جولة بين التاريخ والمؤرخين

كثيرًا ما لاحظت أن بعض الذين يتصفَّحون «مقدمة ابن خلدون» تصفُّح العَجْلان، لا يلبثون أن يُعْرِضوا عن قراءتها؛ بسبب الفصول والأبحاث المتعلقة بالكهانة والنجامة والرؤيا والسحر التي يلقونها فيها.

فقد سمعت غير واحد منهم يقول: إن ابن خلدون يعتقد بكل هذه الخرافات، ويُفْرِد لها فصولًا خاصة، فكيف يجوز لنا أن نعتبره — مع ذلك — عالمًا كبيرًا، وأن نسميه مؤرِّخًا عظيمًا؟

ولقد لقيت من يقول: إن ابن خلدون يُنْهِي كل فصل من فصول مقدمته بذكر الله، وبالرجوع إلى علم الله، إنه يكتب في آخر كل بحث من بحوثه تقريبًا «والله أعلم بالصواب»، أو «والله يعلم وأنتم لا تعلمون»، أو «وفوق كل ذي علم عليم»، فكيف يمكننا أن نوفق بين مثل هذه العبارات وبين «نزعة الأبحاث العلمية» التي يجب ألا تستند إلى شيء غير «الدلائل العقلية»؟

أمَّا أنا فأقول لهؤلاء ولكل من يُقْدِم على قراءة مقدمة ابن خلدون: يجب علينا ألا ننسى أبدًا أن كاتب هذه المقدمة من رجال القرن الرابع عشر للميلاد، فيترتَّب علينا أن نتساءل: إلى أية درجة يحق لنا أن نؤاخذ هذا المفكر ونلومه على ما كتبه حول هذه الأمور، وفي هذا الصدد قبل مدة تزيد على خمسة قرون ونصف قرن؟

وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نقوم بجولة سريعة بين التواريخ والمؤرخين؛ لنستعرض المواقف التي كان يقفها أسلاف ابن خلدون وأخلافه من المفكرين والمؤرِّخين تجاه هذه المسائل والأمور.

(١) التاريخ والكهانة

إن جميع التواريخ والآثار القديمة تدل دلالةً قطعيةً على أن الإنسان قد شعر — منذ أقدم الأزمنة — برغبة شديدة لمعرفة ما سيحدث في المستقبل، وأعتقد بأن هذه المعرفة من الأمور التي يمكن الوصول إليها بوسائل متنوعة وطرق شتى.

واليونان أنفسهم ساهموا في هذا الاعتقاد وحافظوا عليه، حتى في عهود ازدهار التفكير الفلسفي العقلاني Rationalisme، فقد اعتقدوا بأن الآلهة تبين مقاصدها من حين إلى حين، تارةً ردًّا على أسئلة السائلين، وطورًا من غير سؤال من أحد الآدميين، وأمَّا الوسائط التي تستخدمها لإظهار مقاصدها، وإعلان إنذاراتها بهذه الصورة — على زعم اليونانيين — فقد كانت متنوعةً جدًّا؛ الكُهَّان، والطيور، والنسور، والصواعق، كانت من أهم تلك الوسائط وأعمها، فمعرفة المستقبل مما يتم بتفسير الكلمات التي تصدر عن ألسنة الكُهَّان تحت بعض الشروط ومختلِف الطقوس، أو بالاستدلال من صرخات الطيور وحركاتها، أو بملاحظة بعض العلائم التي تظهر في أحشاء القرابين، وعلى الأخص في أكبادها.

هذه المعتقدات أدَّت إلى تأسيس بعض المعابد المختصة بالكهانة، وكوَّنت الكُهَّان الاختصاصيين في استجواب الآلهة، وتعبير إنذاراتها المختلفة.

إن الاعتقاد بالكهانة والكُهَّان على هذا المنوال ساد على أذهان اليونانيين بوجه عام، حتى إن معظم مفكريهم أيضًا خضعوا لأحكام هذا الاعتقاد؛ ولذلك نجد أن الكهانة قد لعبت دورًا هامًّا في تاريخ اليونان، حتى إن بعض المؤرِّخين ادَّعوا بأن كل «تاريخ اليونان بمثابة فصل كبير من فصول تاريخ الكهانات العام.»

L. de Gérin’Ricard, Histoire de l’occultisme p. 74.

والمؤرخون اهتموا اهتمامًا كبيرًا بتسجيل أخبار الكهانة منذ عهد «هرودوت» الشهير، فإن التاريخ الذي خلَّفه لنا «أبو التاريخ» — مثلًا — مملوء بأخبار الكهانات التي تتخلَّل جميع الوقائع، على صور شتى:

يبدأ هرودوت تاريخه هذا بترجمة حياة «قره زوس» Crésus، ويقص لنا أخبار الكهانات التي أحاطت بحياة هذا الملك العظيم في كل صفحة من صفحاته المتتالية:

كان لقره زوس ولدان؛ الأول كان ذكيًّا سليم الحواس، ولكن الثاني كان محرومًا من نعمة السمع والكلام.

ولما كان الملك نائمًا في ليلة من الليالي زاره «الحلم» (هذا تعبير هرودوت نفسه) زاره الحلم، وأنبأه بمصير ابنه الأول؛ قال له «إنه سيموت مجروحًا بطعنة حديدة حادة.» فلما استيقظ الملك قره زوس فزع من هذا الحلم فزعًا شديدًا، وأسرع في اتخاذ كل التدابير الممكنة لصيانة حياة ابنه الغالية على ضوء هذا النبأ المخيف؛ أبعد جميع الآلات الحادة، وجميع وسائل الحرب من أبهاء القصر، وأَقْدَمَ على تزويج ابنه حالًا، وقَطَعَه عن أعمال الحرب وقيادة الجيش، غير أن كل ذلك لم يُجْدِهِ نفعًا، فقد راجعه بعد مدة وجيزة جماعة من الفلاحين باثِّين له شكواهم من خنزير بري أخذ يُلحق بهم أضرارًا فادحة، واسترحموا منه أن يوفد ابنه مع جماعة من الصيادين؛ لاقتناص الخنزير وتخليصهم من شروره، امتنع قره زوس عن إيفاد ابنه في بادئ الأمر بحجة زواجه الجديد، ووعد القوم بإرسال أمهر الصيادين لتخليصهم من النكبة التي ذكروها، غير أن الابن اعترض على والده، ورغب في الالتحاق بالجماعة، فاضطُر الوالد عندئذٍ إلى مكاشفة ابنه بقصة الرؤيا، ولكن الابن حينما اطَّلع على تفاصيل الحلم قال له إن الحلم قد أخبرك بأنني سأموت بتأثير حديدة حادة، على أن قرون الخنازير ليست من الحديد، فلا محلَّ للتخوُّف منها، وبعد هذه المحاورة سلَّم قره زوس بإصابة رأي ابنه فوافق على ذهابه لاقتناص الخنزير.

غير أنه خلال أعمال المطاردة طاش سهم أحد المرافقين، فأصاب ابن الملك وأرداه قتيلًا؛ فتحقَّقت بذلك نبوءة الرؤيا.

وبعد موت ابنه الأول على هذا الوجه الفاجع؛ وجَّه قره زوس كل اهتمامه إلى ابنه الثاني، بطبيعة الحال ضاعف جهوده لمعالجته وتخليصه من علة البكم والصمم بكل الوسائل الممكنة، وفي الأخير رأى أن يستشير الآلهة بواسطة عرَّافة «دلفي»، وأوفد من يسألها متى سيتكلم ابنه؟ غير أن العرافة أجابت قائلة: «أيها الملك، لا تتمنَّى أن تسمع في قصرك صوت ابنك؛ فخير ألا تسمعه أبدًا، لأنه سيتكلم في اليوم الذي ستبدأ فيه نكباتك.»

وقد صح — فيما بعد — ما تنبَّأت به العرَّافة تمامًا؛ لأن ابن قره زوس لم يتكلَّم إلا في اليوم الذي استولى الفرس على عاصمة ملكه، عندما هَمَّ جندي من جنودهم على قتل والده صاح الولد لأول مرة: «أيها الجندي، لا تقتل قره زوس!»

ولكن أخبار الكهانة بالمتعلقة بهذا الملك لا تقتصر على ما حدث بولديه، بل تشمل جميع صفحات الحروب التي قامت بينه وبين الماديين أيضًا:

كان الماديون قد توسَّعوا توسُّعًا كبيرًا، وأخذوا يهدِّدون بلاد اليونان، ففكَّر قره زوس بالتأهُّب لمحاربتهم، غير أنه — قبل الإقدام على ذلك — رأى أن يستشير الآلهة في هذا الشأن، كما أنه رأى أن يمتحن الكُهَّان والعرافين قبل الإقدام على هذه الاستشارة، فوضع خطةً متقنةً جدًّا لهذا الامتحان.

