الفصل الأول

دولة المماليك الأولى

من سنة ٦٤٨–٧٨٤هـ أو من ١٢٥٠–١٣٨٢م

(١) منشأ المماليك ومبدأُ أَمرهم فى السلطنة

منشأ المماليك فى قفجاق من شمالي آسيا وكانت من المستعمرات الإسلامية، فكانوا يجعلون عليها ولاة من أمراء السلاف الذين كانوا من حكام روسيا، فلما غزا المغوليون تلك الأصقاع تحت قيادة باتوخان حفيد جنكيز خان أخرجوا منها سكان الولايات القسبينية والقوقاسية فتشتتت قبائلهم وتفرقوا فى القارة؛ فالخوارزميون نزلوا أعالي سوريا وما بين النهرين وحطوا رحالهم هناك، أما ما بقي من تلك القبائل التائهة فلم يجدوا لهم مقرًّا يقيمون فيه فجعلوا يطوفون البلاد بأولادهم ونسائهم لا يستقرُّون على حال. وكانت تجارة الرقيق في إبانها فاغتنم تجارها فرصة ثمينة وجعلوا ينتقون من أبناء أولئك المساكين أجملهم صورة وأقواهم بنيةً وأنورهم عقلًا ويبيعونهم بيع السلع، أما الضعفاء وقبيحو الصورة فكانوا يذبحونهم، فأكثرَ أمراءُ سوريا وملوكها من اقتناء أولئك الأرقَّاء البيض ودعوهم بالمماليك. فالملك الصالح كان قد ابتاع منهم نحو الألف حتى جعل منهم أمراءَ دولتهِ وخاصة بطانتهِ والمحيطين بدهليزه ودعاهم بالحلقة إشارة إلى أنهُ لا يبرح محاطًا بهم كيفما توجه، وكانت مماليك الملك الصالح صفوفًا يميَّز كلٌّ منها بعلامات خصوصية يجعلونها على ثيابهم أو أسلحتهم؛ فكانت علامة بعضهم الورد وعلامة البعض أشكال الطيور وكانوا يتمنطقون بمناطق جميلة مختلفة الألوان، فتألف منهم جيش مخصوص تسبب عنهُ قلاقل في سائر المملكة المصرية. وقد كانوا بالواقع ميَّالين إلى الاستقلال بالحكم لا يمكنهم الرضوخ لسلطان من السلاطين باختيارهم لأنهم كانوا كثيري العَدد والعِدد، وكانت أهمُّ مصالحِ الدولة في أيديهم وأمنع حصون البلاد في قبضتهم قد اتخذوها مستقرًّا لهم، حتى إذا ضاقت ذرعًا عن الإحاطة بهم ابتنوا بأمر الملك الصالح قصورًا عظيمة متقنة البناء منيعة الجانب في جزيرة الروضة قرب المقياس، وقد زادها مركزها الطبيعي مناعةً وجمالًا لأن النيل يتفرع هناك إلى فرعين، وكان يدعى عند نقطة تفرعهِ بالبحر لعظم اتساعهِ فسمّي هؤلاء المماليك بالمماليك البحرية، ومنها اسم دولتهم تمييزًا لها من دولة أخرى ستأتي بعدها وتدعى بدولة المماليك الشراكسة.

وكانت سطوة المماليك البحرية تنتشر يومًا فيومًا إلى أنهم طمعوا بخلع السلطان وتولّي الملك مكانهُ. فلما تولى الملك المعظم وكان على ما كان عليهِ من الاستبداد أنفت نفوسهم من أعمالهِ فسعوا بما سعوا إلى أن قتلوهُ على ما تقدم. وكان الملك لويس التاسع والذين معهُ لا يزالون أسرى في البرج الخشبي الذي التجأَ إليه الملك المعظم قبل قتلهِ. ولما لعبت النار بالبرج فرَّ الملك لويس ومن معهُ ومروا بين المصريين وهم يقتلون ملكهم، ثم نزلوا على مراكب كانت في انتظارهم وأقلعوا بعد أن شاهدوا مقتل الملك المعظم، ثم جاءَهم رجل من المصريين يدعى الفارس أقطاي حاملًا قلب الملك المعظم وأعطاهُ للملك لويس وطلب إليه أن يكافئهُ على قتل عدوّه. وقال بعض المؤرخين ولا أراهُ في مكان الثقة إن الأمراء المصريين بعد قتلهم ملكهم طلبوا إلى لويس المذكور أن يتولَّى زمام الأحكام مكانهُ فرفض.

(٢) سلطنة شجرة الدرّ (سنة ٦٤٨هـ أو ١٢٥٠م)

فلما قتل الملك المعظم اختلفت الأحزاب على من يبايعون بعدهُ وكانت كل فئة منهم تحاول استبقاء الحكم في يدها، وعلا الخصام حتى كاد يفضي إلى الحرب، فتداركت الأمر شجرة الدرّ أم الملك المعظم (وعلى قول بعضهم مربيتهُ) بعد أن رأَت ما حلَّ بابنها تاركة الحنو الوالدي جانبًا وتبصرت في أمر من يجب ان يخلفهُ، فرأَت حزب المماليك أعزَّ جانبًا من الجميع. ونظرًا لكونها من أبناءِ جلدتهم وافقتهم على رأيهم وكانت قبل ذلك قد تمكنت بطريقة غريبة لم يسبق لها مثيل في الإسلام أن تستلم زمام الأحكام بإقرار الجميع. وكيفية ذلك أنها تواطأت مع أيبك عز الدين وكان من أعظم الأمراء المماليك وأقواهم نفوذًا، وكان بينهما علاقات ودية منذ أيام الملك الصالح، ويقال إنهُ من قتلة الملك المعظم فتمكنت بذلك التواطئ من مبايعة جميع الأعيان لها، ولُقبت بعصمة الدين أم خليل في ١٠ صفر، وكانت توقع بما مثالهُ «والدة خليل» ونقشت اسمها على النقود بما هو «المستعصمة الصالحية ملكة المسلمين والدة المنصور خليل خليفة أمير المؤمنين» وعيَّنت عز الدين أتابكًا عندها. ثم أخذت في التقرب من أرباب الدولة ووجهاء البلاد فجعلت تخلع عليهم الخلع الثمينة وتمنحهم المناصب والرتب وتخفض الضرائب، إلَّا أن جميع هذه المساعي لم تأتها بفائدة لأن الناس لم يرتاحوا إلى طاعتها، فأنفذ السوريون إلى الخليفة العباسي في بغداد يستفتونهُ في أمر هذه الملكة فكتب إليهم ما مفادهُ: «إذا لم يكن بينكم من يصلح للسلطنة أقدمُ إليكم فأقيم عليكم من يحكم فيكم، أما قرأتم ما قالهُ النبي () عليهنَّ.» فاستمسك مماليك مصر بهذه الفتوى وثار رفقاؤهم في دمشق وخلعوا طاعة شجرة الدر وبايعوا سلطان حلب الملك الناصر يوسف الأيوبي في ٨ ربيع أول، وقتلوا كل من كان في دمشق من المماليك على دعوة شجرة الدر، ومثل ذلك فعل أهل بعلبك وشميمس وعجلون، فنشأَ بسبب ذلك خصام بين مماليك سوريا ومماليك مصر آل إلى مواقع حربية، فتمكن عز الدين أيبك في هذه الانقسامات من الاستقلال عن صديقتهِ وألجأ الأمراءُ شجرة الدر إلى الاستقالة فاستقالت.

(٣) سلطنة أيبك الجاشنكير (سنة ٦٤٨هـ أو ١٢٥٠م)

وفي سنة ٦٤٨هـ بويع عز الدين أيبك على مصر ولُقب بالملك المعزّ الجاشنكير التركماني الصالحي وتزوج بشجرة الدر فانضم حزبها إلى حزبهِ. وبعد قليل انقسم المماليك إلى قسمين عظيمين عُرفا بالمعزيين نسبة إلى الملك المعز أيبك والصالحيين نسبة إلى الملك الصالح نجم الدين وتنازعا النفوذ ففاز الصالحيون.

(٤) سلطنة الملك الأشرف بن يوسف (من سنة ٦٤٨–٦٥٥هـ أو من ١٢٥٠–١٢٥٧م)

فأجبروا أيبك أن يقبل بمبايعة شاب من العائلة الأيوبية لم يبلغ الثامنة من العمر وكان في اليمن واسمهُ موسى مظفر الدين بن يوسف اتسز ملك اليمن فبايعهُ في ٥ جمادى الأولى وبايعهُ الناس ولقبوهُ بالملك الأشرف وتعين عز الدين أتابكًا لهُ، غير أن أزمة الأحكام ما برحت في يدهِ ولم يكن الأشرف إلَّا اسمًا بلا رسم ومن الغريب تألُّف هذه السلطة المزدوجة من أحد سلالة العائلة الأيوبية وأحد مماليكها والأغرب من ذلك أن يُخطب لهما معًا.

