نقد أسفار الأنبياء

(١) من عاموس إلى هوشع

أبدًا لم يحتسب اليهود ولا كِتابهم المُقدَّس أن البطاركة الأوائل «إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط» أنبياءُ بالمعنى المفهوم من الكلمة في الإسلام أي رسل ذوي كتب، بقَدْر ما كانوا أسلافًا لهم قُدسيتهم لاتصالهم المباشر بالآلهة. وكان أول مَن وُصِف بصفةِ نبيٍّ صاحبِ كتابٍ بهذا المفهوم في التوراة؛ هو موسى سليلُ سِبط «ليفي» أو «لاوي» الذي قاد حملة الخروج من مصر عَبْر سيناء باتجاه فلسطين.

وبعد مُوسى تواتَر ظهور الأنبياء بكثافةٍ خاصة بعد انقسامِ مملكةِ سليمان، وظهروا بمظهر القُدرة على تلقِّي وحي الرب المعروف في المقدَّس باسم «روح الرب»؛ وهي القدرة المزعوم أنها منحَتهم استطاعةَ التنبُّؤ بأحداث المستقبل وقُدرة قراءة المُغيَّبات.

واصطلاح «نبييم» هو جمع كلمة «نابي» أو «نبي» العبرية من «نبا» أي خرج وارتفع وظهر أو خالف القطيع، لكنها — نتيجةَ كثرة الأنبياء وسلوكهم — اتخَذَت دلالة الهذَيان والخَبال؛ فبعضهم كان هاذيًا مخبولًا وبعضهم كان صادقًا في تمنياته التنبُّئية، وبعضهم كان صاحبَ طموحاتٍ دنيوية محضٍ يريد تحقيقها عَبْر هذا الهذيان النبوي، وبعضهم كان قاسيًا يقرع أسماع شعبه بالقول الغليظ ويتوعَّده بعقوباتٍ عظيمة أو بهجوم الشعوب الأجنبية عليهم؛ تلك الشعوب التي تحوَّلَت لدى الأنبياء إلى أداةِ وعصا عقابٍ وتأديب يستخدمها يهوه لتأديب شعبه المختار. وعادةً ما كان هؤلاء يختتمون نبوءاتهم بعزاءِ أنه إذا سار الشعب الإسرائيلي في طريقِ يهوه وتاب عن خطاياه، فإن يهوه سيُظهر حبه لشعبه المختار من جديد.

وكان بإمكان هؤلاء الأنبياء إشعال الحروب وخلع الملوك وتنصيبُ مَن يريدون، وكانوا من رجال الدين غير النظاميِّين وأشبه بالدراويش اليوم؛ فلم يخضعوا لهيكلٍ من الهياكل بل يزعمون تلقِّي الوحي مباشرةً من يهوه الذي تتملَّك رُوحُه النبي فينطق بلسانه.

وعادةً ما نجِد بعضهم في صفِّ الشعب يُدافِعون عن قضاياه ضد المؤسسة الدينية الرسمية وكُهَّانها المُسيَّسِين، وقد ظهر سلطانهم ونما منذ القرن العاشر قبل الميلاد، ولم يأتِ منتصف القرن التاسع قبل الميلاد حتى أصبحوا أَهمَّ عناصر الجماعة الإسرائيلية، بل وربما قام بعضهم أحيانًا باتصالاتٍ مع الدول المُعادِية لتقويضِ نظامِ وسلطانِ الداخل المرفوض.

وسلَك بعضهم سلوكًا نافرًا غريبًا من باب المخالفة الواضحة كالزواج من الدواعر والزانيات العلنيَّات، أمَّا جميعهم فكانوا يثيرون الدهشة بالسير عُراةً تمامًا كما ولدَتهم أُمَّهاتهم رمزًا للتخلِّي عن الدنيا الفانية. ولا يفوتنا هنا التأكيد أنه كان في فلسطينَ أنبياءُ آخرون من أهل البلاد من أتباع الإله الزراعي بعل، وقد ذاع صيتُ نبيِّ موآب المدعو بلعام بن بعور الذي ورد ذكره بالعهد القديم كمُناصرٍ للإسرائيليِّين ضد شعبه، مما يُشير إلى مكافأةٍ كُبرى من إسرائيل لذلك النبي الخائن لِملَّته وشعبه، ناهيكَ عن كونِ تلك الكثرة جَعلَت أنبياءَ إسرائيل عادةً يُكذِّبون بعضهم بعضًا.

وكان لِسلوك الأنبياء ما جعلَهم أحيانًا في نظرِ الطبقات المحترمة والراقية مَصدَر نفورٍ واحتقار، وهو ما عبَّر عنه «م. ريجسكي» بقوله: «إن الذين كانوا يُصبِحون أنبياء. بالإضافة إلى سلوكهم الغريب «أثناء الشغل» عندما يهتاجون بسبب الموسيقى الوحشية لآلاتهم الموسيقية، فيصلون إلى حالة النشوة ويخلعون ثيابهم ويصرُخون ويقفِزون ويَكيلون الضرباتِ لأنفسهم، كان يستدعي لدى الناس موقفًا فيه بعضُ الازدراء تجاههم، ولم يكن نادرًا أن يُصبِحوا مادةً للسخرية؛ فسكانُ جبعةَ جيرانُ شاول (جميع الذين عرفوه منذُ أمسِ وما قبله) حين رأَوه «يتنبأ مع الأنبياء» راحوا يسألون بدهشة: «أشاول أيضًا من الأنبياء … ومن هو أبوهم؟» ولم يكن معنى ذلك أبدًا: كيف يتواجد رجلٌ دنيوي وسَط أناسٍ وَرعِين كهؤلاء، بل على العكس من ذلك: كيف وُجد ابنُ شخصٍ محترم مثل يس، شاب من عائلةٍ جيدة، في مجتمعٍ رديء كهذا؟ لقد كان البعض يعتبر الأنبياء أناسًا مجانين ويتخذ منهم الموقفَ المُطابِق لذلك: «لماذا جاء هذا المجنون إليك؟» (ملوك ثاني، ٩: ١١).»١

ومن أهم الأنبياء كان عاموس أولَ من أخذ على عاتقه مهمةَ تبرئةِ يهوه من نقض عهده مع إسرائيل. وقد عاش في السنوات الأخيرة لحكم الملك الإسرائيلي يربعام بن يوآش الذي حكم من ٧٩٣ إلى ٧٨٣ قبل الميلاد، وكان عاموس من قريةِ تقوع الواقعة جنوبي بيت لحم في مملكة يهوذا الجنوبية.

ينظر عاموس حوله فيجد الأغنياء يمرحون في بذَخ وتَرَف وذَهَب وخَمْر، وكان بإمكانهم تقديم القرابين ليهوه ليرضى، بينما الفقراء في ضنكٍ شديد ولا يملكون حق القربان لتقديمه ليهوه لينظر إليهم وإلى مشاكلهم، ومن هنا يقف عاموس يُعلِن وحي يهوه إذ يقول:

بغضت، كرهت أعيادكم، ولست ألتذ باعتكافاتكم، إني إذا قدَّمتم لي محرقاتكم لا أرتضي، وذبائح السلامة من مُسمَّناتكم لا ألتفت إليها، أبعد عني ضجة أغانيك، ونغمة ربابك لا أسمع.

(عاموس، ٥: ٢١–٢٣)

لقد بدأ الحس بالفوارق الاجتماعية يتضح ويعلو زمن عاموس الذي أعلن أن يهوه لم يعد يرضى بالثيران السمينة والعزف في معبده، إنه يريد الآن العدل. والآن كيف سيتدخل يهوه؟ كان عاموس لم يزل يؤمن بفكرة «الجزاء الجماعي» ومسئولية الكل عن خطأ البعض ومن هنا أعلن يهوه بلسانِ عاموس.

قد أتتِ النهاية على شعبي، لا أعودُ أصفح بعدُ.

(عاموس، ٨: ٢)

إن أثرياء الشعب المختار لم يكتفوا بظلم الفُقراء من بني إسرائيل، بل ذهبوا يسجدون للعجول في بيت إيل وفي الجلجال وفي بئر سبع، ولهذا قرَّر يهوه عقاب شعبه على خطاياه وجرائمه، وباسم الإله انهال عاموس بالوعيد على من تخيَّلوا أنه بإمكانهم رشوةُ يهوه بالقرابين لكسب رضا الكهنة الكُسالى المُتخَمِين؛ ولذلك كان عاموس أولَ نبيٍّ يعلن أن سبب غضب يهوه الآتي هو «خطايا أصحاب الثروة» والجاه، ولذلك سيُعاقب الشعب جميعه، لكن الأغنياء سيحظَون بنقمةٍ أَعظمَ في «يوم يهوه». وكان عاموس أول من قال بفكرة «يوم يهوه» الذي يحمل دلالةَ حسابِ الإسرائيليِّين على ما قدَّمَت أيديهم.

ويلٌ للذين يشتهون يوم يهوه، لماذا لكم يوم يهوه؟ هو ظلام لا نور.

(عاموس، ٥: ١٨)
لكن أبدًا لم يصل عاموس ولا بقية الأنبياء من بعدُ بفكرة العدل الاجتماعي إلى نهايتها المنطقية، بالدعوة إلى مقاومة الاستغلال والظلم، لسببٍ بسيط في كل الأديان، وهو «أن تلك الدعوة تتناقض جوهريًّا مع صلب المشيئة الإلهية التي تُوزِّع الأرزاق بمعرفتها». فقط كان عاموس غاضبًا من الظلم الواقع على الفُقراء من أولئك الذين يُصوِّرهم:

المُضْطَجعون على أَسرَّة من العاج، والمُتمدِّدون على فرشهم، والآكلون خرافًا من الغنم وعجولًا من وسط الصيرة، الهاذِرون مع صوت الرباب، المُخترِعون لأنفسهم آلاتِ الغناء كداود، الشارِبون من كئوس الخَمر والذين يدَّهِنون بأفضل الأدهان.

(عاموس، ٦: ٤–٦)

لذلك قام عاموس يتوعَّد شعبَ إسرائيل بالسبي والأَسر على يدِ أمةٍ قوية، لكنه كان يُطمئِن المُخلِصِين أنهم سيعودون بيدِ يهوه من الأَسْر إلى فلسطين، لبناء المدن الخاوية «ولن يُقلَعوا من بعدُ من أرضهم التي أعطيتُهم، قال يهوه إلهك» (عاموس، ٩: ١٥).

كان عاموس مشغولًا بالظلم الاجتماعي أكثر من انشغاله بتحقيرِ الآلهة الأخرى للشعوب؛ فقد ثبت أن «الشعوب الأخرى قويةٌ بما فيه الكفاية للدلالة على قوة آلهتها»؛ لذلك ظلت فكرة التعدُّدية قائمةً لدية مع تفضيل يهوه عن بقية الآلهة؛ فهو مثلًا يُعبِّر عن سرِّ هزيمةِ شعب موآب على يد الملك الإسرائيلي عمري، بأن شعبَ موآب انصرف عن ربه البعل كموش وأهمل وصاياه «لأن كموش غضب على شعبه!»

واتخذ عاموس من ذلك مثلًا لما سيَحدُث مع الإسرائيليِّين الذين أغضبوا يهوه، فقام يتنبأ بسبيهم ودمار بلادهم. لكن عاموس — مع بعض الغموض — يضع أحيانًا مصائر الشعوب الأخرى بيد يهوه، «في رؤيةٍ بدائية لعالمية الرب»؛ فموآب هُزِمَت لأن ربها كموش غضب عليها، ولأن يهوه شارك أيضًا في عقاب موآب لأنهم عندما هزموا بلاد آدوم «أحرقوا عظام ملك آدوم» (عاموس، ٢: ١). وبذلك فإن عقاب يهوه سينال الشر في أيِّ موطنٍ حتى لو كان هذا الموطن لشعبٍ وثني، أو لِشرٍّ ارتكبه شعبٌ وثني في حق شعبٍ وثني آخر. كما عاقب موآب لحرقها ملك آدوم!

وبالفعل تتحقق نبوءات عاموس، ويهبط الآشوريون بجيوشهم على مملكة إسرائيل، ويَسْبون أهلها وبخاصة الطبقة المترفة منهم، واحتل سرجون الثاني الآشوري إسرائيل بعد أن نهبها، لكنَّنا بقَدْر من التدقيق في مصادر التاريخ نكتشف «أن عاموس لم يكن بحاجةٍ لِوَحيِ يهوه لكي يُدرِك أن الخطر الآشوري قد بات على أبواب السامرة»، خاصةً بعد اتجاهِ جيوشِ تجلات بلاسر الثالث الآشوري جنوبًا، وتهجيره أينما حل وفتح للنخبة من البلاد المفتوحة إلى آشور.

فماذا تقول لنا وثائق علم التاريخ حول نبوءات عاموس؟

من نصوص شلمناصر الثالث الآشوري نقرأ متون الفتوحات التي تؤكِّد أنه قد تلقَّى الجزية من صور وصيدون ومن ياهو بن عمري الذي دوَّن اسمه هكذا Hu. وبالعهد القديم نعلم أن هناك ملكًا إسرائيليًّا حكم في السامرة، بعد أن قضى على بيتِ سلفِه آخاب بن عمري، لكن بعد أن اكتَسبَت المملكة الشمالية إسرائيل اسم مملكة عمري في نصوص الرافدَين، فقيل في نص شلمناصر الثالث «ياهو بن عمري». وكان ياهو معاصرًا لحزائيل ملك دمشق، واتخذ كلٌّ منهما خطًّا مخالفًا للآخر في التعامُل مع الخطر الآشوري القادم؛ فبينما أعلن حزائيل تمرُّدَه واستعداده بتجييش مواطنيه، لجأ ياهو إلى الدبلوماسية بإرسال الجزية وفروض الطاعة والولاء التي وَجدَت صداها في نصٍّ منقوش بالمتحف البريطاني يُمثِّل رجلًا يُقدِّم فروض الطاعة والولاء للملك شلمناصر الثالث، وتحت الرسم كتابةٌ تقول: «جزية ياهو بن عمري تُلقِّيَت منه فضة وذهبًا …» وكذا وكذا (تَعدادٌ لأصناف الجزية وأنواعها).
وفي سِفر ملوك ثاني روايةٌ تقول:

في أيام فقح ملك إسرائيل جاء تغلث فلاسر ملك آشور وأخذ عيون وآبل معكة وينوم وقادش وحاصور وجلعاد والجليل وأرض نفتالي وسباهم إلى آشور، وفتَن هوشع بن أيلة على فقح بن رمليا وضربه فقتله ومَلَك عِوضًا عنه.

(ملوك ثاني، ١٥: ٢٩-٣٠)

وهي الرواية التي تتقاطع مباشرةً مع النص الآشوري:

أمَّا مناحيم فقد هَبطَت عليه كما العاصفة الثلجية ففر وحيدًا، ثم عاد فانحنى عند قدميَّ فأعدتُه إلى مكانه وفرضتُ عليه جزية (تَعداد أصناف الجزية) وسُقتُ الكثير من بيت عمري (يقصد مملكة إسرائيل) وممتلكاتهم إلى آشور، ثم انقلبوا بعد ذلك على ملكهم «فقح»؛ فأحللت بدلًا عنه «هوشع» ملكًا عليهم وتلقَّيتُ منه جزية (تَعداد أصناف الجزية).

وفى عهد هوشع تحل النكبة الأخيرة بمملكة إسرائيل؛ فبعد تجلات بلاسر الثالث يأتي ابنه شلمناصر الخامس ٧٢٦–٧٢٢ق.م الذي يعزو إليه مُحرِّرو التوراة فتح السامرة وإجلاء سكان السامرة أسرى إلى آشور، بينما تتحدث نصوص خليفته سرجون الثاني ٧٢١–٧٠٥ق.م عن قيامه بفتح السامرة، ويبدو أن سرجون الثاني كان قائدًا للعمليات العسكرية في فلسطين، وهو من أكمل خطط شلمناصر الخامس وعزاها جميعًا لنفسه، فنحن نقرأ في نصٍّ مُبكِّر لسرجون الثاني يقول:

سرجون ملك آشور فاتح السامرة وكل بيت عمري (إسرائيل) Bet-Ha-um-ri-a الذي غنم أشدود وشيتوخي وأمسك الياماني في البحر كالسمك، الذي قضى على … إلخ.٢

لقد قرأ عاموس خريطة الأحداث والمقدمات وأيقن بالنتائج فقدَّمها كنبوءات، وكان في زمنه نبيٌّ آخر يتنبأ وربما استمر يعيش بعده لفترةٍ قليلة، وكان هذا المتنبي هو المعروف بالنبي هوشع والمحتمل أنه كان يتنبأ بين عامَي ٧٥٠ و٧٣٤ق.م، لكن بينما كان عاموس يعيش في المملكة الجنوبية يهوذا، كان هوشع يعيش في المملكة الشمالية، إسرائيل.

ويبدو أن هوشع كان يعاني من مشاكل عائلية قاسية «فزوجته تخونه مع كل من يدفع، وسيرتها على كل لسان، فأحال ذلك جميعه إلى إرادة يهوه الذي أمره بالزواج من امرأة زنى».

قال يهوه لهوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض زنت زنى تاركة يهوه، فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم فحَبلَت وولدَت له ابنًا فقال له يهوه ادعُ اسمه يزرعيل؛ لأني بعد قليلٍ أُعاقِب بيت ياهو على دمِ يزرعيل وأُبيد مملكة بيت إسرائيل.

ثم تلد الزوجة الخائنة مرةً أخرى ولدًا وبنتًا، ومن جديدٍ يأمر يهوه بمنحهما اسمَين، أَسْمى البنت لورحامة: «لأني لا أعود أرحم بيت إسرائيل.» والابن لوعمي أي ليس شعبي «لأنكم لستم شعبي وأنا لا أكون لكم» (هوشع، ١: ٢–٩).

هوشع وجد نفسه مع امرأةٍ زانية وأبناء زنى فتماهى بأُسرته مع بيت إسرائيل جميعًا، وبينما كانت الجيوش الآشورية تتدفَّق على الممالك الشمالية لإسرائيل، كان سكان إسرائيل يتوقَّعون استمرار سَيرِ الهجوم جنوبًا واكتساح الجيش الآشوري للسامرة، وكان السبب في رأي هوشع هو أن إسرائيل خانت ربها يهوه وعَبدَت آلهةً أخرى مثل زوجته جومر تمامًا؛ لهذا تَلقَّى هوشع أمر يهوه:

اذهب أحبب امرأةً حبيبة صاحب وزانية كمحبةِ يهوه لبني إسرائيل وهم مُلتفِتون إلى آلهةٍ أخرى … فاشتريتُها لنفسي بخمسةَ عشرَ شاقلَ فضة. وقلت لها تقعُدين أيامًا كثيرة لا تزني ولا تكوني لرجل وأنا كذلك لك؛ لأن بني إسرائيل سيقعُدون أيامًا كثيرة بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا تماثيلَ وبلا أفود وترافيم.

(هوشع، ٣: ١–٤)
ويتنبأ هوشع ليهوذا بالسقوط مع إسرائيل تحت النير الآشوري:

فيتعثَّر إسرائيل وإفرايم في إثمهما، ويتعثَّر يهوذا أيضًا معهما.

(هوشع، ٥: ٥)

وكما تنبأ عاموس لإسرائيل تنبأ هوشع بأن يوم العقاب قد أمسى على الأبواب ولم تعُد لدى يهوه أي شفقةٍ على خيانة إسرائيل، وسيَتصرَّف مع إسرائيلَ تصرُّف الزوج مع الزوجة الخائنة، ويلوم يهوه زوجته الزانية إسرائيل على لسان الزوج المكلوم فيقول:

«قالت: أذهب وراء مُحبِّيَّ الذين يُعطون خبزي ومائي وصوفي وكتاني وزيتي وأشربتي.»

وبالنسبة ليهوه وإسرائيل كان مُحبو إسرائيل آلهةً أخرى على رأسهِم ربُّ الخِصب بعل.

وهي لم تعرف أني أنا أعطيتُها القمح والمسطار والزيت كثَّرتُ لها فضةً وذهبًا، جعلوه لبعل.

ومن ثم كان الجزاء.

أعاقبها على أيام بعليم (جمع بعل (المؤلف)) التي كانت تبخر لهم وتتزيَّن بخزائمها وحُليها وتذهب إلى مُحبِّيها وتنساني أنا، يقول يهوه.

والآن، لِتعلَمِ الزوجة الخائنة أنها ليست امرأتي وأنا لست رجلها.

(هوشع، ٢: ٢–١٣)
ثم يبدأ في تقريع إسرائيل لتعبُّدها للعجلَين اللذَين يُمثِّلان يهوه، ويقول:

زَنِخ عجلُكِ يا سامرة … صَنعَه الصانع وليس هو إلهًا. إن عجل السامرة يصبح كسرًا. صنعوا لأنفسهم من فضتهم وذهبهم أصنامًا لكي ينقرِضوا.

(هوشع، ٨: ٤–٦)

ثم يربط هوشع بين عبادة الآلهة الغربية وبين الانحدار الأخلاقي للناس في كل مكان.

حتى الكهنة كانوا ضمن هؤلاء الفجرة، أمَّا الأثرياء فكانوا يمرضون من «سَورة الخمر» والكبار «كلُّهم حامُون كالتنُّور وأكلُوا قُضاتَهم».

ومثل عاموس وقف هوشع يتنبأ لإسرائيل، لكنه لم يتبينِ الموقف بوضوحٍ لأن الأخبار التي وَصلَته كانت تحمل إمكان التناقُض في التنبُّؤ؛ فالمملكة الشمالية إسرائيل كانت تُرسِل الجزية لدولتَين قويتَين، لمصر ولآشور، «وحاول هوشع المُفاضلةَ بين الخطرَين فتوقَّع وقوع إسرائيل في الأَسرِ المصري».

الآن يذكُر إثمهم ويُعاقب خطيئتهم. إنهم إلى مصر يرجعون.

(هوشع، ١٣: ٨)
لكنه في موضعٍ آخر يتوقع الهجوم من كلتا الدولتَين القويتَين:

يرجع إفرايم إلى مصر ويأكلون النجَس في آشور.

(هوشع، ٩١: ٣)
لكن عندما وَضحَت الأمور وأَصبحَت آشور على الأبواب يُصلِح شأن نبوءته فيقول:

لا يرجع إلى مصر بل آشور.

(هوشع، ١١: ٥)
ثم يُصاب بالبلبلة التامة فيقول:

فيكونون تائهِين بين الأُمم.

(هوشع، ٩: ١٧)

لكن الملك الآشوري لا يهاجم يهوذا مع إسرائيل حسب نبوءة هوشع؛ إذ تفادت يهوذا البطش الآشوري بدفع جزيةٍ كبرى للعاهل الآشوري فبقِيَت قائمةً بعد سقوط مملكة إسرائيل؛ لذلك علينا أن نعتبر المقطعَين (١: ٧؛ و١: ١٠-١١) في سِفره إضافةً من مُحررٍ يهوذي لاحق؛ حيث يتم قطع النبوءة حول إسرائيل بوعودٍ من يهوه بإنقاذ مملكة يهوذا.

وأمَّا بيت يهوذا فأرحمهم وأُخلِّصهم بيهوه إلههم ولا أُخلِّصُهم بقوس وبسيف وبحرب وبخيل وبفرسان.