لقد أرسل قره زوس وفدًا خاصًّا لكل معبد من معابد الكهانة الموجودة يومذاك في بلاد اليونان وآسيا الصغرى وليبيا، وزوَّد الوفود بالتعليمات التالية؛ على جميع الوفود أن تغادر العاصمة في يوم واحد، وأن تنتظر في المعابد التي أوفدت إليها حتى مرور مائة يوم كامل على تاريخ السفر. وفي ذلك اليوم تراجِع كاهن المعبد، وتسأله السؤال التالي: «ماذا يعمل الآن قره زوس ملك السارديين؟» ثم تُدوِّن الأجوبة التي تتلقَّاها، وبعد ذلك ترجع قافلةً لتسليم الأجوبة المكتوبة إليه.

لما عادت الوفود واجتمعت الأجوبة فتح قره زوس الكتابات وقرأها، ولم يكد يطَّلع على جواب كاهنة دلفي إلا آمن بقدرتها التامة على معرفة الغيوب؛ قالت الكاهنة، حالما دخل الوفد عليها قبل أن تصغي إلى سؤاله: «أنا أعرف أبعاد البحار وعدد رمالها، أنا أسمع الأبكم وأفهم من لا يتكلم، وها أنا الآن أشم رائحة سلحفاة غليظة الجلد تغلي مع لحم غنم طري، تحتها شبهان، حولها شبهان، وفوقها شبهان.»

وفي الواقع إن قره زوس كان قد قام بعمل غريب جدًّا لا يمكن أن يخطر على بال أحد أبدًا؛ بعد مرور مائة يوم على سفر الوفود، استحضر سلحفاةً وغنمًا، وقطعها قطعًا قطعًا، ثم وضعها في قِدْر وغطى القِدْر، وأشعل تحته النار، والقِدْر الذي استعمله لهذا الغرض العجيب كان من الشبهان! والكاهنة كانت عرفت كل ذلك، مع أن الوفود كانت غادرت العاصمة قبل مائة يوم من ذلك التاريخ، ومع أن هذه الأعمال والتفاصيل كانت في منتهى الغرابة والشذوذ.

بعد أن تأكد قره زوس — على هذا المنوال — من قدرة عرافة دلفي، قرَّر أن يستشيرها في أمر محاربة الماديين، ضحَّى للآلهة ثلاثة آلاف رأس من جميع أجناس الحيوانات الأهلية، وهيأ مجموعةً كبيرةً من الهدايا الثمينة، وأرسلها إلى دلفي مع وفد خاص لاستشارة الآلهة بواسطة الكاهنة.

عندما سألوا الكاهنة: «هل يجب على قره زوس أن يحارب الماديين؟» أجابتهم قائلة: «إذا حاربهم ستخرب دولة كبيرة.»

وعندما سألوها: «هل سيكون عمر دولة قره زوس طويلًا؟» أجابتهم قائلة: «إن دولته ستعيش إلى أن يصبح البغل ملكًا على الماديين.»

لقد سُر قره زوس من هذه الأجوبة سرورًا كبيرًا؛ لأنه قال في نفسه: «إن البغل لا يمكن أن يصبح ملكًا، إذن فإن دولتي ستعيش على مر الأيام، في حين أن دولة الماديين الكبيرة ستنهار حتمًا.»

وبناءً على هذه الملاحظة أخذ يُعد العدة لمحاربة الماديين بكل اطمئنان.

غير أن الأمور جرت على خلاف ما توقَّعه قره زوس، والماديون تغلَّبوا عليه وأسروه.

إن ملك الماديين أراد — في بادئ الأمر — أن يحرق قره زوس بالنار، غير أنه عَدَلَ عن هذه الفكرة بعد ذلك؛ بسبب سلسلة طويلة من الحوادث الغريبة المملوءة بالخوارق والمعجزات، عَدَلَ ملك الماديين عن إحراق قره زوس، وأمر بفك الأصفاد والأغلال التي كانوا قد كبَّلوه بها، عندئذٍ طلب قره زوس من الملك المنتصر أن يترك تلك الأصفاد بغية إرسالها إلى معبد دلفي، بقصد لوم الآلهة على عملها الشائن، وبعد أن حصل على الموافقة أرسل الأصفاد إلى المعبد المذكور مع وفد خاص، ووجَّه إلى الآلهة الأسئلة التالية: «هل يليق بالآلهة أن تخدع الإنسان؟ إنه لم يُقْدِم على الحرب إلا بعد أن عرف منها بأن حربه ستنتهي بانقراض دولة الماديين، وبأن دولته هو ستستمر إلى أن يصبح البغل ملكًا على الماديين، ومع هذا فإن الأمور قد جرت على عكس ذلك تمامًا؛ ها قد دالت دولته، كما أنه أصبح أسيرًا في أيدي المنتصرين عليه. ألا تحمر وجوه الآلهة خجلًا من هذه النتيجة الشائنة؟! هذا، وهل يليق بالآلهة أن تكون ناكرة الجميل إلى هذا الحد؟ إنه كان قدَّم لها كل تلك الضحايا وكل تلك الهدايا، وإنها — مع ذلك — قد سمحت للوقائع بأن تجرفه إلى هذا المصير المؤلم؟»

ولكن أجوبة الآلهة على هذه الأسئلة بواسطة الكاهنة جاءت مُسكتةً تمامًا: «لا يحق لقره زوس أن يتذمر مما حدث؛ لأن كل ما حدث لم يكن مخالفًا لما كانت أنبأت به الكاهنة بوجه من الوجوه؛ فإن دولةً كبيرةً قد انهارت فعلًا هي دولته هو، وذلك حدث حقيقةً بعد أن أصبح البغل ملكًا على الماديين؛ إن البغل الذي جاء ذكره في الكهانة هو الملك سرخس Cyrus نفسه؛ لأنه من جنسين مختلفين؛ من أم نبيلة من سلالة الملوك، وأب وضيع من الرعاع، فالذنب ذنبه هو لأنه أقدم على الحرب من غير أن يفهم معاني الكلمات التي قالتها الكاهنة. فلا يحق لقره زوس أن يوجِّه اللوم إلى الآلهة أبدًا.»

يشرح أبو التاريخ هرودوت كل هذه الوقائع والكهانات بتفصيل يشبه تفاصيل الروايات القصصية تمامًا.

غير أن أخبار الكهانة في تاريخ هرودوت لا تنحصر بالقسم الباحث عن حياة قره زوس وحروبه وحده، بل هي تتخلَّل أبحاثه الأخرى أيضًا.

إن الكهانة لعبت دورًا هامًّا في موقعة «ثرموبولس» الشهيرة أيضًا؛ على رواية هرودوت، لقد راجع الإسبارطيون كاهنة دلفي منذ بدء الحرب ليعرفوا مصير الأمور، فقالت الكاهنة: «إن صدمة الفرس ستكون عنيفةً جدًّا، بحيث لا تستطيع أن تتحملها قوة الثيران أو قدرة الأسود، فلا بد من حدوث أحد الأمرين التاليين؛ إما أن تُدمَّر المدينة المشهورة على يد أحفاد «برسه ثوس»، وإما أن تبكي إسبارطة موت ملك منحدر من نسل هرقل.» إن «ليونيداس» Léonidas الشهير ضحَّى بنفسه في تلك المعركة، بعد أن اطلع على هذه الكهانة؛ لأنه أراد — بعمله هذا — أن يحقق الأمر الثاني لكيلا يترك مجالًا لحدوث الأمر الأول!

إن الكهانة قامت بدور هام جدًّا في معركة «سالاميس» أيضًا؛ يروي هرودوت في تاريخه المشهور بأن الأثينيين أرادوا أن يستشيروا كاهنة دلفي خلال الحروب المادية، فأرسلوا وفدًا لهذا الغرض. إن الكلمات التي سمعها الوفد من الكاهنة — في بادئ الأمر — كانت في منتهى الفظاعة؛ لأن الإله أجاب قائلًا: «غادروا منازلكم، أخلوا حصونكم، واهجروا بلادكم فارِّين إلى أقاصي الأرض؛ فإن أثينا ستُدمَّر تدميرًا هائلًا، وستصبح طُعْمَةً للنيران. «مارس» المخيف سيأتي على عجلة سورية، وسيخرِّب المدن والحصون. إن الآلهة تفزع من هول النكبة، والعرق يتصبَّب على تماثيلهم، وها قد بدا يقطر من سقف حرمهم دم أسود ينبئ بهول الكارثة التي تهدِّدكم. اخرجوا أيها الأثينيون، وتسلَّحوا بالصبر والشجاعة أمام هذه الكوارث المقدرة.»