وفي خلال ذلك نهض سلطان دمشق الجديد ناصر الدين يوسف الأيوبي للأخذ بثأر الملك المعظم فدعا إليهِ أقرباءَهُ أمراء العائلة الأيوبية للتعاضد على ذلك وتأكيدًا لنجاح مسعاه استمد لويس التاسع ملك فرنسا، وكان إذ ذاك في عكا على أن يعيد لهُ مقابلةً لذلك بيت المقدس، فأرسل ملك فرنسا إلى ناصر الدين راهبًا لعقد المعاهدة وأنفذ إلى المماليك في مصر مندوبًا يطلب إليهم التعويض على نكث المعاهدة التي عقدوها مع الصليبيين، وكان من صالحهم الاتفاق مع الصليبيين على سلطان دمشق، فأجابوا مطاليبهُ وأطلقوا عددًا كبيرًا من الأسرى المسيحيين بعثوا بهم إلى عكا وأرفقوهم بمندوبين لتجديد المعاهدة، فاقترح لويس التاسع أن يضاف إليها البنود الثلاثة الآتي ذكرها وهي:
  • أولاً: إرجاع رءوس الصليبيين التي كانت مغروسة على متاريس القاهرة.
  • ثانيًا: إرجاع جميع الأولاد الذين كانوا قد أُجبروا على الإسلام.
  • ثالثًا: التنازل عن المائتي ألف دينار التي تعهد الصليبيون بدفعها بمقتضى معاهدة المنصورة.

فرضي المماليك بجميع ذلك وأهدوهُ فوقها فيلًا جميلًا وكان هذا أول فيل أُرسل إلى فرنسا، وتبرعوا أن يعيدوا إليه بيت المقدس إذا تغلبوا على سلطان دمشق. فاتصل أمر تلك المخابرات بسلطان دمشق، فأنفذ فرقةً من عشرين ألف مقاتل تحول دون اتحاد الجيشين، فعثروا بالمصريين في غزة فناهضوهم حتى أرجعوهم إلى الصالحية فأنجدهم الفارس أقطاي فأعادوا السوريين على أعقابهم إلى سوريا، ثم تشدد السوريون وعادوا بمدد كبير تحت قيادة شمس الدين لولو حاكم مملكة دمشق ومعهم سلطان دمشق نفسه، فالتقوا بالمماليك تحت قيادة أيبك والفارس أقطاي يوم الخميس ١٠ ذي القعدة سنة ٦٤٩هـ في العباسة وتقاتلا، فانكسر المصريون أولا فتعقبهم السوريون فجعل أيبك والفارس أقطاي انهزامهما نحو سوريا ومعهما جماعة من الفرسان، فالتقيا بشمس الدين لولو في شرذمة من رجالهِ فقتلاهُ وشتَّتا رجالهُ فاشتدَّ أزرهما، فعادا لمهاجمة سلطان دمشق وكان في معسكره مع شرذمة قليلة من الجند. أما باقي الجيش فكانوا يتعقبون الجيوش المصرية المنهزمة فاضطر السلطان إلى الفرار بنفسهِ فتبعاه فلم يدركاه، فعادا إلى مصر فرأيا الجيوش السورية قد دخلت القاهرة وخاف أهاليها ظنًّا منهم أن النصر لناصر الدين فبايعوهُ وخطبوا لهُ. إلَّا أن الأئمة لم يوافقوا على تلك المبايعة شخصيًّا على أنهم لم ينجوا من انتقام أيبك. فلما علم المصريون أن النصر لهم فرحوا جدا وأبطلوا مبايعة ناصر الدين، أما هذا لما رأى أمر انكساره على ما تقدم لم يعد يمكنه إعادة الحرب ثانية، فصالح المصريين على أن يتخلى لهم عن مصر وغزة وأورشليم وقد ربح من الجهة الثانية ما كان يرومه من فساد المعاهدة بين المصريين والصليبيين فاتفق مع المماليك على محاربة الصليبيين.

ثم اتفق المماليك البحرية على تخريب مدينة دمياط خوفًا من مسير الإفرنج إليها مرة أخرى، فسيروا إليها الحجارين والفعلة فوقع الهدم في أسوارها يوم الاثنين ١٨ شعبان سنة ٦٤٨هـ ومحيت آثارها، ولم يبقَ منها سوى الجامع ويعرف بجامع الفتح وأخصاص ابتناها بعض الفقراء للسكن في قبليها ودعوا ذلك المكان المنشية، أما دمياط الباقية إلى هذا العهد فابتنيت على أنقاض تلك فبلغت جمالًا فائقًا، وقد ساعدها على ذلك حسن مركزها الطبيعي وأهميته للتجارة، وقد بالغ المقريزي في وصفها لأنها كانت في أيامه (في القرن التاسع للهجرة) أزهى وأعمر مما هي الآن فنظم في مدحها قصيدة ٢٣ بيتًا اقتطفت منها هذه الأبيات:

سقى عهد دمياط وحيَّاهُ من عهدِ
فقد زادني ذكراهُ وجدًا على وجد
وبشنينها الريَّان يحكي متيمًا
تبدَّل من وصل الأحبَّة بالصدِّ
فقام على رجليهِ في الدمع غارقًا
يراعي نجوم الليل من وحشة الفقد
وظل على الأقدام تحسب أنه
لطول انتظارٍ من حبيبٍ على وعدِ
كان التقاء النيل بالبحر إذ غدا
مليكان سارا في الجحافل من جند
وقد نزلا للحرب واحتدم اللقا
ولا طعن إلَّا بالمثقفة الملد

وعظم الفارس أقطاي في عيون المصريين لما أظهره من البسالة والإقدام في الحروب الأخيرة، فلقبه أحزابه بالملك وتزوج أخت المنصور سلطان حماه، وأسكنها في القلعة لاتصال حبل قرباها بالعائلة الملوكية، فأوجس أيبك شرَّا من انتشار نفوذ الفارس المذكور حتى خشي مناظرته في الملك فأخذ يسعى للتخلص منه، وكان الفارس زعيمًا لحزب من المماليك الصالحيين وكانوا يطلبون له المشاركة في الملك مع الملك الأشرف، وما زالوا حتى نالوا مطلوبهم فرقَى كثيرين منهم وفي جملتهم سيف الدين قطز الذي صار بعد ذلك ملكًا، أما الفارس أقطاي فقتله أيبك وهو داخل بسراي القلعة، ثم خشي الوقوع في شر أعماله فأمر بقفل أبواب القلعة وأبواب المدينة ولبث يتوقع الحوادث، فلم تمض برهة حتى جاء الأمراء الصالحيون يرأسهم بيبرس وتجمهروا على أبواب القلعة وطلبوا الفارس أقطاي ظنًّا منهم أنه كان مأسورا فرمي إليهم برأسه من على السور، فلما علموا بقتله ارتاعت قلوبهم فعمدوا إلى الفرار قاصدين باب القراطين ففتحوه وساروا قاصدين سوريا وبقي منهم شرذمة قبض عليهم وأودعوا السجن.

فلما تخلص الملك المعز أيبك من طائفة الصالحيين قبض على الملك الأشرف وألقاه في سجن مظلم فمات فيه تعيسًا بعد أن حكم سنة وشهرًا.

fig1
شكل ١-١: نقود الملك الأشرف.

وترى في الشكل الأول صورة النقود التي ضربت على عهد الملك الأشرف بن يوسف وعليها اسمه واسم الإمام المستعصم بالله العباسي. والأشرف آخر من ملك في مصر من الأيوبيين. وحكم بعض أفراد هذه العائلة في دمشق وحلب وحمص وميافركين، إلا أن هؤلاء لم تمض عليهم عشر سنين حتى انقرضوا ولم يبق منهم إلا فرع واحد في حماه بقي حاكمًا فيها قرنًا بعد انقراض جميع الدولة، وكانت سلطته ضعيفة لانحصارها في تلك الإمارة الصغيرة، وقد جاء من نسله أبو الفدا المؤرخ المشهور سنة ٧١٨هـ. وقد نسي كثيرون منا ذكر الدولة الأيوبية وفتوحاتها العظيمة ولكنا لم ننس أبا الفدا لأنه ترك لنا ذكرا لا يمحى بتأليفه المشهور.

واستوزر أيبك شخصا من نظار الدواوين يدعى شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزي أحد كتاب الأقباط وكان قد اظهر الإسلام من أيام الملك الكامل وترقى في خدمة الكتابة وكان طبيبا للسلطان الأيوبي الخامس مشهورًا بالطب والسياسة، فلما صار وزيرًا قرر على التجار وذوي اليسار وأرباب العقاقير أموالًا ورتب مكوسًا وضمانات سموها حقوقًا ومعاملات وهو أول قبطي ولي الوزارة.

ولما استتب المقام لأيبك وتخلص من المماليك الصالحيين وغيرهم ممن كانوا ينازعونه الملك حسب الجو قد خلا له، وما درى أن شجرة الدر لا تزال واقفة له بالمرصاد بعد أن صارت له زوجة، فكانت تحول دون كثير من مقاصده ولم يكن يجسر على مقاومتها مع علمه باستقالتها من مهام الملك، على أنه لم يستطع احتمال هذا التقيد والسلطان في يده فجعل يبحث عن طريقة تنقذه من هذه القيود مع علمه أن مكايد النساء أشد وطأة من ملاقاة أبطال الرجال. فادعى أنها عقيمة لا يرجو منها نسلًا فاقتنى عليها سراري أخريات فولدت له إحداهن ولدًا دعاه نور الدين علي، ثم بلغها أنه ساع إلى التزوج بابنة بدر الدين لولو ملك الموصل وكان قد أمسك عن زيارتها، فاشتعلت حسدًا لعلمها أن هذه الزوجة الأخيرة من بنات الملوك فخافت أن تحل محلها من العظمة فأقرت على الكيد به.

