عبد العزيز الجواهري

اطلب ترجمته ورسمه ونخبة من نثره في قسم المنثور من هذا الكتاب.

(١) الشباب

تطلب في شبابك للصعابِ
فما عمر الفتى غير الشبابِ
وسل حسام عزمك للمعالي
فإنَّ السيف يصدأ بالقراب
ودع طلب الهوان لمُبتغيه
فإنَّ المجد أجدر بالطِّلاب
وكرر لو خطأت الجد يومًا
فكم خطأ يئول إلى الصواب
إذا ما الجهل أرتج منه بابًا
فإن الجد مقلد كل باب
ولا تجدي الشجاعة في غبي
تقاعس عزمه عند الغلاب
إذا انعكس السنان لدى طعان
فليس يفيد مطرد الكعاب
وإنْ غصن الشبيبة راق حُسنًا
فما للشيب فرع للشباب
ولا ينقصك قولهمُ فتيٌّ
فإنَّ السيف يقطع بالذباب
وكم قمر تولد من هلال
وكم شهر توقد في شهاب
وإن الدهر كالميزان يعلو
إذا يخلو وينزل وهْو رابي
«ولو لم يعلُ إلا ذو محلٍّ»
لما شمخت على الروض الروابي
ولو معنى الجهالة صيغ طوقًا
تبرأت النفوس من الرقاب
ولو رهن البطالة حاز فخرًا
لما افتخر الحُسام على القراب
وليس ابن النقيبة في هوان
أعز عليَّ من بنت النقاب
فأصل أرومة الأخلاق منها
يمتُّ بكل فرع مستطاب
وينمو من عوائدها ربيًّا
كما تنمو الرياض من الرباب
إذا روح الحياة بها تسرت
فما تلد العقاب سوى عقاب
لأنت أجلُّ مدرسة تسامت
لدرس بنيك يا صدر الكعاب
وإنك للحياة أجل بيت
منيع الركن مرعي الجناب
وإنك للوليد أجلُّ سفر
يطالع فيه شاكلة الصواب
وإنك في ارتجافك خير درس
تردد فيه ألسنة الخطاب
وإنك كالمراة صفت صقالًا
بها ارتسمت خلال الإكتساب
وما ضرب النوابض فيك إلا
لتحريض الصبي على الطلاب
أيا من ضلهم صبح الترقي
وشع لديهمُ ليل التغابي
سكنتم فوق مهد من خمول
يهز حراكه شم الهضاب
بليل مغدف الأرجاء داج
أحم الوجه غربيب الإهاب
تشع لغيركم شمس المعالي
وشمسكمُ توارت بالحجاب
ألا فلتغنموا فرصًا إليها
تمر عليكمُ مرَّ السحاب
فمن طلب الفضيلة في هوان
كمن طلب الفريسة تحت ناب
وما معنى الكمال سوى رموز
تزين برسمها صدر الكتاب
تطلس جذر مفخرنا وأبقى
لنا شبه الأصم من الحساب
وما اندرست معارفنا ولكن
خفى حسن السبيكة بالتراب

(٢) ملك السجن

نظمها بمناسبة الدستور وخلع الملك عبد الحميد.

بعيشك كم تحنُّ إلى السرير
وكم ترنو بطرفك للقصور
هلاليًّا أراك نحلت جسمًا
أما تشفيك آفلة البدور
طواك الرعب قبل الموت ميتًا
وأحيتك المنى قبل النشور
أهانتك القصور وكنت ملكًا
تهيب منه سكان القبور
قريت الوحش من جثث البرايا
ورويت الربا بدم النحور
بكت منك الثغور دمًا مُراقًا
وتضحك عند باسمة الثغور
فأقسم أنَّ عود الدست لو لم
يكن من حر باسك في سعير
لأثمر في رءوس الجند روضًا
وأزهر من دماها في غدير
تنوح عليك أقفار الموامي
وتهتف فيك ساغبة النسور
وتندبك العذارى حاليات
بموشي الدمقس مع الحرير
بكتك الغانيات بدر دمع
بكاء الورد بالطل النثير