(هوشع، ١: ٧)
بينما كانت نبوءات هوشع الأصلية تُشفِق في النهاية على مملكتَي إسرائيل ويهوذا لأن يهوه الزوج الغيور سيُصالح زوجته الخائنة (الشعب الإسرائيلي) ويُلاطفها وستفهم الخائنة أن سلوكها كان مشينًا وستندم، وكراهيةً في بعل واسمه يقول الرب:

ويكون في ذلك اليوم يقول يهوه إنك تدْعِينني رجلي ولا تدْعينني بعدُ بعلي، وأنزع أسماء البعليم من فمِها فلا تذكر أيضًا اسمها.

(هوشع، ٢: ١٦)
وسوف يحل الغفران على الخائنة؛ أي على شعبِ إسرائيل، وسوف يعود الأَسرى من مصر وآشور (رغم أنهم لم يُسبَوا إلى مصر) وبعدها تقوم مملكة السلام والخير، ويؤكد يهوه:

وأقطع لهم عهدًا في ذلك اليوم مع حيوان البرية وطيور السماء ودبَّابات الأرض وأَكسِر القوس والسيف والحرب من الأرض، وأجعلهم يضطَجِعون آمنِين.

(هوشع، ٢: ١٨)

(٢) سقوط النبوءات

ثم نأتي إلى سِفر إشعيا الذي يحتوي على ستٍّ وستين إصحاحًا، لكن الرؤية الناقدة لهذا الكتاب النبوي يمكنها أن تستبعد نصف هذا العدد أو أقل قليلًا بحسبانه لا يعود أبدًا لإشعيا الذي عاش آخر القرن الثامن وأول القرن السابع قبل الميلاد. وإلى الإصحاحات الأصلية أضيفت نصوصٌ أخرى ليست لإشعيا خلال عدة قرون، من قِبل مُحرِّري النبوءات اللاحقِين، لِمَا كان يتمتع به إشعيا من شعبية في المملكة الجنوبية يهوذا، وذلك لإضافة الهيبة إلى نصوصهم بإضافتها لإصحاحات كتاب إشعيا.

وفى الإصحاحَين الثالث عشر والرابع عشر نجد حديثًا عن تدمير الإمبراطورية الآشورية (١٤: ٢٥)، وعن مملكة بابل بحسبانها بهاء الممالك وزينة وفخر الكلدانيِّين، وعن العاهل البابلي الجبار الذي يطوي الشعوب تحته طيًّا بالقوة المسلحة (١٤: ٤، ٩٦)، وكيف جعل العالم كقفرٍ وهدَم مُدنَه ولم يُطلِق أَسراه إلى بيوتهم (١٤: ١٧).

وإزاء قوةِ بابل الطالعة التي تمكَّنَت من هزيمة الأشوريِّين كان لا بد أن يرتعب شعب الله المختار خوف الاحتلال وخشية السبي؛ فإن يهوه يؤكِّد بلسان إشعيا «ها أنا ذا أُهيِّج عليهم الماديِّين … وتصير بابل كتقليب الله سدوم وعمورة، لا تُعمر إلى الأبد ولا تُسكن إلى دور فدور» (إشعيا، ١٣: ٥؛ ١٧: ٢٠).

ومرةً أخرى يعطف يهوه على يهوذا وإسرائيل فيجعلهم يتسلطون على من ظلمهم (١٤: ١، ٢).

وهذا الكلام إطلاقًا لا يمكن نسبته لإشعيا وزمنه في آخر القرن الثامن ق.م لأسبابٍ شديدةِ الوضوح؛ حيث في زمن إشعيا في القرن الثامن ق.م كان الحديث عن هذه الأحداث سيبدو غير مفهوم بالمرة؛ «فيهوه يُهدِّد بابل بالويل والثبور ويصفها بأنها زينة الممالك، بينما بابل في زمن إشعيا كانت فاقدةً لاستقلالها مثل يهوذا وتتبع الإمبراطورية الآشورية».

وحتى لو قلنا مع المؤمنِين إن تلك نبوءة، وكي تكون النبوءة صادقة، كان لا بُد أن يتنبأ إشعيا أولًا بأن بابل ستثور على آشور وتنتصر عليها ثم تَتوسَّع وتُهاجم يهوذا وتسبي سكانها، لكن النبوءة لم تتطرَّق لذلك كله، فقط يتحدث إشعيا عن عودة المسبيِّين كأنه كان أمرًا معلومًا لجميعِ ناسِ زمنه؛ ومن ثَمَّ «لا يصح احتساب الإصحاحَين ١٣ و١٤ من عمل إشعيا بل يجب القول إنه قد تم تحريرهما بعد قيام بابل بتدمير الإمبراطورية الآشورية»، وبعدما بَلغَت بابل جبروتًا كبيرًا في عهد نبوخذ نصر الثاني، وبعدما قام نبوخذ نصر بحملته على يهوذا وأَسْرها إلى بابل؛ أي يجب أن يكون تحرير هذين الإصحاحَين قد تم بعد عام ٥٨٦ق.م.

ثم نقِف مع تلك المُفترَض أنها نبوءة، أو دُسَّت على سفر إشعيا لتُظهِره بمظهر النبوءة عما سيحدُث في قابل الأيام، لِنُدهش من قولها إن بابل العظيمة ستسقُط فريسة الاحتلال الميدي، بينما الذي حدَث فعلًا بعد ذلك هو سقوط بابل فريسة الاحتلال الفارسي زمن قورش ٥٣٩ق.م وليس الميدي، وهذا يعني أن مؤلف النص «لم يكن يعرف بعدُ عن الانقلاب الذي حصل في إيران وكيف سقط الميديون أنفسهم في إيران تحت سلطة الفرس حوالي عام ٥٤٩ق.م».

إن ذلك يؤكِّد أن نبوءة الإصحاحَين ١٣ و١٤ قد تمت كتابتها بين عامَي ٥٨٦ و٥٤٩ق.م؛ ومن ثَمَّ «لا يمكن أن تعودا إلى إشعيا الذي مات قبل ذلك بزمنٍ بعيد».

وضمن التحرير المنسوب لإشعيا تصوُّراتٌ لما كان يأمُل المُحرِّر في حدوثه قريبًا وهو سقوط بابلَ فريسةً للاحتلال من شعبٍ آخر وعودة اليهوذيِّين المسبيِّين إلى أورشليم وسيادة يهوذا على ظالمِيها. ومؤلف الإصحاح ٢١ يُشير ليهوذا مسحوقة، لكنه يتنبأ بأن البابليِّين الذين سحقوا يهوذا لهم أعداء، وهؤلاء الأعداء يتقدمون لسحق بابل، ويُشجِّعهم المؤلف باسم الإله «اصعدي يا عيلام، حاصري يا مادي» (إشعيا، ٢١: ٢)، وهذا يعني أن العيلاميِّين والميديِّين الذين يعيشون في إيران سيقومون باحتلال بابل، ويفرح صاحب النبوءة ويطرب هاتفًا: «سقطَت سقطَت بابل، وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة كسرها إلى الأرض.» والطريف أن مطابقة ذلك على خطِّ سَيرِ أحداث التاريخ يجعل ما يقوله المتنبئ هنا غيرَ حقيقيٍّ بالمرة؛ فالذين احتلوا بابل هم الفرس الذين سيطروا على كُل إيران، وخرج ملكهم قورش بجيوشه واحتل بابل، لكنه «أبدًا لم يهدم المعابد ولم يكسر تماثيل الآلهة، بل أظهر احترامه لها»، وهذا يعني أن المؤلف لم يعرف كل هذا وكان يتنبأ قبل وقوع بابل بين ٥٤٩ و٥٣٨ق.م بل ونجد ضمن الإضافاتِ حشرًا من زمن أكثر تأخرًا مثل النبوءة «ويكون في ذلك اليوم أن يهوه يُعيد يده ثانيةً ليقتني بقية شعبه التي بقيت من آشور ومن مصر ومن فتروس ومن كوش ومن عيلام ومن شنعار ومن حماه ومن جزائر البحر» (إشعيا، ١١: ١١-١٢)؛ «لأن هذا الانتشار الواسع لليهود لم يحدث إلا بعد حملة الإسكندر الأكبر في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد».

وبالعودة إلى بدء نبوءات إشعيا يمكن القول إنه في سنة موت الملك اليهوذي عزيا عام ٧٤٢ق.م قرَّر اليهوذي «إشعيا بن آموص» أن يكون نبيًّا وهو يرى خطر هجوم الأعداء قريبًا. وكان إشعيا رجلًا من العلية على صلة بالكهنة وبالنخبة وبالبلاط وبالملك، إضافة إلى ثقافته الرفيعة وإحاطته بالتقاليد الدينية وبالتاريخ.

وفى عام ٧٤٤ أي قبل أن يتنبأ إشعيا بسنتَين حدث انقلابٌ في بلاط آشور وجاء الملك تجلات بلاسر الثالث المشهور بفتوحاته، وكي يتقيه الملك الإسرائيلي مناحيم أرسل له جزيةً كبيرة وأصبح تابعًا لآشور (ملوك ثاني، ١٥: ٢)، واقتطع تجلات بلاسر بعض أراضي إسرائيل وهجر سكانها إلى نينوى على الفرات.

وإزاء هذه القوة الكبرى الطامعة شرع ملوك الدول الصغيرة في بلاد الشام بعقد التحالفات للتصدِّي لهذا الغازي وقد اشتَركَت مصر في هذه التحالُفات، بل تحالف اللدودان إسرائيل ودمشق. وأرسل الملك الدمشقي رصين للملك اليهوذي أحاز لينضم للتحالُف فرفض، فشنَّت دمشق وإسرائيل الحرب على أحاز اليهوذي مما اضطره إلى طلب مساعدة الآشوريِّين في رسالةٍ ذليلة مهينة تقول «أنا عبدك وابنك، اصعد وخلِّصني من يد ملك أرام ومن يد ملك إسرائيل القائمَين عليَّ» (ملوك ثاني، ١٦: ٧).

وهنا يبدأ دور إشعيا وتبدأ نبوته ونبوءاته بتحريض ملك يهوذا ضد ملك إسرائيل وأنه لا يجدُر بملك يهوذا أن يخشى إسرائيل الشمالية لأن يهوه قد قرَّر مصير مملكة إسرائيل الشمالية «تخلي الأرض التي أنت خاشٍ مليكها» (إشعيا، ٧: ١٦) … وأنه في خلال خمسة وستين سنةً سوف تنكسر إفرايم/إسرائيل حتى لا يكون شعبًا (٧: ٩٨). ثم اقترح إشعيا على أحاز أن يطلب من الرب يهوه علامةً على ذلك (آية) فرفض أحاز، لكن يهوه يتطوع بنفسه ويعطي الآية، وهو أنه لو كان ثَمَّةَ طفلٌ رضيع فإن نبوءات إشعيا ستحدُث قبل أن يتمكن هذا الطفل من تمييز الخير من الشر.

يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تَحبَل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل (معنى عمانوئيل: الله معنا). زبدًا وعسلًا يأكل، ومتى عرف أن يرفُض الشر ويختار الخَير؛ لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفُض الشر ويختار الخير تُخلى الأرض التي أنت خاشٍ من مليكها.

وعندما رأى إشعيا خوف الملك اليهوذي قام يُوحي له أن ملك دمشق وملك إسرائيل سيُطردان من بلديهما قريبًا جدًّا قبل أن يُميِّز هذا الطفل الصغير. ولم ينتظر الآية بل قام يصنعها بالزواج من نبيةٍ أنجبت الطفل، لكنه أطلق عليه اسمًا جديدًا هو دمهير شلال حاش، ومعناه: «أي الذي يعجل الغنيمة ويسرع النهب». وقبل أن يعرف هذا الصبي نداءه للأب والأم سيُسبى ملك آشور دمشق والسامرة (٨: ٢–٤). والمعلوم لدى العارفِين بالتوراة أن تعبير «العذراء» في النص السالف قد ورد في الترجمة السبعينية وقد تمَّت ترجمة اللفظة العبرية «علما» فيها بمعنى العذراء، بينما كانت في الأصل هي «بارتيتوس» التي منها «بروستيتيوت» أي الداعرة وليس العذراء. وقد وقفَت المسيحية بعد ذلك أمام هذا النص لتراه «نبوءةً بمجيء المسيح». رغم أن إشعيا لم يفكر في هذا إطلاقًا وهو يُطلِق نبوءاته، فقط كان يتنبأ بسقوط مملكتَي دمشق وإسرائيل خلال ثلاثِ أو أربعِ سنوات قبل أن يبدأ طفله المولود من الداعرة في التمييز. وسقطَت دمشق أمام آشور بعد عامَين فقط، وسَقطَت إسرائيل ليس بعد ٦٥ عامًا بل قبل ذلك بكثير، بعد نبوءات إشعيا باثنَي عشر عامًا فقط عندما احتلَّها سرجون الثاني الآشوري وسبى سكانها إلى نينوى. «لقد كان الغزو مُتوقَّعًا بين لحظة وأخرى، ووضعه إشعيا بحسبانه نبوءة ووحيًا إلهيًّا».

وعندما كانت إسرائيل تسقُط أمام الجيوش الآشورية، هاجم الفلسطينيون والآدوميون يهوذا واحتلوا بعض مدنها (أيوب، ٢٨: ١٧–١٩) ومن هنا لجأ ملكها أحاز إلى ملك آشور، بل وأدخل إلى يهوذا عبادة الآلهة الآشورية رشوةً لسرجون العاهل الآشوري، مما جعل ديانةَ يهوه في خطر، وترأَّس صفوف أنصار يهوه النبي إشعيا، الذي قام يُحاول إيجاد تبريرٍ لما يحدث لشعبِ يهوه. وانتهى إلى نتيجة هي أن آشور بكل جبروتها ليست سوى أداةٍ في يدِ يهوه يُنفِّذ بها إرادته لتأديبِ شعبه المختار وتَفسُّخِه الأخلاقي خاصةً لدى النخبة العليا في المجتمع اليهودي، ولأن شعبه المختار دومًا يُحب عبادة الآلهة الغريبة والوثنية.

وإذا كان هوشع قد تصوَّر يهوه في صورة الزوج الغيور الذي من حقِّه تأديب زوجته الزانية، فإن إشعيا تصوَّره في هيئةِ ملكٍ حاكم يحق له شرعًا تأديب المُتمرِّدِين، لكن كما أن الملك لا يسمح بإبادة شعبه فكذلك يفعل يهوه ليبقى من الشعب من يتعبَّد له ويُمجِّد اسمه على الأرض. كان إشعيا يتوقع احتلال آشور ليهوذا وعند ذلك سيغضب يهوه على آشور التي هي أداته التنفيذية، وستظهر بعد ذلك بقية اليهود ليعيشوا في مملكةِ سلامٍ ورخاء. كما رأى في استعانة أحاز اليهوذي بالأشوريِّين شكًّا في يهوه الذي يجب الاعتماد عليه وحده، وعبر إشعيا للملك أحاز عن غضبه من الاستعانة بآشور ضد دمشق وإسرائيل؛ لأن المُتوقَّع لدى أيِّ عارف بالأشوريِّين أنهم لن يحفظوا عهدهم وأنهم بمجرد احتلالهم لدمشق وإسرائيل سيتجهون من فورهم جنوبًا نحو يهوذا، وهو بالفعل ما حدَث بعد ستة عشر عامًا عندما مات أحاز وانتقل العرش إلى ابنه حزقيا.

وبمجردِ تتويجِ حزقيا قام إشعيا بتدوين قصيدةِ مديحٍ عصماءَ في الملِك الجديد أملًا في اجتذابه لتحقيق مُخطَّطاته، وبالفعل تم تقريب إشعيا من البلاط وأصبح شديد التأثير فيه حتى أصبح الملك حزقيا مناصرًا غيورًا ليهوه، وقام يُلاحِق العبادات الأخرى بعنف، وفتح مَعبدَ أورشليم الذي أُغلِق أيام أبيه أحاز وانتصر حزبُ يهوه على بقية الآلهة.

وفى المملكة الشمالية إسرائيل تَحمَّس الملك هوشع وتوقَّف عن دفع الجزية لآشور وعقد حِلفًا مع مصر. وهنا اجتاحت آشورُ السامرة بأمرِ سرجون الثاني عام ٧٢٣ق.م، وانتهت إسرائيل من الوجود. أمَّا في الجنوب في يهوذا فقد أَعلَن إشعيا الموقف المطلوب وهو أنه على حزقيا ملك يهوذا عدم الاشتراك في الصراع ضد آشور وعدم الدخول في أية أحلاف ويجب ألا تطلب العون سوى من يهوه فقط.

وأملًا في مساعدةِ مصر قامت مجموعة الدول الصغيرة في بَرِّ الشام بعقد الأحلاف، لكن حتى لا يفعل ملك يهوذا فِعلَهم خلع إشعيا ملابسه ومشى في البلاد عاريًا ثلاث سنين يُعلِن أن عُرْيه آيةٌ ضد مصر التي يعتمدون عليها؛ لأن ملك آشور سوف يغزو مصر ويُعرِّيها كما يسير هو عاريًا (إشعيا، ٢٠: ٢–٦).

وفي ربيع ٧١١ق.م كانت جيوش آشور قد ابتَلعَت الأحلاف السورية وتجنَّبَت يهوذا هذا المصير مؤقتًا. وفي ٧٠٥ق.م مات سرجون الثاني ومرةً أخرى حاوَلَت دول سوريا وفلسطين خَلْع النِّير الآشوري بمُحالفةِ مصر، وتَوجَّهوا ليهوذا لِتُحالِفَهم، ومن جديدٍ وقف إشعيا ضد هذا التحالُف، لكن الملِك حزقيا رفض نصيحةَ إشعيا وأَرسَل لمصرَ بعثةً للتحالُف ضد آشور بينما أخذ إشعيا يُندِّد بهذا التحالُف.

وفي ٧٠١ق.م اجتاح سنحاريبُ خليفةُ سرجون سوريا جميعًا، وحطَّمَها بينما كانت يهوذا قد حَصلَت من مصر على دعمٍ عسكريٍّ كافٍ جعلها تَصمُد أمام الحصار الآشوري. وأرسل سنحاريبُ كبيرَ جُنده ربشاقي إلى أورشليم مع كبار الضباط يحملون رسالةً لأورشليم، ووقفوا خارج أسوارها يُحدِّثون المُتحصِّنِين بالداخل وعلى الأسوار، ينادونهم بصوتٍ عالٍ لإسماعِ سكان يهوذا، يتساءلون ساخرِين من اعتمادِهم على مصر «على هذه القصبة المرضوضة؛ على مصر التي إذا توكأ عليها أحدٌ دَخلَت في كفه وثقَبَتها؛ هكذا فرعونُ ملكُ مصر لجميعِ المُتوكِّلِين عليه» (ملوك ثاني، ١٨: ١٩–٢١).

ثم يلعب الوفد الآشوري بالعواطف الدينية لشعب يهوذا وينادي مؤكِّدًا أن الملك الآشوري جاء يحتلُّ يهوذا بأَمرٍ من يهوه نفسه:

والآن هل بدون يهوه صعِدتُ على هذه الأرض لأُخربها؟ «يهوه قال لي اصعد إلى هذه الأرض وأَخرِبها.» وخشي حكامُ يهوذا استماعَ شعبِ يهوذا لهذا الكلام المقنع فطلبوا من الوفد الآشوري مُحادثتَهم بالآرامية «كلِّم عبيدك بالآرامي لأننا نفهمه ولا تُكلِّمنا باليهودي في مسامعِ الشعب الذي على السور.» لكن وفدَ سنحاريبَ استمر يُحرِّض قائلًا: «هل إلى سيدِكَ وإليكَ أرسلني سيدي لأتكلم بهذا الكلام؟ أليس إلى الرجال الجالسِين على السور ليأكُلوا عذرتهم ويشربوا بولهم معكم؟»

ثم قام ربشاقي يُنادي بصوتٍ عظيم على شعب يهوذا يُحرِّضهم على الثورة ضد ملكهم حزقيا «اسمعوا كلام الملك العظيم ملك أشور … لا يخدعْكم حزقيا … اعقِدوا صلحًا معي واخرجوا إليَّ … حتى آتي وآخذكم إلى أرضٍ مثل أرضكم، فسكتوا ولم يُجيبوه بكلمةٍ لأن أمر الملك كان قائلًا: لا تجيبوه.» ومع الهلَع أَرسَل الملك حزقيا يستدعى النبي إشعيا بحثًا عن مخرجٍ وخلاص. ولم يكن بيدِ إشعيا سوى رفعِ الروح المعنوية لشعبه والصمودِ مدةً أطولَ أمام الحصار حتى يحدُث أيُّ طارئ يمكن نسبته إلى يهوه وتَدَخلِه، وطمأن الناس معلنًا نبوءةً جديدة «كطيورٍ مُرِفَّة هكذا يُحامي يهوه ربُّ الجنود عن أورشليم. ويُسقِط آشور بسيفِ غيرِ رجل وسيفِ غيرِ إنسان» (إشعيا، ٣١: ٤–٨).

ثُمَّ نجد في كتاب إشعيا خطابًا من إشعيا مُوجَّهًا لوفدٍ من الملك اليهودي حزقيا يقول: «هكذا تقولون لسيدكم: هكذا يقول يهوه: بسبب الكلام الذي سمِعتُه الذي جدَّف عليَّ به غلمانُ ملكِ آشور. ها أنا ذا أجعل فيه روحًا فيسمع خبرًا ويرجع إلى أرضه وأُسقِطه بالسيف في أرضه … لا يدخل هذه المدينة ولا يرمي هناك سهمًا وفي الطريق الذي جاء فيه يرجع» (إشعيا، ٣٧: ٦-٧، ٣٣-٣٤).

والمعنى أن يهوه سيجعل سنحاريبَ يسمع خبرًا من بلاده يعود على إِثرِه إلى بلاطه حيث يُقتَل هناك بالسيف، وهذا الكلام أمام العين الفاحصة لا يمكن أن يكون قد صدر من إشعيا، إنما هو إضافةٌ متأخرة؛ لأن سنحاريب عاد فعلًا إلى آشور ورفع الحصار عن أورشليم وسقط ضحيةَ انقلابٍ في البلاط إذ قُتل بيد ابنه أسرحدون. «ويبدو أن مصر لم تكن بريئةً من هذه الأحداث، لكن كل تلك الأحداث لم تَتمَّ وتحدُث إلا بعد عشرين عامًا من الحوارِ الذي دارَ عند أَسوار أورشليم؛ أي في عام ٦٨١ق.م وبالطبع لم يكن بوسع إشعيا أن يعرف ذلك. وبالطبع لم يكن يهوه هو الذي يقف وراء ما يحدُث إنما كانت مصر» التي كانت تحكمها في هذا الوقت أسرةٌ كوشية في دولةٍ واحدة تجمع مصر والسودان الشمالي، وهو ما يرد في فلتةٍ بسِفرِ ملوك ثاني تقول إن سنحاريب قد سمِع «عن ترهاقةَ ملكِ كوش قولًا: قد خرج لِيُحاربك» (١٩: ٨-٩). وكان ترهاقةُ قد خرج بالفعل لكنَّ سنحاريبَ كان قد قرَّر عدم الاشتباك وفضَّل رفعَ الحصار عن أورشليم والانسحابَ إلى آشور، وشجَّعه على ذلك سِرٌّ آخر لم يُعلِنه لنا سفر إشعيا ليجعل الفعل كله ليهوه، وهو أن ملك يهوذا أرسل لسنحاريبَ يقول: «قد أخطأتُ، ارجع عني، ومهما جعلتَ عليَّ حملتُه.» فطلب سنحاريب جزيةً تعويضية باهظة، اضطُرَّ معها الملك اليهودي إلى إفراغِ خزينة الدولة والمعبد، بل وقلع الكسوة الذهبية عن أبوابِ معبدِ يهوه وأعمدته. أمَّا العهد القديم فكان يروي في موضعٍ آخر أن حزقيا استلم رسالةَ تهديدٍ من سنحاريب ونَشرَها أمام يهوه ليقرأها بنفسه، فأرسل الإله ملاكًا من عنده «فخرج ملاكُ يهوه وضرب من جيشِ آشور مائة وخمسين ألفًا، فلمَّا بكروا صباحًا إذا هم جميعًا ميتة، فانصرف سنحاريبُ ملك آشور وذهب راجعًا وأقام في نينوى.»