فبينما كان مارًّا في ٢٣ ربيع أول سنة ٦٥٥هـ في الدهليز السري إلى دار الحريم وثب عليه خمسة خصيان بيض كانوا قد كمنوا له هناك وخنقوه بعمامته، وكان ذلك بدسيسة شجرة الدر، فأشاعت أنه مات مصروعا وكان أيبك ظلومًا غشومًا سفاكًا للدماء.

ولم تجسر شجرة الدر تعاطي الأحكام بنفسها خوفًا من الإيقاع بها فجاءت بخاتم الملك إلى أميرين من كبار الأمراء وهما جمال الدين عضوغدي وعز الدين الحلبي وطلبت إليهما أمام جثة زوجها أن يستلما زمام الأحكام فأبيا. وكان قتل أيبك في داخل السراي ليلًا ولم يشع الخبر في القاهرة حتى الصباح التالي. فلما علم أصحابه من المماليك بما حل به أضمروا على الانتقام وكان سن ابنه نور الدين علي ١٥ سنة فبايعوه ولقبوه بالملك المنصور.

وكانت مدة أيبك في الأحكام عشر سنوات وإحدى عشر شهرًا شاد في خلالها بنايات عظيمة وفي جملتها مدرسة دعاها المدرسة المعزية نسبة إليه بناها على ضفة النيل في مصر القديمة وربط لها دخلًا مخصوصًا للنفقة عليها. وهو أول من أقام من ملوك الترك بقلعة الجبل.

(٥) سلطنة نور الدين علي بن أيبك (من سنة ٦٥٥–٦٥٧هـ أو من ١٢٥٧–١٢٥٩م)

فالملك المنصور حالما بويع قبض على قاتلة أبيه وعهد بها إلى نساء بيته فأماتوها ضربًا بالقباقيب على رأسها وطرحوا جثتها في خندق القلعة فأكلت الكلاب نصفها ودفن النصف الباقي قرب مدفن السيدة نفيسة.

فانتهت حياة هذين الخادعين شجرة الدر وأيبك كما رأيت فجوزي كل منهما بما فعل لأنهما قتلا الملك المعظم.

أما نور الدين علي فلم يحكم إلا مدة قصيرة تحت مناظرة وصيه شرف الدين هبة الله المتقدم ذكره. ولم يلبث حتى استبدله بسيف الدين قطز مع لقب أتابك، أي وصي الملك ونائبه، ولما تولى سيف الدين هذا المنصب استقدم إليه المماليك الصالحيين من سوريا وعقد معهم مجلسًا أقروا فيه على عدم لياقة نور الدين للأحكام نظرًا لصغر سنه وأذاعوا ذلك فأنزلوا نور الدين في ٤ ذي القعدة سنة ٦٥٧هـ بعد أن حكم سنتين وبايعوا سيف الدين قطز.

(٦) سلطنة المظفر سيف الدين قطز (من سنة ٦٥٧–٦٥٨هـ أو من ١٢٥٩–١٢٦٠م)

وسيف الدين هذا شريف الأصل من عائلة ملوكية خلافًا لسلفه فهو ابن مودود شاه ابن أخ ملك خراسان فتح التتر بلاده فتشتتت عائلته، ولما تولى سلطنة مصر لقب بالملك المظفر وحالما استوى على السلطنة قبض على نور الدين وأمر بقتله فحاول العلامة شرف الدين المدافعة عنه فصلبه على باب القلعة.

ثم لاح له أن دمياط بعد أن دكت أسوارها لم يعد ثم ما يعيق مراكب العدو عن المرور في النيل، فأمر بردم مصب النيل هناك وبعث بفرقة من الحجارين فمضوا وقطعوا كثيرًا من الحجارة وألقوها فيه حتى ضاق وتعذر سير المراكب منه إلى دمياط، وهو على ذلك إلى اليوم، فإن المراكب الكبيرة لا تستطيع المرور فيه فتنقل البضائع منها إلى الجروم والمتواتر على ألسنة البعض أن سبب ذلك وجود جبل أو رمل متجمع هناك.

وفي خلال ذلك جاء القاهرة قائد تتري ناقلًا منشورًا من هولاكو ملك المغول حفيد جنكيز خان، وكان التتر قد انتشروا في جميع آسيا الشمالية والشرقية، وكان هولاكو قد غزا العراقين بجيش عظيم واستولى على مدينتي الموصل وحلب وفتح بغداد عنوة سنة ٦٥٦هـ وقتل الخليفة المستعصم بالله، وبقتله سقطت الدولة العباسية، وبعد هذه الفتوحات نزل هولاكو إلى سوريا ففتح دمشق وجميع السواحل البحرية حتى قدم مصر، فبعث إليها منشورًا ونصه: «من ملك الملوك الحاكم من الغرب إلى الشرق أعظم الخانات هولاكو خان فاتح الفتوحات الغريبة صاحب الجيوش العديدة إلى أهل مصر؛ فيا أهل مصر لا تخاطروا بأنفسكم في محاربتي لأنكم إن فعلتم إذن أنتم مخذولون فاقتدوا بغيركم من سكان حلب والموصل.»

فلما قرأ قطز ذلك المنشور وعلم ما كان من أمر فتوحات هذا التتري وما هو عليه من القوة والمنعة أوجس خيفة، غير أن جيوشه كانوا قد حاربوا الجيوش الصليبية وانتصروا عليها ولم يزل في نفوسهم عزة الظفر وأنفة النصر فاستخفوا بقول هولاكو وأصروا على القتال، فحشدهم قطز وجهزهم بما يلزم من العدة والسلاح واستقدم إليه قبائل العربان، وفرق فيهم وفي سائر جيشه نحوًا من ستمائة ألف دينار جمعها من الضرائب التي أقامها على المصريين مما دعاه تصقيع الأملاك وزكاتها، وأحدث على كل إنسان دينارًا يؤخذ منه وأخذ ثلث التركات الأهلية، فكان يجمع منها ٦٠٠٠ دينارًا سنويًّا. ثم سار من القاهرة لملاقاة التتر في غاية شعبان سنة ٦٥٨هـ، وما كاد الجيشان يلتقيان حتى اتصل بهولاكو خبر موت أبيه منجوخان ملك التتر فاضطر إلى العود حالًا ليطالب بحقوق الوراثة، فعاد تاركًا في سوريا نحوًا من عشرة آلاف من نخبة فرسانه تحت قيادة نسيبه ونائبه كتبوغا لمحاربة قطز، فالتقيا في فلسطين في عين الجالوت فالتحم الجيشان وحصلت بينهما موقعة كبيرة شفت عن هلاك كتبوغا وكل رجاله والقبض على ابنه. وغنم المصريون غنيمة كبيرة تكفي لإغناء كل المشرق لأنها تحتوي على أثمن ما نهبه هولاكو من أغنى المدن أثناء فتوحاته. فعاد الملك المظفر إلى القاهرة ظافرًا ولم تتم سعادته لأن المنية كانت في انتظاره على الطريق، فقتله بعض رجاله الذين كانوا يترقبون فرصة لقتله فتمكنوا من ذلك يوم السبت في ١٧ ذي القعدة سنة ٦٥٨هـ بعد أن حكم ١١ شهرًا و١٣ يومًا.

وتفصيل ذلك أنه بينما كان عائدًا بجيشه إلى القاهرة مر من أمامه أرنب بري وكان مولعًا بالصيد، فسار على إثره في عرض الصحراء حتى أمعن فيها ثم عاد وحده ولا صيد معه، فتقدم لملاقاته أحد أمرائه المدعو ركن الدين بيبرس البندقداري، فلما دنا منه هم إلى يده كأنه يريد تقبيلها فأمسكها بإحدى يديه وطعنه بالأخرى في قلبه فسقط صريعا يخبط الأرض، فجاء باقي الأمراء وكانوا متواطئين معه على هذه الفعلة فرفعوا جثة سلطانهم ودفنوها في قبر صغير قرب قبر خلف، فخشي ذوو الفقيد أن تبلغ الموسى لحاهم فتفرقوا في مصر السفلى لا يظهرون على أحد، وكان الأتابك إذ ذاك في الصالحية مع السواد الأعظم من الجيش فسار إليه قتلة قطز وأخبروه بما فعلوا فقال لهم: «من منكم ضربه الضربة الأولى؟» فأجاب بيبرس: أنا هو فقال له: احكم إذن مكانه.

فبويع بيبرس للحال ولقب بالملك القاهر ثم تشاءم من هذا اللقب فأبدله بالملك الظاهر وأضاف إليه أبا الفتوح، وكان يلقب أيضًا بالعلي وبالبندقداري نسبة إلى سيده الذي كان يدعى علاء الدين بندقدار.

(٧) سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري (من سنة ٦٥٨–٦٧٦هـ أو من ١٢٦٠–١٢٧٧م)

ولما تم لبيبرس أمر السلطنة سار إلى القاهرة وجعل بهاء الدين وزيرًا وبيلي بك وهو من أعز أصدقائه من المماليك خزندارا واستقدم من بقي من عائلة قطز فأمنهم وضمهم إليه، وأطلق من في السجون جميعًا بغير استثناء، وأكثر من العطايا لرجاله، وأبطل كثيرًا من الضرائب التي كان قد ضربها سلفه كتصقيع الأملاك وتقويمها وأخذ زكاة ثمنها في كل سنة وجباية دينار من كل إنسان وغير ذلك وأعلن أمره هذا على لسان الخطباء في المنابر.