•••

أتاك نذير يلدز مستطيرًا
وكنت تظنه وجه البشير
يخاف الطفل من رؤيا أبيه
وتخشى المرضعات من الحجور
لقد عبر النجوم إليك جيش
بغير سراه في الشعرى العبور
لقد ذعرت به الأنفاس حتى
كأن الجسم يرصد بالضمير
يسد الجو منه غبار نقع
ويقذى دونه طرف البصير
أراك أسير أحزان وقيد
وكنت أراك ترسف في السرور
وقد كنت الأمير على السرايا
فكيف رسفت في قيد الأسير
غريب لو جزيت الخير لكن
جزيت الشر يا شر الدهور
لقد أوغرت صدر الجند حتى
أراك الدهر عاقبة الغرور

ومنها في الباخرة:

تسير به بنات البحر جريًا
فتسبق فيه أبناء الطيور
إذا اتقدت عزائمه سراجًا
أمدته بألسنة الزفير
عجبت لها تجن الماء وجدًا
وتمشي الدهر في الماء الغزيز
لقد رنحت بطود الحلم منه
ولولاه لطارت للأثير

(٣) رثاء

زعيم الأحرار ورئيس الملة الشيخ محمد كاظم الخراساني ووصف ورود «البرق» من نساء إيران بعظم وضع الحادث الجلل هناك.

بكاك الحيا دمعًا كما بكت الورى
فهل كنت فوق النجم أم كنت في الثرى
تحير عقلي كيف أرثيك واصفًا
تعالى الذي صفاك للناس جوهرا
لئن كنت نورًا في حشا الكون مظهرًا
فقد عُدت سرًّا في حشا الغيب مضمرا
رأيت بطيفي سوف تبلغنا المنى
ولكنه في صوت ناعيك فسرا
لقد مادت الدنيا لوقع مُرنة
لها ارتجت الأفلاك وارتجف الثرى
ولو لم تكن طودًا من الحلم فوقها
لطارت بنا الأرض العريضة في الذرى
بكتك الدراري في لآلئ دمعها
لأنك قد كنت الحسام المجوهرا
أناصر دين الله هل لك نهضة
تجنِّدُ للأعداء جندًا مظفرا
تحوك لهم ثوب الوقيعة أسودًا
وتلبسهم ثوبَ المنية أحمرا
بفتية صدق إن توازر جمعها
تردى ثياب الموت في الحرب مئزرا
إذا أوقدوا في الحرب نار كريهة
تموج بها البيض الصفايح أبحرا
تهيَّبك الموت المقدَّر يقظةً
فزارك تحت الليل في سنة الكرى
وإن خطيبًا فوق كفك ناطقًا
قد اتخذ الخمس الأنامل منبرا
رضيع بمهد الكف ينشي حديثه
ورق لوجه الرق أمسى محررا
يشع كوجه الصُّبح كافور طرسه
فتجري به من حالك الحبر عنبرا
يصد جميع الجيش بالنصر سالمًا
ويرجع جمع المالِ جمعًا مُكسرا
عجبت له كيف استزارك طارقًا
حماك ولما ينثني متحيرا
بلى كنت للإسلام والدين ناظرًا
فجاءتك في شخص الرقاد مصورا
وأخرس إن حل السؤال بسمعه
جرى بفصيح اللفظ ينطق مخبرا
أصم لأسرار البرية سامع
وأعمى بليل المشكلات تبصرا
إذا ارتجفت أسلاكه داخل الحشا
أتاك مُقيمًا يسبق البرق في الثرى
أتاك بصدر الليل ينشد حاسرًا
عجيج نساء تستشيط تزفرا
أعارته أحشاها فأوقد جمرة
وأهدته صبغ الدمع فانصاع أحمرا
يحدِّثُ عن قول يُحرره الأسى
وينْطِقُ عن لفظ له الوجد عبرا
من المسلمات اللائي تجزع لوعة
إذا سمعت أن ابنها قد تنصرا
تجاذب سلك البرق أسلاك دمعها
إذا ما ذكا في فحمة الليل أو سرى
تؤمل نصر الدين والدين عالم
بأنك أحرى أن تعز وتنصرا
فيا من غدت للناظرين صفاته
أشع من الشمس المنيرة منظرا
حديقة ورد كُلَّما جف ناضر
بروضتها أهدت إلى الطرف أنضرا
وشهب سماء كُلما غاب زاهر
أتى آخر منهن أزهى وأزهرا
أريحانة الوادي التي فاح طيبها
وعبق رياها الرياض وعطرا
لقد كنت للداجي سراجًا منورًا
سناه وللمُرتاد روضًا منورا
وإن صعيدًا قمت فيه مجاورًا
جدير بأن يمسي بنعماك أخضرا
وأعظم حزن فيك يا منذر الورى
عدو له ناعيك أمسى مبشرا
سقاك الحيا أو صوب كفك لا الحيا
فقد كان أوفى منه جودًا وأكثرا