اغتمَّ رجال الوفد من هذه التنبؤات الفظيعة غمًّا شديدًا، غير أن أحد نبلاء المدينة عندما رأى آثار الغم والكآبة التي استولت عليهم نصحهم بمراجعة الكاهنة مرةً ثانية، حاملين أغصان الزيتون بصفتهم متضرعين. عمل الوفد بهذه النصيحة، ووجَّه إلى «آبولون» التضرعات التالية: «أيها الإله، بحرمة أغصان الزيتون التي نحملها بأيدينا، الطف بنا بحكم أكثر مساعدة لمقدرات وطننا، وإلا فنحن سوف لا نخرج من حرمك أبدًا، وسنبقى فيه إلى أن نموت جميعًا.»

أمَّا الكاهنة الكبرى فقالت لهم عندئذٍ ما يلي: «إن باللاس لم يتوفَّق إلى إقناع زفس، ومع هذا فإليكم نصيحةً أخرى ستكون النهائية: لقد سمح زفس لباللاس بجدار من خشب، فعندما يستولي الأعداء على جميع ما في بلادكم سوف لا يستطيعون أن يستولوا عليه أو أن يدمروه، فإنكم ستجدون السلامة فيه، فلا تنتظروا وصول جحافل المشاة والخيَّالة التي ستأتي لمهاجمتكم، بل اذهبوا واقلبوا لها ظهر المِجَن، سيأتي يوم تستطيعون فيه مقاومتها، وأمَّا أنت يا سالاميس الإلهية فستفقدين أولاد النساء.»

هذه الكلمات ظهرت للوفد أكثر ملاءمةً من الأولى، فكتبوا كل الكلمات التي سمعوها من الكاهنة، ثم عادوا بها إلى أثينا ونقلوها إلى الشعب.

غير أن الآراء اختلفت في تأويل هذه الكلمات، ماذا قصدت الآلهة من قولها «جدار من خشب»؟ بعضهم قال إن القصد من ذلك هو حصن المدينة؛ لأنه كان فيما مضى مدعَّمًا بالأخشاب، وبعضهم ذهب إلى أن المقصود منه هو السفن. والجميع تخوَّفوا من العبارة الأخيرة؛ لأنها كانت تدل في ظاهرها على أنهم سينكسرون في سالاميس إذا أقدموا على محاربة الأعداء بحرًا، ولكن «تميستوقلس» عَارَضَ الجميع، وادَّعى عكس ذلك تمامًا، وقال: «إن النكبة المذكورة في العبارة الأخيرة تعود إلى الأعداء، لا إلى الأثينيين، وإلا لما قالت الآلهة سالاميس الإلهية، بل لقالت سالاميس التعسة.» ولهذا اقترح المشار إليه التهيؤ لحرب بحرية؛ لأن الجدار الخشبي الذي جاء ذكره في أقوال الكاهنة إنما يرمز إلى السفن التي تشترك في حرب بحرية.

والأثينيون عملوا في الأخير برأي تميستوقليس هذا، فانتصروا على أعدائهم في موقعة سالاميس وفق تنبؤات الكاهنة.

إنني أعتقد بأن هذه الأمثلة كافية لإعطاء فكرة واضحة عن قوة إيمان هرودوت بالكهانة، وعن المكانة الخطيرة التي خصَّصها لها بين وقائع التاريخ، كما أعتقد بأنها تغنينا عن الاستشهاد بسائر مؤرخي اليونان.

•••

أمَّا الرومان فإنهم أيضًا اعتقدوا بالكهانة، وعملوا بمقتضياتها في جميع أدوار تاريخهم الطويل، إنهم توغَّلوا بوجه خاص في التكهُّنات المستندة إلى معاينة أحشاء الحيوانات وأكبادها، وتتبُّع حركات الطيور وصرخاتها؛ ولذلك أخذوا يربُّون بعض الطيور والحيوانات في ساحات بعض المعابد وجوارها بقصد الاستفادة منها في شئون الكهانة عند مسيس الحاجة إليها، كما نقلوا بعض كتب الكهانة اليونانية إلى الكابيتول، وعهدوا بمهمة مراجعة تلك الكتب إلى جماعة منتخبة وفق تقاليد معينة.

وزيادة على كل ذلك فقد طبَّقوا «نزعة التقنين» التي امتازوا بها على شئون الكهانة أيضًا، وقد عيَّنوا — تارةً بالعرف والتقاليد، وتارةً بالأنظمة والقوانين — الأشخاص الذين «يحق لهم» و«يترتب عليهم» القيام بأمور الكهانة والعرافة في كلٍّ من الأسرة والمدينة والدولة.

ومعظم أباطرة الرومان كانوا يراجعون العرافين والكُهَّان قبل أن يُقْدِموا على تقرير الأمور الخطيرة، حتى إن مجلس السناتو نفسه كان يستشير «مجمع الكُهَّان» في الكابيتول بصورة رسمية في بعض الأحيان.

فقد غالى الرومان في هذا المضمار مغالاةً شديدة، حتى إنهم سنُّوا في الأخير — سنة ١٤٠ق.م. — قانونًا يحتِّم مراجعة «مجمع الكُهَّان» في الشئون الهامة.

إن التواريخ التي كتبها مؤرخو الرومان أيضًا مملوءة بأخبار الكهانات.

•••

إن المؤرخين القدماء عند اليونان والرومان لم يكتفوا بتسجيل أخبار هذا النوع من الكهانات، بل اهتموا بتسجيل بعض الحوادث العجيبة الخارقة للعادة أيضًا؛ وذلك لاعتقادهم بأن جميع هذه الحوادث الشاذة — كحدوث الزلازل الأرضية، وثوران البراكين، وظهور الكواكب المذنَّبة، وولادة المسوخ الإنسانية أو الحيوانية — ما هي إلا إنذارات من الآلهة للإخبار بما سيحدث من الأمور الهامة في المستقبل القريب. إن مهمة الكُهَّان والعرافين كانت تشمل تفسير وتأويل مثل هذه الحوادث والأحوال أيضًا؛ لمعرفة الغيب واستكناه المستقبل.

إن كتب الرومان مملوءة بأخبار هذا النوع من الكهانات، وقد جمع المؤرخ اللاتيني «فالريوس ماكسيموس» Valérius Maximus — في كتابه «الوقائع والأحوال المشهورة» — أمثلةً كثيرةً من ذلك.

فمنها قصة «الفرس والأرنب» خلال الحروب المادية؛ حينما أقدم «كورش-سرخس» على غزو بلاد اليونان حدثت حادثة عجيبة جدًّا؛ فرس ولدت أرنبًا في اللحظة التي اجتازت جيوش الماديين جبل آتوس! إن هذه الحادثة الخارقة للعادة كانت إشارةً من الآلهة إلى نتائج غزوة كورش، إن الملك الذي ستر البحار بأساطيله الكبيرة فاستولى على البراري بجيوشه الجرارة، اضطُر إلى الهروب من ساحات الحروب كالأرنب الجبان.

ومنها حكاية الملك ميداس والنمل، عندما كان ميداس Midas ملك ليديا طفلًا، حدثت له حادثة غريبة جدًّا؛ أتت النمل على فمه خلال نومه، ووضعت بين شفتيه بضعة حبوب من القمح، فقد دُهش أهله من هذه الحادثة الغريبة، وراجعوا العرافين لتفسير معناها، وكان الجواب الذي تلقَّوه منهم سارًّا جدًّا؛ إذ إنهم قالوا: سيكون ميداس في المستقبل أغنى الناس في العالم. إن هذا التكهن قد تحقَّق تمامًا لأن ثروة الملك ميداس بلغت مبلغًا هائلًا فاقت مجموع ثروات كل الملوك في العالم.

يقول فالريوس ماكسيموس بعد سرد هذه القصة: «غير أن قصة النمل مع الملك ميداس تُعْتَبر لا شيء بجانب حادثة النحل مع أفلاطون، فإن النمل إذا بشَّرت عائلة ميداس بثروة فانية، فإن النحل بشَّرت عائلة أفلاطون بسعادة سرمدية؛ لمَّا كان أفلاطون رضيعًا ينام في المهد جاءت النحل ووضعت عسلها بين شفتيه الرقيقتين، وحينما سمع العرافون بهذه الواقعة قالوا هذا يدل على أن الكلمات التي ستصدر من فمه ستكون في منتهى الحلاوة، تفوق حلاوة جميع الأشياء. ومن المعلوم أن هذه الكهانة أيضًا تحقَّقت تمامًا.

