانت الأدوات والأسلوب مصريَّين، وهو ما يجعل المُدوَّنات العبرية أمرًا متأخرًا حدث بعد موسى بزمان، وهو ما سبق وأثبتناه في الصفحات السابقة، كما يستحسن الفرض تقدير أن مُؤلِّفي الكتاب المُقدَّس قد تكلموا اللغة المصرية القديمة، شأنهم شأن بقية الأقوام التي دَخلَت مصر، هذا ناهيك عن ميلاد موسى في مصر ونشأته نشأةً مصرية، وشهادة المقدَّس له بأنه تثقَّف ثقافةً مصرية وأنه كان مُتفقِّهًا بكل حكمةِ المصريِّين.

بل وربما ذهب الافتراض حد القول إن لغة التخاطُب بين موسى وربه في سيناء، كانت اللغة المصرية القديمة وليست العبرية، التي لم يكن موسى يعرفها أصلًا؛ حيث وُلِد في مصر وعاش فيها ثُمَّ خرج منها حتى مات ولم تطأ قدمه أرض فلسطين حيث شَفَة كنعان التي عُرِفَت بعدُ بالعبرية،٣ هذا ناهيك عن كون لفظة توراة ذاتها من الألفاظ المصرية، ومعنى تورا Torah في العبرية (الشرعية) من Tororh (توروث)،٤ وهي ترتبط — في رأينا — بعبادة الثور المقدَّس في المصرية القديمة.٥

أمَّا عن ترجمات ذلك الأثَر الهائل عن لغاته الأصلية، فمعلومٌ أن الترجمة العربية المُتداوَلة الآن، قد تمت عام ١٨٦٥م، أمَّا الترجمة الإنجليزية فقد تمت في عهد الملك جيمس عام ١٦١١م، وكلا الترجمتَين تمت عن الأصل العبري المعروف بالنص المازوري، الذي سبق تدوينه في القرن العاشر الميلادي؛ أي بعد ثلاثةِ قرونٍ من تدوين القرآن الكريم.

ومن المفيدِ العلمَ أن النص المازوري المُدوَّن قبل القرن العاشر كان غير مصحوب بالإشارات والحركات والنقاط فوق أو فيما بين الحروف الساكنة، وعند تدوين النص المازوري (المفترض أنه كان نصًّا قديمًا) تَمَّ اقتباسُ حركات النظام البابلي للحركات.

وهناك نصٌّ آخر باللغة اليونانية القديمة، يُعرف بالنص السبعيني، وقد تم كتابته حوالي سنة ٢٨٣ قبل الميلاد، على يد اثنَين وسبعين فقيها يهوديًّا مصريًّا، بأمر ملك مصر آنذاك «بطليموس فلادفيوس». وتزيد هذه النسخة عن النص المازوري أربعة عشر سِفرًا، وتلك الأسفار هي:
  • سِفر طوبيا وهو وصف لسيرة أَسيرٍ إسرائيلي، في الأَسر الآشوري بمدينة نينوى، في القرن السابع قبل الميلاد.

  • سِفر الحكمة لسليمان ويشمل أمثلةً حِكَمية وعظاتٍ ضد الوثنية.

  • أسفار المكابيِّين وعددُها أربعةُ أسفار، تتحدث عن المكابيِّين الذين حكموا فلسطين حكمًا وطنيًّا في عهد الرومان، في القرن الثاني قبل الميلاد، وجاء اسمهم في الشعار الذي كانوا يتنادَون به في الحروب وهو «مي كاموخا بجييم يهوفا»؛ أي «من مثلك بين الأُمم يا يهوه؟» فأخذ من كل كلمة حرف «م كاب ي» شكَّلَت الاسم «مكابي».

  • سِفر يهوديت وهو قصة أرملةٍ يهودية، غنية وتقية، ساعدَت اليهود في الانتصار على الجيش الآشوري.

  • سِفر الكهنوت أو سِفر الحكمة ليسوع بن سيراخ، وهو مجموعةُ أمثالٍ على غرارِ أمثال سليمان.

  • سِفر تسبيحه الفِتية الثلاثة وهي تسابيحُ يُقال إن أصدقاء دانيال الثلاثة رنَّموها وهم في أَتون النار (وَردَت قصة الإلقاء في النار بالقرآن الكريم لكن حول الأب إبراهيم، والتوراة لم تذكر ذلك في قصة ذلك البَطرَك).

  • سِفر سوزان Suzane أو قصة سوسنة العفيفة، وهو تمجيدٌ من النبي دانيال لقاضٍ دحض وشايةً ضد سوسنة العفيفة.
  • سِفر بعل والتنين، وهو قصةٌ تم إلحاقها بِسفرِ دانيال تشرحُ كيف تم إقناع قُورش ملكِ فارس بنبذِ عبادة الأصنام.

هذا إضافة إلى ثلاثةِ أسفارٍ منسوبة إلى عزرا، وإصحاحاتٍ تمَّت زيادتها على الأصل المازوري في أسفار «أستير» و«دانيال»، والمعلوم أن الكنيسة لم تَتخلَّ عن النص اليوناني السبعيني إلى النص العبري المازوري، إلا بعد القرن العاشر الميلادي؛ حيث أصبح النص المازوري هو النسخة المعتمدة للعهد القديم، ورغم ذلك ما زالت الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، والكنيسة الروسية، وكنائس شرق أوروبا، تستعمل النص السبعيني اليوناني.

(٣) الخُرافة في العهد القديم

سبق وأشرنا في بحوثنا المنشورة إلى المصداقية التاريخية في النص التوراتي، والمصداقية هنا لا تعني أمرًا لاهوتيًّا أو علاقةً ما بالغيبيات، قَدْر ما تعني مدى مطابقة النص لوقائعَ وأحداثٍ أثبتَتها نصوصٌ تاريخية أركيولوجية أيَّ مصداقيةٍ موضوعية بحتة، وتلك الإشارة واجبة تمامًا وهامة، لكن مع الحذر في احتسابِ نصِّ بعينه صادقًا لمجرد مطابقةِ بعض أحداثه مع أحداثٍ تاريخية واقعية، بل يجب القول إنه قد دخلَه حشوٌ وإضافات ومتراكمات وزيادات خرجت به عن معنى المصداقية الحقَّة، وأنه هناك فقط ظِلٌّ من حقيقة، بل وظلٌّ باهت، ونموذجًا لذلك، أسماء المدن والمواضع وأخبار المعارك والحروب، وسِيَر الأنبياء والملوك؛ لأنه من المستحيل علميًّا أن نتغاضى عن آلافِ أسماء للمواضع الجغرافية التي وَردَت بالعهد القديم، لمجرد أنها وُضِعَت في سياقٍ من الخُرافة الواضحة، خاصةً إن علمنا أن هناك — كمثال — مواضعَ عديدة وكثيفة مرت بها رحلة الخروج من مصر إلى فلسطين، ومن العبث أن تكون كل تلك الأسماء لهذه المواضع قد ذُكِرَت عبثًا، أمَّا الأَهَم حقًّا، فهو ما جاء في رواياتٍ تُثبِت معرفةً مدهشة لدى الكاتب التوراتي بشئونٍ تاريخية قديمة كانت مَخفيةً عنا، ولم نعلم بأَمرِها إلا بعد كشف المناطق الأثرية القديمة في حضارات المنطقة، وفَكِّ لغات تلك الحضارات، كمعرفة العهد القديم العجيبة، لأسماءِ مدنٍ مصرية، أهال عليها الزمانُ النسيان، بعد أن أهالت عليها الرياح تُلول الرمال، ولم نكشف عنها ونعرفها إلا حديثًا، كذلك أسماء بعض الفراعنة مثل «شيشنق» و«نخاو»، أو مثل اسم زوجة النبي يوسف المصرية «إسنات بنت فوطي-فا-رع، كاهن مدينة أون»، وهو ما جاء ذكره في سفر التكوين (٤١: ٤٥)، ولم نعلم إلا حديثًا باسم «رع» إله الشمس المصري، كما لم نعرف ما هي «أون» إلا بعدَ فك الطلاسم القديمة التي كَشفَت أن مدينة عين شمس الحالية كانت حاضرةً مصرية عظيمة باسم «أون»، أو ما جاء عن مدينة «رعمسيس» في سفر التكوين (٤٧: ١١)، وهي المدينة التي لم نعثر عليها حتى الآن بشكلٍ قاطع، لكننا وجدنا بشأنها بردياتٍ تتحدث عنها وتصف معالمها بكل دقة، إضافةً لِنشيدِ مديحِ مدينة «رعمسيس» المنسوب للشاعر «بنتأرو»، ناهيك بالطبع عن الاسم «رعمسيس» ذاته كدلالةٍ تامة الصدق والمطابقة لاسم الفرعون «رعمسيس» بنطقه المصري القديم، قبل تحريفه إلى «رمسيس» بإهمال حرف اﻟ «ع».٦

أضف إلى ذلك حديثَ التوراة عن مَركباتِ فرعون (تك ٤١: ٤٣ مثلًا)، أو معرفة التوراة أن المصريِّين كانوا يعتبرون الرُّعاةَ رمزًا للشر وأنجاسًا ملاعين، كما في سفر التكوين (٤٦: ٣٤؛ و٤٣: ٣٢)، وهو أمرٌ كَشفَت عنه علوم المصريات الحديثة، إضافةً إلى معرفة التوراة الدقيقة بالأسلوب المصري في التعامُل مع الموتى وطقوس التحنيط والدفن، وهو ما ذكرته التوراة عن دَفنِ يعقوبَ في مصر، وأنه تحنيطه خلال أربعين يومًا، ثم البكاء والندب عليه سبعين يومًا (سفر التكوين، ٥٠: ١–٣)، وهو طقسٌ لم نكن أبدًا على علمٍ به قبل فكِّ أسرارِ المصريات القديمة.

وكثيرٌ مما يتعلَّق بشئون مصر القديمة أَثبتَت التوراة معرفةً دقيقة به، مثل قصة سفط البردي (خروج، ٢: ٣)، وأسلوب البناء بالطوب اللبِن، الذي يُؤخذ من طمي النيل ثم يُخلط بالتبن ويُجفَّف، وذكره سفر الخروج (٥: ٦–١٧)، كذلك معرفة الكتابة بالحَفر على المسلَّات، كما جاء في سفر الخروج (٢٤: ١٢-١٣؛ و٣١: ١٨)، أو معرفتهم بصفات التابوت المقدَّس بدقةٍ مدهشة تكاد تُطابِق التوابيت المصرية الملكية، وهو ما جاء ذكره في سفر الخروج (٣٥: ١٠) مع إفراد إصحاحاتٍ كاملة بذات السفر لمواصفات ذلك التابوت، أو عبادة عجلِ أبيس في سيناء (خروج، ٣٢: ١–١٩)، أو مَركباتِ الشمس التي وَردَ ذكرها في سفر ملوك ثاني (٢٣: ١١)، وهي من أحدث الكشوف الحالية في المصريات القديمة.

لكن ذلك كلَّه أمر، والتعامُل مع النص بكامله كنصٍّ صادق تاريخيًّا أمرٌ آخر؛ لأن التناقُضات التي ينطوي عليها العهد القديم، يمكن أن تُؤلِّف وحدها كتابًا قائمًا بذاته، لا يقل حجمًا عن الكتاب المقدَّس، لو أردنا أن نجمعها في مُدوَّنٍ واحد، وهذا بحد ذاته كفيلٌ بنزع الثقة عن التوراة وأخبارها منذ البدء، وحتى الأحداث التي ترويها، كوقائعَ حَدثَت في القرن التاسع قبل الميلاد على الأقل؛ ففي التوراة مُبالغاتٌ لا يمكن قَبولها إطلاقًا، وهي أقربُ إلى الأسطورة منها إلى التاريخ الصادق.

وسنُحاوِل هنا ضربَ بعضِ الأمثلة التي تُدخِل روايات التوراة في عِداد الخُرافات البسيطة، والمرُكَّبة؛ فسفر القضاة مثلًا يُحدِّثنا كيف قتل «شمشون» ألف فلسطيني بفَك حمار (سفر القضاة، ١٥: ١٦)، وهناك رواياتٌ تحتوي على أرقامٍ خيالية إلى حدٍّ بعيد، كما في تقرير سفر الملوك الأول «فضرب بنو إسرائيل من الآراميِّين مائة ألفِ رجل في يومٍ واحد» (٢٠: ٢٩)، والحديث هنا عن حربٍ دارت بين «آخاب» ملك إسرائيل، وبين «بنحدد» ملك دمشق، حوالي عام ٨٦٠ق.م، ومِثلُ ذلك الحديث ليس فقط عسيرَ التصديق، بل هو كذبٌ فاضح؛ لأن مملكة دمشق بكاملها لم تكن تحتوي على مائة ألفِ رجلٍ يمكن قتلهم في يومٍ واحد بل ربما لم يبلغ سكانها جميعًا رجالًا ونساءً وأطفالًا هذا الرقم العظيم.

وفي تلك الخرافات ما يُعَد لونًا من الأساطير المشروعة إيمانًا، ولا زالت موضعَ تصديقٍ وإيمان في اليهودية والمسيحية، بل وفي الإسلام مع بعض التعديل، مثل قصة وجودِ آدمَ في الجنة وأكله من الثمرة المُحرَّمة، وحديث حوَّاء مع الحية التي تتكلم:٧

وكانت الحية أَحيلَ جميعِ حيوانات البرية التي عملها الرب الإله، فقالت الحية للمرأة: أحقًّا قال الله لا تأكلا من كل شجرة الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثَمرِ شجر الجنة نأكل، وأمَّا ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا تأكلا منه وتمسَّاه، لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالمٌ أنه يوم تأكلان منه، تنفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفَين الخير والشر.

(تكوين، ٣: ١–٥)
ومن قبيل تلك المُصدَّقات الإيمانية، المُبالَغة الهائلة في أعمار الرعيل الأول من البشرية:

فكانت كل أيامِ آدمَ التي عاشها تسعمائة وثلاثين سنة.

(تكوين، ٥: ٥)

فكانت كل أيامِ شيث تسعمائة سنة واثنَي عشر سنة ومات.

(تكوين، ٥: ٨)

فكانت كل أيامِ آنوش تسعمائة وخمسين سنة ومات.

(تكوين، ٥: ١١)

فكانت كل أيامِ قينان تسعمائة وعشر سنين ومات.

(تكوين، ٥: ١٤)

فكانت أيامُ مهلائيل ثمانمائة وخمسًا وتسعين سنة ومات.

(تكوين، ٥: ١٧)

فكانت كل أيامِ يارد تسعمائة واثنتَين وستين سنة ومات.

(تكوين، ٥: ٢٠)

فكانت كل أيامِ أخنوح ثلاثمائة وخمسًا وستين سنة ومات.

(تكوين، ٥: ٢٣)

فكانت كل أيامِ متوشالح تسعمائة وتسعًا وستين سنة ومات.

(تكوين، ٥: ٢٧)

فكانت كل أيامِ لامك سبعمائة وسبعًا وسبعين سنة ومات.

(تكوين، ٥: ٣١)

فكانت كل أيامِ نوحٍ تسعمائة وخمسين سنة ومات.

(تكوين، ٩: ٢٩)
ثُمَّ هناك أحاديثُ أخرى عن إنجاب الله لأبناءٍ تزوَّجوا من آدمياتٍ فأنجبوا جيلًا من الجبابرة، وهو ما جاء نصًّا:
وحدث لنا وابتدأ الناس يكثرون على الأرض، ووُلِد لهم بنات، أن أبناء الله رأَوا بنات الناس أنهنَّ حسان، فاتخذوا لأنفسهم نساءً من كلِّ ما اختاروا، فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبَدِ لِزيغانه، هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة وكان في الأرض طغاةٌ في تلك الأيام، وبعد ذلك إذا دخل بنو الله على بنات الناس ووَلَدن لهم أولادًا، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذُ أبَد الدهر ذوو اسم.٨
(تكوين، ٦: ١–٤)
ومن بابِ تمجيدِ الآباء الأولِين للقبيلة الإسرائيلية، نجد قصةً تقول إن عددًا من الملوك العظام «إمرافل ملك شنعاء، وإريوك ملك الأسار، وكدر لعومر ملك عيلام، وتدعال ملك جوييم» قد تحالفوا في حرب ضد مجموعةِ ملوكٍ لدُويلاتٍ أخرى في المنطقة هم «بارع ملك سدوم، وبرشاع ملك عمورة، وشنآب ملك أدمة، وشمئيبر ملك صبوييم، وملك بالع التي هي صوغر»، وتمت هزيمة الحلف الثاني، وكان بين أسرى المهزومين «لوط» ابن أخي «إبراهيم» وهنا تقول القصة ببساطة إن النبي إبراهيم أخذ ثلاثمائةِ رجلٍ من أتباعه وهزم حلف الدول الكبرى، أو كما جاء في النص:

فلمَّا سمع إبرام أن أخاه سُبي، جرَّ غِلمانَه المُتمرِّنِين ولدان بيته، ثلاثمائة وثمانية عشر، وتبِعَهم إلى دان، وانقسم عليهم ليلًا هو وعبيده فكسَرَهم، وتبِعَهم إلى حوبه التي عن شمال دمشق، واسترجع كل الأملاك. واسترجع لوطًا أخاه أيضًا، وأملاكه، والنساء أيضًا، والشعب.

(تكوين، ١٤: ١٣–١٦)

هذا ناهيك عن ظهور الإله (بهيئة تُشبِه ما تُحدثِّنا به الأساطير عن الجن) للبطاركة الأوائل، وحديثه معهم، وصراعه مع يعقوب، أو مثلما جاء في قصة لقائه بموسى وأتباعه وهو في هيئةٍ أقربَ إلى التماثيل.

«ثُمَّ صعِد موسى وهارون وناداب وأبيهو، وسبعون من شيوخ إسرائيل، ورأَوا إِلهَ إسرائيل، وتحت رجلَيه شبهُ «صنعةٍ من العقيق» الأزرق الشفَّاف، وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمُد يدَه إلى أشراف بني إسرائيل، فرأَوا الله، وأكَلوا وشَرِبوا» (خروج، ٢٤: ٩–١١). (والمعلوم أن العقيق الأزرق هو فيروز سيناء الذي صنع منه المصريون تماثيل آلهتهم.)

وغير ذلك كثيرٌ وكثيف، نُشير إليه في عجالة، مثل: العصا الحية (خروج، ٤: ١–٥)، وضرب يهوه للمصريِّين بضرباتٍ أسطورية (خروج، ٧)، أو فلْق البحر (خروج، ١٤)، وانشقاق نهر الأردن (يشوع، ٣: ١٦-١٧)، وسقوط مدينة أريحا بمجرد أن صرخ عليها الإسرائيليون مع طبول وزمور وأبواق (يشوع، ٦)، وإيقاف يشوع للشمس والقمر حتى ينتهي من القضاء على أعدائه (يشوع، ١٠: ١٢–٤)، وعُكَّاز الملاك الذي يحرق اللحم (قضاة، ٦: ٢١)، وتحضير الأرواح (صموئيل، ٢٨: ١١–٢٠)، ومعجزات شمشون في سِفر القضاة (١٤: ٤؛ ١٤: ٥؛ ١٥: ١٥؛ ١٦: ٣٠)، وإحياء النبي إيليا للطفل الميت (ملوك، ١٧: ٢١-٢٢)، والأمر الذي أصدره إيليا بهبوطِ نارٍ من السماء تأكل جنود الأعداء (ملوك ثاني، ١: ١٠–١٢)، ثم صعوده إلى السماء (ملوك ثاني، ٢: ١، ١١)، وقيام رداء إيليا بعد ذلك بِدَور عصا موسى في فَلْق الماء (ملوك ثاني، ٢: ٨، ١٤)، أو حروب الله مع التنين لوايثان (إشعيا، ٢٧: ١).