ولحسن الحظ أن سنحاريبَ قد ترك نصوصًا واضحةً حول هذا الأمر تؤكِّد أن اشتباكًا قد حدث فعلًا مع جيوشِ مصر وآشور في يهوذا، والنتائج تُشير إلى هزيمة الآشوريِّين وتراجُعهم، لكن الملك الآشوري فضَّل أن يُبدي أنه قد انتَصَر وأن الجزية التي أخذَها من حزقيا هي أسلابُ ومغانمُ المعركة المُظفَّرة. ويُحكى أن مدينة عقرون الفلسطينية كانت ضمن الحلفاء الذين تجمَّعوا لِصدِّ آشور، وأن الشعب فيها قبض على ملكها «بادي» لأنه عقد عهدًا مع آشور وخان الحِلف، وسلَّموه إلى ملك يهوذا حزقيا الذي تحالَف مع مصر بدَورِه، فرمى بادي ملك عقرون في السجن «رماه في السجن وعامله معاملة الأعداء، ثم خاف فدعا لمساعدته قواتِ ملكِ مصر وإثيوبيا التي لا تُعَد، فجاءوا لمساعدته، وفي سهلِ تقوع انتَظمَت صفوفهم ضدي وشَحَذوا أسلحتهم، وبعدَ استخارة نبوءة الإله آشور مولاي هاجمتُهم وهزمتُهم.»٣

والواقع يؤكِّد عكسَ ذلكَ فالحصارُ رُفِع عن أورشليم، وعاد سنحاريبُ إلى بلاده فقط بجزية الفداء التي دفعها حزقيا رعبًا وخوفًا.

ويسترسل مرسوم الملك سنحاريب يحكي ما حدث: «أمَّا حزقيا اليهودي الذي أبى الخضوع لي فقد ألقيتُ الحصار على ٤٦ من مدنه الحصينة وقلاعه المُسوَّرة وعددٍ لا يُحصى من القرى حولها وأَخذتُها … أمَّا حزقيا نفسه فقد صار حبيسًا في قصره الملكي في أورشليم كعصفورٍ في قفص … لقد غمره الخوف من رهبة جلالتي، والقوات التي أتى بها إلى أورشليم لمعاونته قد احتَلَّت صفوفها إلى جواري وتَركَته، فأرسل إليَّ في نينوى عاصمة ملكي ثلاثين وزنةً من الذهب و٨٠٠ وزنةً من الفضة وأحجارًا كريمة وكمياتٍ من الإثمد وقِطَع الصخر الأحمر ومقاعد وكراسيَّ مُزيَّنة بالعاج وجلود الفيلة وخشب الأبنوس وصناديقَ خشبية وكل أنواع النفائس كما أرسل إليِّ بناته ومحظياته ومُوسيقيِّيه من بناتٍ وشُبَّان.»٤

وقد ساعد في انسحاب جيوش سنحاريب تَفشِّي وباء الطاعون في جيشه مما أجبره على الانسحاب، وأتاح الفرصة لإشعيا للقول بتدخُّل يهوه في الأمر، وهو الأمر الذي ظهر لِشعبِ يهوذا كمعجزةٍ سماوية فعلًا، لكن بعد أن فَقدَت يهوذا قسمًا من أرضها ومن سكانها مع اعترافٍ من حزقيا بالتبعية لآشور.

كان إشعيا قبل المحاولة الفاشلة للغزو الآشوري يتنبأ بأن يهوه سينتقم من الآشوريِّين، ومن وجهاء يهوذا وأثريائها الذين كانوا يَضطِهدون بقيةَ شعبِ يهوذا، وجاء الغزو الآشوري ثم انسحب، «لكن يهوه لم ينتقم من الأغنياء ولم يُقمِ العدل» في أرضه من أجل شعبه المختار.

كان حديث النبوءات عن أُسرٍ في آشور وأن هناك بقيةً من الشعب سترجع إلى فلسطين؛ ومن ثَمَّ تحوَّل تعبير «البقية التي ترجع» والذين سوف يأكلون خيرات الأرض في «مملكة السلام والحق» إلى فكرة ومفهومٍ عن بعث بني إسرائيل مرةً أخرى على يد الملك حزقيا، لكن الواقع كان نقيض التوقعات. ورغم انسحاب الجيش الآشوري فإن خطره لم يزل قائمًا، واستمر وجهاء بني إسرائيل في تجاوزاتهم وقَسرِهم للفقراء، وهنا قام إشعيا يُؤجِّل زمنَ مملكة الحق والبقية التي ترجع إلى زمنٍ غيرِ مُحدَّد. وكما ينبُت الفرع من ساق البلوطة المقطوعة سوف تنبُت إسرائيل جديدة ولكن «في آخر الأيام» (إشعيا، ٢: ٢)، والكلمة «آخر» في اليونانية هي «إسخاتا» التي أدت لمفهوم «الإسخاتولوجي» أي آخر الأيام حيث يومُ يهوه الذي وُضِع اصطلاحُه من قِبل النبي عاموس. وهذا اليوم سيكون آخرَ يومٍ للعالم القديم وبدايةَ انبعاثِ إسرائيل وَفْق مثلٍ أعلى عند الأسلاف البطاركة، سيكون الانبعاث كما كان عند الأسلاف، ويُصوِّر إشعيا اللوحة الإسخاتولوجية بقوله:

ويكون في آخر الأيام أن جبلَ بيتِ يهوه يكون ثابتًا في رأس الجبال ويرتفع فوق التلال ويجري إليه كل الأمم، وتسير شعوبٌ كثيرة ويقولون هلُمَّ نصعد إلى جبل يهوه، إلى بيت إله يعقوب فيُعلِّمنا من طرقه ونسلُك في سُبله … فيُقضى بين الأمم ويُنصَف لشعوبٍ كثيرِين فيطبعون سيوفهم سككًا (أي محاريث) ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعدُ.

(إشعيا، ٢: ٢–٤)

وسيتكفل بإقامة مملكة السلام والحق شخصٌ يختاره يهوه كما اختار موسى، «سيكون هو ممسوحه أو مسيحه أو رسوله»، وهذا المسيح سيُنقد شعب الله. المشكلة أننا لا نعلم متى ظهرت فكرة المسيح المنقذ بالتدقيق؛ فربما تعود لنبيٍّ جاء بعد إشعيا وأُضيف كلامه إلى كتابِ إشعيا، ومن الشروط التي يجب أن تنطبق على هذا المسيح أو النبي الآتي «أنه من الدم الملكي، سليل سليمان وداود بن يس»، «قضيب من جذع يس»، وهذا الذي تجري في عروقه الدماء الملكية «يحلُّ عليه رُوحُ يهوه، روح الحكمة والمشورة والقوة؛ وروح المعرفة ومخافة يهوه.» وسيكون حاكمًا بالحق على كل الأرض «يقضي بالعدل للمساكين ويحكُم بالإنصاف لبائسِي الأرض ويضرب الأرض بقضيبِ فمِه ويُميت المنافق بنفخةِ شفتَيه»، وستختفى كل الشرور من على الأرض، حتى بين الوحوش الضارية؛ فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل المُسمَّن معًا وصبيٌّ صغير يسوقها، والبقرة والدب ترعيان، تربض أولادهمًا معا، والأسد كالبقر يأكل تبنًا ويلعب الرضيع على سِرب الصِّل (الثعبان) ويمدُّ الفطيم يده على جُحر الأُفعوان لا يسوءون ولا يُفسِدون في كل جبلٍ قدسي الآن الأرضُ تمتلئ من معرفة يهوه كما تُغطِّي المياه البحر» (إشعيا، ١١: ١، ٩).

(٣) تفشِّي الفساد

وفي ذات الزمن الذي كان فيه إشعيا يرسل نبوءاته كان في يهوذا نبيٌّ آخر يرسل تبشيره ونبوءاته هو النبي «ميخا» الذي كان يعيش في القرية الريفية «مورشه» بعكس إشعيا ابن المدينة العاصمة، وكان يرى العاصمة أورشليم مركزًا لكل الشرور (ميخا، ١: ٥؛ و٣: ١٠)؛ لذلك تنبأ لأورشليم بالدمار التام بعكس إشعيا الذي تنبأ لها أنها ستبقى «مدينة العدل القرية الآمنة» (إشعيا، ١: ٢٦)، ويُكرِّر ميخا تقريبًا نفس أقوال عاموس وهوشع وإشعيا حول الظلم الاجتماعي والدعوة إلى التطهُّر والتوبة النصوح كي يحدث الصلح مع يهوه، لكنه أعطى صورةً دقيقة وفظيعة للأثرياء في يهوذا:

يأكلون لحم شعبي ويكشِطون جلدهم عنهم ويُهشِّمون عظامهم، ويُشقَّقون كما في القِدْر وكاللحم في وسط المقلي.

(ميخا، ٣: ٣)

يشتهون الحقول ويغتصبونها، والبيوت ويأخذونها، ويظلمون الرجل وبيته والإنسان وميراثه.

(ميخا، ٢: ٢)
ثُمَّ يرسم صورةً لمصدر ذلك الظلم في فساد النظام والحكومة وانتشار الرشوة والنهب في كلِّ مكان:

الرئيس طالب والقاضي بالهدية، والكبيرُ مُتكلمٌ يَهوَى نفسه.

(ميخا، ٣: ١١)
ورغم إصلاحاتِ حزقيا ومطاردتِه للعبادات الأجنبية، فإن الشعب كان لا يزال يتعبد للتماثيل والأنصاب «والسواري المُقدَّسة (المسلات على الطريقة الفرعونية)» (ميخا، ٥: ١٢–١٤)؛ لهذا كان ميخا بعكسِ إشعيا شديدَ التشاؤم لأن يهوه سيُنزل على أورشليم عاصمة يهوذا والسامرة عاصمة إسرائيل غضبه فتتحولان إلى كوماتٍ من الأنقاض (ميخا، ١: ٣٦؛ و١٢: ٦–١٦). ولن يقبل القرابين والذبائح «هل يُسَرُّ يهوه بألوف الكِباش، بربواتِ أنهار زيت» (ميخا، ٦: ٦، ٧). لقد أمسى يهوه يطلب أمرًا آخر هو «أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلُك متواضعَا مع إلهِكَ» (ميخا، ٦: ٨). ولأن ميخا كان مشدوهًا مما يحدث من فسادٍ في بيوت الأثرياء وأهل الحكم والسلطان، فإنه «وجد الفساد أكثر مما يمكن إصلاحه؛ لذلك فالكارثة قادمةٌ لا شك فيها» بعد أن حكم يهوه على شعبه بقوله:

أُسلِمُك للخراب، وسكانها للصغير.

(ميخا، ٦: ١٦)

لكنَّ كتاب ميخا يحوي نقيضًا تامًّا لهذا ذا طابعٍ إسخاتولوجي بتعزيةٍ تتحدث عن نهوضِ شعبِ الله مرةً أخرى لأن الله لن يسمح بفَناء شعبه تمامًا: «والآن قد اجتَمعَت عليك أُممٌ كثيرة، الذين يقولون لِتتدنَّس ولِتتفرَّس عيوننا في صهيون، وهم لا يَعرِفون أفكار يهوه ولا يفهمونَ قصده.»

إن ميخا يؤكِّد أن هؤلاء الأجانب الذين يُرسِلون جيوشهم على شعب الرب لا يعلمون أن يهوه يدفعُهم لذلك، بعد أن دبَّر لهم مكيدةً كبرى وشَركًا عظيمًا. إنه جمعهم كحزمٍ إلى البيدر.

وهنا سيسمع شعبُ الرب أمرَ يهوذا ويُنفِّذ. قومي ودوسِي يا بنت صهيون … فتَسحقِين شعوبًا كثيرِين وأُحرِّم غنيمتهم ليهوه وثروتَهم لِسيدِ كُلِّ الأرض.

(ميخا، ٤: ١١–١٣)
هناك إضافاتٌ واضحة لكِتاب ميخا أُضِيفت بعده بزمان، كالتنبُّؤ بأن بنت صهيون أي أورشليم سوف تُسبى بسكانها إلى بابل، لكن يهوه سينُقِذها، رغم أن «عدُوَّ شعب الله زمنَ ميخا كان آشور وليس بابل». مما يؤكِّد أن تلك إضافةٌ حَدثَت لمحررٍ عاش زمن الأَسْر؛ لأنه يتحدث عن إعادةِ بناءِ سورٍ جديد لأورشليم يبنيه العائدون من أَسْر بابل، بعد أن سبق ودمره البابليون. ويؤكد هذا الفرض أننا نجد في سفر إشعيا وميخا نصَّين متطابقَين تمامًا مبنًى ومعنًى ثانيًا عن مكانِ إسرائيلَ المقبل في آخر الأيام، وهو النص الذي يقول:

ويكون في آخر الأيام أن جبلَ بيتِ يهوه يكون ثابتًا في رأس الجبال ويرتفع فوق التلال، تجري إليه الشعوب وتَسير أممٌ كثيرة ويقولون: هلُمَّ نصعد إلى جبلِ يهوه وإلى بيتِ يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلُك في سبله؛ لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة يهوه، فيقضي بين شعوبٍ كثيرين، يُنصِف لأممٍ قويةٍ عدة فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل، ولا ترفع أمةٌ على أمةٍ سيفًا ولا يتعلمون الحرب فيما بعدُ.

(ميخا، ٤: ١–٣)
(إشعيا، ٢: ٢–٤)

«وهو ما يعني أن مُحرر تلك الإضافات في السفرَين كان واحدًا»، وأنه قد تمَّت إضافتها مع أخبار السبي البابلي زمن السبي البابلي أو بالأحرى بعده، بعدما أعاد قورش المسبيِّين وسمح لهم ببناء الهيكل والمدينة والسور مرةً أخرى. ويبدو أن هذا المُحرِّر قد أراد التخفيف من اللهجة القاسية القاتمة في نبوءات إشعيا وميخا حول المصير الأسود للشَّعبِ المختارِ.

ثم يتنبأ هذا المُحرِّر المتأخر عَبْر كتابِ ميخا قائلًا:

أما أنتِ يا بيتَ لحم أَفْراتَة، وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج الذي يكون مُتسلِّطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذُ أيامِ الأزل؛ لذلك يُسلمهم إليَّ حينما تكون قد وَلدَت والدة، ثم تَرجِع بقية إخوته إلى بني إسرائيل … ويثبتون لأنه الآن يتعظم إلى أقاصي الأرض … ويكون هذا سلامًا.

(ميخا، ٥: ٢–٥)

وقد «رأت الديانة المسيحية في هذا المقطع نبوءةً بمقدم السيد المسيح الذي وُلِد في بيتِ لحم، بينما الأمر ببساطة كان تنبُّؤًا بمجيء ملكٍ من نسل داود، وداود كان مولودًا في بيتِ لحم» (صموئيل أول، ١٧: ١٢)، ولأن الفكرة الإسخاتولوجية عن المسيح لم تظهر قبل القرن الثالث ق.م، فلا شك أن «مُحرِّر هذا الجزء عاش بعد بدايةِ هذا القرن».

ويموت الملك الصالح حزقيا ملك يهوذا ويخلُفه ابنه منسي في ٦٤٢–٦٨٧ق.م، بينما كان أسرحدون قد أضحى ملكًا على آشور ثُمَّ تبِعه آشور بانيبال ٦٥٥–٦٧١ق.م، وكان ملوك يهوذا يَتصرَّفون كتابعِين لملكِ أشور، وأدخل العبادةَ الآشورية لجند السماء (عبادة الأجرام السماوية) إلى هيكلِ أورشليم والمعابدِ الأخرى.

وعلى مستوى عِلم التاريخ كانت وثائق أسرحدون تُعدِّد أتباعه من ملوك ومنهم «منسي Me-na-si-i ملك يهوذا»٥ ومنسي هو ابن حزقيا اليهوذي ملك أورشليم الذي دوَّن عنه المُقدَّس التوراتي أنه:

عمِل الشر في عينَي يهوه … وعاد فبنى المرتفَعات التي أبادها حزقيا أبوه … وسجد لكلِّ جُندِ السماء وعبدها في داري بيت يهوه.

(ملوك ثاني، ٢١: ٢–٥)

بل وعاد منسي إلى عباداتٍ كنعانية قديمة كانت تشرع التقرب من الإله بذبح الأبناء الذكور البِكر على مذبح الإله وحَرقِه على محرقته استرحامًا، لكن منسي كان يذبح ويتقرب بالبشر ليهوه، وهو ما يُشعِرنا بفظاعة إحساسه بدُنو نهايته على يد الأشوريِّين حتى إنه أقام على هذا القُربان الرهيب بتقديم ابنه شخصيًّا للنار.

ولا شك أن «منسي كان يفعل ذلك من باب استرضاء الآلهة الأخرى الأجنبية التي ربما كانت أقوى من يهوه بدليلِ قوة جيوشها ودولتها» … وفجأةً يأتي ملك آشور ويَأْسر منسي، ويُغفِل المُحرِّر الأسباب حتى تقف فقط عند عصيان منسي الديني، لكن التاريخ هنا يُفصِح عن السبب الحقيقي وهو تمرُّد وعصيانُ منسي بعد اتفاقٍ تم بين دول بلاد الشام على العصيان الجماعي لآشور زمن ملكها أسرحدون، مما دفع أسرحدون إلى تجريدِ حملاتِ جيوشه على تلك البلاد وإعادتها إلى الطاعة، وأنه جاء بملوكِ دويلاتِ تلك البلاد واستخدمهم خدمًا في قصره ومنهم بعلو ملك صور «ومنسي ملك يهوذا» وكوش جبري ملك إيدوم وموصوري ملك موآب وسلبيل ملك «غزة وميتيني» ملك أشقلون.٦
وهو ما ردَّد العهد القديم صداه إذ يحكى:

ولكن منسي أضل يهوذا وسكان أورشليم ليعملوا أَشرَّ من الأُمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل، وكلم الرب منسي وشعبه فلم يُصغوا، فجلب عليهم رؤساء الجند الذين لملك آشور، فأخذوا منسي بخزامة وقيَّدوه بسلاسلَ وذهبوا به إلى بابل.

(أخبار أيام ثاني، ٣٣: ٩–١٢)

ولم تتمكَّن مصر هذه المرة من نجدةِ حليفتِها الصغيرة؛ لأن مصر نفسها كانت زمن أسرحدون ٦٨١–٦٦٨ق.م قد وَقعَت فريسة الغزو الآشوري الذي اجتاحها حتى بلاد النوبة، لكن لتكتب آشور بذلك بدايةَ قصةِ نهايتها؛ لأنها كانت دومًا بحاجةٍ لتكثيف جيوشٍ في مصر إزاءَ ثورةٍ لم تنقطع أو تهدأ في مساحاتٍ شاسعة من أرضٍ يعرف دُروبَها الثُّوارُ وحدهم، مما أعطى الفرصة لثورةٍ أخرى على آشور في بلادها ذاتها. لقد كانت ثورة بابل الصاعدة.

ترك الملك منسي ٦٩٨–٦٤٢ق.م ولده آمون ٦٤١-٦٤٠ق.م على العرش، ولم يمضِ على حكمه عامان حتى قام يوشيا ٦٣٩–٦٠٩ق.م ابنه بانقلابٍ سريع ضدَّه استولى معه على العرش حوالي ٦٤٠ق.م (ملوك ثاني، ٢١: ٢٠–٢٤)، وخلال العقدَين التاليَين زمنَ وملك يوشيا أَحرَز يهوه وكَهَنته انتصاراتٍ واضحة ضد العبادات الغريبة، وظهر خلالهما ثلاثةُ أنبياءَ دخلوا التوراة وسُجِّلَت كتبهم فيها وهم صفينا ٦٣٠ق.م وناحوم ٦٣٣ق.م وإرميا ٦٢٦ق.م.

وخلال ذات الفترة كانت مصر قد خَلعَت نِير الآشوريِّين عن كاهلِها وبَدأَت تستعيد قوتها، وكان الانتصار المصري قد استنزف في ثورته قوى آشور، وفي عام ٦٢٦ انتفضَت بابل أيضًا ضد آشور لتُقيم دولة الكلدانيِّين القوية، بينما كان الميديون من سكان إيران يحتلون المقاطعات الشرقية لآشور، ويعقدون حلفًا مع بابل الجديدة من أجل إسقاط العاصمة الآشورية نينوى. وفى هذه الظروف جاءت نبوءات الأنبياء الثلاثة صفنيا وناحوم ثم إرميا.

وقد وصَلَنا من كتاب صفنيا ثلاثةُ إصحاحاتٍ فقط خلاصتها: أن يهوه يُهدِّد يهوذا وأورشليم عاصمتها بالعقاب لخطايا شعب يهوذا، مما يُشير إلى أن تلك النبوءة قد وُضِعَت قبل إصلاحات يوشيا لصالح يهوه؛ لأنه بعد تلك الإصلاحات نجد نبوءاتٍ أخرى لصفنيا تُهدِّد وتتوعد بدمار دول المحيط وبخاصةٍ العاصمة الآشورية نينوى التي كان من السهل ومن قراءة الأحداث التنبُّؤ بسقوطها الوشيك.

ومعاصرًا لصفنيا كان ناحوم الذي ركَّز نبوءاته على نينوى فكتابه يبدأ بعنوانٍ يقول: «وحيَّ على نينوى، سفر رؤيا ناحوم الألقوشي.» (ناحوم، ١: ١)، و«ألقوش» مدينةٌ صغيرة من مدن يهوذا يعني أنه كان من مواطني المملكة اليهوذية. بالطبع لم يقل ناحوم إن نينوى باتت مُهدَّدةً من تلك الشعوب المحيطة بها، ولا أنها زمنه قد بَدأَت تتلقَّى أُولى ضرباتِ الحلف الميدي البابلي؛ لأن الأمر كله لا بد أن يعود إلى يهوه الذي سينتقم لشعبه من آشور، فقد وجَّه يهوه غضبه ضد نينوى لأنه منها «خرج المفتكر على يهوه شرًّا» وبالطبع يقصد بهذا المُفتكِر أو الذي ينوي الشر على يهوه «سنحاريب ملك آشور». وأعلن يهوه على لسان ناحوم حكمه على آشور «لا يزرع من اسمك فيما بعدُ» (ناحوم، ١: ١٤). لقد جاء انتقام يهوه على يد الحِلف الميدي البابلي وهو ينادي نينوى التي أَوشكَت على السقوط «تنفتح لأعدائكِ أبوابُ أرضك» (ناحوم، ٣: ٥).