إن أمثال هذه الأخبار والروايات كثيرة جدًّا في مؤلفات الكثيرين من الكُتَّاب والمؤرخين من الرومان، مثل؛ «جسيتنس»، و«تيتوس ليفيوس»، و«بلينيوس».

فقد كتب مثلًا المؤرخ المشهور تيتوس ليفيوس Titus Livius في جملة ما كتبه من الأخبار:
«في سنة ٥٩٠ من تاريخ روما تكلَّم ثور في مدينة فروسيتون، ووُلد بغل ذو ثلاث أرجل في ريات، فقُتل في السنة نفسها «أوكتافيوس» Octavius حاكم سوريا على يد ليزياس معلم آنتيوخوس.»
«في سنة ٦٠٦ من التاريخ المذكور، وُلد طفل ذو ثلاث أرجل مع يد واحدة في آمينتان، ففي نفس السنة ارتكب هاسدروبال Hasdrubal مظالم فاجعةً نحو أسرى الرومان خلال حصار مدينة قرطاجة، وبعد مدة قليلة استولى استثيبيون إميليان Scipion Emilien على المدينة المذكورة ودمَّرها تدميرًا.»

«في سنة ٦١١ وُلد طفل خنثى في لوني، ومع أن هذا الطفل أُلْقِي في البحر عقب ولادته بأمر الكهنة، فقد حدث طاعون هائل في تلك المدينة حصد النفوس حصدًا، ولم يترك مجالًا حتى لدفن الأموات، كما أن الجيش الروماني نُكب بهزيمة شنيعة في السنة نفسها.»

ونرى أن نذكر هنا ما كتبه الشاعر اللاتيني الشهير «فيرجيليوس» Virgilius عن الحوادث العجيبة التي حدثت قُبيل موت القيصر، مُنذرةً بهذا الحدث الخطير:

«زلازل الأرض الشديدة، عواصف البحار الهائلة، عواء الكلاب المفزعة، صياح الطيور المشئومة، ثوران البراكين المحرقة، كلها كانت تنذر بقرب وقوع حادث خطير، ولقد سُمعت في جرمانيا قعقعة الأسلحة في كل أنحاء السماء، وحدثت زلازل شديدة في جبال الألب، وسُمعت أصوات هائلة في الغابات الهادئة، كما شوهدت طيوف باهتة في الأمسيات. وأَعْجَب من كل ذلك أن البهائم تكلَّمت، والأنهر توقَّفت، والأرض تفجَّرت. وقد لوحظ في المعابد أن العاج بكى متألمًا، والشبهان تصبَّب عرقًا، والدماء نبعت من الآبار، وفي الليالي تغلغلت في أجواء المدن عواء الذئاب، ولم تتوالَ الصواعق في يوم من الأيام بالكثرة التي حدثت في ذلك العهد، ولم تشتعل المذنَّبات في السماء بالشدة التي اشتعلت بها في التاريخ المذكور.»

ولعل أغرب الأمثلة لمثل هذه الأخبار والكهانات هو ما رواه المؤرخ الإسباني «بولس أوروزيوس Paulus Orosius»، الذي عاش في القرن الخامس، والذي يُعد من أعظم تلامذة القديس أوغسطين، فقد روى المؤرخ المذكور الحادثة التالية وفسَّرها كما يلي:

«لقد تفجَّرت في سنة ولادة المسيح عين زيت في دكان رجل فقير في مدينة روما، وسال الزيت من العين المذكورة بغزارة يومًا كاملًا.» لا يشك المؤرخ أوروزيوس بأن هذا الحادث العجيب كان يشير إلى مجيء المسيح؛ «لأن الزيت هو مادة الدهون النصرانية، وأمَّا حدوث الحادث في دكان رجل فقير فكان يدل أن كنيسة المسيح ستحتضن الفقراء والأغنياء، العبيد والأسياد، على حدٍّ سواء.»

(٢) التاريخ والنجامة

إن الاعتقاد بتأثير النجوم وسائر الأجرام السماوية في الحوادث الكونية والمقدرات البشرية سيطر على أذهان العوام والمفكرين على حدٍّ سواء، منذ القرون الأولى حتى أواخر القرن السابع عشر، وقد ظل مسيطرًا على أذهان الناس في كثير من البلاد الأوروبية حتى خلال القرن الثامن عشر نفسه.

إن هذا الاعتقاد القديم وَلَدَ نوعًا خاصًّا من الكهانة عُرفت باسم «النجامة» أو «التنجيم»، وهي ترمي إلى الكشف «عما سيحدث في المستقبل» بملاحظة حركات النجوم وأوضاعها المختلفة.

فقد زعم المنجِّمون أن كل واحد من الكواكب الثابتة والسيارة، وكل مجموعة من مجموعات النجوم المسماة باسم «البروج» يمتاز بنوع خاص من التأثير على مقدرات الإنسان، ولذلك صاروا يرصدون حركات النجوم، ويتتبعون حركاتها المختلفة؛ لمعرفة ما سيحدث من الشئون من جهة في حياة الدول والأمم، ومن جهة أخرى في حياة الأشخاص الذين يولَدون في كل دقيقة وساعة من كل يوم.

نشأت النجامة وترعرعت في معابد الكلدان، ثم انتقلت بواسطتهم إلى اليونان فالرومان.

وقد وجدت النجامة لنفسها أرضًا خصبةً جدًّا في ظل الإمبراطورية الرومانية، والتاريخ يذكر أن معظم الأباطرة — من نرون وأوكتاويوس إلى تيبريوس وماركوس أورليوس — كانوا يهتمون بالنجامة اهتمامًا كبيرًا، فكانوا يُكْثِرون من استشارة المنجمين، ويعملون بما تقتضيه تنبؤاتهم في أغلب الأحيان.

حتى إن بعضًا منهم لم يكتفوا باستشارة المنجمين، بل أكبُّوا على تعلُّم النجامة ليشتغلوا بها بأنفسهم مباشرة.

فإن الإمبراطور «تيتوس» مثلًا كان يُكْثِر من النظر في «طوالع» القواد الذين يخشى منافستهم، كما أن «دوميتيانوس» كان يلجأ إلى النجامة لمعرفة الأشخاص الذين ينوون منافسته، أو يطمعون في أن يكونوا خَلَفًا له.

تذكر التواريخ الرومانية أن «سبتيموس سفريوس» Septimius Sévérius قبل أن يصبح إمبراطورًا أخذ ينظر في طوالع الفتيات اللاتي يمكن أن يخطبهنَّ ويقترن بهن، وحينما علم من طوالع الفتاة السورية «جوليا» بأنها ستصبح يومًا «زوجة لملك»؛ أسرع إلى خطبتها وتزوجها، مؤمنًا بأن ذلك سيساعده على تحقيق أطماعه في الاستيلاء على عرش الإمبراطورية الرومانية!

كما تذكر التواريخ المذكورة أن الإمبراطور «ماركوس أورليوس» الذي كان من كبار المفكرين، واشتُهر بكلماته الحكيمة وآرائه الأخلاقية اشتهارًا كبيرًا، راجع منجمًا كلدانيًّا في قضية متعلقة بزوجته «فائوستين»؛ فإن زوجته هذه كانت شهرت بحب عميق جارف نحو أحد المصارعين، وبما أنها خشيت عواقب هذا الحب، وأرادت أن تحافظ على عفافها؛ فاتحت زوجها في الأمر بكل ساذجة واستقامة، والإمبراطور الحكيم استشار منجمًا كلدانيًّا، وعمل بما أشار به المنجم حرفيًّا.