وعليه، فإن النص التوراتي من وجهة نظرنا ليس أكثر من وثيقةٍ أسطورية، لكنه كأيِّ وثيقةٍ أسطورية أخرى، وحسب منهجنا الذي اتبعناه في أعمالنا، يمكن أن يُقدِّم لنا — إذا تعاملنا معه عمليًّا — مادةً تاريخية نادرة لم تُسعفنا بها الكشوف الأركيولوجية، وأن يضيء لنا مساحاتٍ مظلمةً من التاريخ لم يكشف عنها البحث الآثاري بعدُ، ولكن وَفْق أصولٍ وقواعدَ ومنهجٍ صارم، وهو ما سبق وأن قدَّمنا له نماذجَ في أعمالنا المنشورة، لكن في نفس الوقت، يمكن لباحثٍ مُغرِض أن يقرأه قراءةً أخرى، بأغراضٍ بعينها، وَفْق أيديولوجيا خاصة، فينطق بأمورٍ أبعدَ ما تكون عن الصدق والموضوعية والعملية، وهو ما سنجد له نموذجًا مثاليًّا في الباب الثالث من هذا الكتاب.

(٤) الأنبياء في العهد القديم

من الجدير بالذكر هنا، منعًا للالتباس، أن الآباء الأوائل أو البطاركة، من إبراهيم إلى موسى في التوراة، لا يُحتسَبون أنبياءَ بالمعنى المفهوم والسائد وَفْق الطروحات الإسلامية، وتبدأ النبوات فقط في العهد القديم بموسى. أمَّا عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب … إلخ؛ فهم مُجرَّد أسلافٍ يجب الإعزاز بهم وبسيرتهم، رغم علاقتهم بالإله، ورغم أنهم أصحاب الوعد، فهم ليسوا أنبياءَ بالمعنى المفهوم في الإسلام؛ لأن النبوة في الفهم التوراتي هي التنبُّؤ، والقدرة على قراءة المُغيَّبات. هذا بالطبع مع أُمورٍ أخرى تفصيليةٍ تضع هؤلاء البطاركة الأوائل على المستوى الأخلاقي، في صف الأفراد العاديِّين، الذين يُمكن أن يرتكبوا أمورًا يمُجُّها التذوُّق المبني على الفهم الإسلامي لمعنى النبوة، فالنبي إبراهيم مثلًا يُتاجِر بشرف زوجته سارة في مصر، وفي جرار الفلسطينية، للحصول على الأموال، ويتم سرد ذلك دون أيِّ تَحرُّج (تكوين، ١٢: ١١–٢٠؛ وتكوين، ٢٠: ١–٧، ١٤)،٩ وهو الأمر الذي يُكرِّره بعد ذلك ابنه إسحاق في جرار كما ورد في سفر التكوين (٢٦: ٧–١٠).
وفي قصةِ هلاكِ سدوم وعمورة، ينجو لوط مع ابنتَيه الوحيدتَين، ويسكن في مدينة «صوغر»، لكنه لسببٍ غيرِ مفهومٍ يتركها إلى الصحراء وتحكي الرواية بعد ذلك:

وصعِد لوط من صوغر وسكَن في الجبل وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن في صوغر (؟!)، فسكن في المغارة هو وابنتاه، وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض، هلُمَّ نسقي أبانا خمرًا ونضطجع معه، فنُحيي من أبينا نسلًا، فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودَخلَت البكر واضطَجعَت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطَجَعت البارحة مع أبي، نسقيه خمرًا الليلة أيضًا، فادخلي اضطجعي معه فنُحيي من أبينا نسلًا، فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا، وقامت الصغيرة واضطَجعَت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، فحَبلَت ابنتا لوط من أبيهما، فوَلدَت البكر ابنًا ودعت اسمه موآب، وهو أبو الموآبيِّين إلى اليوم، والصغيرة وَلدَت ابنًا ودَعَت اسمه بني عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم.

(تكوين، ١٩: ٣٠–٣٨)
وعليه فلن تصيبنا الدهشة إن وجدنا «يعقوب» ابن «إسحاق» الأصغر يحتال على أبيه لِيسرق ميراث أخيه الأكبر «عيسو» (تكوين، ٢٧)، أو حين نجد «راحيل» زوجة «يعقوب» تُغادِر بيت أبيها مع زوجها فتسرق الأصنام من أبيها عشقًا في عبادتها (تكوين، ٣١: ١٩)، كما لن نُدهش إذا وجدنا الأسباط المُكرَّمِين يُلقون بأخيهم الأصغر «يوسف» في بئرٍ للتخلُّص منه (تكوين، ٣٧: ١٨–٣٨)، ولا أن يتزوج «عمران» من عمَّته يوكابد (خروج، ٦: ٢٠)، ولا أن يُوعِز الرب لموسى بِسرقةِ ذهبِ النساء المصريات (خروج، ٣: ٢١-٢٢ وخروج، ١٢: ٣٥-٣٦). وربما لا نُصعق إذا ما علِمْنا أن الرب قرَّر موت موسى وهارون لأنهما قاما بخيانته (التثنية، ٣٨: ٥٠-٥٠)، أو أن يتم اختيار «شاول» كأولِ ملكٍ لإسرائيل، لا لِمَيزة فيه سوى طُوله وجماله (صموئيل الأول، ٩: ٢؛ ١٠: ٢٣) أو اختيار «دواد» لأنه كان أَشقَر وحُلو المنظر (صموئيل الأول، ١٦: ١٢؛ ١٧: ٤٢)؛ ومن ثَمَّ فلا يجب أن ننزعج إذا أَوعَز لنا ذلك المقدَّس، بأمرِ علاقةٍ شاذَّة تقوم بين «داود» وبين الصبي يوناثان بن شاول (صموئيل الثاني، ١: ٢٦)، أو أن يبدأ «داود» حياته مُطبِّلًا لِلزَّارِ ومُزمِّرًا لإخراج العفاريت التي ركِبَت «شاول» كما في (صموئيل، ١٦: ٢٣)، وربما يجب أن نقبل المُبرِّرات التي قدَّمها المقدس، والتي تم فيها تبخيس «نابال» وتصويره خسيسًا، حتى يسوغ لداود أخذُ امرأته، وهو ما جاء في سفر صموئيل الأول (٢٥)، ولطرافته يمكن سَردُ نصِّه القائل:

واسم الرجل نابال، واسم امرأته أبيجايل، وكانت المرأة جيدة الفهم وجميلة الصورة وأمَّا الرجل فكان قاسيًا وردئ الأعمال … وبعد نحوِ عشرةِ أيامٍ ضرب الرب نابال فمات … وأرسل داود وتكلم مع أبيجايل ليتخذها له امرأة … وصارت له امرأة.

ومثل تلك القصة نموذجٌ آخر بطلُه «داود» أيضًا، وهي بدورها قصةٌ غرامية انتهت باستيلائه على زوجةِ أخلصِ ضباطِه أوريا الحثي (وكان يعمل تحت قيادة يوآب) بعد أن ضاجعَها في غياب زوجها للدفاع عن حدود الدولة، فحَبلَت في الحرام بولده الذي سيُصبِح أَشهَر ملوك إسرائيل؛ سليمان، وهي كما وردت نصيًّا:

وكان في وقت المساء أن قام داود عن سريره وتمشَّى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأةً تستحم، وكانت المرأة جميلة المنظر جدًّا، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بتشبع بنت أليعام، امرأة أوريا الحثي؟ فأرسل داود رسلًا وأخذها، فدَخلَت إليه، فاضطَجع معها وهي مُطهَّرةٌ من طَمثِها، ثم رَجعَت إلى بيتها. وحَبلَت المرأة فأرسلَت وأَخبرَت داودَ وقالت: إني حُبلى. فأرسل داود إلى يوآب يقول: أرسل إليَّ أوريا الحثي. فأرسل يوآب أوريا إلى داود، فأتى أوريا إليه فسأله داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داود لأوريا انزل إلى بيتِكَ واغسل رجلَيك، فخرج أوريا من بيت الملِك وخَرجَت وراءه حصةُ من عند الملك، ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيدِ سيده، ولم ينزل إلى بيته، فأخبروا داودَ قائلِين: لم ينزل أوريا إلى بيته، فقال داود لأوريا: أما جئتَ من السفَر؟ فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام، وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي لبيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي؟! وحَياتِكَ وحَياةِ نفسِكَ لا أفعل هذا الأمر، فقال دواد لأوريا: أقم هنا اليوم أيضًا وغدًا أُطلقك، فأقام أوريا في أورشليم في ذلك اليوم وغده … وفي الصباح كتب داود مكتوبًا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا، وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه، فيُضرب ويموت. وكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال البأس فيه، فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب، فسقط بعض الشعب من عبيدِ داود، ومات أوريا الحثي أيضًا … فلمَّا سمِعَت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلُها، نَدبَت بعلها، ولمَّا مضت المناحة أرسل داود وضمَّها إلى بيته، وصارت له امرأة، ووَلدَت له ابنًا.

(صموئيل الثاني، ١١)

وإعمالًا لكل ذلك فلا يصِح أن تأخذنا الدهشة عندما نجد سليمانَ يقتل أخاه الأكبر صاحب الحق في العرش (ملوك أول، ٢: ٢٥)، ولا عِشقَ سليمان للنساء وعبادتَه لآلهةٍ أخرى (ملوك أول، ١١: ١–٨)، ولا عندما نجد أمنون بن داود يعشق أخته ثامارا ويُجامعها (صموئيل ثاني، ١٣: ١)؛ فهذه قصصُ أسلافٍ وملوك ومؤامراتُ قصورٍ ودسائس، أمَّا الأنبياء فلهم في العهد القديم شأنٌ آخر.

والنبييم جمع كلمة «نابي» أو «نبي» العبرية، من «نبا» أي خرَج وارتفَع، أو ظهَر وخالَف القطيع، وإن كانت بقراءة التوراة العِبرية تعني تمامًا: الهاذي أو المخبول، وظهر منهم عددٌ كبير من بني إسرائيل، بعضهم كان قاسيًا يقرع أسماع الإسرائيليِّين بالقول الغليظ، إلا أن الواضح أيضًا في كثرتهم، أنها أصبَحَت مهنةً تُدِر على محترفها رزقًا طيبًا، ومن هنا نلحظ في الأسفار المتأخرة تحفُّظ المؤلِّفين وحيطتهم إزاء الأنبياء كما جاء في سفر حزقيال «فإذا ضل النبي وتكلم كلامًا، فأنا الرب قد أضللتُ ذلك النبي، وسأَمُد يدي عليه وأُبيده من وسطِ شعبي إسرائيل» (١٤: ٩).

وكثرةُ هؤلاء الأنبياء كانت لا تتناسب مع قلةِ عدد السكان في البلاد، وهو ما يُؤخَذ من قول سِفر ملوك أول: «فجمع ملك إسرائيل الأنبياء نحو أربعمائة» (٢٢: ٦)، لكنَّهم على أيةِ حالٍ كان بإمكانهم إشعالُ الحروب وخلعُ الملوك وتنصيبُ من يريدون، هؤلاء عادةً ما كانوا من رجال الدين غير النظاميِّين، أشبه بمن نَعرِفهم اليوم بالدراويش، ولم يخضعوا لهيكلٍ من الهياكل. لكنهم كانوا يزعمون تلقِّي الوحي من الرب بلا واسطة، وأن روح الرب قد تملَّكَتهم فنَطقَت بلسانهم، وعادةً ما نجد بعضهم في صف الشعب يُدافعون عن قضاياه، ضد المؤسسة الدينية الرسمية وكُهانها المُسيَّسين. وقد ظهر سلطانهم ونما منذُ القرن العاشر قبل الميلاد، ولم يأتِ منتصف القرن التاسع قبل الميلاد حتى أصبحوا من أهمِّ عناصر الجماعة الإسرائيلية، وقام بعضهم بعقدِ اتصالاتٍ مع الدول الخارجية، لتقويض سلطان الداخل المرفوض. ويقول «روبنسون» إنه كانت «تَعتَوِرهم حالةٌ نفسانية غريبة نُسمِّيها نحن الوجد، تُشبِه أعراضها أعراض الغيبوبة أو الصرَع، ويزعمون أن كل مرجعِ ذلك إلى أن الشخص قد حلَّ فيه إلهٌ … والعجيب أنها كانت حالةً معُدية قد تنتقل من شخصٍ إلى آخر، وقد نزع الأنبياء والواجدون إلى التجمُّع وتأليف الفرق، وتعلَّموا كيف يبتعثون هذه الحالة الخاصة بهم برياضاتٍ شتَّى كالرقص أو اصطناع الموسيقى أو تناوُل العقاقير.»١٠

ونموذجًا لذلك ما جاء في اختيار الكاهن صموئيل لشاول لمسحه بالزيت المقدس مسيحيًّا، كأول ملكٍ لبني إسرائيل، فيصفه الإصحاح التاسع من سِفر صموئيل الأول بالصفات «شاول، شابٌّ، وحسن، ولم يكن رجلٌ في بني إسرائيل أحسنَ منه، من كتفه فما فوق كان أطولَ من كل الشعب». لكنه حتى يكون نبيًّا ملكًا، «أخذ صموئيل قِنِّينة الدُّهن، وصبَّ على رأسه، وقبَّله، وقال: أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسًا … إنك ستصادف زمرةَ من الأنبياء نازلِين من المرتفعة وأمامهم رباب ودفٌّ ونايٌ وعود، وهم يتنبئون، فيحل عليك روح الرب معهم وتتحول إلى رجلٍ آخر» (صموئيل أول، ١٠).

وهذا «داود» بعد تنصيبه ملكًا، يتمكن من استعادةِ تابوتِ بني إسرائيل المُقدَّس من الفلسطينيِّين،١١ «فأُركبوا تابوت الله على عجلةٍ جديدة … وداود وكلُّ بيتِ إسرائيلَ يلعبون أمام الرب بكل أنواع الآلات من خشب السرو، بالعيدان والرباب والدفوف وبالجنوك وبالصنوج … وكان داود يرقص بكلِّ قُوَّته أمام الرب، وكان داود متمنطقًا بأفود من كتان، فأَصعَد داود وجميع بيت إسرائيل تابوت الرب بالهتافات وبصوت البوق، ولمَّا دخل تابوت الرب مدينة داود، أَشرفَت ميكال بنت شاول (زوجة داود) من الكُوَّة، ورأت الملك داود يطفَر ويرقُص أمام الرب، فاحتَقرَته من قلبها … فخَرجَت ميكال بنت شاول لاستقبالِ داودَ وقالت: ما كان أَكرمَ ملكَ إسرائيلَ اليوم؛ حيث تَكشَّف اليومَ في أعين إمائه وعبيده، كما يتكشَّف أحد السفهاء. فقال داود لميكال: إنما أمام الرب الذي اختارني دون أبيك، ودون كلِّ بيته، ليُقيمني رئيسًا على شعب الرب إسرائيل، فلعِبتُ أمام الرب» (صموئيل ثاني، ٦).

ومن الأنبياء من لم يكن من بني إسرائيل، إنما من أهل المنطقة الذين يدعون إلى عبادة الإله البعل الزراعي، وقد ذاع صيتُ نبيِّ موآب المدعو «بلعام بن بعور»، وجاء ذكره في العقد القديم كمناصرٍ لبني إسرائيل ضد شعبه، مما يُشير إلى أن المكافأة التي نالها من الإسرائيليِّين كانت أَعظَم. (جاء ذكره في التراث الإسلامي باسم بلعم بن باعوراء.)

ومن الطرائف أن الأنبياء الإسرائيليِّين كانوا يُكذِّبون بعضهم بعضًا؛ فهذا ملك المملكة الجنوبية «يهوذا» المعروف باسم «يهوشفاط» يذهب إلى ملك المملكة الشمالية «آخاب» يطلب معونته لشن الحرب على بلادِ سورية (آرام)، «فجمَع ملك إسرائيل الأنبياء نحو أربعمائة رجل وقال لهم: أَأذهبُ إلى رامة الجلعاد للقتال أم أَمتنع؟ فقالوا اصعَد فيها فيدفعها السيد ليد الملك» (ملوك أول، ٢٢: ٦)، وتحمَّس الأنبياء للقتال ومنهم صدقيَا «وعمل صدقيَا بن كنعنة لنفسه قَرنَي حديدٍ وقال: هكذا قال الرب بهذه تتطح الأراميِّين حتى يفنَوا» (ملوك أول، ٢٢: ١١). لكن الملك آخاب أرسل يستدعي نبيًّا لم يكن حاضرًا هو «ميخا بن يمله» وسأله في هذه المُشكِلة وهل يذهب لمحاربة الآراميِّين أم لا؟ فأجابه «ميخا» وقال: فاسمع إذن كلام الرب: «قد رأيتُ الرب جالسًا على كُرسيه وكلُّ جند السماء وقوفٌ لديه عن يمينه وعن يساره. فقال: هذا: هكذا، وقال ذاك: هكذا، ثم أخرج الروح ووقف أمام الرب وقال: أنا أُغويه. قال له الرب: بماذا؟ فقال: أخرج وأكون روحَ كذبٍ في أفواهِ جميع أنبيائه، فقال: إنك تُغوِيه وتقدر، فاخرج وافعل هكذا، والآن هو ذا قد جعل الرب روحَ كذبٍ في أفواهِ جميع أنبيائك هؤلاء، والرب تكلم عليكَ بِشَر، فتقدَّم صدقيا بن كنعنة وضرب ميخا على الفكِّ وقال: من أين عَبَر رُوح الرب مني ليكلمك؟» (ملوك أول، ٢٢: ١٩–٢٤).

(٥) الآلهة في العهد القديم

معلومٌ أن بني إسرائيل انتقلوا بين مرحلتَين، تمَّت فيهما عبادة إلهَين: واحد باسم إيل، وأحيانًا باسم إللوهيم أي الآلهة، والآخر باسم «يهوه»، لكن الأمر في الحقيقة لم يكن مقصورًا على هذَين الإلهَين فقط؛ فقد عبد بنو إسرائيل العجل المصري أبيس في سيناءَ بعد خروجهم من مصر بأسابيعَ قليلة، أثناءَ غيابِ موسى على الجبل المُقدَّس لإحضارِ لوحَي الشريعة.

ولمَّا رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل، اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهةً تسير أمامنا؛ لأن هذا موسى الرجل الذي أصعَدنا من أرضِ مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هرون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها … فأخذ ذلك من أيديهم وصوَّره بالإزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا فقالوا: «هذه آلهتُكَ يا إسرائيل التي أَصعدَتك من أرض مصر.»

(خروج، ٣٢: ١–٤)

ثم إنهم بعد ذلك عبَدوا الإله المدياني بعل فغور، كما في سفر العدد (٢٥: ١–٣) وبدخولهِم أرضَ كنعان حيثُ عبادة البعول الزراعية، عبَدوا بعل وعشتروت، كما في سِفر القضاة (٢: ١١–٧)، والقضاة (٣: ٥–٨)، بل ومارسوا طقوس الزنا الجماعي أمام هيكلِ تلك الآلهة، كما في القضاة (٨: ٣٣؛ و١٠: ٦)، ثم تَحوَّل طقس الزنا إلى يهوه نفسه، فكانوا يُمارِسون النَّزْو الجماعي في باب خيمة الاجتماع حيث تابوت الرب، وهو ما حدَّثَنا عنه سِفر صموئيل الأول (٢: ٢٢)، بل إن سليمان الملك عبَد بِدَوره عددًا من الآلهة «فذهب سليمان وراء عشتروث إلهة الصيدونيِّين، وملكولم رجس العمونيِّين … وبنى سليمان مرتفعةً لكموس رجس الموآبيِّين على الجبل الذي تجاهَ أورشليم، ولمولك رجس بني عمون» (ملوك أول، ١: ١١–٨).

أما الملك «يربعام» فقد عاد إلى عبادة العجل: «وعمِل عِجلَي ذهب وقال لهم: هو ذا ألهتُك يا إسرائيل الذين أَصعَدوك من أرض مصر، ووضع واحدًا في بيت إيل، وجعل الآخر في دان» (ملوك أول، ١٢: ٢٨-٢٩).