على أنه مع ذلك لم ينل رضاء كل الرعية لا سيما السوريون فإنهم شقوا عصا الطاعة وبايعوا الأمير سنقر حاكم حلب ولقبوه بالملك المجاهد وعضدهم على ذلك التتر تحت قيادة هولاكو، فسار بيبرس حالًا إلى دمشق لإخماد الثورة فحارب التتر وتغلب عليهم في ٣ مواقع متوالية فقنط الدمشقيون من المساعدة فسلموا المدينة، فدخلها وانتقم منها أشر الانتقام وما زال حتى أخضع سائر بلاد الشام. ولما عاد إلى القاهرة أخذ في إصلاح الداخلية.

وفي سنة ٦٦٠هـ قدم إليه من بقي من الدولة العباسية منهزمين من وجه التتر بعد أن وقعت بغداد في يدهم فالتجئوا إليه، وفي جملتهم ابن الخليفة الظاهر بأمر الله الذي ذبحه التتر فأكرم وفادته ولم يبخسه شيئًا من حقوق الخلافة، بل أقامه خليفة في القاهرة ولقبه بالمستنصر بالله فأصبحت القاهرة من ذلك الحين مقر الخلفاء العباسيين، غير أن سلطتهم لم تكن تعتبر إلا من وجهها الديني فقط، وكانوا يلقبون بالأئمة. وقد رافق نزول العباسيين في القاهرة قحط عم سائر القطر فتشاءم الناس بحلولهم. أما بيبرس فلم يأل جهدًا في استجلاب الأقوات من سائر جهات سوريا وغيرها وتفريقها في الناس فأنقذ بلاده من ضيق عظيم.

ثم أراد بيبرس أن يسترجع بغداد للخلفاء العباسيين فأنفذ مع الخليفة المستنصر بالله جندًا كبيرًا لإخراج التتر منها وتسليمها للخليفة المستنصر، فلاقاهم التتر في الطريق فحاربوهم وشتتوا شملهم وقتلوا الخليفة ولم يجلس على كرسي الخلافة إلا خمسة أشهر وعشرين يومًا فبايعوا في القاهرة الخليفة الحاكم بأمر الله. ثم ألجئ بيبرس إلى تجريدة أخرى انتقامًا من فتح الدين رئيس قلعة الكرك. وسبب ذلك أن بيبرس قبل توليه سلطنة مصر كان قد ترك امرأته عند فتح الدين وقاية لها مما كان يقاسيه من الأسفار والعذاب وعهد إليه رعايتها، فلم يحترم هذا حرمة الدين والشرف ففتك بها بغير وجه الحق، فاتصل ذلك ببيبرس وكان قد تولى أمور مصر، فثار فيه حب الانتقام فجرد إلى الكرك وحاصر قلعتها وكانت منيعة الجانب طالما امتنعت على كبار الفاتحين ومنهم السلطان صلاح الدين. ثم تمكن بيبرس من القبض على فتح الدين احتيالًا وسلمه إلى امرأته فقتلته على مثل ما قتلت عليه شجرة الدر، فأمست الكرك بغير رئيس فسلمت وصارت جزءًا من مملكة مصر.

ولما عاد بيبرس إلى القاهرة حشد جيشًا كبيرًا لمناهضة الصليبيين وكانوا لا يزالون حاكمين في أماكن كثيرة من فلسطين وما زالت الحرب بينهما سجالًا مدة سنتين (سنة ٦٦٣ و٦٦٤) وانتهت باستيلاء بيبرس على قيصرية. وفيما هو محاصر عكا ألجئ إلى المسير لمحاربة التتر، وكانوا قد استولوا على دمشق بمساعدة أهل أرمينيا وتهددوا سائر سوريا، فأغفل حصار عكا وسار، فلما وصل إلى دمشق لم يجد عدوًّا لأن هولاكو كان قد مات وتشتتت جيوشه فسار بيبرس إلى أرمينيا، وكان عليها ملك مسيحي يقال له هيتون، فاستولى على عاصمتها سيس وعلى سائر مدنها وتابع فتوحاته إلى الأناضول، فهاجمه أباكا خان بن هولاكو وولي عهده فأعاده على أعقابه فرجع إلى سوريا وفتح صفد وذبح أهلها. ثم رجع إلى عاصمته بعد أن فتح أيلة على البحر الأحمر.

وقضى بيبرس سنة ٦٥٦هـ في القاهرة يستعد لحرب جديدة وينظم داخليته فأبطل ضمان المزر وجهاته وأمر بإراقة الخمور وإبطال المنكرات وتعفية بيوت المسكرات ومنع الخانات والخواطئ بجميع أقطار مملكة مصر والشام فطهرت من ذلك البقاع وعادت البلاد إلى الهدوء والرغد فقال أحد الشعراء المعاصرين:

ليس لإبليس عندنا أرب
غير بلاد الأمير مأواه
حرفته الخمر والحشيش معا
حرمتا ماؤه ومرعاه

ثم رأى أن بعض الرعية لا يزالون على ما كانوا قد اعتادوه من الفواحش، فأمر بمنع النساء الخواطئ من التعرض للبغاء ونهب الخانات التي كانت معدة لذلك، وسلب أهلها جميع ما كان لهم ونفى بعضهم وحبس النساء حتى يتزوجن، وكتب بجميع ذلك توقيعا قرئ في المنابر. وعلم بعد ذلك أن الطواشي شجاع الدين عنبر المعروف بصدر الباز أنه يشرب المسكر فشنقه تحت قلعة الجبل. ولا شك أن الملك الظاهر لم يشدد في إبطال جميع هذه المنكرات إلا لعلمه يقينًا أن استعمالها يورث الفقر والذل ويخمد الهمة ويضعف عزة النفس ويغضب الله.

وفي سنة ٦٦٢هـ بنى الملك الظاهر دار العدل القديمة تحت القلعة وصار يجلس بها لعرض العساكر في كل اثنين وخميس، وكان ينظر في أمر المتظلمين بنفسه، فإذا كان لأحد مظلمة يأتي رأسًا ويشكوها للسلطان، وهو يأمر بالحال بصرفها بوجه الحق.

وفي سنة ٦٦٦هـ استأنف الحرب مع فلسطين فاستولى على يافا والشقيف وطبرية وأرصوف وأنطاكية وبقراس والقرين وصافيتا ومرقية وايباس، وختم ذلك بفتح بغداد، ثم أحب بطريقه إلى مصر أن يمر بالحج إلى مكة مع ابنه برقة خان فمر بحلب فطرد التتر منها، ثم زار قبر إبراهيم في حبرون وسار لزيارة بيت المقدس ثم عاد إلى مصر وقد أتم سياحته الجهادية والدينية معًا.

وقد كانت طريق الحج من مصر إلى مكة المشرفة عن طريق صحراء عيذاب يركبون النيل من ساحل الفساط إلى قوص بمصر العليا ثم يركبون الإبل من قوص فيقطعون صحراء عيذاب إلى البحر الأحمر حيث ينزلون فيه إلى جدة ساحل مكة، وهكذا بعودهم إلى مصر. وكانت قوافل التجار من الهند واليمن والحبشة تأتي مصر على هذه الطريق أيضًا وكانت صحراء عيذاب إذ ذاك آهلة بالسكان أمينة المسلك. وبقيت طريق الحج على مثل ذلك إلى السنة التي زار فيها السلطان الملك الظاهر مكة المشرفة وكساها وعمل لها مفتاحًا فصارت طريق الحج برًّا من ذلك الحين، أما التجار فما زالوا يقدمون مصر عن طريق الصحراء إلى سنة ٧٦٠هـ، ومن ذلك الحين قلت أهمية مدينة قوص فصارت في حالة تشبه حالتها في الوقت الحاضر بعد أن كانت مدينة زاهرة بالتجارة والعمارة.

وفي سنة ٦٧٠هـ سار بيبرس لمحاربة من بقي من طائفة الباطنيين، وكان هولاكو قد أهلك السواد الأعظم منهم في جهات العراق، فافتتح بيبرس قلعة الأكراد وقتل من فيها من الباطنيين فتفرقت جموعهم وهكذا كان انقراض دولتهم.

وفي خلال ذلك عاد التتر إلى سوريا وحاصروا بيرا فتجند إليهم بيبرس وسارت معه فرقة تحت قيادة الأمير قلاوون الألفي فالتقى الجيشان عند بيرا واشتدت الحرب بين المسلمين والتتر وانتهت بانتصار المسلمين فاستولوا على بيرا. ثم ساروا إلى أرمينيا ففتحوها وغنموا منها غنائم كثيرة. ثم عاد بيبرس إلى مصر ففرشوا له القاهرة بالبسط والسجاد الثمين احتفالًا بعوده ظافرًا وقد قرض الباطينيين وغلب التتر.