لكن فرحة ناحوم الشامتة لم تستمر طويلًا لأن بابل الناهضة كانت في طريقها للاستيلاء على ميراث آشور في المنطقة الشرق أوسطية، بعد أن دُمِّرَت آشور في ٦١٤ق.م وتقاسَم الحُلفاء ممتلكاتها.

ورغم أن سفر ملوك ثاني يؤكِّد إخلاص الملك يوشيا وغَيرتَه الشديدة على يهوه، وأنه طارد كل العباداتِ الأخرى وقام بمذابحَ هائلةٍ ضد أتباعها وكهنتها، وأنه «… لم يكن قبلَه ملكٌ مثله، قد رجَع إلى يهوه بكلِّ قلبه وكلِّ نفسه وكلِّ قوته حسبَ شريعةِ موسى، وبعدَه لم يقم مثله» (ملوك ثاني، ٢٣)؛ فإن يهوه أبدى نكرانًا للجميل؛ فبينما مات منسي الكافر على سريره هانئًا، فإن يوشيا المُخلِص ليهوه قد مات إبَّان معركته مع الفرعون نخاو ٦٠٦–٥٩٣ق.م عندما فضَّل يوشيا اعتراضَ جيوشِ مصرَ الخارجة لإيقاف الزحف البابلي على المنطقةِ وذلك في موقعة مجدو ٦٠٩ق.م.

ومعلومٌ أن أسفار موسى لم تظهر إلا زمن يوشيا هذا حيثُ قيل إنه قد عُثِر عليها خبيئةً بالمعبد، وهي التي عُرِفَت باسم كتاب أو سفر التثنية. والقوانين والأحكام في هذا الكتاب أبدًا لا تتفق مع زمنِ موسى لأنها تتحدَّث عن شعبٍ يعيش حياةً حضرية ويشتغل بالزراعة وليس شعبًا بدويًّا تائهًا؛ شعبٍ يملك مدنًا ونظامًا سياسيًّا وسلطةً ملكية وإدارةً مدنية (تثنية، ١٦: ١٨) ولديه مجمعه الكهنوتي الهرمي.

وفي سفر التثنية سقطة تؤكد أن هذا السفر قد تم جمعه أو إعادة تدوينه من أوراقٍ قديمة زمن يوشيا؛ حيث يقول في موضعٍ منه «في عَبْر الأردن في أرضِ موآب ابتدأ موسى يَشرَح هذه الشريعة قائلًا» (تثنية، ١: ٥)، والتعبير في عَبْر الأردن أي في الجانب الغربي من نهر الأردن، وهذا يُشير إلى أن الكاتب وليس موسى هو من كان يعيش في عَبْر الأردن، بينما نعلم أن موسى مات ولم يعبُر هذا النهر إلى غَربِه أبدًا.

هذا ناهيكَ عن أسلوبِه ومفرداتِه التي لا تمُت بصلةٍ إلى زمنِ موسى إنما هي بحقٍّ لغةٌ متطورة من مُميزات القرن السابع قبل الميلاد بل ويجب افتراضُ أن أنبياء مثل صفنيا وناحوم بل وإرميا كانوا ضمن جامعِي ذلك القديم أو مؤلفِي سفر الشريعة/التثنية.

وفي ذات الزمن ما بين ٦٥٠ و٦٤٠ق.م تقريبًا وُلِد نبيٌّ آخر هو النبي الشهير إرميا، سليلُ أسرة الكاهن أبيثار الذي كان رأس كَهَنة أورشليمَ زمنَ داود وسليمان، وكان فيما يبدو ميسورًا مُثقَّفًا قارئًا للمُقدَّس لأنه ينقل في كتابه نقلًا حرفيًّا نبوءاتٍ سَبقَ وقرأناها عند عاموس وهوشع وإشعيا. ويبدأ كتابه بمدخلٍ تصديري يقول: «كلام إرميا بن حلقيا من الكهنة الذين في عناثوث في أرضِ بنيامين، الذي كانت كلمة الرب إليه في أيامِ يوشيا بن آمون ملك يهوذا» (إرميا، ١: ١-٢).

ثم يُميِّز إرميا نفسه «وكيف أصبح نبيًّا قبل أن يُولد وكيف اختاره يهوه واصطفاه وهيأه للنبوة، وكيف أنه مُرسَلٌ إلى شعوب العالمِين وهي نغمةٌ جديدة ستُؤثِّر في نبي آخر بعيد فيما بعد ذلك بأزمان وفى مكانٍ بعيد.» يقول إرميا:

«فكانت كلمة الرب إليَّ قائلًا: «قبلما صوَّرتُك في البطن عرفتُك، وقبلما خرجتَ من الرحم قدَّستُك، جعلتُكَ نبيًّا للشعوب.» فقلتُ آه يا سيدي الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد لأنكَ إلى كلِّ من أُرسِلُك إليه تذهبُ وتتكلَّم بكلِّ ما آمرُك به. لا تخَف من وجوهِهم لأني أنا معك لأُنقِذك، يقول الرب. ومدَّ الرب يده «ولمس فمي وقال الرب لي: ها قد جعلتُ كلامي في فمِك»، انظر: قد وكَّلتُكَ هذا اليوم على الشعوبِ وعلى الممالكِ لتقلَع وتهدِم وتُهلِك وتنقُض وتبني وتغرِس» (إرميا، ١: ٤–١٠).

هكذا كان «من تكلَّم صبيًّا هو إرميا»، وكان إرميا مشاركًا في الرعاية التمهيدية لسفر الشريعة/التثنية الذي كان آنذاك قيد الإعداد، وقام يُهاجم العبادات الوثنية ويُطالِب بعدم السجود سوى ليهوه إبَّان كان في قريته عناثوث المنسوبة لربة الخِصبِ الكنعانية «عنات/عناث» حتى إن أهل قريته تآمروا عليه لقتله (إرميا، ١١: ٢١) مما اضطَرَّه إلى الهرب إلى أورشليم. وبقي إرميا حيًّا خلال زمن يوشيا ثم ابنه يهو آحاز ٣٠٩ق.م، ثُمَّ يهوياقيم ٦٠٨–٥٩٨ق.م، ويهوياكين وصدقيا ٥٩٧–٥٨٦ق.م، ورأى بعينَيه ما أسَّسه ليهوه زمن الملك يوشيا ينهار زمن أخلافه الذين عادوا للعبادات المُتعدِّدة والآلهة الغريبة؛ لذلك لم يكِلَّ إرميا من التنديد بشعبه لغدره بيهوه وزناه مع الآلهة الغريبة التي تم ترميمها من جديد، خاصةً عبادات البعل وربة السماء إيزيس المصرية وعشتار البابلية، وكان يهوه يغلي غيظًا وكمدًا وغَيرةً على لسان إرميا إذ يقول له:

أما ترى ماذا يعملون في مدن يهوذا وفي شوارع أورشليم؟ الأبناء يلتقطون حطبًا والآباء يُوقِدون النار والنساء يَعجِنَّ العجين، ليصنعن كعكًا لملكة السموات … لكي يغيظوني.

(إرميا، ٧: ١٧-١٨)

بعددِ مُدنِكَ صارت آلهتك يا يهوذا وبعددِ شوارعِ أورشليم وضعتُم مذابحَ للخزي؛ مذابحَ للتبخير للبعل.

(إرميا، ١١: ١٣)
كان غضب يهوذا قد تَفجَّر على الجميع أغنياءَ وفقراء، لكن الأغنياء كانوا أكثر مكرًا ومعصية:

مثل قفصٍ ملآن طيورًا هكذا بيوتهم ملآنة مكرًا، من أجل ذلك عظُموا واستغنَوا، سمِنوا، لمَعوا، أيضًا تجاوَزوا في أمور الشر … أفلأجل هذه لا أعاقب؟ يقول الرب، أوَلا تنتقم نفسي من أمةٍ كهذه؟!

(إرميا، ٥: ٢٧–٢٩)

أتُسرِفون وتقتلون وتزنون وتحلِفون كذبًا وتُبخِّرون للبعل وتسيرون وراءَ آلهةٍ أخرى لم تعرفوها، ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دُعي باسمي عليه وتقولون أنقذنا؟!

(إرميا، ٧: ٩-١٠)

مُحرقاتُكم غيرُ مقبولة وذبائحُكم لا تلَذُّ لي.

(إرميا، ٦: ٢٠)
ثم يستدير إرميا يَكِيل الطعن لزملائه الأنبياء فكلُّ الشر يأتي منهم بتعاونهم مع الكهنة فهم:

يفسُقون ويسلُكون بالكذِب ويشدُدون أيادي فاعلي الشرِّ حتى لا يرجعوا الواحد عن … شرِّه هكذا قال يهوه رب الجنود: لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبئون لكم فإنهم يجعلونكم باطلًا … يتكلَّمون برؤيا قلبهم لا عن فَمِ يهوه … ويقولون لكلِّ من يسير في عناد قلبه لا يأتي عليكم شَر. وقد سمِعتُ ما قالته الأنبياء الذين تنبئوا باسمي بالكذب … عارٌ أبدي وخزيٌ أبدي.

(إرميا، ٢٣: ١٤–٤٠)
وبالطبع «كان بقيةُ الأنبياء يقولون عن إرميا ذات الأقوال ويرمونه بذات الاتهامات، لكنه كان يعتبر نفسه الصادق وهم الكَذَبة»، وبقي حوالي ثلاثين عامًا يُطلِق نبوءاته ويُغامِر بحياته ويُعرِّض نفسه لِأكثرَ من مؤامرة، حتى قال إنه قد أصبح «إنسانَ خصامٍ وإنسانَ نزاعٍ مع كل الأرض» (١٥: ١٠)، وقد انعكست معاناته تلك في رغبةٍ دفينة في الثأر والانتقام من الجميع؛ فينادى يهوه بكل رغباته الدموية:

لا تصفح عن إثمهم … سلِّم بنيهم للجوع وادفَعهم ليدِ السيف، فتصير نساؤهم ثَكَالى وأَرامِل، ويصير رجالهم قَتلَى الموت، وشُبَّانُهم مضروبي السيف في الحرب.

(إرميا، ١٨: ١٨–٢٣)
ويُردِّد إرميا «ما سيُردِّده بعد ذلك نبيٌّ في مكانٍ بعيد وزمنٍ أبعد منطقًا» يتناول عبادة الأصنام التي لا تستحق السجود:

لأنها شجرةٌ يقطعونها من الوَعْر، صنعة يدَي نجَّار بالقَدوم، بالفضة والذهب يُزيِّنونها، وبالمسامير والمطارق يشُدُّونها فلا تتحرك، هي كاللعين في مقثاة فلا تتكلم، تُحمَل حملًا لأنها لا تمشي، لا تخافونها لأنها لا تغير ولا فيها أن تصنع خيرًا … الآلهة التي لم تصنع السموات والأرض تَبيد من هذه الأرض ومن تحت هده السموات.

أمَّا يهوه فهو الإله الحقيقي لأنه هو:

صانع الأرض بقوته، مُؤسِّس المسكونة بحكمته، بفهمه بسَط السموات … مُصوِّر الجميع وإسرائيل قضيب ميراثه …

وهو أيضًا إلهٌ عالمي:

لا مثل لك يا رب، عظيمٌ أنت وعظيمٌ اسمك في الجبروت، من لا يخافك «يا ملك الشعوب» لأنه بك يليق؛ لأنه في جميع حكماء الشعوب وفي كل ممالكهم ليس مثلك.

(إرميا، ١٠)

وتزداد الضغوط النفسية على إرميا وهو يجد نفسه يصرُخ ولا مجيب، يكرهونه ويُدبِّرون لاغتياله مرة ويسبُّونه ويلعنونه مرة، فينادي شعب يهوذا الضال الذي خان آلهته بعقابٍ قادم، فسيمنع يهوه المطر ويموت الناس جوعًا، ثم يرسل جحافلَ شعبٍ غريب عليهم فيقتلونهم ويسبونهم إلى بلادٍ غريبة، لكن يهوه سيرأف بهم في النهاية إذا تابوا وندِموا عما فعلوه من شرٍّ (إرميا، ٥: ١٥–١٩؛ و١٨: ٦–١٠؛ و٣٣: ١٠–١٢).

ومع ذلك فإن إرميا لم يكن فيما يبدو قد وصل إلى التوحيد المُجرَّد، كل ما في الأمر أنه يريد يهوه وحده سيدًا، أمَّا طقوس عبادته فكانت هي ذات طقوس الآلهة الأخرى، ولم يُظهِر أيَّ عداءٍ لتقريب الضحايا والتبخير لربه؛ لأنه يرى مستقبل يهوذا التائبة يوم يقوم الكهنة اللاويون بإصعاد المُحرقات والتقدُّمات وتهيئة الذبائح ليهوه (إرميا، ٣٣: ١٨)؛ فلم يكن ليهوه عند إرميا أيةُ مطاليبَ أخرى سوى ذات المطاليب التي تطلبها الآلهة الأخرى.

ويبدو أن مواقف إرميا السياسية كانت وراء ملاحقته واضطهاده؛ فكما علمنا انفَصلَت بابل عن آشور بعد موت «أشور باني بعل» عام ٦٢٦ق.م، وخلال العقدَين التاليَين كانت بابل والميديِّين قد حطَّموا الإمبراطورية الآشورية تمامًا. وبَدأَت تطلُّعات بابل لميراث الإمبراطورية، وكانت لمصر زمن الفرعون «نخاو» ذات الطموحات، وهو ما دفعها لمساعدة حامياتِ آشور في شمالي سوريا أملًا في الاستيلاء عليها، لكن نبوخذ نصر الكلداني أَنزلَ بها الهزيمة في قرقميش، فتراجع نخاو بجيوشه لتجميعِ قواه ومتابعة الصراع ضد بابل. وهو ما شجَّع يهوذا على إيقافِ دفع الجزية لآشور المتهالكة وكانت يهوذا تابعةً في الوقت نفسه لمصر. ويبدو أن يهو آحاز بن يوشيا أزعج الفرعون فعزله وأخذه أسيرًا إلى مصر حيث مات هناك، ونصب الفرعون نخاو بدلًا منه يهوياقيم شقيقه ملكًا على يهوذا. وفى كلِّ ممالكِ بلاد الشام كان يجري النزاع بين اتجاهَين في السياسة الخارجية: اتجاهٍ يميل نحو مصر والآخر نحو بابل، فكان في بلاط الملك يهوياقيم حزبٌ قويٌّ مُوالٍ لمصر، وحزبٌ آخر مُوالٍ لبابل قوي شأنه بعد هزيمة الفرعون نخاو، وكان إرميا من هذا الحزب الأخير الذي يرى أن الخلاص من الدمار والانقراض الشامل هو الخضوع لبابل باستسلامٍ كامل دون مقاومة؛ «لأن الهزيمة العسكرية أمام مصر قد تعني مجرَّد تبعيةٍ سلمية، أمَّا الهزيمة العسكرية أمام بابل فكانت تعني الدمار الشامل»؛ ومن هنا لم يكن إرميا مواليًا لحزبِ بابل حبًّا فيها بل رعبًا منها وإشفاقًا مما قد يحدث ليهوذا لو حالَفَت مصر وهُزِمَت مصر أمام بابل ثانية؛ فمعنى ذلك الإبادة الشاملة لشعب الرب من قِبل البابليِّين. هذا بينما كان فريقٌ ثالث يعتقد أن يهوه لن يسمح لهؤلاء أو أولئك من وثنيِّين بالسيطرة على شعبه، لكن إرميا كان على يقينٍ من اجتياح بابل لبلاده، لكن يهوه في النهاية لن يسمح بفناءِ شعبه «وأيضًا في تلك الأيام يقول يهوه لا أُفنيكم» (٥: ١٨). ومثل هوشع وإشعيا يتنبأ إرميا ببعثٍ جديد لشعب إسرائيل من البقية التائبة أو الراجعة لكن في مستقبلٍ غيرِ مُحدَّد بشكلٍ دقيق. لكن قبل ذلك ستُدمَّر أورشليم تمامًا «يكون هذا البيت وتكون هذه المدينة خربةً بلا ساكن»، وكان رد فعل الناس على إرميا غضبًا شديدًا «وكل الشعب أمسكوه قائلين تموت موتًا» (٢٦: ٨)، لكن البعض الآخر أنقذ إرميا من غضبة الناس، في ذات الوقت الذي لقي فيه النبي أوريا بن شمعيا — الذي كان يُردِّد ذات كلام إرميا — حتفه، «أتَوا به إلى الملك يهوياقيم فضربه بالسيف وطرح جُثَّته في قبور بني الشعب» (٢٦: ٣٢).

وبالفعل السحري المُتَّبع بكسر الجِرار الفخارية رمزًا على كسرِ أصحابها وفنائهم، تجرأ إرميا أمام شيوخ الكهنة والشعب في وادي بن هنوم وكَسر هناك إناء فخاريًّا وهو يقول كلمة يهوه «هكذا أكسر هذا الشعب وهذه المدينة كما يُكسَر وعاء الفخاري»، وكان ذلك مجلبةً للنحس في اعتقاد الناس؛ لذلك أَمر فشحور كاهن معبد أورشليم بضربِ إرميا ومنعه من دخولِ المعبد (١٩: ١–١١؛ و٢٠: ٢).

ويبدو أن ملك يهوذا «يهوياقيم» قد اضطُر في النهاية إلى إعلان خضوعه لبابل؛ لأنه قام أولًا بقطع اتصالاته مع مصر، ثم أرسل جزية إلى نبوخذ نصر، ثم عاد بعد ثلاثِ سنواتٍ يَتردَّد محاولًا العودة إلى مصر التي فَقدَت ثقتها به، وحتى يؤكِّد عودته توقف عن دفع الجزية لبابل، فأمر نبوخذ نصر أتباعه الموآبيِّين والآراميِّين والعمونيِّين بتأديبه فهاجموا بلاده. ومات يهوياقيم عام ٥٩٨ق.م تاركًا العرش لابنه يهوياكين، في الوقت الذي وصلت فيه جيوش بابل وضَربَت الحصار على أورشليم واستسلم يهوياكين ٥٩٧ق.م، وسَبى نبوخذ نصر الملك اليهوذي وبلاطه وكهنتَه وجيشَه إلى بابل، وترك سكان الريف وأقام عليهم صدقيا الابن الثالث ليوشيا ملكًا مَنوبًا من قِبله على يهوذا.

وإلى الأسرى في بابل أرسل إرميا رسالةً باسم يهوه ينصحهم بالخضوع التام للملك البابلي ولا يُعولوا على عودة سريعة لأورشليم لأنه «هكذا قال يهوه، إني عند تمام سبعين سنةً لبابل أتعهَّدكم وأُقيم لكم كلامي الصالح بردِّكم إلى هذا الموضع» (إرميا، ٢٩: ١٠). «إذن فلا عودة من الأسر البابلي قبل سبعين عامًا». هكذا كانت نبوءة إرميا.

وتتالى الأحداث وتجتمع كلمة الشعوب الواقعة تحت النير البابلي موآب وآدوم وعمون وصور وصيدا بتحريضٍ من مصر، وأرسلوا سفراءهم إلى صدقيا ملك يهوذا لينضم للحلف. وما إن رأى إرميا السفراء حتى نادى:

هكذا قال يهوه رب الجنود إله إسرائيل … أنا صنعتُ الأرض والإنسان والحيوان الذي على وجه الأرض … وأعطيتها لمن حسُن في عيني، والآن قد دفعتُ كل هذه الأراضي ليد نبوخذ نصر ملك بابل عبدي … ويكون أن الأمة التي لا تخدم نبوخذ نصر ملك بابل … إني أُعاقب تلك الأمة بالسيف والجوع والوباء، يقول يهوه حتى أُفنيها بيده … والأُمة التي تُدخِل عُنقها تحت نِير ملك بابل وتخدمه، أجعلُها تستقر في أرضها، يقول يهوه، وتعملها وتسكُن بها.

(إرميا، ٢٧: ٤–١١)
لكن الحزب المُعادي لبابلَ قدَّم نبيه حنانيا يقول باسم يهوه:

هكذا قال يهوه. هكذا أَكسِر نِير نبوخذ نصر ملك بابل في سنتَين من الزمان.

(إرميا، ٢٨: ١٠-١١)

وبينما تضرب جيوش بابل الحصار الثاني على أورشليم «كان حنانيا يعلم أن جيوش مصر قد خَرجَت لمعونة يهوذا» وحلفائها بقيادة الفرعون إبريس، ورفع نبوخذ نصر حصاره عن أورشليم مُحرِّكًا جيشه باتجاهِ مصرَ فانتَعشَت آمالُ يهوذا فى الخلاص، بينما تم القبض على إرميا في يهوذا بحسبانه جاسوسًا لبابل وأُودع السجن، لكنه كان يُصر على أن يهوه قد أمر بتسليم أورشليم لبابل «هذه المدينة ستُدفع دفعًا ليد جيش ملكِ بابل فيأخذها» (إرميا، ٢٨: ٢-٣). مما دفع جنود يهوذا لمطالبة الملك بقتل إرميا الذي يُضعِف رُوح المقاومة عند الناس.

ليُقتل هذا الرجل؛ لأنه بذلك يُضعف أيادي رجال الحرب الباقِين في هذه المدينة … هذا الرجل لا يطلبُ السلامَ لهذا الشعب بل الشر.

(إرميا، ٣٨: ٤)

وهزم البابليون جيش الفرعون إبريس الذي عاد إلى مصر، وفي عام ٥٨٦ق.م اختَرقَت جيوش بابل أورشليم وتم تهديمها بشكلٍ شبهِ كامل؛ فقد أَمرَ نبوخذ نصر بهدم أسوارها، وحرقِ معبد يهوه، وقتلِ الملك صدقيا، وسبي الصنَّاع والحرفيِّين وغيرهم إلى بابل وترك فقراء يهوذا فقط يُفلِحون الأرض. كما أمر «بإكرام إرميا» وتخييره بين البقاء في يهوذا أو السفر إلى بابل ففَضَّل البقاء في يهوذا، «ومن هناك تم اختطافه إلى مصر» هو وتابعه الذي كان يُلازمه باروك، ورغم أن «إرميا كان قد تنبأ بأن مصر ستلاقي مصير يهوذا على يد البابليِّين فإن نبوءته لم تتحقَّق»، وفي مصرَ مات واختفى ذكر إرميا من التاريخ. كذلك أخطا إرميا في تحديدِ مدةِ أَسْر اليهوذيِّين ببابل سبعين عامًا؛ لأنه حتى أولئك الذين ذهبوا إلى السبي الأول «لم يلبثوا أكثر من ٥٨ عامًا»، منذ الحصار الأول ٥٩٧ق.م وحتى ٥٣٩ق.م على وجه التدقيق.