كما بنى المرتفعات للزنى وراء الآلهة «رحبعام بن سليمان»، وهو ما جاء في سِفر ملوك أول (١٤: ٢٣)، كذلك الملك آخاب بن عمري عبَد البعل (ملوك أول، ١٦: ٣١–٣٣)، بل إن أحاز ملك يهوذا، أعاد طقس التضحية بالأبناء لنيران الآلهة، فقدَّم ابنه قربانًا لنيران الإله، كما جاء في سِفر ملوك ثاني (١٦: ٣-٤)، أمَّا الحية التي صنعَها لهم موسى وهم خارجون من مصر، وكان اسمها «نحشان»؛ أي الحنش؛ أي الثعبان، فقد ظلَّت تُعبد زمنًا طويلًا حتى عهدٍ متأخر (ملوك، ١٨: ٤)، وقد عبد الملك منسي بدوره البعول وبنى لهم مُرتفعاتِ المضاجعة الجماعية، وهو ما يُؤخَذ من (ملوك ثاني، ٢١: ٦٢) وكذلك لعبادةِ إلهِ جبل توفه المعروف باسم مولك (ملوك ثاني، ٢٣: ١٠)، كما عادت قُدسيةُ مراكب الشمس المصرية وظلَّت قائمة إلى عهدٍ متأخر كما في سِفر ملوك ثاني (٢٣: ١١)، واستمر يهورام ملك أورشليم في عملِ مُرتفعاتِ الزنى في أورشليم كما أخبرنا سفر أخبار الثاني (٢١: ١١).

وفي الكتاب المقدَّس سِفرٌ كامل، لا يمكن تفسيره إلا في ضوء العبادات الجنسية وطقوس الزنى الجماعي، تلك العبادات التي كانت مُتفشِّيةً في العبادات الزراعية بشكلٍ وبائي، من بابِ حَضِّ الأرض على الخِصب والعَطاء اعتمادًا على مبدأ السحر التشاكُلي حيث الشبيه ينتج الشبيه، وكان الملك عادةً ما يقوم داخل الهيكل مع الكاهنة الكُبرى بإعطاءِ إشارة البدء في ممارسة الطقس للجماهير المُحتشِدة في الخارج، وذلك بقيامه بمجامعة الكاهنة، فتبدأ المعمعة الشبقية حول المعبد دون تمييز، وعادةً ما كان يصاحب تلك الممارسةَ لونٌ من الأناشيد الطقسية تسبق الممارسة، وهي أشكالٌ شعرية جنسية تتم تلاوتها لتحفيز القدرات الجنسية على العمل، وذلك السفر المقصود بالعهد القديم هو المعروف بسفر نشيد الأنشاد الذي لسليمان، الذي لا يُكِن ولا يحتشم، بل يُقدِّم النشيد الطقسي دون أيِّ تحرُّج، ويمكن اقتطاعُ نماذجَ من ذلك السفر في شكلِ حِوارٍ يدور من العشيقَين الملكيَّين يقول:

العشيقة :
لِيُقبِّلْني بقبلاتِ فمه، لأن حبَّك أطيب من الخمر.
لرائحةِ أدهانك الطيبة اسمُك مُهراق؛
لذلك أَحبَّتك العَذراى.
اجذبني وراءك فنجري.
أدخلني الملك إلى حِجاله.
نذكُر حبَّك أكثر من الخمر.
العشيقة :
أنا سوداءُ وجميلة يا بنات أورشليم،
كخيام قيدار،
كشقق سليمان،
أخبرني يا من تحبه نفسي:
أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟
العاشق :
إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء فاخرجي على آثار الغنم،
وأرعي جداءك عند مساكن الرعاة.
لقد شبَّهتُكِ يا حبيبتي بفرسٍ في مَركباتِ فرعون.
ما أَجملَ خدَّيكِ بسموط!
العشيقة :
ما دام الملك في مجلسه أفاح نَارَ ديني رائحتُه.
صرَّة المُر حبيبي لي،
بين ثديَيَّ يبيت.
العاشق :
ها أنتِ جميلةٌ يا حبيبتي ها أنتِ جميلة،
عيناكِ حمامتان.
العشيقة :
ها أنت جميل يا حبيبي وحُلو،
وسريرنا أخضر.
أنا نرجس شارون سوسنة الأدوية،
أدخلني إلى بيت الخمر،
«وعمله فوقي محبَّة».
أسندوني بأقراص الزبيب،
أنعشوني بالتفاح؛ فإني مريضةٌ حبًّا.
«شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني».
أُحلِّفكنَّ يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول،
ألا تيقظن ولا تُنبِّهن الحبيب حتى يشاء.
«في الليل على فراشي طلبتُ من تُحبه نفسي»،
طلبته فما وجدتُه.
وجدَني الحرس الطائف في المدينة،
فقلتُ: أرأيتم من تُحبه نفسي؟
فما جاوزتهم إلا قليلًا حتى وجدتُ من تحبه نفسي،
فأمسكته ولم أُرخِه حتى أدخلتُه بيت أمي،
وحُجرةَ من حَبلَت بي.
العاشق :
ها أنت جميلةٌ عيناك حمامتان من تحت نقابك،
شعرُكِ كقطيع معزٍ رابضٍ على جبلِ جلعاد،
أسنانُكِ كقطيع الجزائر الصادرة من الغسل،
شفتاكِ كسلكة من القرمز، وفمكِ حلو،
خدُّكِ كفَلْقةِ رُمَّانة «تحتَ نقابكِ»،
عنقك كبُرجِ داود المبني للأسلحة،
«ثدياك كخَشفتَي ظبية توءمَين يَرعَيان بين السوسن،
شفتاكِ يا عروسُ تقطُران شهدًا،
تحت لسانكِ عسلٌ ولبن» ورائحةُ ثيابكِ كرائحة لبنان.
قد خلعتُ ثوبي فكيف ألبسه؟
قد غسلتُ رجلي فكيف أُوسخُهما؟
حبيبي «مد يدَه من الكوة فأنَّت أحشائي عليه»،
قمتُ لأفتح لحبيبي.
… إلخ …

(٦) تدقيق التسمية

عادة ما يلجأ الباحثون عند تناوُلهِم شأنًا من شئون الجماعة البشرية، التي بدأنا بالاصطلاح على تسميتها في العنوان ﺑ «بني إسرائيل»، إلى استخدامِ أحدِ اصطلاحاتٍ ثلاثة، هي على الترتيب حسب شيوع الاستخدام: العبرانيِّين، اليهود، الإسرائيليِّين. ولتدقيق المصطلح ودلالته، نجد أن اصطلاح العبريِّين أو العبرانيِّين، يُقصد به تمييز تلك الجماعة، بحيث يُشير الاصطلاح إليها كشعبٍ بعينه، وبحيث تبدو كما لو كانت تتسم بسماتٍ جنسية مُحدَّدة بتاريخٍ مُترابطٍ وواضح، ويرتبط بأرضٍ ومواطنَ بعينها، له ظروفه البيئية والجغرافية التي تتناغم في النهاية مع السمات التي طَبعَت ذلك الشعب، اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وفكريًّا. وهو قصدٌ يذهب إلى وضع الجماعة الإسرائيلية في وضعٍ يسمح بالإيحاء بدلالات، تتساوى مع الدلالات التي تفهم من استخدامنا مصطلحات مثل «المصريِّين، البابليِّين، الكنعانيِّين، الحيثيِّين … إلخ».

لكن، بينما نجد اصطلاحاتٍ اسميةً مثل المصريِّين أو البابليِّين، لا مجال للخلط بشأنها، ويمكن للمؤرخ وللباحث استخدامها باطمئنان، حيث تُشير إلى شعبٍ بذاته، يسكن أرضًا بعينها، تفاعل مع بيئته خلال مسارٍ تطوُّري، انتهى إلى وسمه بسماتٍ صريحة المعالم، يبدو فيها أثَر الجدل بين الإنسان وبين تاريخه وبيئته وطبيعةِ أرضه، وبحيث انتهى ذلك الجدل إلى نشوء كيانٍ سياسي له سماته المميزة، مما يُمكِّن الباحث من رسم صورةِ شبهِ متكاملةٍ لتاريخ ذلك الشعب، من خلالِ وثائقَ، ومُدوَّنات، وآثارٍ، وسجلاتٍ عينيه، ومعتقداتٍ وأساطير. مع قراءة ذلك كلِّه مرتبطًا بالظرف البيئي والتطُّور الاجتماعي، الذي يكسب الشعب في النهاية نكهته الخاصة، وسماته المميزة. لكنَّ استخدامَ مصطلحٍ عبري، للدلالة على الجماعة الإسرائيلية لا يؤدي بحال إلى أيٍّ من تلك المعاني؛ بحيث يسمح بكثيرٍ من الخَلط والخَبط وسوء الغرَضِ إن بحسنِ نيةٍ أم بقصد؛ نظرًا لاتساعِ المصطلَح عن حجم المدلول، فلا يطابقه، وتتحول معه الجماعة الإسرائيلية إلى كتلةٍ رجراجة داخل المصطلح دون ثبات. ويعود ذلك إلى عيوبٍ أساسية في تاريخ تلك الجماعة البشرية، يجد معها الباحث عُسرًا شديدًا في استخدامِ تعبيرِ شعب، للدلالة على تلك الجماعة، دون السقوط في خطأٍ علمي فادح.

كما نجد عيوبًا من لونٍ آخر في نسيج تلك المجموعة البشرية، وفي المراحل التي مرت بها وظروفها، إبَّان تكوُّنها التاريخي، لا تسمح بإعطاء المدلول الذي يمكن الاطمئنان إليه، كما في حال التعامل مع مصطلح «مصريِّين» أو «بابليِّين» على سبيل المثال. ورغم أن الباحث قد يجد أوجهًا للقصور في تاريخ أيٍّ من تلك الشعوب، نتيجة مبالغةٍ هنا، أو اختفاءٍ للمُدوَّن — في حقبةٍ بعينها — هناك فإن الاستعانة بعمليات القياس والنقد والمقارنة بين النصوص المتعددة، إزاء الحدث الواحد والتحليل ومحاكمة الوثائق على سياقها الداخلي والسياق التاريخي، يمكن الوصول بالمسألة إلى الوجه الأقرب إلى صدقِ ما حدث بالفعل. إضافةً إلى ما يمكن القيام به من مقارنات، إزاء الحدث الواحد، بين نصٍّ يتحدث عنه في مُدوَّناتِ مصر، وبين نصٍّ آخر يتحدث عنه في وثائقِ الرافدَين. لكننا مع الجماعة الإسرائيلية لن نجد بين أيدينا مثل تلك المادة الخام الأساسية، لنُعمل فيها أدوات البحث؛ فلا وثائق، ولا آثار، ولا سجلات عينية؛ لا شيء بالمرة سوى وثيقةٍ واحدة هي الكتاب المُقدَّس (العهد القديم).

وحتى نكونَ أكثرَ دقة، فإن تعبير «لا شيء بالمرة» لونٌ من المجاز الصادق؛ فهناك بالفعل إشاراتٌ متأخرة في وثائقَ متناثرةٍ في أشلاءٍ مُبعثَرةٍ بين دول المنطقة، لكنها لا تصنع تاريخًا بحال، ولا تُؤكِّد في التاريخ الإسرائيلي شيئًا بالقطع اليقيني أو تنفيه. أمَّا في المراحل الأقدم والتي تعود إلى بدايةِ ذلك التاريخ ولقرونٍ طويلة بعده، حتى ظهور تلك الإشارات المُبعثَرة، فالأمر مُعلَّق بالمُقدَّس وحده. علمًا أن ذلك التاريخ الذي لا وجود له إلا بالكتاب المُقدَّس، وهو عمدةُ تاريخِ إسرائيل، ويُمثِّل أخطرَ الأحداث التي تُقيمُ جماعة إسرائيل التاريخَ كله علَيها، ويشمل أهم البِنى لمُقدَّسهم وتاريخهم على الإطلاق، ومثالًا لذلك علاقة الجماعة الإسرائيلية بمصر، التي تتمثل في لحظةٍ حاسمةٍ وفاصلةٍ وقاطعةٍ في تاريخهم، وتحكي عَبْر المقدَّس عن هبوطهم من كنعان (فلسطين) إلى مصر، زمن النبي «يوسف» عليه السلام، وخروجهم منها بعد قرون في عهد النبي «موسى» عليه السلام، وسط أحداثٍ هائلةٍ سواءٌ في كيفها أو في نتائجها. وما صحب ذلك الهول من هلاكٍ كامل لجيش مصر، أعظم إمبراطوريات ذلك الزمان قاطبة، مع ما لحِق الديارَ المصريةَ نفسَها من دمارٍ وهلاك بفعلِ ربِّ إسرائيل (يهوه)، وأَسهبَت في شرحه الرواية المقدَّسة. ومع ذلك فإنك لا تجد في وثائقِ مصر، على كثرة ما اكتُشِفَ منها حتى الآن، وعلى ما في هذه الكثرة من ذكرٍ لدقائقَ وتفاصيلَ صغيرة الشأن، كسجلاتِ وعقود البيع والشراء، أو كأوامرَ ثانويةٍ للفرعون بنقلِ موظَّفٍ أو تابعٍ قليل الشأن، أو جزاءاتِ التقصير في العمل، أو الأمر بالسماح لقبيلةٍ بدوية بالانتجاع على الحدود، للعمل في مناجم الفيروز وحفائر سيناء … إلخ … فإنك لا تجد بين كل تلك التلال الآثارية والشواهد المُدَوَّنة أيةَ وثائقَ تشير إلى بني إسرائيل، اللهم إلا إشارةً وحيدة يتيمة، يقول فيها الفرعون «مرنبتاح» بن الفرعون «رعمسيس الثاني»، ضمن لوحةٍ يحكي فيها عن انتصاراتِه «هَلكَت إسرائيل ولم يَبقَ لها بَذر.»١٢ وقد جاءت تلك الإشارة عرضًا، ضمن روايته عن سحقه لِعددٍ من الشعوب؛ مثل اللوبيِّين (الليبيِّين)، والكوشيِّين.١٣ وحتى لو غَفلَت مُدوَّناتُ مصر عن ذكر ذلك الحدثِ الهائلِ الذي دُمِّرَت فيه البلاد، وهلك الزرع والضرع والعباد، وغرق بعده الفرعون وجيشه العرمرم في خِضَم أمواج البحر، فما بالُ مُدوَّنات الشعوب المُعاصِرة للحدث لا تذكُر ما حدث للجارة الكبرى؟ سواءٌ في بلاد الشام أو الرافدَين أو تركيا بلاد الحيثيِّين؟

هذا كلُّ ما جاء عن تاريخِ إسرائيل الطويل العريض في الأثَر المصري «هَلكَت إسرائيلُ ولم يَبقَ لها بَذر!» أمَّا بلاد الرافدَين فإنها لا تعرف شيئًا البتَّة عن التاريخ القديم لتلك الجماعة التي مَلأَت المُقدَّسات صخبًا وضجيجًا وإن وردت إشارات في الحِقَب المتأخرة تذكُر شيئًا يسيرًا في شَذراتٍ عن مملكةٍ تُدعى «مملكة عمري»، والتي يُظن أنها مملكة إسرائيل في عهد أحد ملوكها المعروف باسم «عمري»، خلال الربع الأول من الألف الأولى قبل الميلاد. ثم شيئًا لا يُغني ولا يُسمِن عن انتصارات الآشوريِّين على سكان فلسطين وسَبيِهم لأهلها، ومثله شيئًا آخر عن انتصارات الكلدانيِّين على جنوب فلسطين، أمَّا قبل ذلك فلا شيء على الإطلاق يُشير إلى جماعة إسرائيل، ولا للأحداث التي مرَّت بها، والتي أَسهَب الكتاب المُقدَّس في تدوينها كعادته، إلى حد الإملال، بل إن الحفريات المحمومة، والهوَس الأركيولوجي الذي يُمارَس الآن في دولة إسرائيل، لم يُسفِر حتى تاريخه عن شيء يستحق الذكر، أو عن أمرٍ يمكن القطع بشأن نسبته للجماعة الإسرائيلية، أو حتى تصنيفه ابتسارًا ضمن مرحلةٍ بعينها من مراحل ذلك التاريخ، الذي تَضخَّم حتى صار ورمًا ناتئًا في تاريخ البشرية.

وحتى لو غضَضْنا الطرف عن كل المراحل القديمة في ذلك التاريخ، حسبما أَوردَته المقدَّسات الإسرائيلية، بحسبانها مراحلَ بداوةٍ وعدمِ استقرار، لم تسمح لها ظروفها بترك آثارٍ واضحة يمكن قراءتها، وبدأنا من زمنِ قيام الدولة، بحسبان التاريخ عادةً ما يبدأ مع الاستقرار، وقيام الكيان السياسي والتدوين؛ أي لو بدأنا مع المملكة التي أقامها «شاول وداود وسليمان»، رغم عدمِ ثبوت التدوين آنذاك (حوالي ١٠٠٠ق.م) لما وجدنا لأيٍّ من تلك الأسماء المُضخَّمة قدسيًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، أيَّ ذِكرٍ في سجلاتِ أيٍّ من دول المنطقة بكاملها ودون استثناء، ذلك رغم ما قِيل عن عظمةِ تلك المملكة واتساعِها وجبروتها وعِظَم شأنها ومنشآتها. مع ما زُعم عن الهيكل والقصور والجيش العرمرم، مهما دقَّقتَ النظر وأَعيَيتَ الذهن، فلن تجد أية إشارة، لا لمملكةٍ عظيمة ولا لمملكةٍ وضيعة، وحتى في حفائر الدُّويلة الحالية، ولا أَثَر معماري واحد بقي يتيمًا كشهادةٍ واحدة على تلك المنشآت التي صدَّعَت بها أسفارُ المُقدَّسات رءوسنا، بينما نجدُ ما يقف بلا ضجيج، بدل الشاهد ألفًا، في آثارِ فراعينِ مصر الذين سفَّهَتهم المقدَّسات البدوية عمومًا، وأظهرتهم في المراتب الدنيا من تاريخ الإنسانية؛ فالمملكة التي حدثَتنا عنها مقدَّساتُ البدو وعن عظمتها لا شيء عنها البتة، لا في أثَر على ظهر الأرض، ولا في باطن الأرض، ولا حتى في الورق! اللهم إلا ورق المقدَّس وحده، وهو في موازين التاريخ والبحث العلمي، ما لم تُخترَع له وَحدةُ قياسٍ بعد.

هذا ما كان عن القصور الأول في تاريخ جماعة بني إسرائيل، والذي جعل من الصعب تدقيق الاصطلاح الصادقِ الدلالة عليهم؛ فمع تاريخٍ كهذا لن تكون واثقًا عن أيِّ شيءٍ تتحدث بالضبط، ولا يبقى لديك سوى مَأثَرتهم الوحيدة (العهد القديم من الكتاب المقدَّس) لِتتناول التاريخ الوارد فيه بالدرس. لكن الكتاب المقدَّس نفسه يضعك في حَيرة عندما تريد تدقيق الاصطلاح، ما بين العبريِّين واليهود والإسرائيليِّين، لكن العجيب في الأمر، والمثير لدهشة الباحث وقلقه معًا، هو ذلك التكامُل المُدهِش في ذلك المأثور، الذي يندرج ضمن التاريخ أكثر مما يندرج ضمن الدين؛ فيظهر بمظهر الدقة الصارمة، ويتحدث عن الجماعة الإسرائيلية من البدء، نسبًا لنسب، ليرتفع بهم إلى أَرُومتهِم «النبي إبراهيم عليه السلام»، ثم يصعد ليصل إلى شخصيةٍ تراثية أبعدَ هي «النبي نوح عليه السلام»، ثم يُغالي دون أن يُبالي، فيرتفع بسلسلة الأنساب حتى يصلها مباشرةً بشخصيةٍ تراثيةٍ أخرى هي «آدم» أبو البشر، مع تفصيلٍ لكثيرٍ من الدقائق والمُنمنمات التي يُقدِّمها كشواهد، إثباتًا للمصداقية، هذا عَلمًا أن كل هذا المُدوَّن الذي يضرب في عُمق الزمن السحيق، لم يتم تدوينه إلا في زمنٍ متأخرٍ جدًّا بما لا يُقارب، قياسًا على زمن الأحداث التي يرويها؛ حيث لم يبدأ تدوين المقدَّس الإسرائيلي حَسَب أَبعدِ الترجيحات، وأكثرِها تأوُّلًا لصالح بني إسرائيل، إلا مع بداية الألف الأولى قبل الميلاد.