ثم إن أباكا خان بن هولاكو خان قدم سوريا وحاصر بيرا ثانية فلاقاه الأمير قلاوون بفرقة من الجيوش المصرية وأرجعه على أعقابه، فسر بيبرس من بسالته واتخذ ابنته زوجة لابنه ليكون ابنه في المستقبل آمنًا في حمى حميه، فأمنت سوريا بعد هذه الانتصارات ولم تعد تخشى اغتيالًا، فأنفذ بيبرس الأمير آق سنقر الفرغني سنة ٦٧٤هـ لافتتاح نوبيا فافتتح أسوان بعد أن استولى على جميع مصر العليا. وفي هذه السنة حارب بيبرس برقة وافتتحها وعاد التتر على إثر هذه الفتوحات لافتتاح سوريا العليا، فسار بيبرس إلى حمص يريد دفعهم بنفسه فاتفق خسوف القمر خسوفًا تامًّا فتشاءم بعض الذين يصدقون الخرافات وقالوا إن ذلك دليل على موت أمير كبير، وكان بيبرس يعتقد مثل اعتقادهم فلاح له أن هذا التشاؤم يصح عليه ولكنه قال بنفسه: «يجب عليَّ قبل موتي أن أميت من أخشى أن يتولى الحكم بعدي ممن ليسوا على دعواي.» فلم يجد إلا الأمير داود ناصر الدين بن طوران شاه آخر سلالة الأيوبيين، فأمر بإحضاره ولما حضر أعطاه كأسا فيه سم وأمره أن يشرب فشرب بعضه وأعطى الكأس لبيبرس فملأه وشرب هو أيضًا، فسقطا معًا قتيلي الخرافات قبحها الله! ما أضعف حجتها وما أشد وطأتها.

وكانت وفاة الملك الظاهر بيبرس في ٢٧ محرم سنة ٦٧٦هـ بعد أن حكم ١٧ سنة وشهرين وعشرة أيام. وكان ملكًا جليلًا عجولًا كثير المصادرات لرعيته ودواوينه طويل القامة مليح الشكل سريع الحركة فارسًا مقداما. وترك من الذكور ثلاثة وهم السعيد محمد برقة خان وقد ملك بعده، وسلامش وهذا ملك بعده أيضًا، والمسعود خضر. وترك من البنات سبعًا. ومما فتح الله على يده من أيدي الصليبيين قيسارية وأرصوف وصفد وطبرية ويافا والشقيف وأنطاكية وبقراص والقصير وحصن الأكراد والقرين وحصن عكا وصافيعا ومرقبة وحلب وقد ناصفهم على المرقب وبانياس وترسوس وادنة والمصيصة، وغيرها من المدن في بر الأناضول، وصار إلى يده مما كان في يد المسلمين دمشق وبعلبك وعجلون وبصرى وصرخد والصلت وحمص وندمر والرحبة وتل ناشر وصهيون وبلاطس وقلعة الكهف والقدموس والعليقة والخواني والرصافة ومصياف والقلعة والكرك والشوبك وفتح بلاد النوبة وبرقة. ومن أعماله المأثورة انه عمر الحرم النبوي وقبة الصخرة ببيت المقدس وزاد في أوقاف الخليل وعمر قناطر شبرامنت بالجيزة وسور الإسكندرية ومنار رشيد وردم فم بحر دمياط ووعر طريقه وعمر الشواني وعمر قلعة دمشق وقلع الصبيبة وبعلبك والصلت وصرخد وعجلون وبصرى وشيرز وحمص، وعمر المدرسة بين القصرين بالقاهرة والجامع الكبير بالحسينية، وقد جعله الفرنساويون عند مجيئهم إلى مصر قلعة، وهو البناء القديم في سكة الظاهر جعلته الحكومة مخازن للأقوات. وحفر خليج الإسكندرية القديم وباشره بنفسه، وبنى هناك قرية سماها الظاهرية، وحفر بحر أشمون طناح وجدد الجامع الأزهر بالقاهرة، وأعاد إليه الخطبة وعمر بلد السعيدية من الشرقية بمصر وبنى القصر الأبلق في دمشق. ومن آثاره في القاهرة أيضًا قناطر السباع وهي عبارة عن سلسلة من قناطر ممتدة عرضًا من جوار فم الخليج إلى قلعة الجبل، ولا بد للمتوجه من القاهرة إلى مصر القديمة من أن يقطعها هذا إذا لم يمر عند فم الخليج، فإنه إذ ذاك يمر بجانب منشئها. وهي تنتهي من طرفها الغربي بالسبع سقايات بجانب فم الخليج. والسبع سقايات بناء قديم فيه سبع دواليب (سواقي) لرفع المياه من النيل وتحويله إلى قناة على ظهر هذه القناطر ليجري الماء فيه إلى قلعة الجبل، وجعل عليها سباعًا من الحجارة، ولذلك قيل لها قناطر السباع، والقناطر المذكورة بعضها مهدوم وبعضها باقٍ، وفي الحالين لا فائدة منها لأنها لا تستخدم لشيء. وكان محبًّا لركوب الخيل الجياد ورمي النبال، فأنشأ ميدانًا دعاه ميدان القبق، ويقال له أيضًا الميدان الأسود وميدان العيد والميدان الأخضر وميدان السباق، وكان شاغلًا بقعة من الأرض تمتد بين النقرة التي ينزل إليها من قلعة الجبل وبين قبة النصر التي هي تحت الجبل الأحمر، وبنى فيه مصطبة سنة ٦٦٦هـ للاحتفال برمي النشاب والتمرين على الحركات العسكرية. وكان يحث الناس على لعب الرمح ورمي النشاب ونحو ذلك، فكان ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة من الظهر فلا يركب منها إلى العشاء، وهو يرمي ويحرض الناس على الرمي والنضال والرهان، فما بقي أمير ولا مملوك إلا وهذا شغله، وما برح من بعده أولاده ومن بعدهم يمارسون هذا الميدان بجميع أنواع الألعاب الحربية.

وكان يقوم بنفقات جميع هذه الأعمال بدون أن يسلب الأهالي درهمًا واحدًا فوق ما اعتادوا دفعه من الضرائب، لأن الغنائم التي كان يكسبها من أعدائه كانت تساعده كثيرًا في النفقات.

هذه هي أعمال الملك الظاهر بيبرس قد تركت له أثرًا يبقي ذكره دهورًا طوالًا.

fig2
شكل ١-٢: نقود الملك الظاهر بيبرس.

وترى في الشكل الثاني صور نقود الملك الظاهر بيبرس وعليها صورة أسد.

(٨) سلطنة برقة خان بن بيبرس (من سنة ٦٧٦–٦٧٨هـ أو من ١٢٧٧–١٢٧٩م)

فلما توفي بيبرس أقر الأمراء على مبايعة ابنه البكر محمد ناصر الدين برقة خان. ولكنهم كانوا قد أجمعوا بعد المشورة طويلًا على أن يكتموا وفاة بيبرس لئلا يطمع فيهم العدو فأرسلوا جثته سرًّا إلى دمشق وأشاعوا هناك أنه مريض، فنقلوه إلى القاهرة في هودج ثم استقدموا الجيوش جميعها إلى مصر فقدمت، وحالما أدخلوا الجثة إلى القلعة بايعوا ابنه البكر برقة خان ولقبوه بالملك السعيد. وأقاموا الأمير بلباي (بيلي بك) أتابكًا وكان بلباي في الأصل مملوكا ابتاعه بيبرس بثمن بخس إلا أنه ارتقى في خدمته حتى صار أمين خزائنه. ثم استحق بعد طول الخدمة الصادقة الأمينة أن يكون وصيًّا على ابنه في مهام السلطنة وكان للملك السعيد ثقة كبرى في بلباي حتى إنه ألقى إليه كل مهام الدولة فسعدت مصر في بادئ الرأي، إلا أنها ما لبثت حتى تعكر كأس صفائها بوفاة ذلك الوصي الأمين الحكيم، ولم يكن الملك السعيد واثقًا بأحد من أمرائه ليعهد إليه مهام الأمة لأنه كان يظن أنهم هم الذين سعوا إلى قتل وصيه، ولكنه لم يتأكد ذلك، فنفر منهم، فوقع اختياره على آق سنقر فاتح نوبيا فولاه الأتابكية وبعد يسير خنقه في أحد أبراج الإسكندرية، فتباعد الأمراء عن هذا المنصب وأرادوا بالسلطان سوءًا، لكنهم شغلوا عنه بثورة الدمشقيين. وذلك أن شرف الدين سنقر الملقب بالأشقر كان واليا على دمشق تحت رعاية برقة خان فادعى الملك لنفسه فبايعه أهلها ولقبوه بالملك الكامل، فأسرع برقة خان إلى دمشق ونزل بجيشه في القصر الأبلق الذي كان قد بناه أبوه وبعد التحري عن أسباب تلك الثورة علم أنها دسيسة من أمرائه، فلما علم هؤلاء بانكشاف أمرهم عادوا بمن كان على دعوتهم من المماليك إلى القاهرة وتحصنوا فيها، فتبعهم برقة خان فامتنعوا عليه وعجز عن قهرهم لكثرتهم فالتجأ إلى قلعة الجبل فحاصروه فيها وشددوا عليه الحصار فسلم فانحط اعتباره عندهم وهموا بقتله فمنعهم الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي لكنهم أصروا على خلعه فخلعوه في ربيع أول سنة ٦٧٨هـ بعد أن حكم سنتين وثلاثة أشهر، فبعثوه إلى قلعة الكرك منفيًّا وحبسوه فيها ثم عادوا إلى قتله فأنفذوا إليه من يقتله ثم بلغهم أنه سقط عن جواده ومات.