ولعل أغرب أخبار النجامة المذكورة في التواريخ الرومانية هو ما حدث في عهد دوميتيانوس؛ أراد الإمبراطور المشار إليه أن يختبر المنجم «آسكلاريون» Asclarion، فوجَّه إليه السؤال التالي: «قل كيف ستكون عاقبة حياتك أنت؟» والمنجم لم يتردَّد لحظةً في الإجابة على هذا السؤال قائلًا: «إن الكلاب ستنهش جثتي نهشًا.» عندئذٍ أراد الإمبراطور أن يُظْهِرَ «كذب زعم المنجم» بصورة فعلية، فأمر بذبحه حالًا، وبإفناء جثته حرقًا، فقد أخذ الجلادون في تنفيذ أمر الإمبراطور: ذبحوا المنجم، وكدَّسوا الأحطاب، ووضعوا الجثة فوقها، ثم أشعلوا النار فيها، ولكن قبل أن يصل لهيب النار الموقدة إلى جثة المنجم المذبوح هبَّت عاصفة هائلة أطفأت النيران، واضطرت الحراس والجلادين إلى التباعد عن ذلك المحل، والتفرق في كل الجهات، وعندما هدأت العاصفة اجتمعت الكلاب على الجثة ونهشتها قبل أن يتمكن الحراس والجلادون من العودة إلى المحل لإتمام تنفيذ أمر الإمبراطور. وبهذه الصورة تحقَّقت كهانة المنجم تمامًا، على الرغم من الخطة الجهنمية التي حاول تنفيذها ذلك الإمبراطور الجبار!
من الطبيعي أن الحوادث والوقائع كثيرًا ما كانت تأتي مخالِفَةً لنبوءات المنجمين، غير أن ذلك ما كان يكفي لزعزعة الاعتقاد العام بالتنجيم، والسبب في ذلك يظهر بوضوح تام مما كتبه المؤرخ الروماني الشهير تاسيتوس Tacitus في حولياته في هذا الصدد:

«إذا جاءت الوقائع مخالِفَةً للتنبؤات النجومية، فإن ذلك يجب أن يُعْزَى إلى تقصير المنجِّمين في التفسير والحكم، لا إلى عدم صحة النجامة في حد ذاتها؛ لأن أسس النجامة من الأمور اليقينية التي لا يجوز أن يشك فيها أحد، إن صحة هذه الأسس ثبتت في الأزمنة القديمة كما ثبتت في زماننا هذا.»

وحينما ظهرت المسيحية عَارَضَ رجالها النجامة في بادئ الأمر؛ لأنهم رأوا في الاعتقاد بها ما يخالف الاعتقاد بحكم الله المطلق وقدرته الشاملة، غير أنهم لم يتمسكوا بهذا الرأي مدةً طويلة، فعدلوا عن معارضة النجامة محاوِلِين التوفيق بينها وبين التعاليم المسيحية بشتى التأويلات، وأفسحوا بذلك مجالًا واسعًا لسيطرة النجامة على أذهان الناس طوال القرون الوسطى.

وأمَّا حركة الانبعاث التي أعقبت القرون المذكورة فلم تقضِ على النجامة، بل بعكس ذلك قَوَّتْها كما قوَّت كل ما يتعلَّق بالأزمنة القديمة.

ولهذا السبب لم ينقطع علماء الفلك في أوروبا عن الاشتغال بالنجامة، لا خلال القرون الوسطى فحسب، بل بعد عصر الانبعاث، وخلال عصر الاكتشافات أيضًا.

وقد ظلت بلاطات الملوك في الأقسام المختلفة من القارة الأوروبية تستخدم — بين من تستخدمهم من الموظفين والمرافقين — جماعةً من المنجمين الرسميين، فقد حفظ لنا التاريخ أسماء المنجِّمين الذين كانوا ينظرون إلى الطوالع الفلكية في خدمة الملوك العظام، كما حفظ لنا أسماء الذين قاموا بمهمة التنجيم عند ولادة بعض هؤلاء الملوك. فقد سجل التاريخ — مثلًا — أن «نوستراداموس» كان منجمًا مشهورًا، فنظر في طوالع عدة ملوك، من جملتهم؛ شارل التاسع، وكاترين دومديتسي. ثم إن الملك هنري الرابع استدعى لاريفيار Lariviére للنظر في أحكام النجوم عند ولادة ابنه لويس الثالث عشر، كما أن المنجم «موران» Morin كان حاضرًا في الغرفة المجاورة لغرفة الملكة «آن دوتريش» Anne D’autriche والدة لويس الرابع عشر؛ استعدادًا للنظر في الطوالع الفلكية، دقيقة ولادة المولود العظيم!
ومما يستلفت النظر في هذا الصدد أن العالم الفلكي المشهور «تيخو براهه» Tycho Braha الذي كان أول من خرج على تعاليم بطليموس القديمة في الفلك، وأول من فتح باب النهوض والتجديد في العلم المذكور في عصر الانبعاث. إن تيخو براهه نفسه كان من المنجمين، فقد قام بمهمة التنجيم لعدة ملوك، من جملتهم الإمبراطور رودولف الثاني. كما أن «كبلر» Képler الذي اكتشف القوانين الفلكية الأساسية المعروفة باسمه، والذي مهَّد السبل بذلك إلى اكتشافات «نيوتن» Newton الخطيرة؛ إن كبلر نفسه كان يعتقد بالنجامة ويشتغل بها.
حتى إن النجامة Astrologie صارت من العلوم التي تُدَرَّس في بعض الجامعات، كما أن كراسي تدريس النجامة في بعض الجامعات الإيطالية — مثل جامعة بادووا وجامعة ميلانو — ظلت قائمةً وعامرةً حتى أواخر القرن السادس عشر.

فكان من الطبيعي أن يشترك المؤرخون في هذه الاعتقادات الشائعة، وكان من الطبيعي ألا يكتفي بعضهم بالاشتراك بها فحسب، بل أن يُقْدِمَ على «ربط التاريخ بأحكام النجوم» أيضًا.

ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما جاء في مؤلفات المؤرخ المفكر المشهور «جان بودن» J. Bodin، الذي عاش وكتب في فرنسا في القرن السادس عشر (١٥٣٠–١٥٩٤)، ونحن نرى من المفيد أن نستعرض الآراء التي سردها هذا المؤلف في هذا الصدد بشيء من التفصيل؛ لأنه يُعد من «آباء فلسفة التاريخ»، ويقال عنه: «إنه أول من ألقى نظرةً فلسفيةً إلى التاريخ» من بين الفرنسيين.

لقد اشتهر «بودن» في تاريخ العلوم بكتابين نشرهما في أواسط القرن السادس عشر؛ أحدهما بعنوان «الجمهورية» أو «الدولة» (١٥٦٧)، والثاني بعنوان «منحى التاريخ» (١٥٥٧).

يتساءل بودن في الفصل الثاني من الكتاب الرابع من الجمهورية: «هل من سبيل إلى التنبؤ بمستقبل الدول؟» ويجيب على هذا السؤال بملاحظات شتى تستند كلها إلى أحكام النجامة.

يقول بودن في هذا الفصل: «يظن بعضهم أن الاعتقاد بتأثير حركات النجوم على الأحوال البشرية مما يُقلِّل من عظمة الله، غير أن هذا الظن خطأ محض؛ لأن قدرة الله حينما تعمل أمورًا هامةً على يد مخلوقاتها تتجلَّى بوضوح أعظم مما لو عملتها بنفسها وبلا واسطة.» ويضيف إلى ذلك هذا الحكم البتار: «لا يوجد شخص ذو عقل سليم لا يعترف بتأثير الأجرام السماوية في الحوادث الطبيعية والبشرية.»

كما أنه يقول في مكان آخر من الفصل المذكور: «إن أحوال الدول مثل سائر أحوال البشر، تتبع الحركات السماوية بعد مشيئة الله.»

ثم يأتي بودن بأمثلة عديدة وتفاصيل كثيرة عن تأثير الأجرام السماوية على سير الحوادث التاريخية، إنه يستعرض عددًا كبيرًا من الوقائع التاريخية التي حدثت في أقطار وأعصار مختلفة، ويحاول تفسيرها وتعليلها بحركات النجوم وقراناتها الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، فجميع تلك الحادثات التاريخية — من ثورة إسكندر بك الألباني إلى ولادة الإمبراطور شارلكان، ومن استيلاء صلاح الدين الأيوبي على القدس إلى ثورة الفلامنديين على الإسبان، ومن خراب مدينة هركولانوم إلى استيلاء العثمانيين على جزيرة رودس — كلها ذات علاقة وثيقة في نظر بودن بحركات النجوم وقراناتها!

يعزو بودن خاصيةً عجيبةً إلى شهر أيلول؛ يلاحظ أن عدة حوادث هامة حدثت في شهر أيلول، مثل محاصرة ملك فرنسا شارل التاسع، وحبس ملك السويد هنري. كما أن عدة وقائع حربية حدثت في الشهر نفسه؛ منها انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في القدس، وانتصار السلطان بايزيد العثماني على أعدائه في نيكبولي. ثم إن عدة ملوك ماتوا في شهر أيلول؛ منهم أوغسطس، وليون الرابع، وفريدريك الثالث، وببين القصير. كما أن ولادة بعض الملوك ووفاتهم أيضًا حدثت في شهر أيلول؛ من هؤلاء شارلكان، وسليمان القانوني. فهل من مجال للشك في «أن أسباب كل ذلك تعود إلى أوضاع النجوم خلال الشهر المذكور؟»

وأمَّا ظهور الإسلام فهو أيضًا من الوقائع التاريخية المربوطة بالحركات السماوية على رأي بودن؛ لقد حدث سنة ٦٣٠ بعد الميلاد «قران عظيم» في السماء، «اقترنت السيارات العلوية مع الشمس في برج العقرب»، عندئذٍ «نشر العرب دين محمد، وثاروا (هذا هو التعبير الذي يستعمله بودن) ثاروا ضد أباطرة القسطنطينية، وغيَّروا الدول واللغات والأخلاق والدين في آسيا الشرقية.» لا يشك بودن بأن هذه الحوادث العظيمة ذات علاقة وثيقة بالقِران العظيم السالف الذكر.