وإزاءَ هذا التأخير في التدوين، مع التكامُل الظاهري، والإصرار على التدقيق في تفاصيلِ أحداثٍ سحيقة في القِدم، فإن أيَّ باحثٍ لا يملك سِوى أن يرى في ذلك التاريخ المقدَّس صنعة وانتحالًا واضحَين، وريبةً مركزية تُحيط بها كثيرٌ من الظنون، مما يُفقِده الكثير من المصداقية لأول وهلة، وقبل وضعه على أيِّ ميزان. هذا ناهيك عما تلبَّس بهذا التاريخ من أساطيرَ ومُبالَغاتٍ لا تخلو منها صفحةٌ من صفحات ذلك المقدَّس، ملتبسةً بأحداثٍ أخرى واقعية، وتتم روايةُ ذلك المزيج الهجين بحُسبانه في مجمله أحداثًا تاريخية واقعية، مما يُلقي مزيدًا من ظلال الشكوك على الحدَث نفسه، الذي يُروى كواقعةٍ تاريخية.

أمَّا ما يزيد الأمر تعقيدًا، فهو أن تلك الجماعة، وحسب الكتاب المقدَّس ذاته، قد مرت بعدةِ أدوار، انتَقلَت فيها نقلاتٍ هائلةً ومتغيرة كميًّا وكيفيًّا، بحيث لا يمكنك في مرحلةٍ بعينها، الزعم أنك تتحدث دون خلط، وهو ما ألقى بظلاله على تدقيق الاصطلاح المناسب الدال على تلك الجماعة البشرية؛ فاصطلاح العبريِّين يرتبط أساسًا بلغة تلك الجماعة، والمعروفة باللغة العبرية، كما يرتبط من جهةٍ أخرى بتفسير الباحثِين للاصطلاح بحسبانه دالًّا على حدَثٍ تاريخي، هو عبور القَبيلة الأولى (الإبراهيمية) للنهر، في هجرتها من وطنها الأصلي إلى كنعان، ويتضارب الباحثون التوراتيون — دون الشعور بأيِّ خَلَل — ما بين كون هذا العبور لنهر الفُرات أو لنهر الأردن؛ فالأمر مُقدَّس، ومع المقدَّس كل شيءٍ جائز. وقد كانت هذه الهجرة من مدينة «أور» المزعوم بالتوراة أنها «أور الكلدانيِّين»، والواقعة في أقصى الطرف الجنوبي الغربي لبلاد الرافدَين حَسْبما ذهب الباحثون، والتي ذهبنا نحن بها إلى منطقة «أرارات» في جبال «أرمينيا» حول هضبة أرارات وغربها؛ أي المنطقة الواقعة شمالي العراق وسورية الآن، وذلك في كتابنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول».

ومن جانبنا فقد رأينا اصطلاح «العبريِّين» غير صادق الدلالة إلى حدٍّ بعيد، رغم كونه أكثرَ الاصطلاحات استخدامًا في كتابات الباحثِين، وموقفنا يتأسَّس على خطأ نراه أساسيًّا في مستند هؤلاء؛ لأن الكلمة «عبري» لا تعود بحالٍ إلى عبورِ نهر، وإعادتها لعبور القبيلة الإبراهيمية للنهر، قُصد بها تخريجٌ يتماشى مع سيناريو كاتبِ هذا الجزء بالكتاب المقدَّس الذي دون قصة الهجرة الإبراهيمية من «أور» إلى كنعان. بينما الأصل يعود إلى أن القبيلة الإبراهيمية المعنية بهذا الاصطلاح تعود بنسبها إلى الجد المدعو «عابر»، وذلك حسب شجرة الأنساب التوراتية؛ فإبراهيم هو ابن تارح (آذر في الرواية الإسلامية)، ابن ناحور بن سروج بن رعو فالج بن عابر، وعابر هذا هو حفيد سام بن نوح. وتعود أهمية «عابر» في هذا السلسال حسب التعليلات التوارتية، إلى أنه في زمنه وزمن ولده «فالج»، قُسِّمَت الأرض حسب ألسنتها إلى شعوب وأجناس، ووُزِّعَت على خريطة المنطقة، بحيث تميَّز العبريون في هذه القسمة عن غيرهم من الشعوب؛ لذلك لا يني الكتاب المُقدَّس يذكر الجَد عابرًا بشكلٍ متواتر، قاصدًا به الدلالة على الشعب الذي تناسَل عن النبي إبراهيم تحديدًا.

ومكمن الخطأ في استخدام هذا الاصطلاح، هو أنه إلى «عابر» ذاته، تعود مجموعةٌ أخرى من الشعوب، حسب القسمة التوراتية ذاتها، هم أبناء «يقظان» أحد أبناء عابر. وأبناء يقظان هم عرب جزيرة العرب وبخاصة جنوبها «قحطان»؛ لذلك فإن دلالة «عبري» حسب المُقدَّس، تشمل بني إسرائيل، كما تشمل شعوب جزيرة العرب؛ فهي دلالةٌ أوسعُ وأشملُ وأعمُّ من بني إسرائيل وحدهم. وكما تُبيِّن دلالتها في الكتاب المُقدَّس، فهي تشير إلى الرعاة وأصحاب نهج البداوة بشكلٍ عام، وحيثما استعملنا التعبير «عبري»، يتبادر إلى الذهن فورًا تعبير «عربي» كمصطلحٍ دالٍّ على الرعي والبداوي، ولْنلحَظ أنه بظاهرة الميتاتيز الفونيطيقي (القلب اللساني)، يمكن أن تتبادل «عبري» و«عربي». وعلى مستوى اللسان فإنه من «عبري» يكون التعبير، أو الإفصاح من «عبر» ومن «عربي» يكون الإعراب «أعرب» أي أَفصح وعبر وهو يحمل ذات الدلالة، ولا يفوتنا الاقتراب الحميم بين اللغتَين العربية والعبرية تحديدًا من بين بقيةِ فروعِ شجرة اللغات السامية. وفي المأثورة «إسماعيل» أبو العربان، هو أخٌ لإسحاق أَرُومة بني إسرائيل، وفي التاريخ تحدَّثَت وثائق الرافدَين عن مملكة «عريبي»١٤ بينما تحدثت وثائق مصر عن البدو باسم «عبيرو»١٥ ولْنَلحظْ أمرًا لا يخفى مغزاه، وهو اعتماد المؤرِّخِين الإسلاميِّين على شجرة الأنساب التوراتية، في حال تنسيبهم لشخصياتٍ عربية تاريخية، بحيث تعود تلك الشخصيات دومًا في النهاية إلى الشجرة العبرية.

وفي حال احتساب اصطلاح عريبي منسوبَا إلى اللغة العبرية، فإنه من المفيد أن نعلم، أن اللغة العبرية نفسها لم تكن لغةً بذاتها بهذا الاسم، بل هي «شَفَة كنعان» (إشعيا، ١٩: ٨٦)؛ أيْ لسان الكنعانيِّين؛ حيث اكتَسبَتها القبيلة الإبراهيمية بعد نزولها فلسطين؛ حيث سَكنَت بين سكانها الكنعانيِّين، وتكلَّمَت بلسانهم اكتسابًا؛ وعليه، فإن استخدام اصطلاح عبري سيشمل القبيلة الإبراهيمية الوافدة، والكنعانيِّين سكان فلسطين، وعرب الجزيرة، وما أَبعدَ ذلك عن الصحة والسلامة، ومن هنا رأينا أن اصطلاح عبري، لا يفي بدقةٍ للدلالة على بني إسرائيل بقَدْر ما يدل على البداوة عمومًا.

أمَّا اصطلاح «يهود»، فهو لا يشير إلى جنسٍ بعينه، أو شعبٍ بذاته، أو مكانٍ مُحدَّد، أو لكيانٍ سياسي بخصوصيته ونظامه، قَدْر ما يشير إلى تصنيفٍ طائفي، يتأسَّس على العقيدة والملة التي اجتمع عليها البشر، الذين شكَّلوا الجماعة الإسرائيلية، وتعود التسمية «يهود» إلى رب هؤلاء المعبود فيما بعدَ العهد الموسوي باسم «يهوه»، ثم إلى أحد الأسباط من أبناء يعقوب، والمدعو «يهوذا»، الذي سُمي به قسمٌ منفصل عن دولة سليمان حمل اسم «مملكة يهوذا». والاصطلاح واضح القصور؛ حيث لم يظهر الإله يهوه إلا مع ظهور النبي موسى عليه السلام، والنبي موسى هو أحد أحفادِ سِبطِ لاوي أو ليفي بن يعقوب المعروف بإسرائيل، حوالي عام ١٢٥٠ق.م، مع إسقاط كل المراحل السابقة في تاريخ تلك الجماعة. هذا ناهيك عن كونه لا يفي إطلاقًا بدلالته الصادقة، على الشراذم المؤتلفة اليوم في دولة إسرائيل، والتي لا تجمعها لا لغةٌ مشتركة ولا تاريخٌ واحد، ولا جنس، ولا موطن، ولا يجمعها شيءٌ سوى الملة والطائفة، والمبدأ العنصري الذي يقوم عليه ذلك الكيان، وإعمالًا لذلك فإن اصطلاح «يهود» لا يحمل دلالةً صادقةً على الجماعة الإسرائيلية المقصودة في الكتاب المقدس.

ومن هنا، فقد ملنا إلى استخدام اصطلاح «بني إسرائيل» الذي يشير إلى الجماعة القديمة، صاحبة ذلك التاريخ المقدَّس، رغم ما قد يلحق ذلك الاصطلاح بدوره من عيوب، وهو اصطلاحٌ يعود في مَنشئه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، في قصةٍ مقدَّسة ومشهورة تقول إن يعقوب التقى ربًّا يعرف بالاسم «إيل»، وكان رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وظل ربًّا لتلك الجماعة حتى ظهور النبي موسى وربِّه «يهوه». وتحكي القصة النزال الجسدي بين يعقوب وإيل، وكادت المصارعة تُحسم لصالح يعقوب، لولا أن كشف إيل عن شخصيته الإلهية ليعقوب؛ حيث أمره بتبديلِ اسمه من يعقوب إلى إسرائيل، وهو نحتٌ لفظيٌّ مُركَّب من مُلصقَين، بترجمة بعض الباحثِين تجميلًا، وربما مجاملةً لشعب الرب، بالترجمة «جندي الرب»، بينما صدق التسمية لدينا هي «صراع-إيل» أي مصارع الرب، أو الذي صرع الرب وهزمه، ولو كان صدق التسمية هو «جندي الرب» لكان الأصل العبري هو «صبت-إيل» وليس «أسر = إيل» «صرع = إيل» (انظر: الكتاب المُقدَّس، سفر ٢٢: ٣٢–٢٩).

وقد مِلنا إلى استخدام اصطلاح بني إسرائيل، رغم كونه لا يشمل سلف الجماعة قبل يعقوب «إسحاق وإبراهيم»، لكنه على أيةِ حالٍ الأقرب إليهم زمانًا؛ فيعقوب حفيدُ إبراهيمَ مباشرة، هذا بالإضافة لكونه تابعًا في العقيدة للإله «إيل»، بينما يرتبط يعقوب نفسه من جهة أخرى، بالأسباط بني إسرائيل وهم بنوه، الذين جاء من نسلهم موسى عليه السلام صاحب الإله الجديد «يهوه».

(٧) أدوار التاريخ الإسرائيلي

من المتفق عليه بين الباحثِين المهتمِّين بدراسةِ تاريخ الجماعة الإسرائيلية اللجوء إلى تقسيم هذا التاريخ إلى مراحلَ أو أدوار، في محاولةٍ لِتجاوُز الصعاب والعقبات التي ربما تعرض لونًا من الاستحالة، في حال معالجته كتاريخٍ متصل. وهي الصعاب الناتجة عن العيوب الأساسية في مسيرة هذا التاريخ، والتي أشرنا إليها. وقد اختلف تقسيمُ تاريخِ بني إسرائيل بيد المؤرِّخِين حسب الرؤية، والمنهج، والمدرسة، والأيديولوجيا في أغلب الأحيان. وللإيجاز سنعمِد إلى الرؤى المطروحة والمعلومة لدى القارئ العربي، وأوسعها انتشارًا: تقسيم «فيليب حتي» لهذا التاريخ إلى دورَين رئيسيَّين، يعتمدان خط الهجرات للجماعة الإسرائيلية إلى فلسطين، والذي تَمَّ في هجرتَين رئيسيتَين، تفصل بينهما مرحلةٌ زمانية. تعود الهجرة الأولى منهما إلى القبيلة الأولى في التاريخ الإسرائيلي (القبيلة الإبراهيمية)، وهي الهجرة التي هبَط فيها البطرك إبراهيم وعائلته أرضَ فلسطينَ في استيطانٍ أول، أمَّا الهجرة الثانية فكانت في الزعم المقدَّس مُجرَّد عودةٍ إلى فلسطين، بعد أن اضطَرت المجاعةُ وشظف العيش النبي «يعقوب» وأسباطَه أحفاد إبراهيم عليه السلام، إلى هبوط مصر طلبًا للقُوت. حيث لبثوا هناك زمنًا عادوا بعده في هجرةٍ ثانيةٍ إلى فلسطين، لكن الهجرة هذه المرة، ضمت عددا هائلًا من البشر. وتأسيسًا على ذلك أقام «فيليب حتي» تقسيمه لتاريخِ بني إسرائيل إلى دورَين مثلهُما هجرتَين إلى فلسطين، لكنه يؤكد أن التاريخ الحقيقي لِتلك الجماعة، وظهورهم في التاريخ (كشعب)، إنما يبدأ من الهجرة الثانية؛ أي من خروجهم من مصر بقيادة النبي موسى عليه السلام، حوالي عام ١٢٣٤–١٢١٥ق.م فيما يذهب هو إليه، وأن هذا الخروج أو الهروب أو الهجرة، لم تشمل سوى قبيلةٍ واحدة فقط من جماعة إسرائيل، هي قبيلة راحيل،١٦ نسبة إلى راحيل الزوجة الثانية ليعقوب وهي أم يوسف النبي عليه السلام وأخيه بنيامين، والمقصود هنا أن القَبيلة التي دَخلَت مصر وخَرجَت منها هي نسلُ راحيلَ فقط دون بقية الجماعة الإسرائيلية.
وإن المؤرخ «فيليب حتي» وهو يضع ذلك اللغم، يتركه ويستمر في عرضِ تاريخِ الجماعة، لكن بعد أن يُشعل فتيلَه الذي يُشير لقارئٍ لبيب، لديه إلمامٌ كافٍ بالتاريخ المقدَّس، إلى تفجُّر وتشظِّي الجماعة الإسرائيلية قبل دخولِ مصر، وإلى احتمال أنها لم تكن يومًا جماعةً واحدة، إنما حدث لها ائتلاف بعد الخروج بقيادةِ قبيلةِ راحيل، وأن الخروج لم يشمل إلا عددًا مُحدَّدًا من بني يعقوب (إسرائيل)؛ وعليه فلا مندوحة لعقلٍ ناقد من الاستدلال من رؤية «حتي» على أن جماعة إسرائيل لم تتكون حقيقةً إلا بعد الخروج، وبالتدريج لِتتشكَّل من ائتلافٍ قبلي كان «أصلًا مُتعدِّد العروق ومُختلِف المشارب»، ولم يكن من بينها من هو أصيل النسب لإسرائيل سوى أبناء راحيل، وهو أمرٌ يمكن أن يؤدي بإعمال البحث المُدقِّق إلى نتائجَ هائلةٍ في محتواها، وهو ما نُحاوِل إعمال البحث فيه حاليًّا، في كتاب لا زال مشروعًا قيد البحث بعنوان «النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة».١٧
أمَّا عالم الساميات «سبتنيوموسكاتي» فيلجأ في تقسيمه للتاريخ الإسرائيلي إلى أدوار، مستندًا إلى رؤيةٍ أخرى، ترتبط بمراحل الاستيطان والارتحال الإسرائيلي من مواطنَ مختلفةٍ ومتباينة إلى مواطنَ أخرى متباعدة، يبدؤها بالمأثور التوراتي حول إقامة القبيلة الأولى (الإبراهيمية) في جنوب بلاد الرافدَين (وهو يُسلِّم بذلك دون مناقشة)، ثم هجرتهم من هناك إلى فلسطين. ثم يُثني على الدور الثاني الذي هاجر فيه يعقوب (إسرائيل) وأولاده إلى مصر حيث أقاموا فيها إلى أن انتهى بهم الأمرُ إلى الاضطهاد، ثم الخروج من مصر إلى سيناء بقيادة موسى النبي عليه السلام. ثم ينتقل إلى الدور الثالث والأخير في تقسيمه، والذي يرتبط بدخولهم أرضَ فلسطين في سلسلةٍ من الحملات، التي وُجِّهَت إلى جنوب فلسطين ووسطها وشمالها، حتى استيطانهم فيها، وينسب تلك الأحداث إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، مشيرًا إلى حفائرَ آثارية في جنوب فلسطين، تشهد بتدميرِ بعض المدن حوالي ذلك الزمن، ويحتسب ذلك دليلًا كافيًا على حدوث الهجوم الإسرائيلي على فلسطين.١٨ وهو الأمر الذي يُؤخَذ على باحثٍ في وزنِ موسكاتي؛ فدليله واضحُ التحيُّز وبيِّنُ القصور؛ لأنك لن تحفِر الأرض في أي موطنٍ في الشرق الأوسط، إلا وتجد قرًى وبلادًا عفَّى عليها الزمان، بعد تدميرها على يد أقوامٍ أخرى، ومعلومٌ أن منطقة الشرق الأوسط كانت تموج لمدى ثلاثة آلافِ عام قبل الميلاد بالحركات البشرية والهجرات، ومعلومٌ أيضًا أن فلسطين نالها النصيب الأكبر من اصطراعِ تلك الجموع البشرية الهائلة، لموقعها الجغرافي المركزي في بطن المنطقة؛ وعليه فإن وجود قرًى مُدمَّرة في طبقاتِ الحفائر بفلسطين لا يشير بالشرط والقطع إلى بني إسرائيلَ تحديدًا في الزمن الذي يُشير إليه، وكون فلسطين كانت طَوالَ تاريخها معبرًا لجميع الشعوب المُهاجِرة، وساحةً لمعاركِ الإمبراطوريات الكبرى المتصارعة دومًا (مصر، أشور، بابل، الحيثيِّين)، كفيلٌ وحدَه بجعلِ فلسطين تنالُ نصيبًا أوفر من الدمار المُتواصِل، أكثرَ من مواضعَ أخرى كثيرةٍ في الشرق القديم.

هذا بينما يذهب باحثٌ آخر هو «أحمد سوسة» إلى تقسيم التاريخ الإسرائيلي إلى أدوارٍ ثلاثة، يعتمد ذات خط «موسكاتي»؛ أقصد نظرية المَواطن التي تقاسَمَت حركة التبدِّي للجماعة الإسرائيلية، لكنه يُخالفه في تزمين تلك المراحل طولًا أو قِصرًا؛ فالدور الأول يبدأ بهجرة النبي إبراهيم عليه السلام، مع قبيلته، من «أور الكلدانيِّين» جنوبي بلاد الرافدَين، لكنه يمد هذا الدور زمنيًّا لِيُنهيَه باستقرار الإسرائيليِّين في مصر. حتى يزعم أنه بعد هبوطهم مصر، اندمجوا كليةً في البيئة المصرية، بعد قضاءِ ستةِ قرونٍ كاملة هناك (وهو تقديرٌ خاص بأحمد سوسة). لكن مسألة الاندماج التامِّ رأي له وجاهته، في ضوء ما يعرفه التاريخ، عن قُدرة مصر الفذَّة في امتصاص الغُرباء وتمصيرهم، في أزمنةٍ أقصرَ بكثير من المدة المزعومة لبقاء الإسرائيليِّين بمصر. ثم ينتقل «سوسة» بعد ذلك إلى الدور الثاني، الذي يبدؤه النبي موسى عليه السلام وجماعته، في نزوحهم من مصر إلى فلسطين، ويذهب في ذلك إلى رأيٍ فريد؛ فيقول: إن رحلة الخروج التي أَسهَب في روايتها الكتاب المقدَّس، وتُعتبر حَجَر الزاوية في البناء التاريخي لإسرائيل بكامله، ليست سوى «حملةٍ مصرية، مؤلَّفة من جماعة من المصريِّين، وبقايا الهكسوس، يدينون بدين التوحيد، الذي ورِثوه عن إخناتون فرعون مصر، واضطُرُّوا تحت ضغط الوثنيِّين واضطهادهم إياهم إلى الهروب من مصر، والتوجُّه إلى أرض كنعان.»