(٩) سلطنة سلامش بن بيبرس (من سنة ٦٧٨–٦٧٨هـ أو من ١٢٧٩–١٢٧٩م)

فبايعوا أخاه بدر الدين سلامش وسنه سبع سنوات وبضعة أشهر ولقبوه بالملك العادل وأقاموا الأمير سيف الدين قلاوون الألفي وصيًّا عليه، ولم يكن هم هذا الوصي الا خلع ذلك السلطان الرضيع. وفي رجب من تلك السنة تمكن من مراده فبعثه إلى قلعة الكرك منفيًّا واستلم هو زمام الأحكام وطلب المبايعة فبايعه الناس ولقبوه بالملك المنصور وهو لقب ثاني سلاطين هذه الدولة.

(١٠) سلطنة الملك المنصور قلاوون (من سنة ٦٧٨–٦٨٩هـ أو من ١٢٧٩–١٢٩٠م)

ولما استوى قلاوون على كرسي السلطنة استوزر فخر الدين وكان كاتب سره الخصوصي، وبعث الأمير طرطباي إلى دمشق لإخماد ثورة أهلها، فسار في فرقة من الجند فلاقاه الملك الكامل ودافع دفاعًا حسنًا، ولكنه ألجئ في سنة ٦٨٠هـ إلى التسليم فقبضوا عليه وجاءوا به إلى القاهرة وأودعوه سجنًا مظلمًا، وولوا على دمشق وسائر الشام الأمير حسام الدين لاجين.

وفي سنة ٦٨١هـ عاد التتر إلى الشام بجيشين الواحد تحت قيادة أباكا خان والآخر مؤلف من ثمانين ألف فارس تحت قيادة أخيه منجو تيمور، فحاربهم المصريون وفازوا بهم وقتلوا منجو تيمور وفر أباكا خان إلى حمدان فأسمه أخوه الثالث نيكودار أوغلان وتولى الحكم بعده، ثم اعتنق الإسلام ولقب بأحمد خان وكان إسلامه وسيلة لحقن الدماء لأنه تخابر مع قلاوون مخابرة سلمية وتعاهدا على حفظ الولاء. وما زال ذلك مرعيًّا حتى بعد قتل أحمد خان وتولية أرغون مكانه، فكانت مصر في خلال ذلك مطمئنة في خارجيتها، فنشأت القلاقل في داخليتها بسبب تمرد المماليك، فإنهم نبذوا الطاعة فغضب السلطان غضبًا أعمى بصره حتى لم يعد يميز المجرم من البريء، فساق الجميع بعصا واحدة وأعمل فيهم السيف ثلاثة أيام متوالية حتى غصت الأسواق بجثثهم رجالًا ونساءً وأولادًا. فجاء العلماء إلى السلطان وأخذوا يخففون من غيظه ويبينون له وجه عسفه فانتبه لما جاءه من الاستبداد الفاحش فندم ندمًا لا مزيد عليه، وتكفيرًا لذلك أمر ببناء البنايات والتكايا رحمة بالمساكين وذوي الأسقام، ومن أجل ذلك أيضًا بنى ابنه الملك الناصر المستشفى الشهير المعروف بالبيمارستان. وكان المماليك إلى ذلك الحين يلبسون لباس الزينة بما يناسب جمالهم، ففي سنة ٦٨٣هـ أمر قلاوون أن يغير المماليك ملابسهم فمنعهم من استعمال الوشي والزينة بالذهب وعن الضفائر الطويلة التي كانوا يجعلونها في أكياس من حرير وجعل حالتهم من اللباس وغيره كما تقتضيه حالة رجال الحرب. ثم سار إلى حصن مرفد فحاصره ٣٣ يومًا فسلم. وفي سنة ٦٨٤هـ افتتح قلعة الكرك وقبض على سلامش لأنه كان يحاول الاستقلال عن مصر فقاده إلى القاهرة وأودعه سجنًا مظلمًا مكث فيه إلى ما بعد وفاة قلاوون.

ولما اطمأن باله في داخليته عكف على تنظيم الوزارة وما زال يعزل ويولي حتى أقر على الوزارة شمس الدين سنة ٦٨٥هـ فبقي على دستها زمنًا طويلًا. ثم أوصى قلاوون بولاية العهد لابنه علي ولقبه بالملك الصالح (الثالث) وأخذ منذ ذلك الحين في تدريبه على الأحكام وإدارتها على نية أن يستخلفه عليها إذا طرأ عليه ما يستدعي غيابه عن مصر في حرب أو غيرها، فلم يصح تقديره لأن عليا أصيب بحمى شديدة ذهبت بحياته سنة ٦٨٧هـ فحزن قلاوون حزنًا شديدًا وكثرت هواجسه حتى كره الأحكام، ثم رأى أن يجرد حملة لافتتاح طرابلس الشام تسلية له عن هواجسه وكانت في حوزة الصليبيين منذ مائة وثمانين سنة لم ينازعهم أحد عليها، فسار إليها قلاوون وافتتحها وذبح من فيها وأخربها ثم أعاد بناءها وجعل عليها حامية.

ولما عاد إلى القاهرة جاءه وفد من قبل ملك أراغون الفونس عقدوا معه معاهدة في ١٣ ربيع أول. غير أن كل ذلك لم يكن ليشغله عن أحزانه وما زال كئيبًا حتى قضى يوم السبت في ٦ ذي القعدة فاحتفل بجنازته احتفالًا حضره جمع غفير من جهادية وملكية وشيعوه إلى البيمارستان حيث واروه التراب، ولا يزال مقامه هناك إلى هذا العهد وكانت مدة حكمه ١١ سنة و٣ أشهر و٦ أيام.

ومن آثاره الباقية إلى هذا اليوم جامعه الشهير ومقامه وكلاهما داخلان في بناء البيمارستان الذي يشاهده المار في شارع النحاسين شمالًا بعد أن يتجاوز خان الخليل، ولا تزال هذه الأبنية رغمًا عن تكرار السنين قويمة العماد تتجلى فيها العظمة والقوة إلا البيمارستان، فإنه أصبح أقرب إلى الأثر من العين، وقد زرت مقام هذا السلطان فرأيت فيه كما رأيت في غيره من مثله جماعات من النساء والأطفال هم في الغالب من ذوي الامراض قد جاءوا يطلبون الشفاء، وهم يأتون غالبًا في أيام السبوت، ولهم في ذلك أساليب مختلفة، فرأيت بعضهم يضع الطفل المريض تحت المحراب ويجلس مصليًا متضرعًا، وآخر يأتي بشيء من الليمون الحامض يمرح به جدار المحراب أو ما يقاربه ثم يلحسه بلسانه طلبًا للشفاء، ورأيت آخرين يفعلون غير ذلك.

ومن أعماله ميدانه الذي عرف بالميدان السلطاني جعله في موضع بستان الخشاب حيث موردة البلاط وكان يتردد إليه كثيرا. ولا يمر عليه من قلعة الجبل حتى يركب قناطر السباع فتضرر من علوها، وقال لمن حوله: إني عندما أركب إلى الميدان وأمر بهذه القناطر يتألم ظهري من علوها. وأشاع بعضهم أنه أراد بالحقيقة نزع آثار من كان من قبله ليبقى الفخر له، فأمر بهدمها جميعها وبنائها ثانية فبنيت ولكن السباع لم توضع عليها، فعندما رأى السلطان ذلك أمر بإعادتها فأعيدت السباع إلى أماكنها. ومما يحكى عنه أنه كان يجعل في بناياته أماكن مخصوصة يضع فيها الحبوب طعامًا لطيور السماء.

وقد كان قلاوون سببًا لإخراج السلطنة من يد نسله كما كان الملك الصالح الأيوبي باستكثاره من المماليك الشراكسة حتى جمع منهم نحوًا من ١٢ ألفا جعل منهم بطانته، وكان يلقب بعضهم بالألفي أي المبتاع بألف دينار، وبعضهم بأبي المعالي وغير ذلك.

fig3
شكل ١-٣: نقود الملك المنصور قلاوون.
وترى في شكل ١-٣ صورة نقود الملك المنصور قلاوون مضروبة في حلب.

(١١) سلطنة خليل بن قلاوون ثم الملك القاهر بيدرا (من سنة ٦٨٩–٦٩٣هـ أو من ١٢٩٠–١٢٩٣م)

وتولى بعده على سلطنة مصر ابنه البكر صلاح الدين خليل ولقب بالملك الأشرف فاستوزر بدر الدين وجرد للجهاد على الصليبين، فسار في سنة ٦٩٠هـ حتى أتى عكا فحاصرها، وكانت الحصن الوحيد الذي بقي للصليبيين فحصنوه تحصين اليائس، لكنه لم يمتنع على جيوش الإسلام فهدموه ودخلوا المدينة وأمعنوا فيها قتلًا ونهبًا. وفي سنة ٦٩١هـ عاد إلى القاهرة وأخرج سلامش منفيًّا إلى القسطنطينية لأنه كان سببًا للقلاقل. ثم سار إلى أرمينيا ففتح ارضروم فذاع صيته حتى أرهب أعداءه فعاد إلى القاهرة ليستريح من الأسفار ففاجأته المنية على فراشه. وسبب موته أن إحدى نسائه تواطأت مع مملوك له يدعى بيدرا فقتلاه بخنجر في جوفه في شهر محرم سنة ٦٩٣هـ بعد أن حكم ثلاث سنوات وشهرين وأربعة أيام. وإليه ينسب الخان المشهور بخان الخليل أو الخان الخليلي في السكة الجديدة في القاهرة، وكان في مكانه قبل بنائه مدافن الخلفاء الفاطميين فبنى على أنقاضها، وأضاف الغوري إلى بنائه في القسم العلوي كما يفهم ذلك مما هو مكتوب فوق مدخله، وفي هذا الخان تباع الآن جميع أنواع الأقمشة السورية والهندية وما شاكل من طنافس ومطرزات وأواني نحاسية وغيرها.