وأمَّا آخر القرانات السماوية التي يذكرها بودن، فهو الذي حدث سنة ١٥٦٢؛ إن هذا «القِرَان العظيم» أدَّى إلى حدوث حوادث عجيبة جدًّا في مختلِف أنحاء العالم؛ ملك فرنسا فوجئ بثورة مسلحة، ملك السويد خُلِع من العرش وأُلْقِيَ في السجن، ملكة اسكتلندا سُجِنت وحوكمت، ملك تونس طُرِد من بلاده، مغاربة الأندلس من جهة وأهل الفلامند من جهة أخرى ثاروا على الملك الكاثوليكي، كما أن الإنجليز ثاروا على ملكهم، والفرنسيون قاموا على حكومتهم.» إن بودن يرى علاقةً صريحةً بين جميع هذه الحوادث التاريخية وبين «اقتران السيارات العلوية بالشمس وعطارد» في السنة المذكورة.

ولا يكتفي بودن بالقول — على هذه الصورة — بوجود علاقات قوية بين الحوادث التاريخية وبين حركات الأجرام السماوية فحسب، بل يحاول أن يبرهن على علاقة السماء بطبائع الأمم أيضًا؛ إنه يبحث في الكتاب الخامس من المؤلَّف الذي نحن بصدده عن طبائع الأمم، ويتطرَّق إلى قضية اختلاف الطبائع باختلاف الأقاليم، ولكنه يُرْجِع تأثيرات الأقاليم إلى خواص النجوم، ويُبْدِي حول ذلك نظريةً غريبةً جدًّا.

تنقسم الأرض — في نظر بودن — إلى ثلاث مناطق؛ جنوبية، ووسطى، وشمالية، ومن تتبَّع الكواكب السيَّارة وَجَدَ أن زحل يعود إلى المنطقة الجنوبية، والمشتري يختص بالمنطقة الوسطى، والمريخ يعود إلى المنطقة الشمالية، وأمَّا الشمس فلا تختص بمنطقة من هذه المناطق، بل تنيرها كلها على حد سواء، وأمَّا السيارات التي تأتي بعد ذلك فتختص كل واحدة منها بإحدى هذه المناطق الثلاث؛ الزهرة بالمنطقة الجنوبية، العطارد بالمنطقة الوسطى، والقمر بالمنطقة الشمالية.

ولهذا السبب نجد أن الأمم التي تقطن كل واحدة من المناطق المذكورة آنفًا تتأثر بطبيعة الكواكب السيَّارة التي تختص بتلك المنطقة؛ فإن الأمم الشمالية تصبح ميَّالةً إلى الحرب والقنص بتأثير المريخ والقمر، والأمم الجنوبية تكون مسترسلةً في التأملات، ومستسلمةً للشهوات بتأثير زُحَل والزهرة، وأمَّا الأمم التي تقطن المنطقة الوسطى فتمتاز بالإرادة والسياسة بتأثير العطارد والمشتري.

ولأجل أن نفهم علل هذه الأحكام الغريبة التي يسردها بودن، يجب أن نتذكَّر ما يلي: إن المريخ يسمى باللغات الإفرنجية باسم «مارس» Mars، وهذا اسم إله الحرب في الأساطير اليونانية. كما أن الزهرة تسمى باسم «فينوس» Venus، وهذا اسم آلهة الحب والجمال في عُرْف الأساطير المذكورة. وأمَّا القمر فيرمز إلى «ديانا» Diana، وهي آلهة القنص في تلك الأساطير. كما أن المشتري يُسمى باللغات الإفرنجية باسم «جوبتر» Jupiter، وهو اسم رئيس الآلهة في الأساطير القديمة.

هذه آراء ونظريات قال بها وكتبها «المؤرخ والمفكر جان بودن» في النصف الأخير من القرن السادس عشر.

(٣) التاريخ والسحر

إن الاعتقاد بالسحر والسحرة والقول بتأثير الطلاسم من جملة الأمور الخرافية التي سادت على أذهان الناس عند جميع الأمم في جميع أدوار التاريخ الماضية.

هذا الاعتقاد كان منتشرًا بين أمم القرون الأولى — من المصريين إلى اليونان فالرومان — غير أنه اكتسب خطورةً خاصةً في أوروبا في القرون الوسطى؛ حيث امتزج بالاعتقاد بالشياطين، وأَوْدَى بحياة الكثيرين من الأبرياء والمظلومين.

ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن هذه المعتقدات الخرافية لم تنته بانتهاء القرون الوسطى، بل استمرت بعد ذلك خلال عهد الانبعاث أيضًا، ولم تفقد شيئًا من قوتها إلا بعد أواسط القرن السابع عشر للميلاد.

كان الأوروبيون يعتقدون عندئذٍ بالسحر والسحرة اعتقادًا راسخًا، ويَعْزُون تأثير السحر إلى أعمال الشياطين، كانوا يقولون بوجود الآلاف، بل الملايين من الشياطين، ويزعمون أن هؤلاء الشياطين يسيطرون على بعض الناس، ولا سيما النساء، ويولِّدون شتى الأمراض، ويسببون أنواع الشرور، ويتخذون السحرة آلةً وواسطةً لشرورهم هذه، كانوا يظنون أن جماعات السحرة يعقدون — من حين إلى حين — «اجتماعات خاصةً» مع الشياطين في خبايا الغابات، ويقيمون أنواعًا عديدةً من الطقوس الغريبة خلال هذه الاجتماعات.

ولهذه الأسباب كانوا يتهمون — من وقت إلى آخر — بعض النساء بعمل السحر، وبعضهن بالاستسلام إلى السحرة والاتفاق مع الشياطين، فكانوا يحاكمونهنَّ كما يحاكمون المجرمين والجناة، وإذا ثبتت إدانتهن — لوجود بعض العلامات الخاصة — كانوا يعدمونهنَّ بإحراقهن بالنار؛ لتخليص النار من شرورهن وشرور الشياطين الذين تملَّكوهن!

وكان الملوك والباباوات يشتركون مع الناس في هذه الاعتقادات، ويتخذون شتى التدابير لمكافحة السحرة والساحرات.

إن حوادث «إحراق السحرة» بدأت في «نوفار» سنة ١٣٥٧، غير أنها كثرت بوجه خاص بعد المرسوم الذي أصدره البابا غريغوريوس التاسع سنة ١٣٧٤؛ لقد أمر البابا المشار إليه بمرسومه هذا استعمال الشدة والصرامة في تحرِّي السحرة ومعاقبتهم؛ ولذلك تمَّ إحراق ٥٠٠ ساحرة خلال ثلاثة أشهر في جنيف، كما تمَّ إحراق ٨٠٠ من الأشخاص المتهمين بالسحر خلال المدة المذكورة في مقاطعة صافو وحدها، ويقدِّر المؤرخون عدد الأشخاص الذين أُحْرِقوا بتهمة السحر خلال قرن واحد لا يقل عن ثلاثين ألفًا، وأمَّا عدد الذين حوكموا من جراء تُهَم السحر حتى بداية القرن الثامن عشر فقد بلغ المليون.

يظهر من ذلك أن وقائع إحراق السحرة لم تنقطع بانتهاء القرون الوسطى، بل استمرت بشدة خلال القرن السادس عشر، كما أنها حدثت من حين إلى حين خلال القرن السابع عشر، حتى إن التاريخ يسجِّل عدة قضايا من هذا القبيل، حدثت خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر أيضًا.

ففي سنة ١٧٥٠ حاكَمَ بارلمان بروفانس في فرنسا راهبًا يُدْعَى جيرار بتهمة السحر، والراهب المذكور لم يَنْجُ من الإحراق إلا لانقسام آراء القضاة إلى قسمين متساويين.

ولكن في السنة نفسها اتُّهِمَت الراهبة ماريا بندا بالسحر؛ فجُزَّ رأسها وأُحْرِقَ بدنها؛ تنفيذًا للقرار الذي صدر بشأنها بعد محاكمتها.