بل ويذهب «سوسة» إلى أن هؤلاء الخارجِين لا ريب كانوا «يتكلمون باللغة المصرية، وبها كلَّمهم موسى على وجه التأكيد، وقد نَسبَت التوراة هذه الحملة إلى بني إسرائيل؛ بغية ربط هذه الجماعة بيعقوب وبإبراهيم الخليل، كما نَسبَت موسى إلى كهنةِ بني لاوي بن يعقوب، في حين أن الرأي الغالب لدى الباحثِين في هذا العصر، هو أن موسى كان قائدًا في بلاط إخناتون، يدين بدين التوحيد الذي دعا إليه إخناتون. ورواية التوراة نفسها تُشير إلى أن موسى تربى مصريًّا في بلاط فرعون، واتخذَته ابنة فرعون ابنًا لها (خروج، ٢: ١٠)، ثُمَّ تزوَّج من امرأةٍ كوشية (زنجية) (عدد، ١٢: ١٠)؛ فلو كان لاوي في الوجود زمنه، لتزوج إحدى بنات عمومته. ومن الثابت لدى العلماء، أن اسم موسى اسمٌ مصري صميم، تَسمَّى به أباطرة عصر الإمبراطورية: أحمس أو «أح موسى» تحوتمس أو «تحوت موسى»، رعمسيس أو «رع موسى»، أمَّا لغة هذه الشريعة فالأرجح عندنا أنها كانت باللغة المصرية، وقد أَخذَت جماعة موسى بالحضارة الكنعانية وتقاليدها وعاداتها، كما أخذَت بلغتها الكنعانية … أمَّا لغتهم التي صارت تُسمَّى بالعبرية في وقتٍ لاحق، فهي إحدى اللهجات التي اقتبسوها من الآرامية، وقد تكوَّنَت بمرور أكثر من ستمائةِ عامٍ على دخولهم أرضَ فلسطين وبها كُتِبَت التوراة في بابل بعد عهدِ موسى بثمانمائةِ عام، وبعد عدةِ قرونٍ اقتَبسَت هذه الجماعة الكثير من أسس الديانة والعبادة الكنعانية، وصارت جزءًا من ديانتها.»١٩
ثم ينتقل «سوسة» إلى الدور الثالث من أدوار التاريخ الإسرائيلي، فينتقل مع بني إسرائيل إلى موطنٍ ثالث، يبدأ بسبيهم من فلسطين إلى بابل على يد «نبوخذ نصر الثاني الكلداني»، وذلك حوالي عام ٥٨٦–٥٣٩ق.م؛ حيث أقاموا في بابل إقامةً أدت إلى تطوُّرٍ هائل في العقيدة اليهودية خلال القرون التالية، كما كان لتلك الإقامة أهميةٌ أخرى؛ فقد دُوِّنَت في بلاد الرافدَين — أثناء الأَسْر — أَهمُّ فصول التوراة. ويذهب «سوسة» إلى أنه ربما كان في حَوزتهِم، نسخةٌ من وصايا موسى الأصلية، المكتوبة بالهيروغليفية، قَدَّمَت لهم المادة الأساسية والخام، لعملهم بالكتاب المقدَّس.٢٠
ثم نجد لونًا آخر من تقسيم التاريخ الإسرائيلي، لا يعتمد خط الحركة المهاجرة ولا يأخذ باعتباره المواطن الجغرافية للحِل والتَّرحال، إنما يربط بين أدوار التقسيم، وبين تبادُل الأحداث التي مرَّت بالجماعة الإسرائيلية، وكانت ذات أثرٍ جوهريٍّ في حدوث نقلاتٍ تاريخية، حوَّلَته تحولًا كبيرًا؛ بحيث أصبح ذلك بمثابة الانتقال من دورٍ إلى آخر، مع أخذه بالحسبان، شكلَ الحياة، أو نمطَها السائد، ومدى ما دخلها من تغيُّرات نقلَتها من دور إلى دورٍ آخر في التاريخ، وهو ما نجد نموذجًا له عند «أنيس فريحه» حيث يقول: «مَرَّ العبران في خمسةِ أدوارٍ رئيسية:
  • (١)

    دور البداوة: حيث كانوا من جملة القبائل السامية المنتشرة في شمالي الجزيرة العربية، ولم يكونوا مُوحِّدِين، لكنهم كانوا في طريقهم نحو التوحيد، وأصبح أحد ألهتهم — يهوه — قائدَهم في الحروب، الإله الأول. وكان يهوه إله قبيلةٍ قليلةِ العدد ضيقةِ الآفاق، وكان يتميز بكثيرٍ مما تتميز به آلهة الصحراء؛ فقد كان إلها غيورًا يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، للجيل الثالث والرابع، كان صارمًا شديدًا، حتى إنه لم يرد أن يُرسم له رسمٌ أو نحت، خوفًا من المنافسة، ولكن هذا الإله الصحراوي أصبح على يدَي الأنبياء أمثال إشعيا وعاموس وميخا، إلهًا عالميًّا يأمر بالمحبة والعدل.

  • (٢)

    دور التكوين القومي والسياسي: وهو طور استقرارهم في كنعان، بعد أن دخلوا أسباطًا وعشائر تحت إمرة شيوخهم وقضاتهم، ولم تخضع البلاد لهم برمتها، بل ظلوا يكافحون فيها قرونًا يحاربون، حتى دانت لهم من دان إلى بئر سبع، وكانت الحضارة الكنعانية أرقى من حضارتهم، وكذلك كانت لغة الكنعانيِّين أرقى من لغتهم، فاقتبسوا لغة البلاد واندمجوا في حضارتها وتكوَّنَت على مرِّ الأجيال قوميةٌ عبرية، … وتأسَّسَت الملكية … ونعِموا بفترةِ استقرارٍ ورخاء دامت أكثر من تسعين سنة، ثم إنهم ما لبِثوا أن انقسموا على ذواتهم؛ قسم شمالي عاصمته بالقرب من نابلس الحديثة، وقسم جنوبي عاصمته أورشليم، وفي هذه الفترة، نشأ صراعٌ عنيف بين يهوه وبين آلهةٍ أخرى زراعية، وقام نزاعٌ بين كهنة البعل وكهنة يهوه، واشتد الصرع بين العادات الصحراوية القَبلية، وبين العادات الزراعية الحضرية.

  • (٣)

    دور السبي: في سنة ٧٢١ق.م وَقعَت المملكة الشمالية إسرائيل في قبضة الآشوريِّين، فخرَّبوا العاصمة، وأجلَوا قسمًا كبيرًا من السكان إلى العراق، وفي عام ٥٨٦ق.م، وَقعَت المملكة الجنوبية في قبضة البابليِّين، وخرَّبوا العاصمة، ودكُّوا معالم الهيكل، وأجلَوا السكَّان إلى بابل.

  • (٤)

    دور الرجعة إلى موطنهم: كان رجوعهم إلى فلسطين على يد الفرس، وقد انصَبَّ حماسهم في إعادة بناء الهيكل … وفي هذه الفترة وُضِعَت أكثر أسفار التوراة، كما نعرفها حتى يومنا هذا … وهذه الفترة كانت فترةَ نضوجِ اليهودية الرسمية التقليدية.

  • (٥)
    دور وقوعهم تحت الهلِّينية: وَقعَت فلسطين تحت حكم الإغريق عند أواخر القرن الرابع ق.م، فنشأت حربٌ فكرية عقائدية بين الإغريق واليهود … وقد اشتد العداء واستفحل، فنشِبَت بينهم حروبٌ دامية تُعرف بحروب المكابيِّين … وقرَّر أنطيوخس أبيفانس أن يمحُو اليهودية من الوجود، فجرَّد عليهم طيطس الروماني عام ٧٠ للميلاد حملةً كبيرة، كانت القاضية، فخرَّب الهيكل وأحرقَه، وتشتَّت اليهود في جميع أنحاء المعمورة.»٢١

(٨) أحداث الدخول في الطور الإيلي الإبراهيمي

تبدأ الأحداث في الأصل، بنزول إسرائيل (وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) إلى مصر، بصحبة بنيه من الأسباط الأحد عشر، بعد أن استدعاهم ولده الأثير، السبط الثاني عشر (يوسف عليه السلام)، والذي سبق أن بِيع رقيقًا في مصر، بعد مؤامرة من أشقائه لاستبعاده، كي يخلُو لهم وجه أبيهم، وفي مصر تقلَّبَت به الأحوال، حتى انتهى وزيرًا لخزانة المصريِّين.

وتقول التوراة: إن بني إسرائيل قد قضَوا في مصر ٤٣٠ عامًا، لكنها لا تُحدثنا إطلاقًا، عما جرى لبني إسرائيل هناك طَوالَ تلك السنين، رغم ميلها المعهود إلى التفصيل والتَّكرار المُمل، فقط تبدأ التوراة عادتها، بالشرح والتفصيل والتكرار كدأبها، مع ظهور النبي موسى عليه السلام، الذي قُدِّر له أن يقود بني إسرائيل في رحلةِ خروجٍ أو هروبٍ كبرى إلى فلسطين.

ومن المشكلات العصية على أي باحث، هو محاولة القطع بشأن الزمن الذي بدأ فيه ظهور القبيلة الإسرائيلية أصلًا، على صفحات التاريخ، مع جدهم البعيد إبراهيم، وإن كان الأقرب للقبول افتراضًا، هو تواجُد الجد إبراهيم عليه السلام خلال القرن السابع عشر قبل الميلاد، وذلك وَفْق مقارباتٍ افتراضية، تستند إلى روايةٍ توراتية، تتحدث عن مهاجمةِ فرعون مصري لمملكة إسرائيل بعد موت ملكها سليمان مباشرة، وقد ذكرته التوراة باسم «شيشق»، ولأن تاريخ مصر المُدوَّن في آثارهم، حدَّثَنا عن فرعون باسم «شيشنق»، وأنه كان صاحب حملاتٍ على بلاد الشام وفلسطين، فقد تم لأول مرةٍ محاولةُ ضبطِ التاريخ الإسرائيلي متوافقًا التاريخ المصري، «وتم التزمين الافتراضي لزمن سليمان، بمطابقته مع زمن شيشنق الأول أو «شيشق» الذي عاش حوالي ١٠٠٠ق.م»؛ وعليه فقد وُضِعَت خطة تُرتِّب الأزمنة والأحداث والشخصيات التاريخية الهامة، ارتجاعيًّا، بدءًا من زمن شيشنق الأول وسليمان، وَفْق سياقٍ افتراضي يصل في النهاية إلى زمن الجد إبراهيم عليه السلام.

وإن الأحداث التي تتعلق بحدثي الدخول والخروج، يمكن تقسيمها بين مرحلتَين أو طورَين، هما الطور الإيلي الإبراهيمي، وخلاله تَمَّ حدث الدخول، ثم الطَّور الثاني اليهوي أو الموسوي وخلالَه ثم حدَث الخروج؛ وعليه فإن أحداث الدخول، هي تلك التي تبدأ بزمن الجد إبراهيم، وتنتهي بظهور النبي موسى على الأحداث؛ حيث يبدأ بعد ذلك حدث الخروج.

ويتضح من رواية «الكتاب المقدس»، أن تلك الجماعة قد عاشت هذا الطور في حالةٍ من التبدِّي والارتحال الدائمَين، وكان إبراهيم عليه السلام راعيًا للمواشي، كذلك كان أبناؤه هبوطًا من إسحاق إلى يعقوب. وهو ما يتضح في قول يوسف عندما استقبل إخوته بمصر «… ثم قال يوسف لإخوته ولبيت أبيه: أَصعَد وأُخبِر الفرعون وأقول له: إخوتي وبيت أبي الذين في أرض كنعان جاءوا إليَّ، والرجال رعاةُ غنم؛ فإنهم كانوا أهل مواشٍ، وقد جاءوا بغنَمهم وبقَرهم وكُلِّ ما لهم، فيكون إذا دعاكم فرعون وقال ما صناعتكم، أن تقولوا: عبيدُكَ أهل مواشٍ منذ صبانا إلى الآن، نحن وآباؤنا جميعًا. لكي تسكنوا أرض جاسان؛ «لأن كل راعي غنمٍ رجسٌ للمصريِّين»» (تكوين، ٤٦: ٣١-٣٢).

لكن ثَمَّةَ إشاراتٌ غامضة في مصر ما بين يوسف وموسى، غلب عليها حكاية الاضطهاد، لكن عملهم قبل ذلك أيام فرعون يوسف كان رعاية مواشي الفرعون، أو كما جاء بالكتاب المقدَّس «فكلم فرعون يوسف قائلًا: أبوك وإخوتك جاءوا إليك أرض مصر، قُدَّامَك في أفضلِ أرضٍ أَسكِن أباك وإخوتك، ليسكنوا في أرضِ جاسان، وإن علمتُ أنه يُوجد بينهم ذوو قدرة، فأجعلهم رؤساء مواشٍ على التي لي» (تكوين، ٤٧: ٥-٦).

هذا إضافةً إلى ما يُظهِره السرد التوراتي لحياة إبراهيم ونسله في أرض كنعان، وأنها كانت ارتحالًا دائمًا وراء الكلأ؛ حيث تجد النغمة السائدة «ثم ارتحل إبراهيم ارتحالًا متواليًا» (تكوين، ١٢: ١٩)، دونما استقرار؛ فلم يعرفوا سكن البيوت، بل سكنوا في خيامٍ متنقلة، وعادةً ما كان الرب يظهر لإبراهيم وهو يقضي القيلولة أمام خيمته «وظهر له الرب عند بَلُوطاتِ مَمْرَا، وهو جالس في باب الخيمة، وقتَ حرِّ النهار» (تكوين، ١٨: ١٥).

ومن الطبيعي أن يستتبع العملُ بالرعي هجراتٍ متعددة وراء الشعب، وحسب حال الطبيعة من وجودٍ أو شُح؛ لذلك كان نزولهم مصرَ في عهد إبراهيم، وفي عهدِ يوسفَ بن يعقوب، وعادةً ما كان يسبق تلك الحركة المُهاجرة الإشارة إلى نزولِ جوعٍ بالأرض «وحدَث جوعٌ في الأرض، فانحدر إبرام إلى مصر لِيتغرَّب هناك» (تكوين، ١٢: ١٠)، «وكان الجوع على وجهِ كُل الأرض … فلمَّا رأى يعقوب أنه يُوجد قمح في مصر، قال يعقوب لِبنِيه: لماذا تنظرون بعضكم إلى بعض؟ وقال: إني قد سمِعتُ أنه يُوجد قمحٌ في مصر، انزلوا إلى هناك» (تكوين، ٤١: ٥٦؛ ٤٢: ١-٢).

ويبدو من عدةِ شواهدَ أخرى، أن أَهمَّ مَظاهرِ ثروتهم التي تمثَّلَت في الأنعام، كانت ثرواتٍ عائليةً لا فرديةً ولا قبلية إنما كانت ملكيةً عائلية أُسرية؛ فنجد أن لوطًا ابن أخي إبراهيم، له ولأسرته أملاكها من المواشي، ولإبراهيم وأسرته أملاكًا أخرى تخُصُّهم. كذلك الأمر مع أبنائه، بينما كانت أراضي المراعي وآبار المياه ملكيةً جماعية مشاعية، لكن دون ثباتٍ أو دوام؛ فكانت المراعي تتعرَّض للجفاف، والآبار للنضوب، فتنتقل القبيلة مع مواشيها، كما حدث في حال نزولهم إلى مصر، أو في حال استيلائهم على أرض فلسطين. ولم تكن الفروق كبيرةً في ذلك العهد بين ثَروات أُسر تلك القبيلة، ولا بين ثرواتِ الأفراد، إلا في حالاتٍ طارئة تزيد فيها الثروة لأسبابٍ أخرى، وهو مثيلُ ما روَتْه التوراة حول نزول النبي إبراهيم إلى مصر، وما حدَث عندما أخذ الفرعون سارةَ زوجته، «فصنع إلى إبراهيم خيرًا بسببها، وصار له غنمٌ وبقرٌ وحمير وعبيد وإماء وأُتنٌ وجمال … فصَعِد إبراهيم من مصر … وكان إبرام غنيًّا جدًّا في المواشي والفضة والذهب» (تكوين، ١٢: ١٦؛ ١٣: ١-٢). وهو زعمٌ سبَق لكثيرٍ من الكُتَّاب تناوُلُه وتفنيده، ولا يُغنينا منه سوى دلالةِ غنًى أصاب بعضَ رهطِ إسرائيلَ في مصر، أمَّا النبي إبراهيم فلا شك يُراوِدنا في كونه نبيًّا جليلًا، يترفَّع ويَتنزَّه عن مثلِ تلك المزاعم.

وطَوالَ تلك السطور، نجد التوراة تؤُكِّد وتُقرِّر أن «إيل إله إسرائيل» (تكوين، ٢٣: ٢٠)، وقد ظل «إيل» هو الإله الذي يَتردَّد ذِكرُه طَوالَ الحِقبة الممتدة ما بين إبراهيم وموسى؛ أي بِطولِ سِفر التكوين كاملًا، عدا حالاتٍ يُذكر فيها الإله الموسوي (يهوه) قبل ظهور موسى، بديلًا عن «إيل»، بداخلِ سفر التكوين. ومعلومٌ لدى الدارسِين أن ذلك لا يَعني معرفة العهد الإبراهيمي للإله «يهوه»، إنما نعرف أن ذلك كان ناتجَ إدماجِ روايتَين داخلَ سِفر التكوين: روايةٍ كَتبَها من نعرفه اصطلاحًا بالكاتب الإيلي، وراويته هي الغالبة في سِفر التكوين، وروايةٍ كَتبَها من نعرفه اصطلاحًا بالكتاب اليهَوي. لكن ما لا يجب أن يفوت القارئَ هنا، أن الكلمة «إيل» كانت تأتي في حالاتٍ كثيرة في صيغة الجمع «إللوهيم» أي الآلهة.

والإله «إيل» في رواية التوراة، هو الإله الذي يرتبط بمشروع البطاركة للاستيلاء على أرضِ كنعان، بعد هجرتهم من موطنهم الأصلي — وللأبد إلى فلسطين. وهنا لا نستطيع مجاملة الأحداث أو التاريخ؛ فقصة المشروع الإبراهيمي للاستيلاء على فلسطين قصةٌ مُقدَّسة ولا عبرة بتاريخٍ إنساني لم يُدوِّنها أو يعرف شيئًا عنها. وقد اعتمدت، علاقة الإله إيل بالمشروع الاستيطاني على قصةٍ توراتية مقدَّسة تؤكِّد أنه الإله الذي أخرجه من مدينة «أور الكلدانيِّين» موطنه الأصلي البعيد، وهو الإله الذي اختار له أرضَ كنعانَ ومنحه إياها ولنسله من بعده وإلى أبدِ آبدِين، وتكرر صيغة هذا الميثاق في أكثرَ من موضع بسفر التكوين، وقد جاءت على الترتيب في عهد الجد إبراهيم كالآتي:

وقال الرب لإبرام: اذهَب من أرضِكَ ومن عشيرتِكَ ومن بيتِ أبيك، إلى الأرض التي أُريك، فأجعلُكَ أمةً عظيمةً وأُبارِكك، وأُعظِّم اسمكَ وتكون بركة، وأُبارك مُباركِيك، ولاعِنكَ أَلعَنه.

(تكوين، ١٢: ١–٣)
وبعد هبوطه أرضَ كنعان:

ظهر الرب لإبراهيم وقال: لِنسلِكَ أُعطي هذه الأرض.