والنظرة الفاحصة لكتاب إرميا ستكشف أن هناك إصحاحاتٍ قد أُضيفت إلى هذا الكتاب ليست لإرميا بأيةِ حالٍ وهما الإصحاحان ٥١ و٥٢ تُكرِّر حرفيًّا ذات الإضافات التي حُشِيَت بكتابِ إشعيا، وتتحدَّث حول هجومِ الميديِّين على بابل (إرميا، ٥١: ١١)، ودمارِ بابل التي ستتحول إلى كومةٍ من الأنقاض، وهو ذاتُ ما ردَّدَته إصحاحات إشعيا ١٣ و١٤، بينما نجد الإصحاح ٥٢ في إرميا يُردِّد ما جاء في الإصحاح ٢٥ من كتاب ملوك ثاني، بل ويشهد على ذلك أن تلك الإصحاحات قد أُضِيفَت بعدَ ما ورد من إشارةٍ ختامية في الإصحاح ٥١ (إلى هنا كلام إرميا)، والمُرجَّح «أن كاتبها كان رفيقه باروك الذي أراد إصلاحَ وتهذيبَ شأنِ خيانةِ إرميا الواضحة وعمالته لبابل».

(٤) حزقيال من كاهن إلى نبي

ولم تعمر المملكة البابلية الكلدانية طويلًا؛ فقد ظَهرَت قوةٌ جديدة في إيران هي قوة الفرس الذين أخضعوا الميديِّين هناك، وتمكَّن قورش الفارسي من توحيدِ إيران جميعًا تحت سلطانه، وفي ٥٣٩ق.م كان قد فتح بابل. لكنه «أبدًا لم يحقق نبوءات إشعيا وإرميا؛ فلا هو هدَم معابدها ولا دمَّر تماثيل آلهتها ولا تركَها كومةَ أنقاض، بل أبدى نحوها شديد الاحترام»، وكانت حكمته دليلًا لأخلافه الذين تمكَّنوا من إقامةِ إمبراطوريةٍ كبرى طوت شرقي المتوسط تحت جناحَيها حتى وادي النيل، لكن إرميا رغم موته شريدًا غريبًا في مصر فإنه لم يعدم من يشاطره آراءه من بعدُ، ذلك كان «حزقيال» المنحدر من نسل الكهنة الصدوقيِّين المُقدسِين، والذي ذهب إلى بابل أسيرًا في صباه عام ٥٩٧ق.م، وبعد أن أمضى خمس سنواتٍ في الأَسْر قرَّر أن يكون نبيًّا. أمَّا كيف كان ذلك؟ فقد ظهر له يهوه ونشر أمامه كتاب «وهو مكتوب من داخل ومن قفاه وكُتِب فيه مراث ونحيب وويل». ثم أمر يهوه حزقيال أن يأكل ذلك الكتاب، وعند ذلك أصبح حزقيال نبيًّا (حزقيال، ٣: ١–١٤) يتحدث بلسان يهوه عن مستقبل شعبه المختار.

لم تكن هناك مصائبُ باقيةٌ أكثر مما حدث لشعب الرب، لكن حزقيال كان يرى مصائبَ أكثرَ وأخطارًا أعظمَ هي الخطر المُحيق بديانة يهوه. وكان حزقيال شاهدًا على الخيانة التي قام بها شعب يهوذا لربه يهوه بعبادةِ آلهةٍ أخرى (حزقيال، ٨).

ونجد عنده إشاراتٍ إلى «عبادةِ بشرٍ حيواناتٍ بمعبد أورشليم تُشير إلى آلهةٍ مصرية واضحة» (حزقيال، ١: ١٠؛ و٤٣: ٦). وكانت تلك الآلهة ذات الرءوس الحيوانية إضافةً لشبيهها في بابل كما في الثيران المُجنَّحة «قيراب» أو «كروبيم» قد أصبَحَت فيما بعدُ أساسًا لظهور ما يُعرف بالملائكة في أُفقِ الديانة اليهودية، ويَروي حزقيال كيف كان الكروبيم (الثيران المُجنَّحة) ركوبةً تنقل يهوه من بابل إلى أورشليم إلى أيِّ مكانٍ آخر.

ويرتد حزقيال عن النقلة التقدُّمية التي أسَّسها إرميا بعالمية يهوه الذي كان يرعى الآراميِّين والكوشيِّين والفلسطينيِّين، «يعود حزقيال إلى يهوه العنصري الذي يقف فقط إلى جوار شعبه المختار»، وأنه سينتقم من الشعوب المحيطة بيهوذا من عمون إلى موآب إلى آدوم إلى الفلسطينيِّين، لأنهم نجَّسُوا معبد الإله بدخولهم إليه، وتَشفَّوا في هلاك يهوذا على يد نبوخذ نصر (حزقيال، ٣: ٢٥).

ويرتَد حزقيال إلى طلب يهوه للقرابين والذبائح وليس للتقوى (حزقيال، ٤١: ٢٢)، ويَعِد يهوه حزقيال بأنه في مملكة إسرائيل التي سوف تُبعث، سيعمل الكهنة «على المَذبَح مُحرقاتكم وذبائحكم السلامية فأرضى عنكم» (حزقيال، ٣٤: ٢٧)، والسبب الواضح «أن حزقيال كان كاهنًا من سُلالة الكهنة»، وكان يشغلُه وضع الكهنة المميز. لكن كان يشغله أيضًا طمأنةُ شعبه على مستقبله وهو أسير في بابل؛ فالله قد قال له:

فبدَّدتُهم في الأُمم فنذَروا في الأراضي … أنا يهوه … آتي وآخذكم من بين الأُمم وأجمعكم من جميع الأراضي وآتي بكم إلى أرضكم … وأجعلُكم تسلُكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها.

(حزقيال، ٣٦)

لكن السؤال كان: هل يستحق شعب الرب كل هذا العقاب العظيم؟ وإذا هلكت يهوذا فذلك معناه انتهاء عبادة يهوه، ثم لماذا هذا العقاب للجميع بينما يُوجد بالشعب عبادٌ مخلصون ليهوه؟ ولماذا يعاني الأبرياء مع الخاطئِين المُذنبِين في حق يهوه بعبادةِ آلهةٍ أجنبية؟ كانت إجابته ذاتَ إجابةِ هوشع فإسرائيل الشمالية ويهوذا الجنوبية كانتا مثل امرأتَي زنى خانتا زوجهما الشرعي يهوه مع عُشاقٍ أشوريِّين ومصريِّين وبابليِّين. لكن الزانية ستتوب ويعدُها يهوه إن تابت بالغفران (حزقيال، ١٦: ٥٢–٦٠).

ولِتبريرِ عدلِ يهوه إزاءَ عبادِه المُخلصِين الذين يُعانون مع الخونة وربما أكثر معاناة من خونة يهوه، فإن حزقيال يُكرِّر تفسيراتِ إرميا، ثُمَّ يضيف إضافاتٍ جديدة تمامًا «متأثرة بالعقائد المصرية الأُخروية»:

فإذا رجَع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلَها وحفظ كل فرائضي … «فحياة يحيا ولا يموت». كل معاصيه التي فعلها لا تُذكر عليه … وإذا رجع البارُّ عن برِّه وعمل إثمًا وفعل مثل كلِّ الرجاسات التي يفعلها أفيحيا؟ كل برِّه الذي عمِله لا يُذكَر في خيانته … «يموت».

(حزقيال، ١٨: ١–٢٤)

ومن ثم يفتح حزقيال أبوابًا جديدة للأمل والتوبة، ضمن مدرسة الكهنة ذوي الامتيازات، وحرصًا على هذه الامتيازات قاموا يُقدِّمون وحيًا منسوبًا لموسى يُعرَف باسم القانون الكهنوتي، يعكس مصالحهم وتطلُّعاتهم. أدرجوه تعشيقًا هنا وهناك في التوراة الخماسية، في مناطقَ مُتفرقةٍ منها، حتى تجد في التوراة القديمة المنسوبة لموسى فصولًا كاملةً مُكرَّسة لوظائف الكهنة وطقوسهم وقرابينهم؛ لأن إسرائيل المقبلة يجب أن تكون تحت سلطان الكهنة.

ومن هنا نجد ثمانيةَ إصحاحاتٍ كاملة من كتاب حزقيال من ٤٠ إلى ٤٨ عبارةً عن مشروعٍ كامل لبناء يوتوبيا إسرائيل المقبلة «تحت سلطان الكهنة». ويُقدِّم حزقيال تصوُّراته من خلالِ أُقصوصةٍ يقول فيها إن يهوه أخذه وطار به إلى المستقبل كي يشاهد إسرائيل الآتية الباقية، ودور المعبد الضروري للكهنة وسيادتهم في المملكة المقبلة، ويضع ضمن تلك التصوُّرات كيف سيكون الكهنة في أعلى درجات السُّلم الاجتماعي، وهناك سوف يُعلِّمون الشعب:

التمييز بين النجس والطاهر، وفى الخصام هم يقِفُون للحكم يحكمون حسب أحكامهم ويحفظون شرائعي وفرائضي، في كل مواسمي يُقدِّسون سبوتي.

(حزقيال، ٤٤: ٢٣-٢٤)

ومعنى ذلك أن الكهنة سيحوزون أيضًا السلطة القضائية بينما تقوم السلطة المدنية بدورٍ هامشي تمامًا، ويبدأ الحديث عن رئيسٍ ستكون مهمته تقريب الضحايا ليهوه ورعاية المعبد وممارسة الشعائر الدينية؛ لهذا سيجمع الإتاوة من الشعب لصالح المعبد وكهنته. من هنا «كانت الطقوس عند حزقيال أهم كثيرًا من الواجبات الأخلاقية».

ولم يعِشْ حزقيال حتى يرى «معظم نبوءاته وهي تطيش» خاصةً تلك النبوءات المُحدَّدة الواضحة المباشرة؛ ففي بداية نبوءاته في بابل تنبَّأ «بمحاكمةِ الملك اليهوذي صدقيا في بابل (١٧: ٢٠) وهو ما لم يحدث، وتنبأ بدخول نبوخذ نصر صور (إصحاحات ٢٦ و٢٧) وهو ما لم يحدث أيضًا».

وفي بابل كان أنبياءُ آخرون يتنبئون بمستقبلِ شعبِ الربِّ لم تصِلنا أسماؤهم لأنه تم إدخالها في كتبِ أنبياءَ أكثرَ شهرة، منها تلك التي نُسِبَت زورًا إلى النبي إشعيا ابتداءً من الإصحاح ٤٠ وحتى نهاية كتاب إشعيا، واصطَلحَت مدارس نقد التوراة على تسميتها بكتابَي إشعيا الثاني وإشعيا الثالث كاصطلاحاتٍ فقط مجازيةٍ لا علاقة لها بإشعيا صاحب الكتاب؛ «لأنها أبدًا لم تُدوَّن بأحداثها زمن إشعيا إنما بعد ذلك، زمن الأَسْر البابلي وفي الأَسْر البابلي»، وبعض تلك الإضافات تعود إلى زمنٍ أكثر تأخُّرًا من زمن الأَسْر البابلي.

يُعلِن النبي المجهول المُتسلِّل إلى كتاب إشعيا إعلانًا إلهيًّا هو أن يهوه قد قنَع بما أَنزلَه على يهوذا من عقوباتٍ استحقتها، وأن آثامها قد تمَّت مجازاتها وأنها قد قضت فترةَ عقوبتِها وآن أوانَ تصالُحها مع ربها بعد أن انتهى من توقيعِ الجزاء المناسبِ الذي ارتاحت له نفسه المكلومة من شعبه المختار.

عزُّوا عزُّوا شعبي، يقول إلهكم، طيِّبوا قلب أورشليم ونادَوا بأن جهادها قد كمل، أن إثمها قد عُفي عنه، أنها قد قبِلَت من يدِ يهوه ضعفَين عن كل خطاياها.

(إشعيا، ٤٠: ١-٢)
وكان كورش يكتسح إيران يُوحِّدها ثم يخرج بجيوشه ليُخضع المدن اليونانية في آسيا الصغرى، وتتتالى الأنباء عن التهيُّؤ الفارسي لاكتساح بابل، وهنا يقوم إشعيا المزيف يتنبأ بانتصار قورش الفارسي على بابل (إشعيا، ٤١: ٢٥؛ و٤٦: ١١) ويُعلن النبي المجهول أن يهوه قد وقع اختياره على قورش ليكون هو ممسوحه المسيح:

هكذا يقول يهوه «لمسيحه قورش» الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أممًا وأحقاء ملوكٍ أحُلُّ لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تُغلق … لأجل عبدي يعقوب وإسرائيل مختاري دعوتُكَ باسمك، «لقبتُكَ وأنتَ لستَ تعرفني».

(إشعيا، ٤: ١–٤)

وفي إضافاتِ إشعيا الثاني تجد كلماتٍ وصفاتٍ أبدًا ليس لها مثل في بقيةِ إشعيا الأصلي، ثم كلماتٍ لم تعرفها لغة العهد القديم إلا بعد البقاء في الأَسْر البابلي مدةً سَمحَت بنحتِ ألفاظٍ جديدة واصطلاحاتٍ جديدة، ودلالاتٍ جديدة لألفاظٍ قديمة. ويُعلِن إشعيا الثاني عن قورش الفارسي.

هو يبني مدينتي … ويُطلِق سبيي لا بثَمنٍ ولا بهدية.

(إشعيا، ٤٥: ١٣)

ثم ينقل بالحرف من كتاب ملوك (١٨: ١٣–١٩) ويُدوِّنه في إشعيا (٣٦: ٣٩)، ناهيك عن كون الإصحاحات من ٣٦ إلى ٣٩ «تتحدَّث عن النبي إشعيا بضمير الغائب، أمَّا نبوءته بدخول قورشَ بابلَ فهو أَمرٌ كان يستطيع أيُّ شخصٍ أن يتنبأ به»؛ لذلك قام يكتُبه وينسبه إلى النبي إشعيا.

ولمَّا أفرج قورش عن المَسبيِّين بعد سقوطِ بابل، لم يتحمس اليهوذيون الأَسرى للعودة من رفاهيةِ بابل وخيراتِ الفُرات، بل لقد رأى بعضهم «أن رب بابل مردوك أقوى كثيرًا من يهوه الذي يملك على مقاطعةٍ فقيرة وشعبٍ جاهل ومتخلف». إضافةً إلى أنهم هناك تزاوجوا من الرافديات وتاجروا وأَثرَوا بل وأصبحوا يحملون أسماءً بابليةً ويسلكون بعاداتِ البابليِّين، ولم يجد إشعيا الثاني آذانًا صاغيةً لدعوته بالعودة وإقامة الهيكل والمدينة المقدسة، فقام يُنادي بقول يهوه المكلوم:

هو ذا من أجل آثامكم قد بعتم، ومن أجل ذنوبكم طلَّقتُ أمكم، لماذا جئت وليس إنسان؟ ناديتُ وليس مجيب؟ هل قَصرَت يدي عن الفداء وهل ليس فيَّ قدرةٌ للإنقاذ.

(إشعيا، ٥٠: ١-٢)
ويؤكِّد إشعيا الثاني لشعبه أن بابل سوف تذهب إلى السبي كما ذهبت يهوذا بل إن آلهة بابل نفسها سيتم الإطاحة بها ويحملونها معهم إلى سبيهم؛ لأنها مجرد أصنامٍ تعجز عن حماية أتباعها بعكس يهوه المنقذ؛ فيقول عن بعل/بيل والرب نبو البابلي:

قد جثا بيل، انحنى نبو، صارت تماثيله على الحيوانات والبهائم … قد انحنَت، جثَت معًا، لم تقدِر أن تُنَجِّي. أنت تُنَجِّي الحمل وهي نفسها قد مضَت في السبي.

(إشعيا، ٤٦: ١-٢)

لا يعلم الحاملون خشبَ صنمِهم والمُصلُّون لإلهٍ لا يخلص.

(إشعيا، ٤٥: ٢٠)

أليس أنا يهوه ولا إله آخر غيري وبعدي لا يكون؟

(إشعيا، ٤٣: ١٠)

وأنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري.

(إشعيا، ٤٤: ٦)
«لقد سجل إشعيا الثاني مجده بدءًا من تلك اللحظة عندما جعل من يهوه ربًّا واحدًا مطلقًا عالميًّا دون منافس». ثم ينتقل في تبرئه يهوه مما حدث لشعبه نقلة أخرى، «فيهوه لم يعاقب شعبه لأنه أسوأ من الشعوب الأخرى بل لأنه الأفضل»، الشعوب الأخرى تضرب في ظلمات الوثنية أمَّا الشعب المختار فقد استضاء عقله وطريقه بشريعة يهوه؛ لأنه المختار ليكون «نورًا للأمم» (إشعيا، ٤٢: ٦). والجهل راحة والمعرفة عذاب وهذا شأنُ أقوياء الروح ودَورُهم في التاريخ؛ أن يتحمَّلوا جهل الآخرِين وذنوبهم على عاتقهم ويتعذَّبون بسببهم. إن الشعوب الجاهلة تزدري شعب الرب وتشمَت فيه وتُعذِّبه (إشعيا، ٥١: ٢٣). لكن كل هذا هو الثمن النبيل المدفوع سلفًا للمجد الآتي؛ لأن شعب الرب عندما يصل إلى ختامِ أداءِ رسالته سوف يصبح أعظم العالمِين بقرارِ يهوي، وستعلم الشعوب الأخرى أن شعب الرب قد تعذَّب من أجل خلاصها، وأطاعت إسرائيل ربها بعبوديةٍ ووفاء. «وتبدأ كلمة العبودية لله تظهر في أفُق العقيدة اليهودية لتُطلَق على أحباره وأنبيائه» (عباد الله جمع عبد الله)، لِتؤثِّر بعد ذلك في الصيغ النبوية التي «سنسمع لها صدًى في الزمن الآتي تُردِّد أن النبي ليس سوى عبدٍ لله مبلغ ونذيرًا»، يقول إشعيا الثاني:

أمَّا أنتَ يا إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترتُه … الذي … دعوتُه وقلتُ له أنت عبدي، اخترتُكَ ولم أرفُضك … لأني إلهك.

(إشعيا، ٤١: ٨–١٠)

اذكُر هذه يا يعقوب، يا إسرائيل فإنك أنت عبدي، قد جبلتُكَ عبدًا لي أنت يا إسرائيل، لا تُنس مني، قد محوت كغَيمِ ذنوبك، وكسحابةِ خطاياك، ارجع إليَّ لأني قد فديتُكَ (يقصد الرجوع من بابل إلى أورشليم دون التأويل).

(إشعيا، ٤٤: ٢١-٢٢)
ثم يُعلِن للجهلاء من شعوب المحيط:

هذا الشعب جبلتُه لنفسي يُحدِّث بتسبيحي.

(٤٣: ٢١)

هو ذا عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي ويتسامى جدًّا.

(٥٢: ١٣)
ويبدو أن «إشعيا الثاني ذلك المجهول كان يعيش حياةً شديدة القسوة»، تُلقي بظلها الغامض على الإصحاح ٥٣ الذي يُصوِّر حياةَ قديسٍ معذَّب يقول عنه يهوه «عبدي البار» (إشعيا، ٥٣: ١١)، وأن هذا العبد المُحِب ليهوه كان مُحتقَرًا بين الناس وانصرف عنه الجميع لشكِّهم في أنه يتلقى عقابًا من الله على آثامه، رغم أن هذا القدِّيس المعذَّب في الواقع:

أحزانَنا حمَلَها وأوجاعَنا تحمَّلها ونحن حسبناه مضروبًا من الله ومذلولًا وهو مجروحٌ لأجل معاصينا، مسحوقٌ لأجل آثامنا، تأديبُ سلامنا عليه وبحبرِه يشفينا.

(إشعيا، ٥٣: ٤-٥)
والسبب أن:

يهوه وضع عليه إثمنا جميعًا.

(إشعيا، ٥٣: ٦)

«وغنيٌّ عن الذكر أن المسيحية بعد ذلك وَجدَت في ذلك نبوءةً بمسيحها المعذَّب من أجل البشرية.»

وفي هذا الإصحاح نجد حديثًا عن سجن القدِّيس المعذَّب ومحاكمته وربما إعدامه (بغموض) فهي تقول «قُطع من أرض الأحياء»، لكن النبي وهو ينتظر الإعدام أعلن قوله إنه قد:

جعل نفسه ذبيحة إثم، يرى نسلًا تطولُ أيامه، ومَسرةً بيد يهوه تنجح.

(إشعيا، ٥٣: ١٥)
ويُعضِّده يهوه ويُعلِن:

لذلك أَقسِم له بين الأعزَّاء ومع العُظماء، يقسم غنيمةً من أجل أنه سكب للموت نفسَه، وأحصى مع إثمه، وهو حمَل خطيةَ كثيرِين وشفع في المُذنبِين.

(إشعيا، ٥٣: ١٢)
وفي المستقبل الآتي مع النجار يسوع بن مريم نجده قد وَجدَ لديه في عذاباتِ قدِّيسنا المجهول نظريةً كاملة عن «المعذَّب الذي جاء يحمل خطية البشر»، وليس من الضروري أن يكون العذاب على ذنب بقانون النار لا تحرق مؤمنًا؛ فربما يكون العذاب خاصَّا بالمتقِين بقانون المؤمن مُصاب. ويمكن أن يتعذَّب البريء التقي بعلم الله وإرادته ليُفسِح المجال للخاطئِين كي يتوبوا، وتلك الفكرة وإن كانت فلسفةً غامضة غيرَ منطقيةٍ أو مقبولة عقلًا، فإنها كذلك لأنها من أسرارِ يهوه غيرِ المفهومة، أسراره المحجوبة على أفهام البشر، ويشرح يهوه فلسفته الجديدة الغامضة:

لأن أفكاري ليست أفكارهم، ولا طُرقهم طرقي، يقول يهوه، لأنه كما علت السموات عن الأرض، هكذا علت طُرقي وأفكاري عن أفكاركم.

(إشعيا، ٥٥: ٨-٩)

وهكذا تمت صياغة فكرة الرسالة الفدائية لإسرائيل من أجل البشرية؛ لأنه عبد يهوه وبشيره ونذيره الذي يجب عليه أن يتحمل ويحمل شريعة الرب إلى «الجزائر … والأمم … البعيدة» (إشعيا، ٤٩: ١). وهكذا سجَّل هذا القديس لأول مرة فتحًا مبينًا في تاريخ اليهودية التي لم تعُد تقتصر على شعب بني إسرائيل؛ لأن شعب بني إسرائيل لفضله وأصالته قد تم اختياره ليحمل الرسالة ويتحمَّل العذاب إلى الشعوب الأخرى بالدعوة لمجد يهوه.

ومن أجل مجد يهوه لم يلتفت إشعيا المجهول إلى أن قورش كان من غير بني إسرائيل بالدم والعنصر، ولم يهتم بكونه كان وثنيًّا تمامًا حتى مماته؛ فهو أول المهديِّين الذين تم هُداهم لخدمة يهوه، وأن يهوه بنفسه هو من مسحه مسيحًا لأنه كان رسول يهوه المنتظر من زمنٍ طويل، الذي سيُنفِّذ إرادة يهوه. ويرسم إشعيا المجهول صورة فصيحة لدمار بابل القريب، وأن يهوه سيسير أمام قورش ليفتح له أبواب سور بابل.

أنا أسير أمامك والهضابَ أُمهِّد أَكسِر مصراعَي النحاس، ومغاليقَ الحديد أَقصِف.