هذا وقد حدثت عدة وقائع أدت إلى قتل الأشخاص المتهمين بالسحر بلا محاكمة رسمية بعد التاريخ الآنف الذكر أيضًا؛ يذكرون مثلًا أن صيادي الأسماك في جزيرة هيلا قتلوا امرأةً متهمةً بالسحر بإلقائها في لجة البحر؛ لمعرفة ما إذا كانت بريئةً أم مجرمة، وذلك سنة ١٨٣٦.

ومما يستلفت النظر بوجه خاص أن عدة مؤلفين أقدموا على تأليف الكتب المفصلة في السحرة والشياطين.

إن أهم وأشهر هذه المؤلفات هو الكتاب الذي نشره «اسبرنجر» Sprenger سنة ١٤٨٩، يتألَّف الكتاب من ثلاثة أقسام، والقسم الثالث منه يتضمن «أصول التحقيق والمحاكمة» في قضايا السحر. لقد اكتسب هذا الكتاب شهرةً كبيرة، وأصبح دستورًا لعمل الحكام مدةً طويلةً في مختلِف الأقطار الأوروبية.
ومن المؤلفات الغريبة التي صدرت في هذا الشأن، الكتاب الذي طبعه «جان فيير» Jean Vier سنة ١٥٦٨ في مدينة بازل في سويسرا، لقد أحصى المؤلف في كتابه هذا عدد الشياطين، وشرح أنواعهم، وذكر أسماء بعضهم، وفصَّل أعمالهم. يظهر مما جاء في هذا الكتاب أن عدد الشياطين — على زعم المؤلف — يبلغ ٧٤٠٥٩٢٦، منهم ١٧٢ من صنف الأمراء، والبقية من الرعايا، ينقسم هؤلاء إلى ١١١١ فرقة، وتتألَّف كل فرقة منها من ٦٦٦٦ شيطانًا!

•••

إن الاعتقاد بالسحر سيطر على أذهان الكثيرين من العلماء الذين نبغوا في القرون الوسطى، بل في عهد الانبعاث أيضًا.

وقد كان بينهم الرياضيون والفلاسفة والأطباء والمؤرخون.

إننا لا نرى لزومًا لاستعراض أسماء هؤلاء، ولكننا نرى من الضروري أن نذكر من بينهم المؤرخ المفكر جان بودن بوجه خاص، إن هذا المؤرخ المتفلسف — الذي سبق أن أشرنا إلى آرائه في النجامة — كان من المعتقدين بالسحرة والشياطين، ومن القائلين بوجوب تعقُّب السحرة وإحراقهم.

فقد ذكر جان بودن في كتابه المشهور «الجمهورية» أن الموسيقى تطرد الشياطين، كما ألَّف ونشر عدة كتب للبرهنة على صحة وقائع السحر، ولتبرير محاكمات السحرة المعتادة في عصره، وذلك في النصف الأخير من القرن السادس عشر للميلاد.

(٤) التاريخ ومشيئة الله

إن معظم المؤرخين في القرون الأولى والوسطى أدخلوا «يد الله» في الوقائع التاريخية كعامل ومؤثر مباشر، والتجئوا «إلى قدرته ومشيئته وعنايته» في تفسير التاريخ، من غير أن يبحثوا عن العلل والأسباب الطبيعية أبدًا.

هذا أبو التاريخ هرودوت يذكر أعمال الآلهة بين الوقائع التاريخية، ويشرح بتفصيل كيف أنهم ينصرون فئةً على فئة، وكيف أنهم يتخاصمون فيما بينهم أيضًا في بعض الأحوال.

حينما يبدأ هرودوت قصة قره زوس، يقول: «لا شك في أن النكبات التي حلَّت بهذا الملك كانت نقمةً من الآلهة؛ لأنه كان قد اغترَّ غرورًا شديدًا، وأخذ يرى نفسه أسعد خلق الله على الإطلاق.»

وحينما يشرح الحروب التي حدثت بين اليونان وبين الفرس يُرْجِع معظم الوقائع إلى مداخلة الآلهة، ويزعم بأنها نصرت اليونان على أعدائها في كل صفحة من صفحات الحرب التي دارت رحاها بين الشعبين، فمثلًا حينما يذكر العاصفة الهائلة التي فاجأت الأسطول الفارسي وأتلفت قسمًا كبيرًا من سفنه، لا يتردَّد في القول بأن كل ذلك حدث بمساعدة الآلهة؛ لكيلا يبقى الأسطول الفارسي متفوقًا على الأسطول اليوناني تفوقًا عظيمًا.

إن هرودوت لم يكن منفردًا في هذه النزعة الفكرية بين المؤرخين القدماء، بل إن المؤرخ المشهور «فلوروس» Florus أيضًا كان يعزو كثيرًا من الوقائع التاريخية إلى أعمال الآلهة ومداخلاتها، فهو حينما يذكر — مثلًا — تفاصيل الحروب التي نشبت بين روما وبين «حنيبعل» Annibal لا يشك في مساعدة الآلهة للرومان، فيقول: «بعد موقعة كان، لو مشى حنيبعل على روما مباشرة؛ لأزالها من عالم الوجود حتمًا، ولكن الآلهة — التي كانت تعادي القرطاجيين دائمًا — حَمَلَتْه على التباعد عن عاصمة الرومان، وكذلك بعد موقعة «كابووا» أيضًا، حينما بدأ حنيبعل زحفه على روما، أوقفته الآلهة عن السير في هذا الاتجاه للمرة الثانية؛ فإن الأمطار سقطت بغزارة عجيبة، والرياح عصفت بشدة غريبة، فلم يتمكَّن حنيبعل من الاستمرار في الزحف، ولا شك في أن هذه العاصفة كانت قد حدثت بمشيئة الآلهة التي قصدت صد العدو المهاجِم عن المدينة، حتى إنه كان يخيَّل للمرء أن هذه العاصفة لم تأتِ من السماء، بل تدفَّقت من أسوار روما وأجواء الكابيتول. وعلى كل حال، فقد اضطُر حنيبعل إلى التباعد عن روما من جراء معاكسة هذه العواصف الخارقة للعادة.»

إن المؤرخ المذكور يقول كذلك في صدد البحث عن استيلاء الغاليين على روما: «أعتقد بأن النكبات التي حلَّت بروما عندئذ، كأن الآلهة قد أرسلتها بقصد امتحان الرومان؛ لمعرفة ما إذا كانوا يستحقون سلطنة العالم أم لا يستحقونها.»

إن نزعة الالتجاء إلى مشيئة الله في تعليل الوقائع التاريخية سادت على أقلام مفكري المسيحية ومؤرخيها أيضًا في القرون الوسطى وفي عصر الانبعاث.

إن «القِدِّيس أوغسطين» Saint Augustin الذي عاش في القرن الرابع للميلاد، انتقد مؤرخي الوثنية بأسلوب لاذع متهكم من جراء نزعتهم هذه، ومع هذا لم يتمكن من تخليص نفسه من النزعة المذكورة؛ فقد كتب هو بدوره في كتابه «مدينة الله» ما يلي: «إن الله أعطى السلطنة إلى الرومان عندما شاء، وبالعظمة التي شاء أن تكون عليها، وهو الذي أعطى السلطنة قبل ذلك إلى الآثوريين، وكذلك إلى الفرس.»
وأمَّا «بوسوئه» Bossuet الذي نَشَرَ خطبه المشهورة في التاريخ العام سنة ١٦٨٠، فقد استسلم إلى هذه النزعة استسلامًا، ووجَّه جميع جهوده إلى إظهار «عمل الله» في التاريخ، فقد قال فيما قاله: «إن الله يمسك بيده من فوق السماوات زمام جميع الممالك وجميع القلوب، فهو يشد عليها تارة، ويُرْخِي العنان لها طورًا، وبهذه الصورة، يسوق ويسيِّر الجنس البشري بأجمعه.»

وقد عزا بوسوئه إلى معظم الأقوام القديمة رسالات خاصة لتنفيذ مشيئة الله في شعبه المختار، إن شعب الله المختار حسب خطب بوسوئه، هم بنو إسرائيل، إن الله استخدم البابليين والآثوريين لتأديب هذا الشعب، كما استخدم الفُرْس لبعثه وإعادة كيانه، واستخدم إسكندر الكبير وخلفاءه لحمايته، وخصَّ الرومان بمهمة الدفاع عن حريته.

إن النزعة التي نحن بصددها تتجلَّى بوضوح من خلال بعض المؤلفات التي نُشِرَت في القرن الثامن عشر أيضًا، لعل أهم النماذج لذلك هو «العلم الجديد» الذي نُشِر بقلم «جان باتيستا فيكو» في أواسط القرن المذكور، لقد قال فيكو في كتابه هذا:

«إن العلم الجديد لاهوت اجتماعي، يبرهن على القدرة الصمدانية بالوقائع التاريخية.»