وبويع بيدرا ولقب بالملك القاهر إلا أنه لم يحكم إلا يومًا واحدًا ثم قتله المماليك أخذًا بثأر سلطانهم السابق، وبايعوا أخا الملك الأشرف المدعو محمد بن قلاوون وسنه ٩ سنوات ولقب بالملك الناصر.

(١٢) سلطنة الملك الناصر بن قلاوون (أولاً) (من سنة ٦٩٣–٦٩٤هـ أو من ١٢٩٣–١٢٩٤م)

وسلطنة هذا الملك أكثر اهمية من سلطنات سلفائه لكثرة ما حصل فيها من التقلبات السياسية والثورات المتعددة المتوالية. ونظرا لصغر سن هذا الملك أقاموا له وصيًّا يدعى زين الدين كتبوغا الملقب بالمنصوري لأنه كان من مماليك الملك المنصور قلاوون، فما استتبت له الوصاية حتى تاقت نفسه إلى السلطة، وكان معه وزير آخر يقال له علم الدين سنقر وكانت تحدثه نفسه بمثل ذلك أيضًا، فاختلفا وتخاصما وانتهت المخاصمة بقتل سنقر، ولما خلا الجو لكتبوغا ولم يعد من ينازعه عمد إلى الملك الناصر فخلعه، وتولى مكانه سلطانًا على مصر، ونفاه إلى الكرك، ولم يكن حكمه هذه المرة إلا سنة واحدة.

(١٣) سلطنة الملك العادل كتبوغا (من سنة ٦٩٤–٦٩٦هـ أو من ١٢٩٤–١٢٩٦م)

وفي شهر محرم سنة ٦٩٤هـ بويع كتبوغا ولقب بالملك العادل وهو اللقب الذي لقب به قبله سلامش بن بيبرس الأول واستوزر فخر الدين وزير قلاوون. ولم يكن هذا الاختلاس إلا داعيًا لتراكم المصائب على مصر وتداخل الأجانب فيها فداهمها الطاعون ثم القحط فأهلك جزءًا كبيرًا من أهلها، ثم جاء الحرب تتمة لهذه الضربات.

وذلك أن قبيلة المغل (المغول) التي كانت تحت قيادة بيدو بن طرغاي بن هولاكو أصبحت بعد وفاته تحت قيادة الملك غازان محمود بن خربنده بن ايغاني، فتخوفت منه طائفة من رجاله عرفوا تحت اسم الأوبراتية وفروا عن بلاده إلى نواحي بغداد، فنزلوا هناك مع كبيرهم طرغاي وجرت لهم خطوب آلت بهم إلى اللحاق بالفرات، فأقاموا بها هنالك وبعثوا إلى نائب حلب يستأذنونه في قطع الفرات ليعبروا إلى ممالك الشام فأذن لهم، وعبروا الفرات إلى مدينة بهنسا فأكرمهم نائبها وقام لهم بما ينبغي من العلوفات والضيافات، فاتصل ذلك بالملك العادل زين الدين كتبوغا فاستشار الأمراء فيما يفعل بهم فاتفق الرأي على استقدام أكابرهم إلى الديار المصرية وتفريق باقيهم في البلاد الساحلية وغيرها من بلاد الشام، فجيء بثلاثمائة من أكابرهم إلى القاهرة وفرق الباقون بالبقاع العزيزية (لبنان) وببلاد الساحل، ولما قرب الجماعة من القاهرة خرج الأمراء بالعسكر إلى لقائهم واجتمع الناس من كل مكان حتى امتلأ الفضاء للفرجة عليهم فكان لدخولهم يوم عظيم، فساروا إلى قلعة الجبل فأنعم السلطان على مقدمهم طرغاي بإمرة طلبخانة وأجرى عليهم الرواتب وأنزلهم بالحسينية، وكانوا على غير الملة الإسلامية فشق ذلك على الناس وبلوا مع ذلك منهم بأنواع البلاء لسوء أخلاقهم ونفرة نفوسهم وشدة جبروتهم، وكان إذ ذاك في مصر والقاهرة غلاء عظيم فتضاعفت المضرة واشتد الأمر على الناس وقال في ذلك شمس الدين محمد بن دينار:

ربنا اكشف العذاب عنا فإنا
قد تلفنا في الدولة المغلية
جاءنا المغل والغلا فانصلقنا
وانطبخنا في الدولة المغلية

وفي أول رمضان سنة ٦٩٥هـ لم يصم أحد من الأوبراتية فأعلن السلطان بذلك، فأبى أن يكرههم على الإسلام ومنع من معارضتهم ونهى أن يشوش عليهم أحد. وكان مراده أن يجعلهم عونًا له فبالغ في إكرامهم فشق ذلك على أمراء الدولة وخشوا إيقاعه بهم، لأن الأوبراتية كانوا من مواطني كتبوغا، وكانوا مع ذلك جميلي الصورة فافتتن بهم الأمراء وتنافسوا فيهم وبالغوا في تقربهم حتى بعثوا إلى البلاد الشامية استجلبوا طائفة كبيرة منهم فتكاثر نسلهم في القاهرة واشتد التحاسد والتشاجر بسببهم بين أهل الدولة إلى أن آل الأمر بسببهم وبأسباب أخرى إلى خلع السلطان الملك العادل كتبوغا وذلك في صفر سنة ٦٩٦هـ.

(١٤) سلطنة الملك المنصور لاجين (من سنة ٦٩٦–٦٩٨هـ أو من ١٢٩٦–١٢٩٩م)

وبويع حسام الدين لاجين المنصوري ولقب بالملك المنصور كما كان لقب سيده قلاوون فأذن لكتبوغا أن ينسحب إلى صرخد في سوريا، وقبض على طرغاي مقدم الأوبراتية وعلى جماعة من أكابرهم وبعث بهم إلى الإسكندرية فسجنهم بها. ثم قتلهم وفرق جميع الأوبراتية على الأمراء فاستخدموهم وجعلوهم من جندهم، فصار أهل الحسينية لذلك يوصوفون بالحسن وما برحوا أيضًا يوصفون بالزعارة والشجاعة، وكان يقال لهم البدورة فيقال البدر فلان والبدر فلان وكانوا يعانون لباس الفتوة وحمل السلاح ويؤثر عنهم حكايات كثيرة، وكانت الحسينية قد فاقت عمارتها على سائر أخطاط مصر والقاهرة.

وكانت أرض مصر ٢٤ قيراطًا يختص السلطان منها بأربعة والأجناد بعشرة والأمراء بعشرة وكان الأمراء يأخذون كثيرًا من إقطاعات الأجناد فلا يصل إلى الأجناد منها شيء، وكان يصير ذلك الإقطاع في دواوين الأمراء ويحتمي بها قطاع الطريق وتثور بها الفتن وتمنع منها الحقوق الديوانية، وتصير طعمة لأعوان الأمراء ومستخدميهم ومضرة على أهل البلاد التي تجاورها، فعندما تولى الملك المنصور لاجين راك البلاد ورد تلك الإقطاعات على أربابها وإخراجها بأسرها من دواوين الأمراء وجعل للأمراء والأجناد أحد عشر قيراطًا وأفرد تسعة قراريط ليخدم بها العسكر أو يقطعهم إياها. ثم رتب أوراقا بتكفية الأمراء والأجناد بعشرة قراريط ووفر قيراطًا لزيادة ما عساه يطلب زيادة لقلة متحصل إقطاعه وأفرد لبطانته عدة أعمال جليلة، فتنكرت قلوب الأمراء وحقدوا عليه وما أمسكوا حتى قتلوه في ١١ ربيع آخر سنة ٦٩٨هـ، فبقيت كرسي السلطنة خالية ٤١ يومًا تمكن في خلالها الأمير سيف الدين طفجي من دعوة الناس إلى حزبه، فالتف عليه جماعة كبيرة فبايعوه ولقبوه بالملك القاهر كما لقب بيدرا قبله، وكان حظه من الملك كحظ سميه فلم يحكم إلا يومًا واحدًا ثم ذبحه المماليك.

(١٥) سلطنة الملك الناصر بن قلاوون (ثانيةً) (من سنة ٦٩٨–٧٠٨هـ أو من ١٢٩٩–١٣٠٨م)

ففكر المماليك في انتخاب سلطان يحكم فيهم فأقرروا على استقدام الملك الناصر بن قلاوون من منفاه، وقد بلغ الخامسة عشرة من العمر ليبايعوه فبعثوا إليه وفدًا يبلغه ذلك القرار فقدموا إليه في الكرك. وكانت والدته عنده فلم تسمح بسفره معهم لئلا يكون تحت أقوالهم هذه مقاصد خطرة، فألحوا عليها وأكدوا لها صدقهم ثم جثوا أمام الملك الناصر وبايعوه، فتأكدت من إخلاصهم فسمحت بمسيره معهم فساروا حتى أتوا القاهرة، فحاول بعض دعاة لاجين الإيقاع بحياة الملك الناصر لكنهم تهددوا فبايعوه.