(إشعيا، ٤٥: ٢)

«وقد ذهب البعض إلى أن فتح بابل قد تَمَّ عَبْر اتفاقاتٍ سريةٍ مُسبَقة بين اليهوذيِّين المسبيِّين وبين قورش، وكان اليهوذيون في بابل يعيشون كمواطنِين داخل المدينة.»

وبينما يذهب شعبُ بابل إلى المنفى حسب تلك النبوءة، فإن شعب إسرائيل سيعود إلى وطنه ويصبح صاحبَ مجدٍ عظيم، وأن كاس الألم ستشربه شفاه الذين عذَّبوا شعب الرب (٥١: ٢٢-٢٣) والظالمون سيأكلون أجسادهم ويشربون دمهم كالخمر (٤٦: ٢٦).

وسوف تأتي كل الشعوب بجزيتها وكنوزها إلى دولةِ شعبِ الرب (٤٥: ١٤)، وسيَلحَق بالوثنيِّين الخزي والعار، لكن بعضهم سيؤمن بيهوه ويأتون إليه يقولون:

فيك وُحد الله وليس آخر إلهًا.

(إشعيا، ١٤: ٤٥)
وستقوم أورشليم عاصمةً كبرى مُقدَّسة يناديها النبي:

اخرجوا من بابل، اهرُبوا من أرض الكلدانيِّين بصوت الترنُّم أخبِروا، نادُوا بهذا.

(إشعيا، ٤٨: ٢٠)

(٥) بناء الهيكل الثاني

ولكن الشعب المُقدَّس يتمسك بالإقامة في بابل ولا يرغب في العودة، مما كان مبررًا مَصلحيًّا لعدم تصديقهم نبوءات الأنبياء عن الغد الذهبي في أورشليم.

المهم أن قورش بعد فتح بابل سنة ٥٣٨ق.م بقليل، أعلن مرسومه بعودة اليهوذيِّين إلى يهوذا، وقد ورد في كتاب عزرا:

في السنة الأولى لقورش ملك فارس، عند تمام كلام يهوه بفَم إرميا، نبَّه يهوه روح قورش ملك فارس، فأطلق نداءً في كل مملكته وبالكتابة أيضًا قائلًا: هكذا قال قورش ملك فارس: جميع ممالك الأرض دفعها لي يهوه إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتًا في أورشليم التي في يهوذا. من منكم من كل شعبةٍ ليكن إلهه معه ويصعد إلى أورشليم التي في يهوذا، فيبني بيت يهوه إله إسرائيل، «هو الله الذي في أورشليم». وكل من بقي في أحد الأماكن حيث هو مُتغرِّب، فلينجده أهل مكانه بفضة وبذهب وبهائم، مع التبرُّع لبيت يهوه الذي في أورشليم.

(عزرا الأول، ١: ١–٤)

لقد حل النبي المشكلة، «الفقراء يعودون، أمَّا الذين ارتبطوا بمصالحَ اقتصادية في بلاد الكلدانيِّين البابلية، فإنه يمكنهم البقاء لكن عليهم التبرُّع والتمويل لإعادة بناء الهيكل» الذي سبق وهدمه نبوخذ نصر، بناء البيت، وبناء مدينة أورشليم وسورها المهدوم. أي أنه على من يرغب في البقاء أن يتقدم بمعونةٍ سنوية لمعبدِ كهنة أورشليم.

وبينما نبي التوراة المجهول يتحدث عن قورش باعتباره المسيح المختار لدمار بابل، كان كهنة الإله البابلي مردوك يُسجِّلون بأوامر قورش، أن الإله مردوك رب بابل قد استدعى قورش لفتحها، وذلك في المرسوم القائل على لسان مردوك، أنه:

«بعد أن نظر في كل البلدان ومحصَها بحثًا عن ملك تقي، يكون من قلبه، فليأخذ بيده. نادى الملك قورش … باسمه، وناشدَه السيطرة على الكون … وأمره بالسير إلى مدينته هو (مدينة مردوك) بابل، ودون معركةٍ أو قتالٍ سمح له بدخول بابل.»٧

لقد كان قورش يرعى مصالحه السياسية عَبْر إيمان المُتدينِين؛ فهو يفتح بابل ويحترم آلهتها ويُوقِّرها بعكس كل نبوءات التوراة، ويقول إنه جاء ليأخذ بابل بناءً على طَلبِ كبيرِ أربابها، كذلك فعَل مع بقيةِ آلهةِ الدول المفتوحة، كذلك فعَل مع يهوه، ويقول في مرسومٍ آخر:

«حين دَخلتُ بابل، أَخذتُ برعايةِ شئونِ بابلَ الداخلية ومقدَّساتها … ففَرِح «مردوك» المليك العظيم لأعمالي المباركة، وباركني أنا قورش الملك الذي يُجِلُّه.»٨

وتمكَّن قورش من اجتذابِ كَهنةِ ديانات البلاد المفتوحة إلى جانبه، وهم من جانبهم ضمنوا له ولاءَ رعاياهم بما لديهم من أوامرَ إلهيةٍ يُوحى بها، ولم تُفكِّر بابل في الانتفاضِ عليه لا في عهده ولا في عهد ولده قمبيز. وهو قد سمح لليهوذيِّين بالعودة إلى أورشليم ليس لأنه تلقَّى أوامرَ يهوه بذلك، ولكن لأنه كان يهيئ نفسه للاستيلاء على مصر، وكان يشغله أن يكون الملك الملاصق لبوابة مصر من أتباعه هو وشعبه؛ أن يكون شعب الحدود المصرية وفيًّا لفارس. بل ودفع قورش جزءًا من مصاريف بناء الهيكل، لأنه كان يريد إخلاص الكهنوت اليهوذي، مع تبعيةٍ كاملة؛ فهي عودة لكنها تحت ظل السلطان الفارسي الكامل، بل إن قورش قد عيَّن عليها واليًا فارسيًّا من قِبله، مع حاكمٍ يهوذي محلي هو «زربابل» الذي اختاره الكهنة بحسبانه «سليلَ البيتِ اليهودي الملكي، سليل داود وسليمان».

لكن عند العودة لم تعُد سوى قلةٍ من اليهوذيِّين الذين ضاقت بهم سُبل الرزق في بابل، بعد أن شكُّوا في وعود يهوه «لأن أقوالَه كَذبَت أكثر من مرة»؛ فهو أكثر من مرة أكَّد أنه سيُفني البابليِّين وبابل، لكن ما حدث كان بالعكس تمامًا، بل ازدَهرَت بابل أكثر، وأُضيفت إليها معابدُ جديدة، وإلى تجاراتها زياداتٌ هائلة، وتحوَّلَت إلى كبرى عواصم الدولة الفارسية نفسها.

وعاد البعض، ودفع البعض، وقام العائدون يبنون وينتظرون كلَّ ليلةٍ إطلالةَ المجد اليهوي بالخير على شعبه المُخلص، لكن لتجتاح الأرض موجةُ جفافٍ نادرةُ المثال، وتُصاب المزروعات بالدمار، حتى الأشجار المثمرة ضَربَتها الآفات (حجي، ١: ٥–١١؛ و١٥: ١٩)، ثم جاء الجراد يكتسح في هجومٍ متكرر، مع مشاكلَ أخرى نَتجَت عن كون القائمِين في يهوذا من فلاحِين لم يتمَّ سبيهم، كانوا قد استولَوا على أراضي المسبيِّين، ويرفضوا الآن إعادتها مما خلقَ مشاكلَ كبرى بينهم وبين الكهنة.

وامتد تشييد معبد يهوه المتواضع جدًّا حوالي عشرين سنةً كاملة، كانت فيها أورشليم تُعاني ويلات الجوع، وعاش الناس في حُطامِ أطلالٍ لم تُبنَ منذ الغزو البابلي، ليبزُغ في التاريخ نجمُ نبيٍّ مجهولٍ جديد، لم يجد أمامه سوى سِفر إشعيا فدس فيه لفائفه الجديدة، واصطَلح على تسميته إشعيا الثالث. وكان حديثه يقع زمنَ بناءِ الهيكل والدعوةِ إلى بناءِ سور أورشليم (إشعيا، ٦٠: ١٠–١٣)، وسط النزاع بين الأتقياء وبين الكفار. «والكفار عند إشعيا الثالث ليسوا الشعوب الوثنية ولكن هم اليهوذيُّون أنفسهم الذين قد أصبحوا نصف وثنيِّين»، يُقدِّمون القرابين ليهوه في أورشليم، ثم يذهبون ويُرتِّبون موائد الإلهَين جاد ومنسي (إشعيا، ٦٥: ١١) ويأكلون الخنزير المحرم (٦٦: ١٧). «وظهر مفهوم الكافر في أفق التاريخ» ليُعيد إلى يهوه غضبه ويقول إن يهوه قبل أن يُعيد بناء أورشليم «سيُبيد أولًا الكافرِين، وبعدها سيكون لإسرائيل أمجادٌ عظمى وتُبنى كأزهى البلاد» (إشعيا، ٦١: ٤). إن الأزمة عندما استَحكمَت ذهب الحلم الغاضب إلى تكفير بني الملة، «وهو ما يُردَّد صداه اليوم في بلاد المُسلمِين». وبينما يعود عزرا عما كان قد أسَّسه إشعيا الثاني من عالمية يهوه ودعوته للتبشير وفتح دينه للأخرِين، يعود عزرا إلى عُنصرية الشعب المختار بالدمِ والعنصرِ وحده؛ لأنهم عندما عادوا من الأَسْر فُوجئوا بمن بقي منهم هناك وقد تَزوَّجوا من نساء الشعوب المختلفة وعبَدوا آلهتها، وهو ما يُسجِّله كتاب عزرا في تقريرٍ يقول:

لم ينفصل شعب إسرائيل والكهنة واللاويِّين من شعوب الأرض من رجاساتهم، من الكنعانيِّين والحيثيِّين والفرزيِّين واليبوسيِّين والعمونيِّين والموآبيِّين والمصريِّين والأموريِّين؛ لأنهم اتخذوا من بناتهم لأنفسهم ولبنيهم، واختلط الزرع المُقدَّس بشعوب الأرض، «وكانت يد الرؤساء والولاة في هذه الخيانة أولًا».

وهنا نَلمَح في زمن إشعيا الثالث ومواصفاته ما يمكن له أن يُحدِّد زمنه وقتَ أو أيامَ كان كهنوت أورشليم لم يبلغ سَطوتَه كاملة، ووقتَ كان يُلحُّ فقط على فروض العبادة، ونستمع إليه يُعضِّد إشعيا الثاني ويؤكِّد فتح باب اليهودية للشعوب الأخرى، حتى يجد حلًا لمشكلة الزواج الكثيف من الأجانب، وحتى يجعل أبناء تلك الزيجات يهودًا، وهنا يقول يهوه لأبناء الشعوب الأخرى:

فلا يتكلم ابن الغريب الذي يقترن بيهوه ليخدموه، وليُحيوا اسم يهوه، ليكونوا له عبيدًا، كل الذين يحفظون السبت لئلا يُنجِّسوه ويتمسكون بعهدي، آتي بهم إلى جبل قُدسي وأُفرحهم في بيت صلاتي، وتكون ذبائحهم ومحروقاتهم مقبولةً على مذبحي؛ لأن بيتي بيت الصلاة يُدعَى لكل الشعوب.

(إشعيا، ٥٦: ٣–٢٨)
وأنبياء الشعوب الأخرى المؤمنون بيهوه سيعيشون في مملكة إسرائيل المزدهرة (إشعيا، ٦١: ٥)، لكن خدمة معبدِ يهوه تظل من اختصاص اليهوذيِّين فقط. ويدفع إشعيا الثالث بيهوه نحو تطوُّرٍ أرقى حين يؤكِّد يهوه — مع الصعوبة القائمة في بناء المعبد — أنه ليس بحاجةٍ ماسة لمعبد، والسبب:

هكذا قال يهوه: السموات كُرسيَّ، والأرض موطئ قدمي. أين البيت الذي تبنون لي؟

(إشعيا، ٦٦: ١)
«وفي الإسلام أصبحت الأرض كلها معبدًا طهورًا.» وهكذا تدُل مداخلاتُ إشعيا الثالث على أنه لم يكن كاهنًا منتفعًا من المعبد؛ لأن هناك آخر كان ينتفع لأنه كان كاهنًا لذلك كان يقول كلامًا آخر، ويؤكِّد على وجوب استكمال المعبد لأن يهوه يحتاج إلى السكن في الأرض:

هكذا قال يهوه رب الجنود قائلًا: هذا الشعب قال إن الوقت لم يبلغ وقت بناء البيت! هل الوقت لكم أن تسكنوا في بيوتكم المُغشَّاة، وهذا البيت خراب؟

(حجي، ١: ٤٢)
ووجد حجي في تباطؤ شعبه عن البناء حُجةً تُبرِّر ما نزل بهم من كوارثَ جديدة؛ فيهوه يقول لحجي:

لأجل بيتي الذي هو خراب، وأنتم راكضون كلُّ إنسانٍ إلى بيته، لذلك مَنعَت السمواتُ من فوقهم الندى، ومَنعَت الأرض غَلَّتها، ودعوتُ بالحرِّ على الأرض وعلى الجبال وعلى الحِنطة وعلى المسطار وعلى الزيت، وعلى ما تُنبِته الأرض، وعلى الناس، وعلى البهائم.

(حجي، ١: ٩٦–١١٠)

اصعَدوا إلى الجبل وأْتوا بخشب وابنُوا البيت فأَرضَى عليه وأتمجد. قال يهوه.

(حجي، ١: ٨)
واستَغرقَت عملية البناء خمس سنواتٍ أخرى، وكان المعبد الثاني أكثرَ تواضُعًا من البيت الأول المُتواضع أصلًا بجوار المنشآت المعمارية لِدول الجوار، وينظر حجِّي إلى البيت الجديد حزينًا قائلًا بمرارة:

مَن الباقي فيكم الذي رأى هذا البيت في مَجدِه الأول، وكيف تنظرونه الآن؟ أما هو في عينيكم كلا شيء؟!

(حجي، ٢: ٣)
ويُعلِن يهوه على لسان حجي أنه سيبني البيت مع البنَّائِين، مُحفِّزًا لهم مبشرًا أن «زربابل» ٥٢٢ق.م، سليل بيت داود وسليمان الملكي سيكون بدايةَ البشرى لقيام دولة اليهود الكبرى، ولقَّبه بلقب «مُشتهي الأمم»، يقول يهوه:

تشدَّدوا يا جميع شعب الأرض يقول يهوه، واعملوا فإني معكم … لا تخافوا لأنه هكذا قال يهوه رب الجنود، هي مرة بعد قليل فأُزلزِل السموات والأرض والبحر واليابسة وأُزلزِل كل الأمم، ويأتي مُشتهي كل الأمم فأملأ كل هذا البيت مجدًا.

(حجي، ٢: ٤–٧)
وإلى زربابل بن شلتائيل مَن يسري في عروقه الدم الملكي السليماني الداوودي يَتوجَّه يهوه بالقول عبر حجي:

كلَّم زربابل والي يهوذا قائلًا: إني أُزلزل السموات والأرض، وأَقلِب كرسي الممالك وأُبيد قوة ممالك الأُمم، وأَقلب المركباتِ والراكبِين فيها، وينحط الخيل وراكبوها كلٌّ منها بسيف أخيه. في ذلك اليوم يقول يهوه رب الجنود: آخذُكَ يا زربابل عبدي بن شلتائيل يقول يهوه، وأجعلكَ كخاتمٍ لأني قد اخترتُك. يقول يهوه رب الجنود.

(حجي، ٢: ٢١–٢٣)

(٦) زربابل مسيحًا

كان حجي ٥٢٠ق.م، كما هو واضح، يُشير إلى اضطراباتٍ شديدة في الأمم المحيطة بمؤامراتٍ يُدبِّرها يهوه لأجل عيون شعبه، وهو ما يلتقي فعلًا مع مجموعةِ أحداثٍ كانت تجري حينذاك؛ فقد قُتل قورش في حملةٍ على آسيا الوسطى وتحطَّم جزءٌ كبير من جيشه، وانتقل العرش إلى ولده قمبيز الذي حاولَ تعويضَ تلك الهزيمة بفتحٍ جديد، فدفَع بجيوشه نحو مصر وتمكَّن من احتلالها، ولكن ليقوم الميديون في فارس بمؤامراتٍ عاد بموجبها قمبيز من مصر لكنه مات في الطريق. وتمكَّن الكاهن الميدي جوماتا من الوصول بثورته إلى البلاط الفارسي وتم تنصيب «برديا» ملكًا، ثم قام انقلابٌ آخر بالبلاط الفارسي انتهى بقتل «برديا» وتمكُّن أحد المتآمرين الميديِّين من الاستيلاء على عرش فارس، وهو من عَرفَه التاريخ باسم داريوش/دارا الأول. ونتيجة هذه الخلخلة في قوة الإمبراطورية قامت عدةُ ثوراتٍ في البلاد المفتوحة، في بابل وفارس وميديا وعيلام وآسيا الوسطى ومصر، لكن داريوش كان رجلًا حديديًّا تمكَّن من قمعِ تلك الثورات جميعًا وتوطيد مُلكِه عند نهاية عام ٥١٩ق.م. ومن جانبه احتسب حجي تلك الاضطراباتِ بداية النهاية للجميع حول يهوذا؛ لأنه لمَّا كانت يهوذا لا تملك مقدمات القوة لترفع رأسها وسط هذه القوى الكبرى، «فإن يهوه رأى تدمير تلك القوى الكبرى سلفًا لأجل مجد شعبه». وإنه قد أعدَّ زربابل ليكون ملكًا للملكة الرسولية الآتية. لكن نبوءة حجي ذهبَت مذهبَ نبوءاتِ زملائه السابقِين؛ فقد صَمدَت الإمبراطورية الفارسية، بل وبَلغَت زمن داريوش الأول اقتدارًا لم يسبق له مثيل، لكن إلى هذا الزمن تعودُ نبوءاتُ نبيٍّ آخر من الأنبياء الكهنة في معبد أورشليم هو النبي زكريا ٥٢٠ق.م الذي كان يرى مثل حجي أن الأحداث العاصفة التي جرَت خلال السنتَين الأوليَين من حكم داريوش دلالةٌ أكيدة على اقتراب اليوم الأخير يوم يهوه، وحلول المملكة اليهوذية الرسولية الجديدة. لكن زكريا تُفاجئه الأحداث واستقرار الأمور لداريوش تمامًا.

ويصوغ زكريا نبوءاته في شكلِ دراما تخيُّلية تُصوِّر الأمم في هيئةِ وحوشٍ قوية ذات قرون، ولأول مرة لا يتكلم يهوه بنفسه، «فتظهر فكرةُ الملاك حامل الوحي للرسل في أُفق التاريخ الديني»، ويتساءل ملاك الوحي: متى سينزل يهوه رحمته بيهوذا التي ما برح يغضب عليها؟ ويتراءى لزكريا فيما يشبه الحلم أو اليقظة أربعة قرون، ويشرح له الملاك حامل الوحي أن تلك القرون الوحشية هي التي دمَّرت يهوذا، زوجان منهما مصر وبابل بالطبع وقد تم تحطيم هذَين القرنَين على يد داريوش، ثم قام يُنادي اليهوذيِّين المستوطنِين في بابل للهرب والعودة لأورشليم لأن أورشليم على أول سلم الوعد والمجد لأن ربها يناديها: «ترنَّمي وافرحي يا بنت صهيون، لأني ها أنا ذا آتي وأسكن في وسطك.» وكي يحدث ذلك كان لا بد من التطهير الرمزي، فيظهر يهوشع كاهن أورشليم الأول (رمزيًّا) بثيابٍ قذرة، فيأمر الملاك «برفع وزره الذي أنقض ظهره» ويأمر: «انزعوا عنه الثيابَ القذِرة» استعدادًا لمجيءِ سليلِ بيت داود الملكي، الغصن من شجرة سليمان.

انظر يا يهوشع الكاهن العظيم … لأني ها أنا ذا آتي «بعبدي الغصن» … وأن الإله سوف يُزيل إثمَ تلك الأرضِ في يومٍ واحد.

(زكريا، ٣)

أمَّا الأمر الواقعي في تلك الصورة فيُوعز بأن يهوشع الكاهن قد لطَّخ نفسه بتصرُّفاتٍ غير لائقة، مما دفع زكريا الكاهن لشرح ذلك باعتبارهِ آيةً للناس وضرب مثل، وأن الله لا يرضى الهجوم على خُدَّامه الكهنة، لكن من هو «غصن جذع داود»؟ هو الذي كان باقيًا من سلسال داود: «زربابل».

هكذا كلمة يهوه إلى زربابل قائلًا: لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي … إن يدَي زربابل قد أَسَّستا هذا البيت فيداه تُتمِّمانه.

(زكريا، ٤)

لكن زكريا كان كاهنًا وتَشغَله سيادة الكهنوت على الملك المدني؛ لذلك قام بصناعة الذهب المُرسل من يهود بابل تاجًا ملكيًّا، وكي تتدعم سلطة الكهنوت ألبسه للكاهن يهوشع وليس زربابل، مما دفع زربابل إلى الغضب ومغادرة أورشليم والعودة إلى بابل. وقد سعد الكهنة بخروج هذا المنافس بعد أن استثمر اسمه كثيرًا، وتوقيًا لأي نزعاتٍ تمرديةٍ أو انفصالية قد يسعى لها. ويبدو أن زربابل قد ذهب إلى بابل يطلب دعم اليهوذيِّين المقيمِين هناك، لكن ليختفي بعد ذلك ذكرُه تمامًا، «ويختفي النسل الملكي ولا يظهر إلا بعد ذلك خلال القرن الأول الميلادي عندما جاء يسوع الناصري ليُعلِن أنه البذرةُ الباقية من فرعِ داود وغصن سليمان وأن في عروقه يسري الدم الملكي».

وفي النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد كان هناك نبيٌّ آخر يطلق نبوءاته مؤكدًا على اقترابِ يومٍ يسود شعب يهوه بقدومِ يومِ يهوه؛ ذلك كان عوبيديا ٤٥٠ق.م، الذي قام يُؤلِّف نبوءاته في الأيام الأخيرة للأَسْر البابلي، ووقف يتذكر ضعفَ شعبِ إسرائيل، وكيف قامت الشعوب المجاورة بنهب يهوذا، موآب وعمون وبالذات آدوم، ليرى الآن آدوم تلقِّي ذات العقاب؛ حيت قام أعراب الجزيرة بمهاجمتها ونهب أرضها، كان هذا دليلًا على أن يهوه لم يَنسَ شعبه فعاقَب أدوم، كما كان دليلًا على اقترابِ يومِ يهوه الذي سيُحاكِم فيه كل الشعوب التي آذت شَعبَه الذليل. ويُعطي «العلامات المُنبِئة بقدوم هذا اليوم»:

دَمارٌ ونارٌ وأعمدةُ دخان، تتحول الشمس إلى ظُلمة والقمر إلى دمٍ قبل أن يجيء يومُ يهوه المَخُوف … لكن في جبل صهيون وفي أورشليم تكون نجاة … وتعلمون أني أنا وسط إسرائيل وأني أنا يهوه إلهكم وليس غيري.