(تكوين، ١٢: ٧)

ارفع عينَيك وانظر من هذا الموضع الذي أنت فيه، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا؛ لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أُعطيها لنسلِكَ للأبد، وأجعل نَسلَك كتراب الأرض.

(تكوين، ١٣: ١٤–١٦)

في ذلك اليوم قطَع الرب من إبرامَ ميثاقًا قائلًا: لِنسلِكَ أُعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات، القينيِّين والقنزيِّين والقدمونيِّين والحيثيِّين والفرزيِّين والرفائيِّين والأموريِّين والكنعانيِّين والجرجاشيِّين واليبوسيِّين.

(تكوين، ١٥: ١٨–٢١)

وأُقيم عهدي بيني وبينك، وبين نسلِكَ من بعدك في أجيالهم، عهدًا أبديًّا؛ لأكون إلهًا لك ولنسلِكَ من بعدِك، وأُعطي لكَ ولنسلِكَ من بعدِكَ أرضَ غُربتِك، أرضَ كنعان، ملكًا أبديًّا، وأكون إلههم.

(تكوين، ١٧: ٧-٨)

والمتابع للقصة التوراتية عن الإله «إيل» والجد «إبراهيم»، يجد نفسه إزاءَ أسرةٍ صغيرة مُتواضِعة، تَتكوَّن من أفرادٍ يُعدُّون على أصابعِ اليد «إبراهيم وسارة وولدَيه إسماعيل ثم إسحاق»، وأسرة ابن أخيه لوط التي تتكون فقط من زوجة وبنتَين. وللتدقيقِ نجد الوعد قد اقتَصَر فقط على إبراهيم وولده إسحاق، «رجل وزوجته»، جاءوا أغرابًا لينزلوا أرضًا غريبة (أرض غربتهم بتعبير التوراة)، فيمنحهم «إيل» كل الأرض، «ليس قطعةً فيها، ولا قرية، ولا حتى مدينة، إنما كل البلاد والممالك الواقعة ما بين نهر مصر وبين نهر الفرات». رغم سكانها الذين عمَروها من ألوف السنين، وتم تَعدادُهم في نص الوعد «القينيِّين، والقنزيِّين والقدمونيِّين، والحيثيِّين، والفرزيِّين، والرفائيِّين، والأموريِّين، والكنعانيِّين، والجرجاشيِّين، واليبوسيِّين»، والواضح في رواية سِفر التكوين، أن تلك الشعوب قد قَطعَت شوطًا عظيمًا في سُلَّم التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وكوَّنَت عددًا من الممالك المستقرة، وجاء ذِكرُ بعضها في الإصحاح الرابع عشر وغيره؛ مثل مملكة جرار، ومملكة سدوم، ومملكة عمورة، ومملكة أدمة، ومملكة صبويم، ومملكة بالع، ومملكة عمون، ومملكة موآب، ومملكة شاليم. وقد ورد ذِكر تلك المملكة الأخيرة مع اسم ملكها «ملكي صادق» أو الملك صادق، كما جاء مع مملكةِ جرار اسم ملكها الفلسطيني «أبيمالك». كل هذا تعُج به الأرض، بينما كان إبراهيم مجرَّد راعٍ غريب بسيط، صاحب مواشي؛ وعليه فلا مندوحةَ من افتراضِ أن كاتبَ هذا الجزءِ من التوراة، الذي كُتب بعد زمن الجد إبراهيم بقرونٍ طويلة، قد كَتبَه بعد أن وصل الإسرائيليون لدرجةٍ من الاقتدار تسمح لهم بهذا الطموح، فتمَّت ترجمةُ ذلك الطموح إلى اللغة القُدسية، بإعادة القرار بالاستيلاء على فلسطين، إلى علاقةٍ قُدسية بالرب «إيل». والمسألة بذلك تُصبِح قَدَرًا مُقدَّسًا وإلهيًّا، لا مجال للاعتراض عليه؛ بحيث تم منح الأرض بأثرٍ رجعي للسلف البعيد إبراهيم، بينما لم يكن قد أنجب أصلًا. مع وعدٍ آخر بأن ذلك النسل سيكون أعظم الأُمم، ومن هنا تم تزمين الرواية بزمن الجد إبراهيم لِتكتسب قُدسية التقادُم، وإعمالًا لِلمبدأ القانوني القائل بوضع اليد المدة الطويلة المُكسِبة لِلملكية، والذي يبدو أنه اليوم ليس سِوى توارُثٍ عن قواعدِ تلك الأزمان.

وكان المقابل الذي طلبه «إيل» مقابلَ هذه العطية العظيمة، التي يتم فيها سلب الأرض من أصحابها لصالح القبيلة المُغترِبة، هو أن يتم الاعتراف به إلهًا للقبيلة، دون الآلهة الأخرى، وكان لا بُد من توثيق العهد وإشهاره، ليكون التوثيق شاهدًا على مرِّ السنين أمام جميع الشعوب منعًا للنزاع. وكان التوثيق هو أن يضع إبراهيم ونسله علامة الميثاق الشاهدة لتذكر الأحفاد، في علامةٍ مميزة هي «الختان»، وذلك نصًّا «هذا هو عهدي الذي تحفظون بيني وبينكم وبين نسلِكَ من بعدك، يختتن كلُّ ذكرٍ منكم، فتختتنون فيَّ لحكم غُرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم» (تكوين، ١٧: ٩–١١).

أمَّا الغريب في كُل تلك الحكاية، أن «الإله «إيل»، الذي منح الغُرباء أرضَ فلسطين، كان إلهًا كنعانيًّا فلسطينيًّا أصيلًا في المنطقة»، وفي النصوص يمكنك أن ترى ما يُشير إلى أن «إيل» كان غيرَ معروفٍ لإبراهيم عند هبوطه البلاد، وذلك من قبيل القول: وظهر الرب لأبرام وقال: «لِنسلِكَ أُعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحًا للإله الذي ظهر له» (تكوين، ١٢: ٧)؛ فالرب هنا غفلٌ من التعريف أو المعرفة؛ فهو ربٌّ بين أرباب. لكنه يتميز عنهم بأنه هو «الذي ظهر له» لذلك قام الرب بتعريف نفسه لإبراهيم قائلًا: «أنا إله بيت إيل» (تكوين، ٣١: ١٣). ومعلومٌ أن «بيت إيل» مدينةٌ كنعانية مُقدَّسة منذ القِدم، وقد دلَّت الكشوف الأركيولوجية الحديثة على انتشار عبادة «إيل» على نطاقٍ واسع بحسبانه كبيرَ الآلهة، في مناطقِ الشعوب السامية، في بلادِ كنعان والشام جميعًا، والرافدَين وجزيرةِ العربِ وبخاصة جنوبها، بل إنك تَلحَظ ملحوظة على جانبٍ عظيم من الأهمية سَبقَت الإشارة إليها، وهو أنه عند هبوطِ إبراهيمَ وعائلته أرض كنعان، يهجُر لغته الأصلية الآرامية، إلى لغة الكنعانيِّين أهل البلاد، أو شَفَة كنعان بتعبير التوراة.

وقد ظل «إيل» مصاحبًا للنسل الإبراهيمي فإليه يُنسَب «سمع إيل» أو «إسماعيل» ابن إبراهيم الأكبر، والذي تم استبعادُه من التركة لأنه ابنُ جاريةٍ مصرية (؟!) وكان «إيل» هو الذي بشَّر سارةَ بابنها إسحاق، الذي أنجب ولدَين هما «عيسو» و«يعقوب». وتم استبعاد عيسو بدوره من الميراث لتبقي الترِكة خالصةً ليعقوب، الذي كان على علاقةٍ متميزة بالإله إيل؛ فقد ظهر له عدة مراتٍ كان أهمها وأشدها حسمًا، اللقاء الذي تم فيه اختبارُ قوةِ يعقوب بمصارعته جسديًّا، وتبديل اسمه من «يعقوب إلى إسرائيل»؛ ومن ثَمَّ أعاد «إيل» تأكيد الوعد الموثَّق بقوله ليعقوب: «أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق، «والأرض التي أنت مُضَّجِع عليها أُعطيها لك ولِنسلِكَ ويكون نسلُكَ كتُرابِ الأرض، وتمتد غربًا وشرقًا وشمالًا وجنوبًا»» (تكوين، ٢٨: ١٣-١٤). وبهذا استَمَر الوعد لإسرائيل (يعقوب) وبنيه الأسباط الاثنَي عشر «رءوبين، شمعون، لاوي، يهوذا، نفتالي، جاد، أشير، يساكر، زبولون، بنيامين، يوسف»، الذين هبطوا مصر، وعاشوا هناك زمنًا كان كفيلًا بنسيان «إيل»، وربما عبَدوا هناك آلهةَ المصريِّين. ولمَّا جاءهم موسى عليه السلام بعبادة الإله الجديد «يهوه» من بلاد «مديان»، وأخبرهم أنه إلهُ أجدادهم الذي كان يُعبد في كنعان، لم يجدوا غضاضةً في قبوله على الفور، دون تمحيصٍ أو تشكُّكٍ أو حتى محاولةٍ للتأكُّد.

وبعد ذلك، تنقلُنا التوراة نقلةً أخرى، إلى أحداثٍ أخرى، تبدأ بقصةِ تفضيلِ يعقوب لولده يوسف، مما أثار حقد إخوته ومَوجِدتهم، وبحيث لجئوا إلى مؤامرةٍ للتخلُّص منه، وهنا محاولةُ تصفيةٍ أخرى تقوم بها التوراة لِصالحِ قبيلة «راحيل» أي قبيلة يوسف، عن قبائل الأسباط الأخرى، لكنها هنا يبدو قد اصطَدمَت بواقعِ تحالُفِ مجموعاتٍ لا مَناصَ من قَبولهم واستبقائهم، خاصةً أنَّ النبي الآتي (موسى) لن يكون من سِبطِ يوسف، إنما من سِبطِ لاوي.

وهكذا، بدأ الدخول بيوسف الجميل بن إسرائيل، صاحب الأحلام، تلك الأحلام التي أَزعجَت إخوته بشدة، ورأى فيها يوسف إخوته «رمزًا» مع والدَيه يسجدون له، حتى قالوا له: «ألَعلَّكَ تُملَّك علينا ملكًا، أم تتسلَّط علينا تسلُّطًا» (تكوين، ٣٧: ٨). لكن سَيْر أحداث القصة بعد ذلك، يُشير إلى أن أحلام الصبي قد تحقَّقَت بحذافيرها، وأن يوسف سيصير في عليِّين، وأن أهله سيسجدون له فعلًا، لكن في بلاد النيل، حيث تُتابِع الرواية سردها للأحداث فتقول:

«وأمَّا يوسف، فأُنزل إلى مصر، واشتراه فوطيفار، خَصيُّ فِرعونَ رئيس الشرطة، رجلٌ مصري، من يد الإسماعيليِّين الذين أنزلوه هناك، وكان الرب مع يوسف، فكان رجلًا ناجحًا، وكان في بيت سيده المصري … فوجد يوسف نعمة، وخدمةً فوكَّله على بيته، ودفع إلى يده كلَّ ما كان له … والرب بارك بيت المصري بسبب يوسف …»

ثم فجأةً، وبلا مناسبة، تقول الرواية المقدسة: «وكان يوسف حسن الصورة، وحسن المنظر.» توطئةً للتعريف بنساء المصريِّين، فإن «امرأة سيده رَفعَت عينَيها إلى يوسف، وقالت اضطَجِع معي فأبى.» واستمر يوسف يَتأبَّى على سيدة القصر حتى كان يوم «أنه دخل البيت ليعمل عمله، ولم يكن إنسانٌ من أهل البيت هناك في البيت، فأَمسكَته بثوبه قائلة: اضطجِع معي، فترك ثوبَه في يدها وهرب.» فما كان من المرأة التي شبقَت بالاشتهاء إلا أن نادت أهل بيتها وكلمتهم قائلة: «انظروا، وقد أتى إلينا برجلٍ عبراني لِيُداعبنا، دخل إليَّ لِيضطَجع معي فصرختُ بصوتٍ عظيم، وكان لمَّا سمع أني رفعتُ صوتي وصرختُ أنه تَرك ثوبه بجانبي وهَربَ وخرج إلى خارج» (التكوين، ٣٩).

وبِغَض النظر عن الثغرات في إخراج الدراما والتي ملأتها الرواية القرآنية بأنه بدوره قد «همَّ بها»، والتناقُض ما بين خُلو البيت تمامًا «لم يكن من أهل البيت هناك»، وبين صرخةٍ واحدة فإذا أهل الدار كلهم إلى غرفتها مُحضَرون، فإن مآل يوسف الحتمي كان السجن. وهو حكمٌ لا شك يهُون مقارنًا بمواقف بني إسرائيل من قضايا مشابهةٍ كان القضاء المُبرَم فيها هو الإعدام، دون أيِّ تثبُّتٍ من صحة الواقعة بالبراءة أو ثبوت التهمة، فكان قرار سيد الدار المصري مُقابلَ مثيله لدى بني إسرائيل قرارًا يتسم بالحيطة مشفوعة بالرحمة مُغلَّفةً برغبةٍ في التغطية على فضيحة، كان يمكن أن تفشو — وقد فشَت — لو تحدَّث عنها «يوسف» مع رفاقِ سجنه.

واستمر يوسف في علاقته الحميمة بالأحلام وهو رهينُ حبسه، ولكنه هذه المرة لم يكن حالمًا، إنما مفسرًا للأحلام، وصدق تفسيره لأحلامِ رِفاق السجن، وتنبَّأ لأحدهم — وهو ساقي الفرعون — أنه سيُبرَّأ، ويتبوأ مكانه مرةً أخرى بعد ثلاثةِ أيامٍ من رؤياه، بينما تنبَّأ لآخرِين بمصيرٍ سيئ بالإعدام، «وهو ما يُشير إلى لونٍ من» المحاكمات القضائية المُقنَّنة، فتُبرِّئ وتجازي وَفْق قواعدَ محددة، وكان ما قاله يوسف مُحقَّقًا في الواقع.

ثم تأتي الرواية المشهورة عن حُلمِ فرعون بالبقرات السبع العِجاف، تأكل السبع السمان، والسنابل الملفوحة بالريح الشرقية السنابل السمينة المُمتلِئة، وعندما يطلب الفرعون المفسرين، يتذكر الساقي «يوسف» كأعظمِ مُفسِّر للأحلام، فيُخبِر الفرعون، فيُحضِرون يوسف إلى البلاط، ويَتقدَّم يوسف بتفسيره لسيد مصر:

«فقال يوسف لفرعون: حُلم فرعونَ واحد، قد أخبر الله فرعونَ بما هو صانع، البقرات السبع هي سبعُ سنين، والسنابل السبع الحسنة هي سبعُ سنين … هو ذا سبعُ سنينَ قادمة شِبَعًا عظيمًا في أرض مصر، تم تقوم بعدها سبعُ سنينَ جوعًا.»

ثُمَّ يُوجِّه يوسف النصيحة للفرعون:

«فالآن لينظر فرعون رجلًا بصيرًا وحكيمًا يجعله على أرض مصر في سبعِ سنينَ الشِّبَع … ويأخذ خُمسَ غَلَّة الأرض … فيجمعون جميعَ طعامِ هذه السنين الجيدة القادمة، ويُخزنون قمحًا تحت يد فرعون … فيكون الطعام ذخيرةً للأرض لسبعِ سِني الجوع.»

وكانت نتيجة موهبة يوسف الفريدة في تفسير الأحلام أن قدَّرَت له تحقيقَ أحلامه هو بعد ذلك، وهو ما سجَّلَته رواية المُقدَّس في قولها:

«فحَسُن الكلام في عينَي فرعون، وفي عيونِ جميعِ عبيده، فقال فرعونُ لعبيده: هل نجد مثل هذا رجلًا فيه روح الله؟ ثم قال فرعونُ ليوسف: بعدما أَعلمَك الله كل هذا، ليس بصير وحكيم مثلك، أنت تكون على بيتي، وعلى فمِك يُقبل جميع شعبي، إلا أن الكرسي أكون فيه أعظم منك، ثم قال فرعون ليوسف: انظر، قد جعلتُكَ على كلِّ أرضِ مصر، وخلع فرعونُ خاتمه من يده وجعلَه في يد يوسف، … وأركبه في مركبته الثانية، ونادَوا أمامه: اركعوا. وقال فرعون ليوسف … بدونك لا يرفع إنسانٌ يدَه ولا رجلَه في كلِّ أرضِ مصر، ودعا فرعونُ يوسفَ صفنات فعنيح، وأعطاه بنت فوطي فارع كاهن أون زوجة …» (تكوين، ٤١).

وكان تولِّي يوسف أمرَ خِزانة مصر وشئونها الاقتصادية، مدعاةً لدخولِ تغييراتٍ جوهرية على الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية المعمول بها في البلاد؛ فبعد أن كان الناس أحرارًا، ليس لملكهم عليهم سوى سلطانِ مركزية الدولة، وبعد أن كانوا يملكون أراضيَهم وغِلالهم أحرارًا فيها. «اشترى يوسف كُل أرضِ مِصرَ لفرعون إذ باع المصريون كلُّ واحدٍ حقله؛ لأن الجوع اشتد عليهم، فصارت الأرض لفرعون، أمَّا الشعب فنقلَهم إلى المدن من أقصى مصر إلى أقصاه … فقال يوسف للشعب: إني اشتريتُكم اليوم وأرضَكم لفرعون، هو ذا لكم بذار فتزرعون الأرض، ويكون عند الغلة أنكم تُعطون خُمسًا لفرعون … فقالوا: أحيَيْتنا، ليتنا نجد نعمةً في عينَي سيدي، فنكون عبيدًا لفرعون، «فجعلها يوسف فرضًا على أرض مصر إلى هذا اليوم»» (تكوين، ٤٨: ٢٠–٢٦). وكان من المفهوم كيف تحوَّل بعد ذلك فرعونُ مصر أو الفراعين عمومًا، وبعدما كان الفرعون يشهد لله، وبأن الإله هذا هو الذي يمنح العبد عِلمه «بعدما أعلمك الله كل هذا»، فامتلك الفرعون الناسَ والأرض، تَغيَّرت الأحوال، من سلطانٍ محكوم بالقواعد، إلى سلطانٍ مُطلَق النفوذ، يدَّعي الألوهية فيما بعدُ، وهو أمرٌ يترتب على رواية التوراة، وإن كان التوراة، لا ينبني على حقائق التاريخ.

أمَّا كيف تحقَّقَت أحلام الصبي بعد اليُفوع، وكيف سَجَد له الأحد عشر كوكبًا، فهو ما تُخبرنا به رواية المقدَّس، التي تؤكد أن الجوع لم يكن في مصر وحدها، والتي أمِنَت على نفسها بالحكمة اليوسفية، إنما كان الجوع شاملًا؛ فقد حل القحط بيعقوبَ وبنيه في بداوتهم، وحل بهم الشظف في سِني المجاعة السبعة «فلما رأى يعقوب أنه يُوجد قمح في مصر، قال يعقوب لبنيه: إني قد سمِعتُ أنه يُوجَد قمح في مصر، انزِلوا هناك واشتروا لنا من هناك لنحيا ولا نموت، فأتى بنو إسرائيل ليشتروا بين الذين أتَوا؛ لأن الجوع كان في أرضِ كنعان» (التكوين، ٤٢).

وبنزولهم مصر كان اللقاء مع سيد الخِزانة، ثم التعارُف، ثم إعلان يوسف لإخوته الذين بغَوا عليه صغيرًا «أنا يوسف، أحيٌّ أبي بعدُ؟ … أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر … فالآن ليس أنتم أرسلمتوني إلى هنا، بل الله، وهو جعلني أبًا لفرعون وسيدًا لكل بيته ومُتسلِّطًا على أرض مصر. أَسرِعوا وأصعِدوا إلى أبي، وقولوا له هكذا ابنك يوسف: قد جعلني الله سيدًا لكل مصر، انزِل إليَّ فتسكن في أرض جاسان قريبًا مني … وقال فرعون ليوسف قل لإخوتك … خذوا أباكم وبيوتكم وتعالَوا إليَّ فأعطيكم خيراتِ أرضِ مصر، وتأكلوا دسم الأرض … ولا تحزن عيونُك على أثاثكم؛ لأن خيراتِ جميعِ أرضِ مصر لكم» (تكوين، ٤٥)، «وكانت جميع نفوسِ بيتِ يعقوب التي أتت إلى مصر سبعون» فأَسكَن يوسف «أباه وإخوته وأعطاهم ملكًا في أرضِ مصر، في أفضل الأرض، في أرض رعمسيس، كما أمر فرعون» (تكوين، ٤٧).