شقيقي علي

بزغ الهلال فأين عهد وفائه
أن لا يخون بوده وإخائه
أيرى أخاه مُغيبًا تحت الثرى
قمرًا ويشرق زاهرًا بسمائه
هلا توارى بالصعيد جماله
حتى يُشارك أهله بعزائه
قمر بدا ليل المحاق هلاله
رَسمًا فقارن خسفه بجلائه
ثكلت به زهر النجوم فخرقت
بالنور ثوب الحزن من ظلمائه
سيف جلاه المجد أبيض ناصعًا
قد فل جوهر حدِّه بمضائه
برزت نواجذه فقلت بشارة
لليل قد كثرت نجوم سمائه
أواه غصني لفه شوك الرَّدى
وذوت خميلته أوان روائه
لم يذوه لثم الشفاه وإنما
ذبلت أقاحة ثغره في مائه
إني خضبت أناملي بمدامعي
وطلبت طوق الحزن في ورقائه
وعكفت حول أزاهرٍ من قبره
نبتت تسبح في ضريح ثوائه
نذر عليَّ لئن زها ريحانه
لأُرَوين الورد في أندائه
يا لهف أيار تفرط ورده
بيد المنون وجف قبل نمائه
يا بلبلًا قد حَلَّ في قفص الثرى
طربت له الأيام قبل غنائه
جاء الكنار مُبشرًا بقدومه
فرحًا وعاد مُصَوِّتًا بنعائه
فشربت منه سرابتي حين الظما
ورعيت يأسي فيه بعد رجائه
أهلال عيدي أين غيَّبك الرَّدى
فحرمتني من بشره وهنائه
أغنته عن جدد الحلى أكفانه
وكفاه صبغ الدمع عن حنائه
وتركت قلبي حول قبرك حائمًا
شبه الفراش يحوم حول ضيائه
إن شع لي قبس الحياة فإنه
لهب السراج يلوح في إطفائه
لو يترك الموت استنارة نجمه
زمنًا لكان البدر في إهدائه
ولأصبح الطل السقيط على الربى
غيثًا يرش الورد في أنوائه
أأُخيَّ يا قوسي ونبل كنانتي
ومدير جيشي بل أمير لوائه
أبقيت قلبي للزمان دريئة
ونصبتني غرضًا إلى أبنائه
أرسلت جفني في ضريحك آملًا
أن يصحبن الطيف في إغضائه
حملته في نعش الغماء وأنشدت
سفر الظلام قصيدة لرثائه
خفقت بأجنحة الفراشة روحه
لكنها احترقت بجمر ذكائه
فكست رقيمة قبره وبودها
لو أنها نثرت على حصبائه
نزعتك من كفي المنية صارمًا
لمعت بروق الموت في أنضائه
حلم فرشت له الجفون فزارها
ليلًا ومتع ناظري بلقائه
فصل الورود كثيرة أثوابه
ويخص أيار بثوب بهائه
ورسمت شخصك فوق مرآة المنى
حتى طمعت اليوم في إحيائه
رضوان يا ملك الجنان تنحَّ عن
ملك طيور الخلد من وزرائه