(عوبيديا، ٢: ٣٠–٣٢؛ و٢٧–٢٩)

في تلك الأيام وفي ذلك الوقت عندما أرُدُّ سبي يهوذا وأورشليم، أَجمَع كل الأمم وأُنزِلهم إلى وادي يهو شافاط وأُحاكمهم هناك، على شعبي وميراثي إسرائيل الذين بدَّدوهم بين الأمم … مصر تصير خرابًا وآدوم تصير قَفرًا خرِبًا من أجل ظُلمِهم لبني يهوذا، الذين سفكوا دماءً بريئةً في أرضهم.

(عوبيديا، ٣: ١، ٢، ١٩)
وعند ذلك ستُصبِح يهوذا جنة الله في الأرض:

ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطُر عصيرًا والتلال تفيض لبنًا، وجميع ينابيع يهوذا تفيضُ ماء، ومن بيت يهوه يخرج ينبوعٌ ويَسقي وادي السنط.

(عوبيديا، ٣: ١٨)

كان عوبيديا يُحاول تعزية العائدِين من الأَسْر زمنَ جفافٍ وقحطٍ لم يحدث مثله من قبل، بينما كان زميله يوئيل ٤٠٠ق.م يؤكِّد أن هذا القحطَ والجرادَ المتتالي الدوري علامةٌ على اقتراب يوم يهوه، وفي أُفق التاريخ يُسجِّل الدين اليهودي قفزةً نوعية على يد يوئيل عندما يرى أن ذلك اليوم سيكون يوم الدينونة العظمى لكن ليس لشعب الرب، بل للشعوب الوثنية؛ لأن شعب يهوذا لن يحتاج محاكمةً فقد دفَع سلفًا كل ديونه وتطهَّر من آثامه بما لقيه من عذاباتٍ وتشريد. وستنسكب رُوح يهوه على شعبه المختار ويُصبحوا جميعًا أنبياءَ مُطهَّرِين. ومع كتاب عوبيديا الصغير ظهر كتاب ملاخي النبي ٤٥٠ق.م، إبَّان كانت يهوذا مقاطعةً هزيلة ضمن الإمبراطورية الفارسية، وبعد إقصاءِ زربابل والتحكُّم الكامل لكهنة يهوه في بلاد يهوذا، حيث لا نرى إطلاقًا أيةَ سلطةٍ مدنية (ملاخي، ٢: ٢٧)، وتحوُّلِ الأنبياء عن الثورة للشعب الفقير إلى سندٍ أيديولوجيٍّ للكهنة. وحاول أن يُجيب على سؤال الشعب للرب «أحببتكم قال يهوه وقلتم بم أحببنا؟» بأنه على الأقل لم تتعرض يهوذا لهجوم العربان الذي قضى تقريبًا على آدوم؛ لذلك على يهوذا أن تشكُر الله؛ أنها لم تُدمَّر مثل آدوم لذلك عليها ألا تَتذمَّر على ربها، ثم إن يهوه ليس مُغمضَ العينَين؛ فشعب يهوذا لا يُقرِّب قرابينه ليهوه في معبده إلا من مواشيه المريضة ونباته المعطوب؟!

وإن قرَّبتم الأعرج والسقيم أفليس ذلك شرًّا؟ قرِّبه لِوالِيكَ أفيرضى عليك؟!

(ملاخي، ١: ١٢)
ثم إن شعب الرب قد فقَد خَوفَه من يهوه:

أقوالكم اشتدَّت عليَّ. قال يهوه، وقلتم ماذا قلنا عليك؟ قلتم عبادة الله باطلة، وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره، ولأننا نحن مُطوِّبو المُستكبرِين وأيضًا فاعلو الشر يبنون، بل جرَّبوا الله ونجَوا.

(ملاخي، ٣: ١٣–١٥)

لقد أتعبتم يهوه بكلامكم وقلتم بمَ أتعبناه؟ بقولكم كلُّ من يفعل الشر فهو صالح في عينَي يهوه وهو يُسَر بهم، أو أين إله العدل؟

(ملاخي، ٢: ١٧)

أيسلب الإنسان الله؟ فإنكم سلبتموني فقلتم بمَ سلبناك؟ في العشور والتقدمة. لقد لُعنتم لعنًا وإياي أنتم سالبون هذه الأمة كلَّها. هاتوا جميع العشور إلى الخزنة ليكون في بيتي طعام، وجرِّبوني بهذا.

(ملاخي، ٣: ٨–١٢)

أمَّا السبب عند ملاخي في بداية انتشار الإلحاد والكفر بيهوه فهو محاولة الانفتاح على الشعوب الأخرى لهدايتها لدين يهوه، وبالزيجات المختلطة مع الوثنيِّين.

غدَر يهوذا وعمِل الرجس في إسرائيل وفي أورشليم لأن يهوذا قد نجَّس قُدس يهوه وتزوج بنتَ إلهٍ غريب.

(ملاخي، ١١: ٢)

وكالأنبياء السابقِين يتنبأ مُؤلِّف كتاب ملاخي باقترابِ يومِ يهوه الذي لن تكون عليهِ أيةُ علاماتٍ كما قال عوبيديا، بالعكس سيأتي يومُ يهوه فجأةً وبغته، وحينها سيُرسل ملاكًا من عنده يُطهِّر يهوذا بالنار «ويُصفِّيهم كالذهب والفضة» وبعد ذلك سيأتي يهوه ليحكم بنفسه، وعندئذ يستعير ملاخي صورةَ «ربِّ الشمس رع المصري بأجنحته» مناديًا «لكم أيها المتقون اسمي، تُشرِق «شمسُ» البر والشفاء في «أجنحتها»» (ملاخي، ٤: ٢)، وعند ذلك ستخدم كل الشعوب يهوه رعبًا منه وخوفًا.

(٧) موجات الإلحاد المُقدَّس

وبينما عزرا ومؤيدوه ينشرون سِفر الشريعة الذي تمَّ تأليفه في بابل وينسبونه إلى موسى، ويطلبون تطهير البلاد من الرجس الذي أَفقَدهم رعايةَ يهوه؛ يطلبون طرد وتطليق الزوجات الأجنبيَّات، ويُشكِّلون لجان الفَرز والفَسخ في وقتٍ لم يعُد يحتمل مثل تلك الإجراءات، بعد أن جرَّب شعب الرب العلاقاتِ مع الشعوب الأخرى والعيش معها والكسب من تجاراتها ونعيم أربابها واختلط بالأجانب. ناهيكَ عن كونِ يهوه ظل طَوالَ الوقت ينعَى على شعبه وينعب ولا يُقدِّم له سوى الدمارِ والشتات، كان أصحاب الاتجاهات الجديدة المُتمدِّنة المُتأثِّرة بالآخرِين يتجرءون على إعلان آرائهم بوضوح، وتمكَّن بعضُهم من التسلُّل إلى المُقدَّس ليُدوِّنوا كتبهم بداخله، ومن هذه الكتب المحتجة كان كتابا راعوث ويونان.

وقد زعَم مُؤلِّف الكتاب أن القاضي صموئيل هو من ألَّف كتابَ راعوث في الزمن السالف البعيد، بينما لغةُ الكتاب لغةٌ شديدة الحداثة سواءٌ من حيث التعابير أو الأفكار التي تنتسب إلى زمن إصلاحاتِ عزرا ونحميا وربما بعد ذلك؛ فلا يمكن لباحثٍ مُدقِّق أن ينسب سفر راعوث إلى ما قبلَ ذلك.

ويُلقي المؤلِّف المجهول المحتج الذي لا شك كان متزوجًا محبًّا لزوجةٍ غير يهوذية بقصته داخل العهد القديم، لكن ليقوم شخصٌ آخر من الكهنة بإلقائها في رحم الزمان الغابر بادئًا بالقول إن ذلك قد «حدث في أيامِ حُكم القضاة»، قبل حتى قيامِ مملكةِ شاءول وداود وسليمان.

يحكي كتاب راعوث حكايةً مؤثرة عن عائلةٍ اضطُرت لمغادرة بيت لحم بيهوذا نتيجةَ الجوع والقحط إلى بلادِ موآب، وهناك مات رب العائلة وترك أرملته نُعمَى وولدَين، فتزوج الولدان امرأتَين موآبيتَين، كان اسم إحداهما «راعوث»، وبعد فترةٍ مات الولدان، وسمِعَت الأرملة نُعمى أن الخير قد عاد إلى يهوذا فقرَّرَت العودة إليها سعيًا إلى اللحاق بأحد أقاربها المُوسِرِين في يهوذا وكان يُدعى «بوعز». لكن «راعوث» لم تترك حماتها نُعمى إخلاصًا لها ولزوجها المُتوفَّى وتَركَت بلادها موآب وسافَرت مع حماتها العجوز إلى يهوذا، إلى بيت لحم، وأَوعزت نُعمى إلى راعوث بإغواء قريبها الثري بوعز.

ومعلومٌ أن هناك تقليدًا يهوديًّا قدسيًّا يُلزم زواج الأخ بزوجة أخيه الميت لينجب ولدًا يحمل اسم أخيه الميت فلا ينقطِع ذكره، وكان هدف الأرملة العجوز إحياءَ اسمِ ابنها فأوعزَت لِكنَّتها بإغواء بوعز للزواج منها ليُنجب طفلًا يحمل اسم زوجها السابق الميت ابن نعْمى. وبالفعل تزوَّجَت راعوث من بوعز وأَنجبَت ولدها عوبيد منسوبًا إلى زوجها السابق الميت. ثُمَّ ينتهي كتاب راعوث بتقريرٍ يقول إن راعوث هذه الموآبية هي التي أَنجبَت سلسالًا انتهى إلى داود الذي أصبح ملكًا على إسرائيل، لأن «عوبيد ولد يس ويس ولد داود». وهكذا جعل المؤلف امرأةً موآبيةً جَدَّة لملكِ إسرائيل ليُعلن رأيه لِلَجنة الفرز أنه ليس ضروريًّا أن تكون النساء الأجنبيات شريرات وضد يهوه، بل إنه من الممكن أن يكُنَّ تقياتٍ ويلتزمن بتقاليدِ يهوذا وأوامرِ يهوه بل ويُنجبن لِيهوذا ملوكًا عظامًا. وكان ذلك ردًّا على شريعةِ موسى المزعومة فى كتاب نحميا «إن عمونيًّا وموآبيًّا لا يدخل في جماعة الله إلى الأبد» (نحميا، ١٣: ١).

أمَّا كتاب الاحتجاج الثاني فيعود إلى بطله يونان بن أمتاي، وتم إلقاؤه في مرآة الأيام الخوالي زمن الملوك يهو آحاز ويهو آش ويربعام الثاني؛ أي تمت إعادته إلى نهاية القرن التاسع وبداية القرن الثامن من قبل الميلاد. ويبدأ سِفر يونان بالعبارة: «وصار قول يهوه إلى يونان بن أمتاي قائلًا: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادِ عليها لأنه قد صعِد شرُّهم أمامي.» وكان على يونان أن ينفذ أمرًا يهويًّا بأن يذهب لأهل نينوى يعلن لهم أن يهوه قد قرَّر تدمير مدينتهم بعد أربعين يومًا.

وخاف يونان وهرب من تنفيذِ أوامرِ يهوه فذهب إلى يافا وركب سفينةً متجهة إلى ترشيش بإسبانيا هربًا «من وجه يهوه»، فيغضب يهوه ويُرسل على البحر أعاصيرَه، ويُلقي البحارة بيونان مصدر البلوى في البحر فيهدأ البحر. «أمَّا يهوه فأعَد حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان، فكان يونان في جوف الحوت ثلاثةَ أيامٍ وثلاث ليال، فصلَّى يونان إلى يهوه إلهِه من جوف الحوت وأَمَر يهوه الحوت فقذَف يونان إلى اليابسة» (يونان، ١: ١٧؛ ٢: ١، ١٠)، وهو النبي الذي جاء ذكره في الإسلام باسم يونس مُصرَّفًا بالتصريف اليوناني.

وعرف يونان أنه لا مَهربَ له فذهب وأعلن أهلَ نَينوَى بقرارِ يهوه تدميرَها بعد أربعين يومًا، فآمن أهلُ نَينوَى وصاموا لله وهجروا الإثم، وأمَر ملكُ نَينوَى شعبه بالتطهُّر خشيةَ يهوه.

فلمَّا رأى الله أعمالهم، أنهم رجَعوا عن طريقهم الرديئة، ندِم الله على الشَّر الذي تكلَّم أن يَصنعَه بهم فلمْ يصنعه.

(يونان، ٣)

وشعر يونان بالمهانة والخِذلان بعد أن ظهر إنذاره كاذبًا، وتجرَّأ على يهوه لأنه سيبدو في نظر الناس نبيًّا دجالًا، حتى إنه تمنى الموت وقال ليهوه: «خذ نفسي مني لأن موتي خيرٌ من حياتي، فقال يهوه: هل اغتظتَ بالصواب؟»

وبالطبع لا يمكن نسبة سِفر يونان للتأريخ الذي وَضعَته له التوراة لأن لغته متأخرة، ويحوى كثيرًا من الكلمات الآرامية المُحدَثة التي دَخلَت العبرية زمنَ السيطرة الفارسية.

والواضح أن المؤلف المجهول كان يحمل كتابُه رسالةً إلى أتباع يهوه المُتعصِّبِين مثل عزرا ونحمياه ٤٥٨ق.م، «وأن يهوه بإمكانه أن يكون رحيمًا لا غضوبًا حتى مع الشعوب الوثنية»، ويُقدِّم ليهوه صورةً جديدة تمامًا بحيث يظهر ربًّا للخير رحومًا صبورًا شفوقًا حتى على نَينوَى عاصمة الوثنية والتجبُّر، لقد كتب المؤلف المجهول كتابه لِيتحدَّى به كهنةَ أورشليم والأنبياء المُتعصِّبِين المُنغلقِين.

أمَّا أكثر الكتب تحديًا حتى ليهوه نفسه، ويموج بالنزوع الإلحادي الصريح فهو كتاب أو سِفر أيوب. والكتاب من حيث اللغة والأفكار يعود إلى مرحلةِ ما بعدَ الأَسْر وأبدًا ليس قبل القرن الخامس قبل الميلاد.

والكتاب بعد تشذيبه على يد الكهنة يحكى أن الواشي/شاطان/الشيطان أَرشَد يهوه إلى فكرة هي أن إيمانَ عبدِه أيوب وتقواه إنما لكي يزدادَ ثراءً وصحةً ونعمة؛ فهو إيمانٌ غيرُ خالٍ من الغرَض، وهنا يسمح يهوه للشيطان بتجربةِ عبدِه الوفيِّ بامتحانه قياسًا لإيمانه، فيُنزِل الشيطان بالعبد التقي أيوبَ مصائبَ هائلةً فيخسر ثروته ويموت أبناؤه ويُصابُ هو بالقُرح في جسده. لكن الكهنة الذين تدخَّلوا في النص أكَّدوا أن أيوب كان طَوالَ الوقت راضيًا وأوجز موقفه بالقول: «يهوه أعطى ويهوه أخذ فليكن اسم يهوه مباركًا» (أيوب، ١: ١٢).

لكن ذلك لم يَطغَ على النغْمة الساخطة الواضحة لعدم عدالة يهوه مع أيوبَ الذي لم يُذنب، ويرى أيوب كلَّ الشعبِ يتعذَّب والظلمُ سائدٌ ويهوه يسمح بذلك. وهنا يأخذ أصدقاءُ أيوبَ دَورَ المدافع عن الله في مشهدٍ درامي، بينما يأخذ أيوبُ دَورَ الناقدِ المهاجم في نقاشٍ فلسفي، اتهم فيه أيوبُ مُجادلِية بأنهم «مُلفِّقي الكذب» و«أطباء باطلِين»؛ فالإله يُميت الطيب التقي كما يُميت الشرير (٩: ٢٢) بل ويُؤازِر الأشرار ويُحيطهم برعايته (٢١: ٣٠) والكافر يعيش حياةً طويلةً ثريًّا مطمئنًّا ويترك ذريةً كثيرة (وكان ذلك من علاماتِ رضى يهوه).

وعلى لسانِ أيوبَ يقول هؤلاء الأشرارُ المُنعَّمون «من هو القديم حتى نعبُده وماذا ننتفع إذا التمسناه؟» (أيوب، ٢١: ١٥)، هذا بينما الأتقياء يُعانون الذل والجوع ويموتون على يدِ الأشرار «من الوجعِ الناسُ يئنون ونفس الجرحى تَستغيث والله لا ينتبه إلى الظلم» (أيوب، ٢٤: ١٢)، ولا يوافق أيوب على أن يهوه سينتقم من أبناء الشرير «الله يخزن إثمه لبنيه؟! لِيُجازِ نفسه» (أيوب، ٢١: ١٩–٢١).

هكذا نلحظ أن «كاتب سِفر أيوبَ لم يكن يعلم بظهور العقيدة الأخروية» في أُفق الديانة اليهودية، ولم يكن موضوع الحياة الآخرة والثواب والعقاب قد ظهر بعدُ، بل إن أصدقاءه الذين أخذوا دَورَ الدفاع عن يهوه لم يخطر ذلك ببالهم؛ فهم جميعًا يعتقدون أن الموت هو نهايةُ كل شيء؛ نهايةُ السعادة ونهاية الأحزان «أما الرجل فيموتُ ويبلى الإنسان، يسلم الروح، فأين هو الإنسان؟ يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السموات، ولا ينتبهون من نومهم» (١٤: ١٠–١٢).

وتتعالى النغمة فإذا كان الله هو القدير وهو المُقدِّر لكل شيء، فهو إذن مصدر كل الأفعال؛ لأنه «عنده العز والفهم، له المُضِل والمُضَل» (أيوب، ٢: ١٦) «ويعلم سلفًا ما سيحدث، ويعلم نتيجة امتحانه لعباده فلماذا يمتحنهم بالبلاء؟»

وينتهي الكتاب الحقيقي لأيوب بكلماتٍ صارمة تؤكِّد أن أيوب كان محقًّا «فكفَّ الرجال الثلاثة عن مجاوبةِ أيوبَ لكونه كان بارًّا في عيني نفسه» (أيوب، ٣٢: ١). لكن لِتبدأ مداخلاتٌ أخرى من شخصٍ تقليدي يستكمل السفر لصالح يهوه، فيقول إنَّ يهوه جاء بنفسه ليؤازر المدافعِين الثلاثة ويُلقي خطبةً طويلة ضد إلحاد أيوب (الإصحاحات من ٣٨ إلى ٤١)، وأنه ليس بحاجةٍ لتبرير سلوكِه مع عبادِه ولا يحق لعبدٍ الاعتراض (أيوب، ٣٩: ٣٢)، وهنا يعترف أيوب بهزيمة منطقِه أمام منطقِ الإله ويُعلِن توبته، وينتهي الكتاب بأن أيوب بعد رجوعِه إلى الله وندمِه عن فلسفته الهرطقية كافأ أيوب بعودة ثروتِه وولادةِ أبناءٍ جُددٍ له وأنه أمَد في عمره حتى عاش ١٤٠ سنة (الإصحاح، ٤٢)، «وهكَذا انتَصرَت قوةُ يهوه الغشُوم على منطقِ وحقِّ أيوب».

هكذا ثم تشذيبُ كتابِ أيوبَ في الأعداد (٢٧: ٨–١٠؛ و١٣: ٢٣) على يدِ أيوبَ مُزيَّف، ليُعلن أن الشرِّير ينتظره عقابٌ شديدٌ من الله رغم كل إدانةِ أيوبَ الحقيقي طَوالَ الكتاب لربِّه «الذي لا يُميِّز ولا يُقدِّر»، وهو ما يُوضِّح أيضًا أن العددَين (٢١: ١٦؛ و٢١: ٢٢) إضافاتٌ لاحقة؛ بحيث تمَّ تقديمُ شكوكِ أيوبَ في عدالةِ يهوه كضعفٍ مُؤقَّتٍ اعترى أيوبَ المُعذَّب لكنه تجاوَزَ ذلك بالتوبة فغفَر له يهوه.

وهناك كتابٌ آخر لا يقل تنديدًا بيهوه ونقدًا مريرًا للعقيدة اليهودية هو كتاب الجامعة، والجامعة لقبٌ عبري في الأصل «كولهيت» أي المُبشِّر أو الداعية، وقد نُعت بهذا النعت سليمانُ بن داود، وبذلك تمَّت نسبة الكتاب إلى سليمانَ في الزمن الماضي البعيد وهكذا أمكن لمؤلِّف الكتاب الاجتراءُ بنسبة كلامه إلى أَشهرِ ملوكِ إسرائيل القديمة طرًّا. لكن التحليل النقدي للكتاب يُثبِت أنه يقع ضمنَ آخرِ أدبيات العهد القديم، ولم يُكتَب على الإطلاق قبل القرنِ الثالثِ قبل الميلاد، وأفكاره تكاد تتطابق مع أفكارِ كتابِ أيوب؛ حتى إنه يُكرِّر نفس المقاطع حرفيًّا (الجامعة، ٥: ١٤؛ وأيوب، ١: ٢١؛ والجامعة، ٦: ٣–٥؛ وأيوب، ٣: ١١–١٣ … إلخ). ويُعلِن المؤلِّف موقفه صريحًا يقول:

يُوجد باطلٌ يجري على الأرض، أن يُوجد صدِّيقون يُصيبُهم مثلُ عملِ الأشرار، ويُوجد أشرارٌ يصيبهم مثلُ عمل الصدِّيقِين، فقلتُ إن هذا أيضًا باطل.

(جامعة، ٨: ١٤)

وقد يكون بارٌّ يبيد في بِره، وقد يكون شرِّيرٌ يطول في شَره.

(جامعة، ٧: ١٥)

وأن شرَّ الموتِ يطال الجميع الصالح والطالح، بل ويصف موقفَ يهوه بإماتة الجميع بحيث يكون الموتُ نهاية الطيب والخبيث، بأنه موقفٌ من أَشرِّ ما يعمله أحدٌ تحت الشمس.

حادثةٌ واحدة للصدِّيق وللشرير، للصالح وللطاهر والنجس، للذابح وللذي لا يذبح، كالصالح الخاطئ، الحالف كالذي يخاف الحلف، هذا أَشرُّ كلِّ ما عُمل تحت الشمس!

(جامعة، ٩: ٢-٣)

وكلُّ شيء عنده باطل حتى يهوه وديانته ويُردِّد مرارًا أن الكل «باطلُ الأباطيل». وإذا كان ذلك كذلك فلماذا السعيُ في الحياة ولماذا اقتناءُ ثرواتٍ بعدها موت، وما الحكمة إذن في خلق الناس؟ ولماذا الحكمة أصلًا؟

في كثرة الحكمة كثرة الغم، والذي يزيد علمًا يزيد حزنًا.

(جامعة، ١: ١٨)
والفكرة الساذجة بأن الميت الطيب يترك ذكرَى طيبةً فكرةٌ مُضحِكة:

لأنه ليس ذِكرٌ للحكيم ولا للجاهل إلى الأبد، كما منذ زمانٍ كذلك الأيام الآتية، الكلُّ ينسى.

(جامعة، ٢: ١٦)
لذلك:

الكلب الحي خيرٌ من الأسدِ الميِّت؛ لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أمَّا الموتى فلا يعلمون شيئًا وليس لهم أجرٌ بعدُ لأن ذكرهم نُسي.