وفي مصر، أنجب يوسف من زوجته المصرية «أسنات» ولدَيه «منسي وإفرايم» (تكوين، ٤١)، وبعد زمنٍ مات يعقوب «وأَمَر يوسفُ عبيدَه الأطباء أن يُحنِّطوا أباه، فحنَّط الأطباء إسرائيل، وكمُل له أربعون يومًا؛ لأنه هكذا تكمُل أيام المُحنَّطين وبكى عليه المصريون سبعين يومًا» (تكوين، ٥٠).

وعاشَ يوسف مائة وعشر سنين «وقال يوسف لإخوته: أنا أموت، لكن الله سيفتقدكم ويُصعِدكم من هذه الأرض إلى الأرض التي حلف لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، واستَحلَف يوسفُ بني إسرائيل قائلًا: الله سيفتقدكم، فتُصعِدون عظامي من هنا، ثم مات يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين، فحنَّطوه ووَضَعوه في تابوتٍ في مصر» (تكوين، ٥٠). وبموتِ يوسف ينتهي الطور الإبراهيمي المرتبط بالإله الأكبر «إيل».

وهنا ملحوظاتٌ سبق أن نبَّهنا إليها؛ لأنها أثارت بعد ذلك عددًا من الإشكاليات؛ ففي قصة التوراة نجد ذكرًا لأسماء مصرية مثل «فوطي فارع»، وهو اسمٌ مُركَّب يدخل فيه اسم إله الشمس المصري الأكبر «رع»، كذلك نعلم من الرواية أن «فوطي فارع» كان كاهنًا لمدينة «أون» كذلك يَرِد اسم مدينة «رعمسيس»، ومثل تلك الإشارة أضفى على رواية التوراة بعض المصداقية، ويُشير إلى معرفةٍ واضحة للنص التوراتي لمصر في عهدها القديم، أو على الأقل معرفةِ كاتب ذلك الجزء من التوراة بمصر في عصرها الذهبي. وهي الإشارات التي أدَّت بنا في بحثٍ بين أيدينا الآن «النبي موسى …» مع إشاراتٍ أخرى كثيرة، إلى تأكُّدنا اليقين من دخول بني إسرائيل إلى مصر وخُروجِهم منها، دون أيِّ شكٍّ في ارتكابنا خطأً علميًّا بهذا اليقين.

والمسألة بالطبع، ولاتخاذِ ذلك الموقف، لم تكن بالبساطة التي في عُجالتنا هنا؛ حيث كانت الإشكاليات الشديدة التعقيد، والكثيفة الروافد والمُتشابِكات، وربما كان أبرزها وأشدها إثارة للتضارُب بين المدارس البحثية، هو أن التوراة رغم استخدامِها اصطلاحاتٍ وأسماءً مصرية قديمة، وذكرِها لعاداتٍ مصرية لم نكن على علمٍ بها قبل كشف رموز اللغة القديمة، كطقوس الدفن، وعددِ أيام التحنيط، وعددِ أيام ندب الميت … إلخ، فإن التوراة جاءت عند أمورٍ هامة وخطيرة وتجاوَزَتها، وبشكلٍ يفصح عن جهلٍ تام ومُطبِق بها، رغم أنها أكثر المسائل حدِّيةً وفصلًا وقطعًا في أهم نقاط التاريخ الفاصلة، وذلك مثل عدم ذكرها لاسم فرعون الدخول (فرعون يوسف)، ولا اسم فرعون الخروج (فرعون موسى)، ولا سنة الدخول، ولا عام الخروج، ولا أي علاماتٍ يمكن تزمينُها وفكُّ دلالاتها، رغم اهتمامها بذكرِ ما هو أقلُّ أهميةً بالمقارنة، مثل اسم وزير الشرطة أو كاهن أون وابنته. والأَمرُ كله مرهونٌ بما يمكن أن نصل فيه إلى رأيٍ يمكن الإفصاحُ عنه عند الانتهاء من البحث في كتابنا المُشار إليه، أو بما يمكن أن ينتهي إليه باحثٌ مجتهد قبلنا.

(٩) أحداث الخروج (في الطور اليَهوِي الموسوي)

ينقلنا المقدَّس التوراتي هنا نقلةً أخرى فاصلة ومتميزة تمامًا في مضامينها ودلالاتها وتحوُّلاتها التاريخية والعقدية، بادئًا بالإشارة الهامة «بنو إسرائيل أثمَروا وتوالَدوا ونَمَوا كثيرًا وامتلأتِ الأرض منهم، ثم قام ملكٌ جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف، فقال لشعبه: هو ذا إسرائيلُ شعبٌ أكثر وأعظم منا، هلمَّ نحتال لهم لئلا ينمُوا، فيكون إذا حَدثَت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا، ويحاربوننا، ويصعدون من الأرض، فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يُذلُّوهم بأثقالهم، فبنَوا لفرعون مدينتَي مخازن فيثوم ورعمسيس» (خروج، ١: ١–١١).

وهكذا نعلم أن فرعونَ يوسفَ قد مات، أو انتهى أمره بشكلٍ ما، لِيخلُفه على العرش فرعونُ آخر، تحول بنو إسرائيل في عهده من التكريم والسيادة، وأكل دسَم الأرض، إلى التسخير في طين الأرض؛ لأن الفرعون الجديد لم يكن يعرف يوسف! واستَعبدَهم في بناءِ مدينتَين للمخازن هما «فيثوم» و«رعمسيس». وكان واضحًا أنه يحمل روحًا عدائية شديدة، وشكًّا في علاقات الإسرائيليِّين بأعداء البلاد، مع رغبةٍ واضحة في الانتقام منهم، لأمرٍ غيرِ واضح بالكتاب المقدَّس، حتى إنه أَمر بقتلِ كلِّ ذَكرٍ يُولد من بينهم «إن كان ابنًا فاقتلاه، وإن كان بنتًا فتحيا … كل ابنٍ يُولد تطرحونه في النهر، لكن كل بنتٍ تستحيونها» (خروج، ١: ١٦–٢٢).

وفي ظل هذه الأزمة وُلد «موسى» أَشهَر رجلٍ في تاريخ بني إسرائيل، وهو «موسى بن عمران بن قهات بن لاوي»، ولاوي هو أحد الأسباط أبناء يعقوب (إسرائيل)، وذلك يعني أن موسى هو النسل الرابع ليعقوب. وقد أنجبه عمران بزواجه من عمته «يوكابد»، وأنجب منها أيضًا هارون أخاه الأكبر، وشقيقتها مريم (خروج، ٦: ١٤–٢٠). ورغم أن التوراة تُؤكِّد لنا مسألةَ قتلِ ذكور الإسرائيليِّين من أطفال، فإنها لم تُوضِّح لنا كيف نجا هارون من هذا المصير، وإن فصَّلَت أمر نجاةِ موسى؛ حيث وَضعَته أمه في سفطٍ من البَردي على حافة النهر، خوفًا عليه من القتل، وعثَرَت عليه ابنةُ فرعون، فرقَّت له رغم علمها أنه طفلٌ إسرائيلي وتَبنَّته، وأرسلَته مع أمه كمرضعةٍ له بالأجر، «ولمَّا كبِر الولد جاءت به إلى ابنةِ فرعون، فصار لها ابنًا، ودعَت اسمه موسى، وقالت إني انتشلتُه الماء» (خروج، ٢: ١٠).

وقد تعامل «سيجموند فرويد» مع اسم «موسى» كما تعامل «جيمس هنري برستد»، وأكد أنه اسمٌ مصري، وأنه بالترجمة الدقيقة يجب نطقه صحيحًا «مس»؛ ومن ثَمَّ افترضوا أنه كان يسبقه اسمُ إله مصري، باعتبار «مس» في المصرية القديمة تعني «يلد» أو «أنجب» غِرارًا على أسماءٍ مثل «تحوت مس» أي الإله تحوت أنجب ولدًا، و«رع مس» أي إله الشمس أنجب ولدًا، و«أح مس» أي إله القمر أنجب ولدًا. لكن من جانبنا نرى ترجمة «موسى» بهذا الشكل مُتسرِّعةً وغيرَ دقيقة، ولو دقَّقْنا النظر في رواية التوراة، سنجد القول، «ودعَت اسمه موسى قائلة: إني انتَشلتُه من الماء» لا يحتاج إلى تخريجات؛ لأن «الماء» باللسان المصري القديم «مو»،٢٢ وبذات اللسان نجد «سا» تعني «ابن»،٢٣ والاسم هنا مُلصَق من مقطعَين ويُفيد معناه «ابن الماء»، وهو اسم يتناسب مع الموقف حيث وجدته ابنة الفرعون في سفطة على سطح الماء، ولم تجد اسمًا يناسبه — وهي لا تعلم له نسبًا — سوى تلك التسمية البليغة، وهي بدورها تسميةٌ مصرية قُحَّة.

ونُتابِع الأحداث مع رواية التوراة فتقول:

«وحدَث في تلك الأيام، لما كبِر موسى، أنه خرج إلى إخوته لينظر في أثقالهم، فرأى رجلًا مصريًّا يضرب رجلًا عبرانيًّا من أخوته، فالتفت إلى هنا وهناك، ورأى أنْ ليس أحد، فقتل المصري وطمَره في الرمل. ثم خرج في اليوم الثاني، وإذا رجلان عبرانيان يتخاصمان، فقال للمُذنب: لماذا تضرب صاحبك؟ فقال: من جعلك رئيسًا وقاضيًا علينا؟ أمُفتكِرٌ أنت بقتلي كما قتلت المصري؟ فخاف موسى وقال: حقًّا قد عُرف الأمر. فسمع فرعون هذا الأمر فطلب أن يقتل موسى، فهرب موسى من وجهِ فرعون، وسكَن في أرضِ مديان، وجلس عند البئر، وكان لكاهنِ مديان بنات، فأتَينَ واستَقينَ ومَلأنَ الأجران ليسقين غنم أبيهن، فأتى الرعاة وطردوهن، فنهض موسى وأنجدَهن وسقى غنمَهن، فلمَّا أَتينَ إلى رعوئيل أبيهن قال: ما بالُكنَّ أسرعتُنَّ في المجيء اليوم؟ فقُلن «رجلٌ مصري أنقذَنا» من أيدي الرعاة، وإنه استقى لنا أيضًا، وسقى الغنم، فقال لِبناته: وأين هو؟ لماذا تركتُن الرجل؟ ادعونه ليأكل طعامًا، فارتضى موسى أن يسكُن مع الرجل، فأعطى موسى صفورة ابنته» (خروج، ٢: ١٦–٢١).

وفي مديان يأتي الحدث الأَهم والجديد، في شئون العقيدة الإسرائيلية؛ «حيث يظهر لبني إسرائيلَ إلهٌ جديد»، يلتقي بموسى في مديان وهو يرعى غنم حميِّه «رعوئيل» أو «يثرون»، وذلك في رواية المُقدَّس:

«وأمَّا موسى فكان يرعى غنم يثرون حميِّه كاهنِ مديان، فساق الغنم إلى ما وراء البرية، وجاء إلى جبل الله حوريب، وظهر له ملاك الرب بلهيبِ نارٍ من وسط عليقة، فنظروا وإذا العليقة تتوقَّد بالنار، والعليقة لم تكن تحترق … ناداه الله من وسط العليقة وقال: … اخلع حذاءك من رجلَيك؛ لأن الموضع الذي أنت واقفٌ عليه أرضٌ مُقدَّسة. ثم قال: أنا إلهُ أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب … إني قد رأيتُ مذلةَ شعبي الذي في مصر … فنزلتُ لأُنقِذهم من أيدي المصريِّين، وأَصعدَهم من تلك الأرض إلى أرضٍ جيدة وواسعة، إلى أرضٍ تفيض لبنًا وعسلًا، إلى مكان الكنعانيِّين والحيثيِّين والأموريِّين والفرزيِّين والحويِّين واليبوسيِّين … فالآن هلُمَّ فأُرسلك إلى فرعون وتُخرج شعبي بني إسرائيل من مصر … فقال موسى لله: ها أنا آتي إلى بني إسرائيل، وأقول لهم: إله آبائكم أرسَلَني إليكم، فإذا قالوا لي ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه، وقال هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم. وقال الله أيضًا لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم، هذا اسمي إلى الأبد» (خروج، ٣: ١–١٥).

«قل لبني إسرائيل أنا الرب، وأنا أُخرِجكم من تحت أثقال المصريِّين وأُنقِذكم من عبوديتهم، وأُخلِّصكم بذراعٍ ممدودة وبأحكامٍ عظيمة، وأتخِذُكم لي شعبًا، وأكون لكم إلهًا» (خروج، ٦: ٦-٧).

وهكذا التقى موسى الإله «أهيه» أو «يهوه»، وفي موضعٍ آخر بالمقدَّس يأتي اسمه «ياه». انظر: (مزامير، ٤٨). ويُلاحَظ أن كاتب هذا الجزء، يُصِر على أن هذا الإله كان إلهًا لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، إصرارًا لا يُبرِّره إلا محاولةُ تثبيتِ أمرٍ جديدٍ بإلقائه في القديم، ولا يلتقي مع عدمِ معرفةِ بني إسرائيل بمصر لهذا الإله أو اسمه، مع استعدادهم بحُكم تعامُلهم في مصر مع آلهةٍ عديدة لِقَبول الإله الجديد، فقط سيكون التساؤل عن اسمه (؟!)، ناهيك عن كونه لا يلتقي إطلاقًا ولا حتى فونيطيقيًّا بالإله «إيل»؛ لذلك نجد موسى يتشكَّك في إمكانِ قَبولِ بني إسرائيل لذلك الإله في قوله لِيَهوه: «ولكن، ها هم لا يُصدِّقونني ولا يسمعون لقولي» (خروج، ٤: ١)، فيُعطيه يهوه دلائلَ إقناعٍ إعجازية لم تظهر من قبلُ مع «إيل»، «فقال له الرب: ما هذه في يدك؟ فقال عصًا، فقال اطرحها للأرض، فطرحها إلى الأرض فصارت حية، فهرب موسى منها، ثُم قال الرب لموسى: مُدَّ يدك وأَمسِك بذنَبها، فمد يده وأمسك به فصارت عصًا في يده. ثم قال الرب أيضًا: أدخل يدك في عُبِّك، فأدخل يده في عُبِّه ثم أخرجها، وإذا يدُه بَرصاءُ مثل الثلج، ثم قال له: رُدَّ يدك إلى عُبِّك فردَّ يده إلى عُبه ثم أخرجها من عُبه وإذا هي عادت مثل جسده» (خروج، ٤: ٢–٧)، أمَّا الفاصل في شأنِ يهوه كإلهٍ جديد، فيأتي في عبارةٍ ملتوية للكاتب التوراتي تُفصِح بجلاءٍ في قول يهوه لموسى: «أنا ظهرتُ لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء «وأمَّا باسمي يهوه فلم أُعرَف عندَهم»» (خروج، ٦: ٢-٣).

ويخبر يهوه كليمه أن الخطر في مصر قد زال عنه «لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلُبون نفسك» (خروج، ٤: ١٩)، لما احتَجَّ موسى لربه أنه لن يستطيع مجادلة الفرعون الجديد، في أمر خروج بني إسرائيل من مصر، لأنه «ثقيلُ الفم واللسان» (خروج، ٤: ١٠)، و«أغلَفُ الشفتَين» (خروج، ٦: ١٢)، فإنه يدعمه بأخيه هارون، ويتجه الأَخَوان لِلِقاء الفرعون الذي لا تُحدِّد الرواية من هو؟ ولا اسمه.

«وبعد ذلك دخل موسى وهارون وقالا لفرعون: هكذا يقول الرب إله إسرائيل: أَطلِق شعبي لِيعبدوني في البرية، فقال فرعون: من هو الرب حتى أسمعَ لقوله فأُطلقَ إسرائيل؟ لا أعرف الرب، وإسرائيل لا أُطلِقه، فقالا له: إله العبرانيِّين. فنذهب سَفرَ ثلاثةِ أيامٍ في البرِّية، ونذبح للرب إلهنا، لئلا يُصيبنا بالوباء أو بالسيف، فقال لهما ملك مصر: لماذا يا موسى وهارون تُبطلان الشعب من أعمالهم؟ اذهبا إلى أثقالِكما» (خروج، ٥: ١–٤).

وكان رد رب موسى:

«الآنَ تنظُر ما أنا فاعلُه بفرعون، فإنه بيدٍ قوية يُطلِقهم، وبيدٍ قوية يطردهم من أرضه … أنا أُعطيهم أرض كنعان؛ أرض غربتهم التي تغرَّبوا منها» (خروج، ٦: ١–٤).

والواضح هنا محاولةُ ربطِ التوراة بين الوعد القديم لإبراهيم من الإله إيل، وبين قبيلة راحيل أو بني إسرائيل المقيمِين بمصر والإله الجديد يهوه، ولا تخفى على لبيبٍ إشارة التوراة التأكيدية المتكررة، أن أرضَ فلسطين بالنسبة لبني إسرائيل هي أرضُ غربةٍ أرضًا أصلية لهم.

ثم تتتالى الأحداث مُتمثلةً في معجزاتٍ متتالية، تُفسِّرها حالة الانتقال البشري من التعامل مع الطبيعة كآلهة إلى آلهةٍ مفارقة ومُنفصِلة عن الظواهر، ومن صيغة الأسطورة إلى صيغة الدين، وحيث كان السحر هو منهج الفكر الأسطوري وأداتَه الفعَّالة للتعامُل مع الظواهر، وحيث إنه كان ممكنًا للدين أن يبدأ من لا شيء، فقد دخل السحر في متنِ أدوات الدين والمنهج الجديد، وذلك قبل أن يتجاوزه فيما بعدُ، ويُحاوِل التخلُّص منه ويدينه ويستنكره؛ ومن ثَم استخدم الدين الطالع ذات الأدوات وذات المناهج السحرية القديمة، فأَمَر يهوه موسى أن يطرح عصاه أمام فرعون، لإثباتِ أن يهوه أشدُّ سِحرًا وأقوى أثرًا من سَحَرة الأساطير ومن الطبيعة، فتَتحوَّل العصا إلى ثعبان، فيستعدي فرعونُ مصر حكماء بلاده وسَحَرتهم فيفعلون الأمر ذاته، لكن السحر الجديد، يتسم بقُدرةٍ سترفع الأَمر من مجال السحر والأُسطورة، إلى مجال السحر والدين، كمرحلةٍ انتقالية بشعائرَ وطقوسٍ تضع المطلوب كله بيد الرب المُفارِق المتجرد، لكن تثبيت البداية الجديدة، تمَّ بذات الأسلوب القديم، فابتَلعَت عصا موسى عِصِيَّ المصريِّين (خروج، ٧: ٩–١٢).

ثم يلي ذلك مجموعةٌ من المُمارَسات السحرية في ثوبٍ إعجازي، يبدو صراعًا بين أسلوبَين من الحياة، أو بين أدلوجتَين مختلفتَين، بل ومتنافرتَين، وتتحول العصا (عصا الراعي) إلى أداةٍ فعالة في يد النهج الرعوي، لرأب صدعٍ نفسي إزاء أهل الخصب، تلك الحالة النفسية التي كثيرًا ما غذَّتها حاجة البدو الدائمة للانتجاع على حدود البلاد المستقرة حول الأنهار، طلبًا للقُوت، والإغارة في أحيانٍ كثيرة على تلك الحدود، لسلب المحصول بعد جمعه، بشكلٍ دوريٍّ سجَّله لنا التاريخ، ومن هنا يقوم يهوه بتدميرِ كُل مظاهر الخِصب والنماء، في الضربة الأولى للمصريِّين:

قال الرب لموسى: قل لهارون: خُذ عصاكَ ومُدَّ يدكَ على مياه المصريِّين، وعلى سواقيهم، وعلى آجامهم، وعلى كل مجتمعاتِ مياههم لتصير دمًا، فيكون دمٌ في كلِّ أرضِ مِصر فتَحوَّل كل الماء الذي في النهر دمًا، ومات السمك الذي في النهر وكان الدم في كُلِّ أرضِ مصر … وحفَر جميع المصريِّين حوالي النهر لأجل ماء ليشربوا؛ لأنهم لم يقدروا أن يشربوا من ماء النهر.