خفق الهلال

سدَّ الثغور بعزمة الإسكندرِ
جيش يقاد من النهى في جوهر
لبس الحديد مضاعفًا من عزمه
ومشى على حسك الوشيج الأسمر
زرع القنا فوق العداة فأورقت
زهرًا بغير نفوسها لم تثمر
يسقيه من حمر الدماء ويجتني
ثمر المنون من الحديد الأخضر
فكأنَّ سيف النصر فوق يمينه
برق يشعُّ بعارض متعنجر
وكأنَّ أعواد الوشيج بنقعه
روضٌ عليه سحابة من عنبر
وكأنما البيض الصفاح جداولٌ
زهرت بريحان القنا المتعطِّر
يجري بشهباءٍ يصكُّ رنينها
وجه الكتيبة باليباب المقفر
أمن السماك به فباع قنانه
طربًا وحنَّ إليه قلب المشتري
تروي بضحضاح المجرة خيله
وترود في أس السماء المزهر
ضاق الفضاء بعزمه من بعد ما
سدَّ البسيطة بالعديد الأكثر
من كل أبلج ذي عذار أخضر
يسقي مجنة صدغه من كوثر
يغزو بسورة عزمه وجفونه
في باس ضرغام وفتكة جؤذر
قومٌ إذا ما الشر أسدف مُظلمًا
طلعوا نجومًا في سماء العثير
أو أجدب الوادي وصوح نبته
زهرت حدائق جودهم في مرمر
وإذا السماء تزلزلت أفلاكها
دعموا الكواكب بالقنا المتكسر
برقت مواضيهم وسحب أكفهم
تجري بمنهلِّ الغمام الممطر
أبناء رامة إن مشَوْا نحو الردى
دفنوا التمائم في الكثيب الأعفر
تُبنى على حسك الرماح قصورهم
وقبورهم فوق الجياد الضمَّر
لبسوا الصباح مفاضةً محبوكة
وتسربلوا ليل العجاج الأكدر
خفق الهلال عليهمُ وتأمروا
في ظل ملك بالرشاد مظفَّر
بعدت تمائمهم وهن صفائح
ففشت برقراق النجيع الأحمر
خطت بأطراف الرماح حروفها
وبغير أشلاء العِدا لم تسطر
ذعورا الفضاء فلاذ في أرواحهم
وثوت جسومهمُ لحفظ العسكر

•••

فتيات رومةَ نظمي درر البكا
سمطًا يزان بلؤلؤ متنثر
وصفي القلائد للرجال مدامعًا
وذري تمائمهم مكان الجوهر
ودعي الخدور لهم فقد نهبتهمُ
بيض السيوف بكل ليث مخدر
قد فاجأت غاب الليوث فأصبحت
مثل الفريسة تحت ناب غضنفر
رصد المحيط جسومها فلوَ انها
نزعت لتفحص في الثرى لم تقدر
تترصد الأجفان سطوة هدبها
وتخاف مقلتها عداء المحجر
ترنو الصباح مقلدًا بصوارم
وترى الظلام مجندًا في عسكر
وتكاد تهربُ أرضها من تحتها
لو كان تبصر مأمنًا في مقفر

الشعر حي لم يمت

خليليَّ ما معنى الشعور فإنَّني
أرى كل شيء شاعرًا مترنما
أرى الكون في لوح الوجود قصيدة
تخط عليها الخلق شعرًا منظما
هو الشعر باقٍ ليس تفنى حياته
نقيم احتفالًا أو نُشَيِّد مأتما
تصوِّره روح الخيال فلو بدا
إذًا لرآه الطرف شخصًا مجسَّما
وتنشر أسفار الطبيعة شعرها
رموزًا فيمليها الهزار مُترجما
هل النجم إلا روضة نرجسية
أرى البدر فيها شاعرًا مُتبسِّما
فدًى لدموع العاشقين فإنَّها
قصيدة شعر بينها الحب نظما
عرائس حبٍّ إن تجلت بدورها
لدى الصبِّ ليلًا زفها الوجد أنجما
تُقبِّل خدَّ الجلَّنارة وجنةً
وتلثم ثغر الأقحوانة مبسما
وزاهرة ما روض الحفل مثلها
عليها خيال البدر شعرًا مجسما
فرشت بيوت الشعر فوق رياضها
بساطًا وسامرت الخيال المسلما
لقد نسجت أيدي الفراقد فوقها
من الليل وشيًا بالنجوم منمنما
نظرت به طوق الهلال مفضَّضًا
كنصف سوار زان لليل معصما
ولم أرَ مثل الروض في الأرض شاعرًا
ولُوعًا بأشعار الطبيعة مغرما
وما الشعر تمليه الرياض حقائقًا
لكالشعر يمليه الخيال توهما
تفريت أسفار الخلائق في الثرى
وفتشت أسرار العوالم في السما
فلم أرَ إلَّا روضة أو خريدة
ولم ألْفَ إلا شاعرًا أو متيما
ألا كل صوت طارق صوت شاعر
وسيان فينا من بكى أو ترنما