(جامعة، ٩: ٤-٥)

ويَسخَر مُلحِد كتاب الجامعة من نداء «اخشَ الله» (٥: ٧)؛ لأن الله لا يُقدِّر الورع والتقوى، ويتبع ذلك بسخريةٍ مرة مناديًا «لا تكن بارًّا كثيرًا ولا تكن حكيمًا بزيادة.» ثم يُعِلن عدم احترامه للصلوات والنذور (جامعة، ٥: ١-٢) لأن الله في السموات ونحن في الأرض والله فيما يبدو يترفَّع عن الاهتمامِ بمتابعةِ سلوكِ كلٍّ منا (جامعة، ٤: ١؛ و٩: ٢٤).

لكن داخل هذا الكتاب، وبين سطوره التي ينِزُّ منها التشكيك والإلحاد الحزين الناقم، تتدخل يدٌ أخرى مجهولةٌ بدورها لتضع تأكيداتٍ مخالفة تمامًا لسياق النصوص وهدفها، فنجدها تقول: «سيكون خيرٌ للأتقياء ولا يكون خيرٌ للشرير» (جامعة، ٨: ١٢-١٣). ويظهر تأخُّر هذا التدخُّل إلى ما بعدَ ظهورِ فكرة الدينونة والحسابِ مأخوذة عن مصر؛ فالجامعة الذي يؤكد طولَ الوقتِ على عدم العدل بالموت للجميع يقول فجأةً بقلم المحرِّر التالي إنه «سيجلب الإله جميع الناس إلى «الدينونة»» (جامعة، ١١: ٢).

ومن ثَمَّ كشف كتاب أيوب وكتاب الجامعة مَأزِق الديانة اليهودية بعد الأَسْر الذي ظل يُصرُّ على مجازاة الإنسان في حياته حسَب أفعاله، «وباتت الضرورة ماسةً للاستسلام للعقيدة المصرية في البعث والحساب ثم الجزاء بثوابٍ أو عقاب»، وقد برَز ذلك متجليًا عند نبيٍّ آخر مشهورٍ هو النبي دانيال، الذي له علاقةٌ مجهولة بمدينة الإسكندرية التي كانت تموج بالفلسفة المصرية واليونانية، حتى نرى اليوم بالإسكندرية شارعًا هامًّا يحمل حتى اليوم اسم شارع النبي دانيال، «فهل كان صاحبُ كتابِ دانيال مصريًّا من الأصل؟» المهم أن الكتاب قد اضطلَع بمهمةٍ كبرى بمحاولته الإجابة على سؤال الأتقياء التعساء: هل من العدل أن تظل تضحياتهم بلا ثواب؟ لقد رأى دانيال أو المؤلِّف أيًّا كان اسمه الحقيقي أنه بالإمكان الحصول على المُكافاة من بعد الموت، وبدأ يُشرِق في سماء اليهودية تعليمٌ جديدٌ حول قيامة الموتى والثواب الأبدي.

وعند دراستنا لكتاب دانيال سنكتشف أن دانيال «شغل مناصبَ هامَّة في بلاط ملوك وثنيِّين (؟! من؟)» لكنه حافظ على عبادةِ يهوه وتقواه، كما ارتكب دانيال أخطاءً فادحةً تُدلِّل على جهله بتاريخ قومه إن كان منهم، ورغم ذلك اجترأ الكهنة على نسبة دانيال إلى الشعب اليهوذي، ثم نسبته هو وكتابه إلى القرن السادس قبل الميلاد، وأنه كان يعيش في الأَسْر البابلي، رغم ما يُفصِح به الكتاب عن كونه قد كُتب في القرن الثاني قبل الميلاد، وليس قبل ذلك.

يحكي دانيال المزعوم عن أحداثٍ جرت في الماضي وأحداث ستجري في المستقبل لإثبات نبوته، لكنه «يكشف عن جهلٍ وخلط فيما وَصلَه من معلومات»؛ فأي شخصٍ عاش في القرن السادس كان يعلم أن نبوخذ نصر الكلداني البابلي قد احتل يهوذا بعد موت ملكها يهوياقيم سنة ٥٩٧ق.م وسبى يهوياكين بن يهوياقيم (ملوك ثاني، ٢٤: ٦، ١٢) لكن مؤلِّفنا هنا يرتكب خطأً فاضحًا فيؤكِّد أن نبوخذ نصر قد احتل أورشليم وسبى الملك يهوياقيم وليس ولده يهوياكين (دانيال، ١: ١)، ثم يذكر اثنَين من ملوكِ بابل هما نبوخذ نصر وولدُه بيلشاصر آخرُ ملوك بابل (دانيال، ٥: ٢، ١١)، الذي حكم بعده داريوش المادي (دانيال، ٥: ٣١)، لكن بيلشاصر أبدًا لم يكن ولدًا لنبوخذ نصر، كما أن الذي حكم تاريخيًّا بعد نبوخذ نصر أويل مردوك ويشهد بذلك سفر (ملوك ثاني، ٢٥: ٢٧–٢٣؛ وإرميا، ٥٢: ٣)، ثم حكم بعده ملكان وكان الثاني هو نابونيد ولم يكن من يكن من الأسرة المالكة بل مغتصب للعرش، ونابونيد أنجب في النهاية بيلشاصر لكنه لم يعلُ كرسي العرش قط؛ لأن مملكته سَقطَت على يد كورش الفارسي.

ويقول دانيال إنه بعد موت بيلشاصر احتل مملكته دار يوش (دانيال، ٥: ٣٠) وهو عنده «ابن احشويروش من نسل الماديِّين» (دانيال، ٩: ١)، لكن الألواح المسمارية تشهد أن قورش الفارسي وليس داريوش الميدي هو من احتل بابل سنة ٥٣٩ق.م. ولو كان يقصد داريوشًا فارسيًّا فقد وجد بالفعل، لكنه كان داريوش الأول ابن ويشتا سب، لكنه لم يحكم إلا بعد قمبيز بن قورش.

لذلك نجد من الصعوبة بمكان تصوُّر أن دانيال عاش في القرن السادس. خاصة أن رواية دانيال للأحداث تُصبِح أكثر انضباطًا مع حوادث التاريخ بشكلٍ تدريجي، «كلَّما اقتَربَت روايته من القرن الثاني قبل الميلاد» في عصر أنطيوخس، ذلك العصر الذي يحتاج إطلالةً سريعة عليه حتى نفهم كتاب دانيال. وقبل ذلك نعود إلى زمن داريوش الأول، عندما دفَع جيوشه نحو المدن اليونانية الغنية بتركيا حيث هُزم هناك في معركة مارثون عام ٤٩٠ق.م؛ مما دفعه إلى تعويضِ ذلك بفتح زينةِ زمانها مصر، وكان سقوط مصر العظيمة إشارةَ خطرٍ كبرى لليونان وبَدأَت حقبة من الحروب بين فارس واليونان امتدت حوالي خمسين عامًا، وفي النصف الثاني من القرن الرابع ق.م انتقل المقدونيون بعد توحيدِ بلاد اليونان من الدفاع إلى الهجوم.

وفي ٣٣٠ قُتل داريوش الثالث إبَّان هربه من الجيوش اليونانية التي احتلت بلاده نفسها بقيادة الإسكندر الأكبر المقدوني، الذي أقام أكبر إمبراطورية في العالم حتى زمنه؛ فملك من البحر الأيوني حتى حوض نهر السند، ومن ليبيا حتى بحر قزوين. وما كان بالإمكان السيطرة على هذه الأصقاع الشاسعة؛ لذلك وبموت الإسكندر عام ٣٢٣ تفجَّرتِ الإمبراطورية شظايا مثَّلَت كل شظيةٍ دولةً مستقلة، ووضع قادةُ الإسكندر كلٌّ منهم يده على واحدةٍ منها وأعلن نفسه ملكًا عليها؛ بطلميوس على مصر، وسلوقس على بلاد الشام وأنتيجونس على اليونان، وكانت ضمن أملاكه في البداية من سوريا حتى الهند. «ومرةً أخرى وَجدَت يهوذا نفسها بين جارَين جبارَين: مصر البطلمية وسوريا السلوقية، اللذان كانا دائمَي الشقاق على الثمرة الفلسطينية».

في البداية وَقعَت فلسطين وفينيقيا وسوريا الجنوبية تحت السيطرة البطلمية المصرية، لكن الملك السلوقي أنطيوخس الثالث تمكَّن في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد من انتزاعِ تلك المناطق لسوريا، وبعد موته ورِث سلطاتها ابنه أنطيوخس الرابع أبيفان (١٧٥–١٦٤ق.م).

وفي عهد أنطيوخس أبيفان قامت يهوذا بثورة ضد الاحتلال اليوناني وضد السلطات اليهوذية المدنية والكهنوتية من ذوي العلية الذين حالفوا اليونان المُحتلِّين، وذلك في عام ١٦٧ق.م تحت قيادة الإخوة «حشمون» الذين بَرزَ منهم القائد يهوذا مكابي أي المطرقة، وتمكَّن يهوذا المكابي من طرد المحتلِّين وحَصلَت على الاستقلال ورضِيَت بحكم الكهنة الحشمونيِّين.

وكانت حملة الإسكندر فاتحةَ حقبةٍ تاريخية تُسمَّى بالهلِّينستية في العالم القديم، وانتشر تأثيرها اليوناني في أشكال المجتمع والاقتصاد والعبادات والعادات والتقاليد يجترف البلاد المستعمرة من اليونان بما فيها يهوذا، وكان تأثير الثقافة اليونانية أعلى على الطبقة الأعلى.

ووصل التأثر إلى حد أن مينيلاوس الكاهن الأول ليهوه في أورشليم، تبرع بالأواني الذهبية المقدَّسة لإقامة ألعابٍ مقدسة للإله هرقل، وفرض أنطيوخس عبادة زيوس اليوناني، واستبدل مذبح يهوه بتمثال لزيوس في ١٦٨ق.م، ومنع تقريب القرابين ليهوه وعاقب المُلتزِمِين بالسبت والأعياد والختان. وتعرَّض المتقون للتعذيب والموت، فهرب اليهود الغاضبون إلى الصحراء وتجمَّعوا في فصائل بقيادة يهودا المكابي الذي رفع السلاح للنضال، بينما كان هناك فريقٌ آخر يحمل اسم الحاشيدي أي الوَرعِين يرون أن الثورة المسلحة غيرُ مجدية لأن يهوه سيأتي بذاته لتحرير شعبه، «وكانت تلك بدايةَ فكرةِ مجيء الإله من السماء، التي تجلت في العقيدة المسيحية من بعدُ». المهم أن المكابي استقل بيهوذا ولو فترةٍ عن الاحتلال اليوناني.

وفي هذا الزمن يلمح دانيال في المقطع (١١: ٤٠–٤٣) ملك الشمال الوقِح المُستكبِر — على حدِّ وصفه له — أنطيوخس الرابع يتجه جنوبًا، فيتنبأ بأنه سوف ينهب كنوزَ البلاد ويحتل مصر، ولكن التاريخ كان له رأيٌ آخر إذ لم يُحقِّق لدانيال نبوءته.

كما تنبَّأ دانيال لملك الشمال هذا أنه سيموت بين البحور وبين جبل بهاء القدس أي جبل صهيون (دانيال، ١١: ٤٥)، ومرةً أخرى يرى التاريخ رأيًا آخر إذ يموت أنطيوخس الرابع في طريق عودته من إيران عام ١٦٤ق.م.

إذن فكتاب دانيال لم يُكتب في القرن السادس في الأَسْر البابلي، إنما في فلسطين في القرن الثاني قبل الميلاد، «وبالتحديد ليس قبل عام ١٦٨ق.م»؛ لأن ذلك هو العام الذي نُصِب فيه تمثال زيوس في معبد أورشليم. لكن المُرجَّح أن دانيال انتهى من كتابته قبل عام ١٦٤ق.م والسبب أن المؤلِّف أيًّا كان اسمه، دانيال أو غيره، لم يكن يعلم بموت أنطيوخس الرابع بعيدًا عن فلسطين فطاشت نبوءته، ومما يؤكِّد ذلك أن كتاب دانيال لم ترِد بشأنه أية إشارات بالكتاب المقدَّس أو غيره خلال القرون الأربعة السابقة على القرن الثاني قبل الميلاد، بل كان مجهولًا لِمُحرِّري تلك الفترة تمامًا.

وتبريرًا لذلك احتاط المؤلف الأريب فقال إن دانيال بعد تدوينِ كتابه أمره يهوه أن يُخفيه إلى زمنٍ تم تحديده بأنه «وقت النهاية»، وأن زمن ظهور هذا الكتاب — أي القرن الثاني قبل الميلاد — سيكون بشارةً ودليلًا على أن نهايةَ زمن الآلام قد اقتَربَت.

ويكشف التحليل اللغوي لكتاب دانيال أنه قد كُتب باللغتَين العبرية والآرامية من الإصحاح ٢: ٤ وحتى الإصحاح ٧، وهي سمة القرن الثاني قبل الميلاد وليس قبل ذلك. كذلك هناك أسماءٌ يونانية واضحةٌ لجميع الآلات الموسيقية مثل بيسانطرين وكاتروس وسيمفونيا، إضافةً إلى أنه قد أَورَد طقوسًا وأفكارًا يهودية هي فقط من سمات اليهودية المتأخرة، كالصلاة في ساعاتٍ محددةٍ ثلاث مراتٍ في اليوم، والتوجُّه إلى قبلةٍ هي أورشليم (٦: ١٠) وطقوسِ تناوُل الطعام (١: ٨).

إن كتاب دانيال وَفْق هذا التحليل يكون قد كُتب بالضبط ما بين عامَي ١٦٨ و١٦٤ق.م إبَّان الاضطهاد الديني الذي أَمَر به أنطيوخس أبيفان، ومن هنا قسَّم دانيال المؤمنِين إلى صنفَين أو إلى فريقَين: المتقِين الصامدِين ضد الاضطهاد، و«الفاهمون من الشعب» (١١: ٣٣) وهم الأرقى، ويُبشِّر الفاهمِين أنه حين تأتي القيامةُ للأموات فإن «الفاهمِين يضيئون كضياء الجلد كالكواكب إلى أبد الدهور» (دانيال، ١٢: ٣).

ويبدو أن هؤلاء الفاهمِين في نظره كانوا حزب الحاشيدي، ويدعم ذلك أن مؤلِّف كتابِ دانيال انتظر تدخُّل يهوه ولم يشارك في ثورة المكابيِّين، ولم يَبقَ وقتٌ كثير لصمود المُضطهَدِين المحافظِين على دينهم رغم التعذيب؛ فمن لحظة إزالة المذبح وإقامة التمثال الرجس لزيوس مكانه لم يَبقَ سِوى وقتٍ قصير:

من وقتِ إزالة المَحرقة الدائمة وإقامةِ رجس المخرب ألفٌ ومائتان وتسعون يومًا. طوبى لمن ينتظر ويبلغ إلى الألف والثلاثمائة والخمسة والثلاثين يومًا.

(دانيال، ١٢: ١١-١٢)

وليس مفهومًا وضعُ ميعادَين مختلفَين لمجيء الخلاص، لكن يبدو أنها إضافةٌ تمديدية للزمن من كاتبٍ آخر بعد انتهاء الموعد الذي حدَّده دانيال ولم يأتِ يوم الخلاص.

«ولأول مرة يظهر اسم الملاك حامل الوحي؛ فهو جبريل» الذي جاء يقول لدانيال إنه من لحظة الأَمرِ بتجديد أورشليم وبنائها إلى ظهورِ مسيحِ يهوه الآتي سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعًا (دانيال، ٩)، وهنا لا يفوت اللاهوت المسيحي بعد ذلك هذه الفرصة، ويقترح أن دانيال كان يتنبأ بذلك بمقدم يسوع بأزمنةٍ رمزية يجب تأويل فهمها. بينما كان دانيال يتابع شارحًا أن خطأ إرميا في تحديد سنوات السبي بسبعين سنة بدلًا من ٤٩ سنة ليس خطأً، لأنه حسب سبعين سنةً حتى مجيء المُخلِّص ملك إسرائيل ونسل داود الذي سيُمسح بالزيت المُقدَّس مسيحًا ملكًا.

بالحسبة الرقمية العبرية ٤٩ سنةَ أَسرٍ تُساوي سبع أسابيع من السنوات ٧ × ٧ = ٤٩ وهكذا كان إرميا يعني بالسنوات «أسابيع السنوات» أي إن الحسبة هي ٤٩ سنة؛ هي المدة التي حدَّدها يهوه حتى يُكفِّر شعب الرب بالآلام عن آثامه ويخرج طاهرًا ومستقلًّا عن حكم الوثنيِّين.

وعليه أولًا يجب بدء العد من لحظة الأَسرِ تسعًا وأربعين عامًا لنجده زمنَ زربابل آخر نسل داود المعروفِين في زمنه. «لقد كان دانيال يقصد المسيح زربابل وليس المسيح يسوع».

وقد علِمنا أنه قد تمَّ تنصيب زيوس بدلًا من يهوه في معبد أورشليم في ١٥ يناير ١٦٨ق.م، وهو ما يُصوِّره لنا سِفر ملوك ثاني قائلًا: «فاشتد انفجار الشر وعظُم على الجماهير وامتلأ الهيكل عُهرًا وقصوفًا، وأخذ الأمم يفسُقون بالمأبونِين ويُضاجِعون النساء في الدُّور المُقدَّسة، ويُدخلون إليها ما لا يحل، وكان المذبح مغطًّى بالمحارمِ التي نَهتِ الشريعة عنها» (٦: ٣–٥). ويوم تنصيب زيوس بحسابات دانيال يوافق عام ١٧١ق.م.

وبهروب زربابل إلى بابل نظر دانيال إلى الكاهن عونيا الثالث ورأى فيه المسيح الجديد، وهو ما دفع إلى الوشاية به من البعض وهلك، وهو ما يُصوِّره في (٩: ٢٧) عن المسيح الشهيد ومُداخَلة إرميا الخاطئة حول السنوات السبعين دفعت دانيال لمحاولة التبرير إذن، فقام يقول إن ٤٩ عامًا في الأَسرِ كانت الأسبوع الأول من الأسابيع السبعين، وموعد مملكة يهوه ومسح الملك القدُّوس، «وذهب اللاهوت المسيحي بعد ذلك وراء سِحر الأرقام المغلوطة ليؤكِّد أن مقدم يسوع تمَّ التنبُّؤ به سَلفًا قبل خمسةِ قرونٍ من حدوثه عند دانيال».

أمَّا القسم السردي فيشرح ما وقع من عقوباتٍ على شعب الرب.

وفي هذا الوقت جرت احتمالاتٌ كثيرة منها أن مصر قد تتمكَّن من استجماعِ قواها لتحطيم عدُوِّها وربما تتدخل روما الناهضة الناشطة في المنطقة، وربما تحدُث متغيِّراتٌ عنيفة في المملكة السلوقية بسوريا؛ ومن ثَمَّ كان المطلوب من الشعب المختار أن يصبر ويُطيل أمد الصمود أمام اضطهادِ أنطيوخس أبيفان، رغم أنه لم تحدُث أيةُ مطارداتٍ للعقيدة اليهودية في بابل حيث يزعم المؤلف أنه قد تمَّ تأليف الكتاب هناك.

ولكن حتى يلتقي ما يحكي دانيال، مع مرسوم أبيفان بعبادة زيوس والملك أنطيوخس أبيفان نفسه، فقد قام دانيال بتأليفِ مرسومَين نسب أحدهما إلى نبوخذ نصر (الإصحاح الثالث) والآخر إلى داريوش الأول (الإصحاح السادس)، بينما الحقيقة تؤكِّد أنه لم يُوجد في التاريخ إطلاقًا مثل هذَين المرسومَين المُخترعَين، وأن ما تتجلى به صورة هذَين الإصحاحَين من تصفياتٍ وحشية للمُؤمنِين لم تحدُث قط قبل حكم أنطيوخس أبيفان. ولم يَرَ دانيال بأسًا في سَردِ بعض التفاصيل الملحمية كإلقاء دانيال وأصدقائه الثلاثة في النار ومع ذلك رفضوا السجود للصنم، ثم كيف أُلقي دانيال إلى حفرةٍ ملأى بالأُسود الجائعة.

وكي يُعطي مؤلِّف هذا الكتاب مصداقيةً فقد لجأ إلى كتابَي عزرا ونحميا حيث قوائمُ أسماءٍ كاملة لمن عادوا من الأَسرِ البابلي وانتقى منها اسم «دانيال» الوارد في عزرا، ٨: ٢.

وإذا كان اليهود قد أطلقوا على أنطيوخس أبيفان لقب المجنون، فقد عمَد دانيال إلى سردِ رواياتٍ وأساطيرَ تُثبِت أن نبوخذ نصر كان هو المجنون حتى يكون زمنُه زمنَ تأليف الكتاب، أمَّا الحادث في القرن الثاني قبل الميلاد أن اليونان أنفسهم قد قاموا يسجعونه على وزن أبيفان لقب يبيمان؛ أي المجنون، سخريةً من هذا الملك «الإله الجديد».

لكن ما يُحسب لدانيال المزعوم أنه أول من أَدخلَ فكرةً واضحة عن قيامة الموتى وحسابهم ثم ثوابهم الأبدي، لكن لم يُوصلْها إلى آخرها فلن يقوم الجميع بل البعض:

كثيرون من الراقدِين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار، للازدراء الأبدي.

(دانيال، ١٢: ٢)

وهكذا وُجد الحل الأمثل لتبرئة يهوه الذي سيعطي كل ذي حقٍّ حقَّه عند حلول ذلك اليوم لكن يجب ألا نتصور أن دانيال فعَل فِعلَ المصريِّين بتمامه فتصوَّر مملكة القدِّيسِين الخالدة خارج الأرض؛ لأنها عند دانيال يجب أن تحدث على الأرض وبشكلٍ واقعي في قيامةٍ جسدية، وأن كل هذا سيحدُث لقيام مملكةِ شعبِ الرب في أرض فلسطين لا في جنةٍ سماوية أو تحت أرضية. ولم تبلُغِ هذه الفكرة تطوُّرَها الآتي إلا مع أسفار الأبوكريفا غير المعتمدة في الكنيسة الأرثوذكسية، ثم بعد ذلك مع مجيء الدعوة المسيحية، ليستقيم عُودُها وتكتمل صورتها بعد المسيحية بستةِ قرونٍ في بلاد العرب مع ظُهور العقيدة الإسلامية؛ حيث أمكن تبرئة الإله نهائيًّا مما يحدث من كوارثَ لعباده المُخلصِين.

١  م. ريجسكي، أنبياء التوراة والنبوءات التوراتية، ترجمة د. آحو يوسف، دار الينابيع، دمشق، ١٩٩٣م، ص٤٣. (سنعتمد في هذا الفصل جميعًا تقريبًا على هذا الكتاب، ويجدُر بالتنويه تحية الترجمة المتميزة وتحقيق النصوص على التوراة العربية، للدكتور آحو يوسف.)
٢  فراس السواح، الحدث التوراتي، سبق ذكره، ص١٠١–١٠٨.
٣  فراس السواح، المرجع السابق، ص١١٤.
٤  نفسه، ١١٥.
٥  نفسه، ١١٧.
٦  نفسه، ١١٨.
٧  ريجسكي، أنبياء التوراة … سبق ذكره، ص٢٠١.
٨  نفسه، ص٢٠٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