وقال أيضًا: «إن العقل يأخذ نور الحقيقة الأزلية من الله، فكل علم إنما يأتي من الله، ويرجع إلى الله، وهو من الله.»

هذا مع العلم بأن فيكو كثيرًا ما يُلقَّب بلقب «مؤسس فلسفة التاريخ».

إن نزعة الرجوع إلى الله في تعليل التاريخ تجلَّت حتى في بعض المؤلفات التي نُشِرت في أوائل القرن التاسع عشر أيضًا.

فقد نشأ في فرنسا — بعد الثورة الكبرى — مذهب جديد في فلسفة التاريخ عُرِف باسم المذهب التيوقراطي L’école théoeratique.
إن رجال هذا المذهب — وأشهرهم دوبونالد De Bonald ودومستر De Maistre — كانوا من دعاة «الحكم الديني»، فاعترضوا بشدة على جميع الفلسفات التي تعتمد على العقل والحواس، وقالوا إن الإنسان لا يمكن أن يعرف الحقيقة إلا عن طريق الوحي والإيمان، فحاولوا أن يستخرجوا فلسفة التاريخ من الكتب المنزَّلة. وزعموا أن النكبات التي تحل بالبشرية ما هي إلا عقوبات من الله على الزلَّة الأولى، كما ذهبوا إلى أن الله جعل «الدماء والحروب» شرطًا من شروط الغفران.

وذلك في أوائل القرن التاسع عشر للميلاد!

(٥) موقف ابن خلدون من هذه الأمور

بعد هذه الجولة السريعة التي قمنا بها بين التواريخ والمؤرخين، وهذه النظرة العامة التي ألقيناها على دور الكهانة والنجامة والسحر في التاريخ، نستطيع أن نعود إلى المسألة التي سردناها في مستهلِّ هذه الأبحاث، فنتساءل مرةً أخرى: هل يحق لنا أن نعتبر الآراء والأبحاث التي وردت في مقدمة ابن خلدون حول هذه الأمور منافيةً لمنزلته العلمية، وهادمةً لمكانته الفكرية؟

لا شك في أن الجواب المنطقي الذي يجب أن يُعْطَى على هذا السؤال — بعد الاطلاع على التفاصيل والأمثلة التي ذكرناها آنفًا — سيكون «كلا» بوجه بات.

فإن أخبار الكهانات والخرافات التي ملأت تاريخ هرودوت لم تَحُلْ دون اعتبار هذا المؤرخ من أعاظم البشرية، ولم تمنع تلقيبه بلقب «أبو التاريخ»، فكيف يجوز لأحد أن ينكر على ابن خلدون «منزلته العلمية» من جراء تطرُّقه إلى مسائل الكهانة، على الرغم من عمق الآراء التي أَبْدَاها في سائر أقسام المقدمة؟

إن أبحاث «النجامة» التي شغلت حيزًا خطيرًا في «جمهورية بودن»، لم تمنع الأوروبيين من اعتبار هذا الرجل من أكابر المفكرين، ومن إدخاله في عِدَاد «مؤسسي فلسفة التاريخ»، فكيف يجوز لأحد أن يتردَّد في التسليم بعبقرية ابن خلدون الفكرية، بحجة اعتقاده بالنجامة، على الرغم من النزعة العلمية التي أظهرها في مختلِف أبحاث المقدمة؟

إن يد الله أو الآلهة التي كثيرًا ما تُذْكَر في مؤلفات هرودوت وبوسوئه وفيكو وأمثالهم الكثيرين، لم تُعْتَبر «حاطَّةً» من منزلتهم الفكرية، فكيف يجوز لأحد أن ينكر على ابن خلدون مكانته العلمية، لمجرد رجوعه إلى علم الله وقدرة الله في نهاية كل بحث من أبحاثه المختلفة، على الرغم من توسُّعه في درس الحوادث الاجتماعية، وتعمقه في إظهار عواملها الطبيعية؟!

ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد بوجه خاص أن ابن خلدون لم يمزج وقائع التاريخ بأخبار الكهانة كما فعل «أبو التاريخ»، ولم يحاول تفسير التاريخ بتأثيرات النجوم كما فعل جان بودن، كما أنه لم يكتفِ بردِّ عوامل التاريخ إلى مشيئة الله كما فعل بوسوئه، ولا حاول اتخاذ التاريخ وسيلةً لإثبات قدرة الله كما فعل «فيكو». مع أنه كتب ما كتبه في هذا الصدد قبل جان بودن بمدة تناهز القرنين، وقبل بوسوئه بمدة تزيد على ثلاثة قرون، وقبل فيكو بمدة تقرب من ثلاثة قرون ونصف قرن، ومع أن هذه القرون التي أعقبت حياة ابن خلدون، كانت من أهم أدوار الانقلاب وأسرع عهود التقدُّم في التاريخ البشري.

لا شك في أنه يحق لنا أن ننتقد ابن خلدون على ذكره الشيطان والشياطين في عدة محلات من مقدمته، وعلى بحثه عن السحر بشيء من التفصيل في بعض الفصول من هذه المقدمة، غير أنه يترتب علينا ألا ننسى أبدًا أن ابن خلدون كتب ذلك في عهد كان رجال الحكم والدين في أوروبا يُقْدِمون على إحراق المئات بل الآلاف من المرضى والسحرة؛ بقصد التخلص من شرور الشياطين المستولين على أبدان هؤلاء المرضى، والمسيطرين على أرواح هؤلاء السحرة، كما يجب علينا أن نتذكَّر دائمًا بأن عددًا غير قليل من العلماء والمفكرين الأوروبيين ظلوا يعتقدون بالسحر ويحبِّذون إحراق السحرة، ولا يحجمون عن نشر المؤلفات في هذه المواضيع، حتى بعد مُضِي مدة تناهز القرنين على وفاة ابن خلدون!

ويجوز لنا أيضًا ألا نستحسن الخطة التي سار عليها ابن خلدون في الإشادة بعلم الله وقدرة الله في آخر كل فصل من فصول المقدمة، غير أنه يترتَّب علينا ألا ننسى أبدًا بأن عددًا غير قليل من المفكرين في أوروبا عملوا مثل ذلك، بل عملوا أكثر من ذلك، حتى بعد كتابة مقدمة ابن خلدون بعدة قرون. كما يجب علينا أن نلاحظ في الوقت نفسه أن ابن خلدون لم يفعل ذلك تهرُّبًا من التفكير في العلل والأسباب بطرق علمية، أو تخلُّصًا من مشاقِّ البحث عن الدلائل العقلية؛ بل إنه سار في معظم أبحاثه سيرًا عقلانيًّا Rationaliste تمامًا، ولم يلتجئ إلى ذكر علم الله وقدرة الله ومشيئة الله إلا بعد إتمام استدلالاته واستقراءاته بالطرق العقلية والمنطقية بوجه عام.

فنستطيع أن نقول بلا تردُّد: إن طرائق البحث التي اختارها وسلكها ابن خلدون في هذا المضمار أكثر قربًا وأشد شبهًا بالخطط العلمية الحالية، من الطرائق التي اتبعها بعض المشاهير الأوروبيين الذين جاءوا بعده، مثل؛ بودن، وبوسوئه، وفيكو.

إن أسماء هؤلاء الغربيين تبدو لنا — من خلال الشذرات والمقتطفات التي نعتمد عليها ونكتفي بها عادةً — متحليةً بهالة زاهية من الجمال والكمال، عاريةً عن المآخذ والشوائب، غير أننا إذا ما خرجنا عن نطاق تلك الشذرات المحدودة ورجعنا إلى المصادر الأصلية لدرس كتابات هؤلاء دراسةً تفصيلية؛ لا نلبث أن نلمح النواقص والشوائب التي تستتر وراء تلك الألوان الزاهية.

ولهذه الأسباب نجد أن مكانة ابن خلدون في عالم العلم والفكر تتعالى وتتعاظم كلما توسَّعنا في درس كتابات أمثاله، علاوةً على تعمُّقنا في درس آرائه المسطورة في مقدمته الثمينة.

مراجع هذه الجولة

  • Paul Mongeolie—Les problémes de l’histoire. 1886.
  • Cérin-Ricard—Histoire de l’occultisme. 1939.
  • J. Bodin—les six livres de la République. 1579.
  • J. B. Vico—Principes de la philosophie de l’histoire, traduits de la Sceinza nuova par Michelet 1827.
  • R. Flint—la philosophie de l’histoire en France: Traduit par Carrau 1878.
  • Hérodote—Histiores—Clio. Collection Budé.
  • La Grande Encyclopédie Articles: Divination, Astrologie, Occultisme, sorcellerie.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