الحياة شباب

تطلب في شبابك للصعابِ
فما عمر الفتى غير الشباب
وسل حسام عزمك للمعالي
فإنَّ السيف يصدأ بالضراب
ودع طلب الهوان لمبتغيه
فإنَّ المجد أجدر بالطلاب
وكرِّر لو خطأت الجد يومًا
فكم خطأ يئول إلى الصواب
إذا ما الجهل أرتج منه بابًا
فإنَّ الجدَّ مقلد كل باب
ولا ينقصك قولهمُ فتيٌّ
فإنَّ السيف يقطع بالذباب
وكم قمر تولد من هلال
وكم شرر توقد في شهاب
وإنَّ الدهر كالميزان يعلو
إذا يخلو وينزل وهْو رابي
وهل تجدي الشجاعة في غنيٍّ
تقاعس عزمه عند الغلاب
إذا انعكس السنان لدى طعان
فليس يُفيد مطرد الكعاب
وإنْ غصن الشبيبة راق حُسنًا
فما في الشيب فرع للشباب
«ولو لم يعلُ إلا ذو محلٍّ»
لما شمخت على الروض الروابي
ولو معنى الجهالة صيغ طوقًا
تبرأت النفوس من الرقاب
ولو رهن البطالة حاز فخرًا
لما افتخر الحسام على القراب
وليس ابن النقيبة في هوان
أعز عليَّ من بنت النقاب
فأصل أرومة الأخلاق منها
يمتُّ بكل فرع مستطاب
وينمو من عوائدها ربيب
كما تنمو الرياض من الرباب
إذا ما الوالدات … …
فما تلد العقاب سوى عقاب
فأنت أجل مدرسة تسامت
لدرس بنيك يا صدر الكعاب
وإنك للحياة أجل بيت
منيع الركن مرعيُّ الجناب
وإنك للوليد أجل سفر
يطالع فيه شاكلة الصواب
وإنك في ارتجافك خير درس
تردد فيه ألسنة الخطاب
وإنك كالمراة صفت صقالًا
بها ارتسمت خلال الإكتساب
وما النزغات تنبض فيك إلا
لتحريض الصبي على الطلاب
أيا من ضلهم صبح الترقي
وشع لديهمُ ليل التعابي
سكنتم فوق مهد من خمول
تهز حراكه شم الهضاب
بليل مغدف الأرجاء داج
أحم الوجه غربيب الإهاب
تشع لغيركم شمس المعالي
وشمسكمُ توارت بالحجاب
ألا فلتغنموا فرصًا إليها
تمر عليكمُ مرَّ السحاب
فمن طلب الفضيلة في هوان
كمن طلب الفريسة تحت ناب
وما معنى الكمال سوى رموز
تزين برسمها صدر الكتاب
تطلس جذر مفخرنا وأبقى
لنا شبه الأصم من الحساب
وما اندرست معارفنا ولكن
خفى حسن السبيكة بالتراب

المجرة

هذي المجرة بارتجاف نجومها
تحكي الصفيحة في يمين جبان
فكأنها والنجم روضة نرجس
غرست بفيض العارض الهتان

الكمال

أيها السالكون غير طريق الرُّ
شْد أخطا الصوابَ ذاك الطريقُ
ما لكم قد قعدتم عن كمال النـ
ـفس مذ قام للكمالات سوق
فأَفيقوا من رقدة الجهل لو كا
ن يُثير الأموات قولي أفيقوا
أدرك السابقون ما أملوا اليو
م وأعيا بالسابقين اللحوق
أبغير الكمال ينسى غريب
عز أوطانه ويسلو مشوق
أبغير الكمال يشقى عدو
مُبغض أو يسر خل صديق
أبغير الكمال يصفو ويحلو
مورد رائق وعيش أنيق
فالكمال الكمال فالنقص عار
بالفتى واتساعه الحال ضيق