(خروج، ٧: ١٩–٢٤)
وهكذا ينتقل الصراع إلى تدميرِ عَصبِ الخِصب ممثلًا في النهر، وتتحوَّل عن كونها محاولةً للخروج والتمرُّد يقودها موسى أمام فرعون، إلى عقابٍ جماعيٍّ يُصيب كلَّ شعبِ مصر، النقمة هنا تتحول لِكِيان المجتمع كله، فتأتي الضربة الثانية من يهوه لمصر:

ثم قال الرب لموسى: قل لهارون: مُدَّ يدكَ بعصاكَ على الأنهار والسواقي والآجام، وأَصعِد الضفادعَ على أرضِ مصر … فصعِدَت الضفادع وغطَّت أرض مصر.

(خروج، ٨: ٥-٦)
ويُتبِعها مباشرةً بالضربة الثالثة:

ثم قال الرب لموسى قل لهارون: مُدَّ عصاك واضرِب تُرابَ مِصر لِيصيرَ بعوضًا في جميع أرض مصر.

(خروج، ٨: ١٦)
كذلك تأتي الضربة الرابعة حشرية بدورها:

قال الرب لموسى: بكِّر في الصباح وقِف أمام فرعون. إنه يخرج إلى الماء، وقل له: هكذا يقول الرب: أطلِقِ الشعب ليعبدوني فإنه إن كنت لا تطلق شعبي، ها أنا أُرسِل عليكَ وعلى عبيدكَ وعلى شعبكَ وعلى بيوتكَ الذُّبَّان؛ فتمتلئ بيوت المصريِّين ذُبابًا ولكن أميز في ذلك اليوم أرض جاسان حيث شعبي مقيمٌ حتى لا يكون هناك ذُبان لكي تعلم أني أنا الرب في أرض، وأجعل فرقًا بين شعبي وشعبك.

(خروج، ٨: ٢٠–٢٤)
ثم ينقل يهوه ضرباته من الحرب الحشرية إلى الحرب الجرثومية، بدءًا من الضربة الخامسة:

فها يد الرب على مواشيك التي في الحقل، على الخيل والحمير والبقر والغنم وباءً ثقيلًا جدًّا، ويُميِّز الرب بين مواشي إسرائيل ومواشي المصريِّين … فماتت جميع مواشي المصريِّين، وأمَّا مواشي بني إسرائيل فلم يمت منها واحد.

(خروج، ٩: ٣–٦)
كذلك جاءت الضربة السادسة جرثوميةً بيولوجية بدروها:

ثم قال الرب لموسى وهارون: خذ ملء أيديكما من رمادِ الأَتون ولْيَذرُه موسى نحو السماء أمام عينَي فرعون؛ ليصير غبارًا على كلِّ أرضِ مصر، فيصير على الناس وعلى البهائم دماملَ طالعةً ببثورٍ في كلِّ أرضِ مصر.

(خروج، ٩: ٨–١٠)
وبضربته السابعة؛ يتحول يهوه نحو الطبيعةِ مرةً أخرى ليجعل خَيرَها نقمة:

ثم قال الرب لموسى: مُدَّ يدكَ نحو المساء ليكون بردًا في كل أرض مصر … فأعطى الرب رعودًا وبردًا، وجرت نارٌ على الأرض، وأمطر الرب بردًا على أرض مصر، فكان بردًا ونارًا متواصلة وسط البرد. شيءٌ عظيم جدًّا لم يكن مثله في كلِّ أرضِ مصر، منذ صارت أمةً فضرب كلَّ أرضِ مصر، جميع ما في الحقل من الناس والبهائم، وضَرَب جميع عُشب الحقل وكَسَر جميع شجر الحقل، إلا أرض جاسان حيث كان بنو إسرائيل؛ فلم يكن فيها برد.

(خروج، ٩: ٢٢–٢٦)
ورغم كل ذلك الدمار والهلاك، يظل الفرعون مُصرًّا على عدمِ إطلاق بني إسرائيل، ويعود يهوه إلى الحرب الحشَرية، ليقضي تمامًا على بقايا أيِّ أَثرٍ للخِصب في أرض مصر؛ فبعد البرد الذي قضى على الشجر ونبات الحقل، تأتي الضربة الثامنة في أمره لموسى:

مُدَّ يدكَ على أرضِ مصر لأجل الجراد، ليصعد على أرض مصر، ويأكل عشب الأرض، كلَّ ما تركه البرد، فمَدَّ موسى عصاه على أرضِ مصر، فجلَب الرب على الأرض ريحًا شرقية كلَّ ذلك النهار وكلَّ النهار وكلَّ الليل، ولمَّا كان الصباح حملَت الريح الشرقية الجراد، فصعِد الجراد على كلِّ أرضِ مصر، وحلَّ في جميعِ تخومِ مصر، شيءٌ ثقيل جدًّا، لم يكن قبله جرادٌ هكذا مثله، ولا يكون بعده كذلك وغطَّى وجه الأرضِ حتى أظلَمَت الأرض، وأكل جميع عُشب الأرض، وجميع ثَمر الشجر الذي تركه البرد، حتى لم يَبقَ شيءٌ أخضر في الشجر ولا في عُشب الحقل، في كل أرض مصر.

(خروج، ١٠: ١٢–١٥)
ولم يكتفِ يهوه بذلك مع إصرارِ الفرعونِ على موقفه، فعاد يَقلِب ظواهر الطبيعة بضربته التاسعة:

ثم قال الرب لموسى: مُدَّ يدكَ نحو السماء، ليكون ظلامٌ على أرضِ مصر، حتى يلمس الظلام، فمَد يده نحو السماء، فكان ظلامٌ دامس في كلِّ أرضِ مصر، ثلاثةَ أيام، لم يُبصِر أحدٌ أخاه، ولا قامَ أحدٌ من مكانِه ثلاثة أيام، ولكن جميع بني إسرائيل كان لهم نور في مساكنهم.

(خروج، ١٠: ٢١–٢٣)
وتبقى الضربة العاشرة، والقاضية، التي ستُجبِر فرعون على إطلاقِ شعب الرب، وقبلها يقول لموسى:

ضربة واحدة أيضًا بعد ذلك يُطلِقهم من هنا، «وعندما يُطلِقهم يطردكم طردًا» من هنا بالتمام، تكلَّم في مسامع الشعب أن يطلب كلُّ رجلٍ من صاحبه، وكلُّ امرأة من صاحبتها، أمتعةَ فضة وأمتعةَ ذهب، وأعطى الرب نعمةً للشعب في عيون المصريِّين.

(خروج، ١١: ١–٣)

هنا نعلم أن الإسرائيليِّين كانوا يُقومون وسط المصريِّين، ولا نعلم كيف أصابت كل تلك الضربات المصريِّين دون الإسرائيليِّين، لكن الأَهم هنا هو إيعازُ الرب لموسى بأن الفرعون — مع الضربة القادمة — سيُطلِق بني إسرائيل؛ لذلك كان عليهم رجالًا ونساءً أن يطلبوا من أصدقائهم (أصحابهم) المصريِّين، ذهبَهم وفضتَهم، مما يُشير في جانبٍ آخر إلى مودَّةٍ من المصريِّين للغرباءِ المقيمِين بينهم، مما يجعل التساؤل عن ضربِ شعبِ مصرَ بكل تلك الضربات ومُبرِّراتها سؤالًا مشروعًا، أمَّا أن يأمنَ المصريون للغُرباء، ويُعطوهم ذهبهم وفضتهم إعارةً فذلك يضع أمامنًا موقفَهم موقفًا نبيلًا، ويدعو للتشكُّك في قصة تلك الضرباتِ جميعًا من أصلها.

وتأتي الضربة العاشرة، ويهبط يهوه بنفسه ليقتل بيده كل بكرٍ من أبناء مصر:

وقال موسى، هكذا يقول الرب: أني نحو منتصف الليل، أخرج في وسطِ مصر، فيموت كلُّ بكرٍ في أرضِ مصر، من بكر الفرعون الجالس على كُرسيه، إلى بكر الجارية التي خلف الرَّحى، وكلِّ بكرِ بهيمة، ويكون صُراخٌ عظيم في كلِّ أرضِ مصر.

(خروج، ١١: ٤–٦)
ويأمُر يهوه شعبه أن يُلطِّخ كلٌّ منهم عتبة بيته بدمِ الخراف، لِيُميِّزوها عن بيوت المصريِّين، قبل وقوع ضربة قتل الأبكار، وأمَّا السبب فهو كي:

يكون لكم الدمُ علامةً على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم وأعبُر عنكم، فلا يكون عليكم ضربةً للهلاك حين أضرب كلَّ أرضِ مصر.

(خروج)
هنا تأكيدٌ آخر للتغشِّي في السُّكنى للإسرائيليِّين بين المصريِّين، وأمَّا الأهم، فهو أن يهوه يعلم هنا أنه سيُصاب بلوثة القتل، وأنه لن يميز في تلك الحالِ بين بيوت جماعته وبين بيوت المصريِّين إلا إذا رأى دمًا على البيوت، تلك الدماء التي ستُوعز له أنه قد انتهى من أمر سكانه وقتل أبكاره، فيعبُر عن تلك البيوت ولا يُصيبها، وهو في حالة التخبُّط في دماء المصريِّين، وفي تلك الليلة، حيث «كان صراخٌ عظيم في مصر؛ لأنه لم يكن بيتٌ ليس فيه ميت» (خروج، ١٢: ٣٠)، تقَرَّر خروج بني إسرائيل، دون عزاءٍ لأصحابهم من مصريِّين، لكنَّهم قبلَ تلك الضربة، التي مارَس فيها يهوه نزوتَه الدموية:

فعَل بنو إسرائيل بحسَب قولِ موسى، طلبوا من المصريِّين أمتعةً فضة وأمتعة ذهبًا، وثيابًا، وأعطى الرب نعمةً للشعب في عيون المصريِّين حتى أعاروهم، «فسلبوا المصريِّين»، فارتحل إسرائيل من رعمسيس.

(خروج، ١٢: ٣٥–٣٧)
وتأتي الضربة الحادية عشرة عندما قام ملك مصر وجيشه يُطارِد الهاربِين، حتى أدركوهم عند بحر سوف، وهنا كانت المعجزة الكبرى:

ومد موسى يده على البحر فأجرى الرب البحر بريحٍ شرقية شديدةٍ كل الليل، وجعل البحر يابسة، وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء سُورٌ لهم عن يمينهم وعن يسارهم، وتبِعَهم المصريون ودخلوا وراءهم … فمَد موسى يده على البحر، فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة … فدفع الرب المصريِّين في وسط البحر (خروج، ١٤: ٢٧). (وبعد الخروج) كان الرب يسير أمامهم نهارًا في عَمودِ سَحاب ليهديهم في الطريق، وليلًا في عمود نارٍ لِيُضيء لهم، لكي يمشوا ليلًا ونهارًا.

(خروج، ١٣: ١١)

وعلى قصة الخروج تلك، بكل تفاصيلها، أقام الباحث الصهيوني إيمانويل فليكوفسكي عمله الهائل، الذي انتهى فيه إلى تأكيد كل الأحداث التي روَتها التوراة، بكل تفاصيلِ ضرباتِ يهوه ومعجزاته التي صاحبَت الخروج. وهو الأمر الذي يرضي الجانب الإيماني ليس فقط عند اصطحاب يهوه إنما لدى المسيحيِّين، بل والمسلمين بدورهم؛ فهو يشرح لهم عمليةَ انشقاق البحر وتاريخيته، وما رافقَه من قبلُ ومن بعدُ، من أحداثٍ كَسرَت قوانين الطبيعة وقواعد الكون الثابتة، لكنه «يأخذ الجميع في سلةٍ واحدة»، بعد تأسيس المُقدِّمات العلمية للقواعد الإيمانية، إلى نتائجَ لا بُد من التسليم بها إذا كانوا مُتسقِين مع إيمانهم ومع أنفسهم، «وهي نتائجُ أبعد ما تكون عن أمانينا الوطنية والقومية»، وإذا كان ثَمَّةَ شرخٌ أصيل في الذات، ما بين بعض المُقرَّرات الإيمانية التي تتناول بني إسرائيل، وما بين الأماني الوطنية والقومية، فإن فليكوفسكي لا يفعل شيئًا سوى وضعِ القواعد الإيمانية على محَكِّ العلمية، لِيُثبتَ صدقها الكامل، ولا يبقى لدى قارئٍ طيب النوايا سوى الأخذ بالكفَّة الراجحة إيمانيًّا، وهو تسليمٌ رسم له فليكوفسكي خطَّته ببراعة إلى محطة الوصول، بحيث يُصادِق الجميع من خلال عقائدهم على حق إسرائيل التاريخي، في التاريخ، وفي الأرض، بل وفي صفتهم كشعبٍ فضَّله الله على العالمِين.

أمَّا نحن، فلا بأس عندنا في البحث عن أُسس تلك الأحداث التي روَتها التوراة والتي اكتست بثوب الإبهار الإعجازي في التاريخ الإسرائيلي، ولا بأس لدينا، ولا علينا، إن وجدنا لها تبريرًا لا يُصادِم العقائد الثابتة، لكن دون افتئاتٍ على حقائقِ ذلك التاريخ وعلمية المنهج، وبغرض وضع ذلك التاريخ وتلك الأحداث في حجمها الصحيح ومقامها الفعلي من التاريخ. فقط نريد هنا القول: إنه بالإمكان حل إشكاليات التاريخ الإسرائيلي، ليس بنزوعٍ عنصري، إنما بغرضٍ علمي تمامًا، لا يستطيع أحد أن يُصادِر عليه، وذلك بالتعامُل مع الأحدث الإعجازية في ذلك التاريخ، باعتبارها موادَّ قابلةً للفحص، والإمساك بها، بحيث يمكن ضبطها ضبطًا دقيقًا، يضعها في حجمها، دون إهمالِ بعضها لصالحِ بعض، أو تضخيمها لتتحول إلى كتلةٍ ضاغطة على ضميرنا الوطني وحسنا القومي، الذي ربما كان يبحث بعصبية وتوتر، عن مفاضلة قد تجرح بعض المقررات الإيمانية التي لا يصِح جرحها، وتُصادِم في جانبٍ آخر تطلُّعاتٍ وطنية وقومية مشروعة بدورها ولا يصِح التنازل عنها، كالمفاضلة بين شعب مصر القديم وتاريخه العريق وفراعنته، وبين جماعة إسرائيل التي اتسمَت بالقداسة وامتلكَت أنبياءَ ومعجزاتٍ ثابتة أقرَّتها الأديان التالية لهم كما حظِيَت بعلاقةٍ خاصة بالإله، سمحَت بمنحهم تلك المنح والأُعطيات، أو المفاضلة بين ملوكِ إسرائيل وجماعتها، وبين ملوك كنعان وشعبها الفلسطيني، وهي المفاضَلة التي يمكن أن تُؤرِّق الضمير الوطني، أو تجرحُ الحس العقائدي، في حال لزوم الاختيار ما بين فرعون وموسى، أو المصريِّين والإسرائيليِّين، وكذلك ما بين جالوت وداود، أو الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين. لكن ذلك كله شيء وتأجيل التعامُل مع كتاب فليكوفسكي شيءٌ آخر، لا يقبل الإرجاء، وما على قارئنا إلا أن يُشمِّر عن همته، لِنتابع معًا تنظيره بِنَى إسرائيل التاريخية، وممكناتِنا في التعامُل معها، في باب «التضليل الصهيوني».

١  للمزيد حول علاقة موسى بالتوراة ارجع إلى:
  • اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة د. حسن حنفي، دار الطليعة، بيروت ط٢، ١٩٨١م.

  • د. فؤاد حسنين علي، التوراة الهيروغليفية، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، د.ت.

٢  الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ١٩٦١م، ج١، ص٢١١. (المذكورة نص حديث شريف.)
٣  ذهب هذا المذهب الدكتور فؤاد حسنين علي، ولكنه لم يُقم عليه أية دلائل، حتى إنه سمَّى كتابه «التوراة الهيروغليفية»، والتي كانت عرضًا للعهد القديم كما نعرفه، ولا علاقة له بأية هيروغليفية.
٤  جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، المجمع العلمي العراقي، بغداد، د.ت، ج٢، ص١١١.
٥  انظر كتابنا: قصة الخلق أو منابع سفر التكوين.
٦  أمكننا تحديد معظم تلك المواقع جغرافيًّا في كتابنا «النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة»، بالجزء الرابع منه.
٧  للمزيد انظر كتابنا: الأسطورة والتراث، المركز المصري لبحوث الحضارات، القاهرة ١٩٩٩م.
٨  وضعنا تفسيرًا بقراءةٍ علمية لتلك الأسطورة مرتبطةٍ بظرفها الموضوعي في كتابنا: «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول».
٩  فصَّلنا الحديث في هذا الأمر في كتابنا «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول».
١٠  روبنسون «تيودور»، إسرائيل في ضوء التاريخ، ترجمة عبد الحميد يونس، المجلد الثاني من تاريخ العالم، النهضة المصرية، القاهرة د.ت، ص١١٥-١١٦.
١١  التابوت في الاعتقاد عبارةٌ عن صندوق بصفاتٍ معينة، تم صُنعه في سيناء، بأمر النبي موسى، ليرقد فيه رب إسرائيل، ويحملونه معهم لنصرهم على أعدائهم، ويكون دائمًا في مَعيَّتهم قريبًا منهم، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم، عن استعادة داود له كدلالةٍ لصحة ملكه بعد شاول، وذلك في قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ (البقرة: ٢٤٨).
١٢  سليم حسن، الأدب المصري القديم، كتاب اليوم، القاهرة، ١٩٩٠م، ج٢، ص٢٢٢.
١٣  الكلمة كوشي في التوراة وفي المصريات القديمة تُشير عمومًا إلى العنصر الزنجي.
١٤  فرتز هرمل، التاريخ العام لبلاد العرب الجنوبية ضمن كتاب التاريخ العربي القديم، ترجمة د. فؤاد حسنين.
١٥  ر. س. ماكلستر، الأقوام الجدد، ترجمة عبد الحميد يونس، تاريخ الإنسانية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، د.ت، مج٢، ص٩٣.
١٦  فيليب حتي، خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى، الدار المتحدة للنشر، بيروت، ١٩٧٥م، مج١، ص١٢٦-١٢٧.
١٧  انتهى العمل بالكتاب المُشار إليه وصدَر عن المركز المصري لبحوث الحضارات في ١٩٩٩م.
١٨  موسكاتي، الحضارات السامية القديمة، ترجمة د. السيد يعقوب بكر، دار الكتاب العربي للطباعة، القاهرة، ١٩٥٧م، ص١٤٠–١٤٩.
١٩  أحمد سوسة، العرب واليهود في التاريخ، جار العربي للإعلان والطباعة والنشر، ط٢، د.ت، دمشق، ص١٥٥–١٥٧.
٢٠  نفسه، ص١٥٨-١٥٩.
٢١  أنيس فريحة، دراسات في التاريخ، دار النهار، بيروت ١٩٩٠م، بيروت، ١٩٨٠م، ص١٤٥–١٤٩.
٢٢  أنطون ذكري، مفتاح اللغة المصرية القديمة وأنواع خطوطها وأهم إشاراتها، د.ت، د.ن، ص٨٣. (الكتاب تعليمي للغة الهيروغلييفة، ولا علاقة له بقصة النبي موسى.)
٢٣  نفسه، ص٨٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