•••

أين أنتم عن رائقات المعاني
نظمتها الأفكار درًّا يروق
أين أنتم عمن له وهو دون
بالكمال التصدير والتفويق
فاز ذو منية بنيل مناه
واستردت مظالم وحقوق
برشاد قد عمنا الرُّشد واستحـ
ـكم عقد الإسلام فهو وثيق
من له من مهابة العز جند
رحب صدر العدو فيها يضيق
سار بالعدل منه باس ولين
ما حريق ذكر اسمه ورحيق
سيرة المصطفى التي أحكماها
صاحباه الصديق والفاروق
طابق اسم الرَّشاد فيه مسمَّا
ه فطاب المفهوم والمنطوق
جاء كفو العلى يتوق إليها
وهي شوقًا إلى علاه تتوق
وبدور السعود بعد أفول
عم أفق الإسلام منها الشروق

(٤) الأمل والحقيقة

حياتي وإن أضحت رمادًا على جلدي
بها شرر الآمال يلهب كالوقدِ
ونفسي وإن طارت شعاعًا من الأسى
لها من خيالي جذوة سعرت زندي
وإني إذا ما الدَّهر فل تميمتي
أكرر آمالي فتوثق بالشد
لئن أَصْلَتُوا للحرب سيفًا فإني
أَصول بسيف لا يسل من الغمد
جزى الله مرآة الأماني فإنها
جلية سبك الوجه مصقولة الخد
أرى فوقها شخص المحال مصورًا
لدى الطرف والأوهام معكوسة الطرد
تبيت معي إن ضاف أجفانيَ الكرى
وتؤنسني إن شفها ألم السهد
وضعنا أمانينا بحجر من الصبا
وعشنا سواء نمرث الودع في المهد
وما عاطفات المرء إلا حديقة
بها زهر الآمال تنبت كالورد
إذا لمحت عيني سرابًا من المنى
رويت ولم أظمأ إلى ترع الورد
وإني إذا ما الرأس جنَّح نمله
وأودع جسمي في ضريح من اللحد
نعم تصبح الآمال عني بعيدة
ولكنني أفنى وبي أمل العود
أراني وقد رمت الحقائق طالبًا
طليقًا من الآمال أرسف في قيد

•••

تقريت سفر الكون درسًا فلم أبن
حقائق ما إن زلن مخفية عندي
أصورها فوق الخيال فلا أرى
سوى شبح يغوي المناظر من بُعد
أرى شيعًا شتى وطرقًا كثيرة
بها غدت الأعلام وافرة العد
يزمجر كلٌّ نادبًا لطريقه
ويهتف كلٌّ طالبًا واضح القصد
حنانكم رفقًا لينتشر الهدى
ونعرف في أي الأدلاء نستهدي
خذوا بيدي عن ذا الضجيج فإنه
مغبة جهل ضيعت مذهب الرشد
فما كل برق ضاحك بارق الحيا
ولا كل صوت في السما زجل الرعد
هلموا لنستجلي الحقيقة علَّنا
نراها وإن أمست مشققة البرد
فمن عرف العنقاء أين محلها
يهون له لو رامها شرك الصيد

•••

ألا ليت عقبى الموت ترجع للدنى
بجملة أعمالي فأبصر ما تسدي
فإما الشقا كيما أزوده الشقا
وإما إلى رشد فأرغب للرشد
هرمت ولم تقطع ركابي تهامة
وما طرقت عيسى المغاور من نجد
ولم أستلم ركن الحطيم وزمزم
ولم أتضرع في منًى خاشعًا وحدي
عبدت إلهي لست راهب ناره
ولا رغبت نفسي إلى جنة الخلد
ولكن نور الحق جلى بصيرتي
فأيقنت أن الحكم للواحد الفرد

(٥) الحياة

أرى عمر الحياة شواظ نار
من الأجسام تكمن في زناد
وما ليل الشباب سوى دخان
وما صبح المشيب سوى رماد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١