وكان غازان خان ملك التتر قد عاد ثانية إلى افتتاح سوريا فجرد إليه الملك الناصر سنة ٧٠٠هـ جيشًا جرارًا وأسرع حتى التقى به في حمص، فتقهقر الناصر ثم جمع رجاله وأمدهم بالعدة والرجال واستأنف الحرب. وكان التتر قد حسبوا أن الفوز قد تقرر لهم فوضعوا يدهم على سوريا وضربوا عليها الضرائب وأخذوا في إدارة أحكامها. وبينما هم في ذلك وصل الملك الناصر في جيشه إلى مرج الصفر بقرب دمشق فخرج إليهم التتر وانتشب القتال بين الفريقين فانغلب المصريون في بادئ الأمر، ثم ارتدوا على صفوف التتر كالسيل الهاطل بعزم أشد من الجبال ففرقوا جموعهم وأثخنوا فيهم ضربًا بالسيف حتى تطهرت الشام منهم، فعاد الملك الناصر إلى القاهرة ظافرا ودخلها من باب النصر باحتفال عظيم.

ولما لم يعد ما يشغله في سوريا عكف على إخضاع قبائل العربان الذين شقوا عصا الطاعة في مصر العليا، فجرد إليهم فدانوا له وأغنم منهم خمسة الآف فرس ومائة ألف رأس غنم وثلاثين ألف من المواشي الكبيرة كالبقر والجاموس وعددًا وافرًا من الأسلحة. فلما كانت سنة ٧٠٢هـ داهمت الشرق زلزلة قوية أخربت قسمًا عظيمًا من سوريا ومصر وأخرجت المياه من الآبار إلى سطح الأرض وطافت الأبحر على اليابسة فأغرقت خلقًا كثيرًا. والظاهر أن الحادث الطبيعي أثر في أخلاق المصريين فانقسموا أحزابًا يضاد بعضها بعضًا ثم عادوا فاتحدوا على خلع الناصر، فرأى أنه لا يقوى على دفعهم وخاف على حياته فترك القاهرة مظهرًا للحج وسار مع بطانته إلى الكرك، وكان له فيها ثروة تبلغ ٢٧ ألف دينار ومليون وسبعمائة ألف درهم، فاستولى عليها وحصن المدينة ثم بعث بالختم السلطاني إلى المماليك مصرحًا بتنازله ومفوضًا لهم تولية من أرادوا.

(١٦) سلطة بيبرس الجاشنكير (من سنة ٧٠٨–٧٠٩هـ أو من ١٣٠٨–١٣٠٩م)

فوصل كتابه إليهم في ٢٥ رمضان سنة ٧٠٨هـ فبايعوا الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير (بيبرس الثاني) ولقبوه بالملك المظفر وهو من مماليك الملك المنصور قلاوون، ومما يؤكد ذلك أنهم وجدوا بين أسلحته سيفًا منقوشًا عليه اسمه مشفوعًا بلقب «المنصوري والسيفي» كما ترى في الشكل.

fig4
شكل ١-٤: اسم السلطان بيبرس الثاني على سيفه.

وفي أواخر هذه السنة قدم الإفرنج بموافقة صاحب قبرص لغزو دمياط بحرًا، فاتفق الأمراء في القاهرة على إنشاء جسر يمتد من القاهرة إلى دمياط خوفًا من قدوم الإفرنج بحرًا في أيام الفيضان فيتعذر الوصول إلى دمياط، فكتبوا بذلك إلى الأعمال أن يخرجوا بالرجال والأبقار لإتمام ذلك، فاجتمع ستمائة رأس بقر و٣٠ ألف رجل وباشروا العمل وأنهوه في شهر واحد، فكان طوله من دمياط إلى قليوب وعرضه أربع قصبات من أعلاه وست قصبات من أسفله ومشى عليه ستة رءوس من الخيل صفًّا واحدًا، ومن آثاره في القاهرة جامعه المعروف بجامع جاشنكير في الجملية مبني على مثال جامع السلطان حسن ولا يزال مسجدًا إلى هذه الغاية.

ثم ندم الملك الناصر لاستقالته وتخليه عن مقاليد الأعمال لأحد مماليكه فجعل يترقب فرصة لتسلق العرش ثالثة. وفي شهر شعبان من سنة ٧٠٩هـ بارح الكرك مستخلفًا عليها أرغون أحد مماليكه المتقربين وجاء دمشق فبايعه أمراؤها، فجند إلى مصر ومعه رجال عديدون، وكان الأمير برلك أحد زعماء المماليك قد نبذ طاعة بيبرس ومعه كثيرون من نخبة رجاله، فتشجع الناصر وقدم القاهرة. أما بيبرس فخاف ولم ير سبيلًا لنجاته إلا بالتنازل فاستقال في الليلة الأولى من شهر شوال بعد أن ضم إليه مبلغًا مقداره ٣٠٠ ألف دينار وكثيرا من الجمال والخيل، وهم إلى مصر العليا طامعًا في الاستيلاء عليها فلاقاه خارج القاهرة سرب من الأسافل أوسعوه شتمًا ورجمًا فرشقهم بما كان معه من النقود وسار حتى جاء أخميم فنزل فيها.

(١٧) سلطنة الملك الناصر بن قلاوون (ثالثةً) (من سنة ٧٠٩–٧٤١هـ أو من ١٣٠٩–١٣٤١م)

وفي غد مبارحة بيبرس القاهرة دخلها الملك الناصر باحتفال عظيم، وهي المرة الثالثة لتوليه، وكان ذلك يوم عيد رمضان فزاد العيد بهجة. فاستتبع الهاربين وقبض عليهم وجردهم مما أخذوه وقتل بيبرس، وكان سن الملك الناصر اذ ذاك ٢٥ سنة صرف ١٦ منها في مقاساة الأهوال حتى عرف كيف تؤكل الكتف وكيف يجب أن ترسخ قدمه في الملك، فكان ذلك بمثابة الأمثولة له، فمكث على دست السلطنة هذه المرة حتى توفي أي مدة ٣٣ سنة.

وكان النصارى إلى أيام هذا الملك يقيمون احتفالًا سنويًّا في ٨ بشنس في ناحية شبرا من ضواحي النيل يسمونه احتفال عيد الشهيد؛ زعمًا منهم أن النيل لا يفي إلا إذا ألقوا فيه تابوتًا من خشب فيه أصبع من أصابع ابائهم المائتين، فكانوا يجتمعون من سائر القرى أفواجًا على اختلاف الدرجات والنزعات ويكثرون بسبب ذلك من الغناء وشرب المسكر، فكانوا ينفقون مبالغ فاحشة في هذا السبيل، وكان فلاحو شبرا يركنون في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في ذلك العيد، فأمر الملك الناصر بإبطال هذه العادة كليًّا. وأبطل كثيرًا من الضرائب الظالمة كزكاة الدولة، وهو ما كان يؤخذ من الرجل عن زكاة ماله أبدا ولو عدم منه، وإذا مات يؤخذ من ورثته، وأبطل ما كان يجبى من أهل القاهرة وضواحيها إذا حضر مبشر بفتح حصن أو نحوه، فإنهم كانوا يأخذون من الناس كل واحد على قدر طاقته وكان يجتمع من ذلك مال كثير. وأبطل ما كان يجبى من أهل الذمة وهو دينار سوى الجالية برسم نفقة الأجناد في كل سنة، وكانت العادة إذا كان وفاء النيل أن يجبوا من التجار والباعة دينارًا من كل واحد قيامًا باحتفال كانوا يقيمونه عند المقياس يكثرون فيه من الشوي والحلوى والفاكهة، فأبطل الجباية وأمر بصرف ذلك من بيت المال.

أما أعماله فأكثرها بناء وترميم فقد بنى في سنة ٧١٧هـ جسرًا بين بولاق وميت شيرج لحجز مياه النيل عند الفيضان، وكانت الأرض واطية ولم يكن فيها شي من البناء، فإذا ارتفع النيل جرى على مسافة قصيرة من المقس (ثمن الأزبكية) فلما بنى الجسر كفت الماء إلا يسيرًا، فتكون هناك جزيرة دعوها جزيرة بولاق، فأقيمت فيها المساكن ثم اتصلت بالبر الحقيقي، فأصبحت جزءًا منه فاتخذوها مرسى للسفن الواردة إلى مصر، ولا تزال كذلك إلى هذا اليوم، وهذا ما يعبر عنه الآن بثمن بولاق.

وفي سنة ٧١٨هـ ابتنى جامعًا في القلعة دعاه الجامع الناصري وكان هو الجامع الملوكي الذي يصلي فيه السلطان وحاشيته، ولما بني جامع محمد على بجانبه صار يدعى الجامع العتيق. وقد جعلته الحكومة المصرية مؤخرًا مخزنًا للمهمات العسكرية، أما الآن فقد أخلي من المهمات وعرض للفرجة وهو قائم على يسار المقبل على جامع محمد علي في القلعة.

وكانت مدة حكم الناصر هذه المرة كلها سكينة وسلامًا خارجًا وداخلًا، ولم يخرج من مصر كل هذه المدة إلا مرتين لزيارة الحرمين، ولم يتخابر مع دولة أخرى إلا التتر، وذلك بشأن تزوجه بابنة أزبك خان سنة ٧٢٠هـ، فكان منعكفًا بكليته إلى ترقية شأن البلاد، فأقام فيها ولا سيما في القاهرة مشروعات كلية الأهمية، منها نزح الخليج المدعو باسمه (الخليج الناصري) سنة ٧٢٧هـ. وقد أنشأ سنة ٧٢٨هـ سبعة جسور وفي السنة التالية أنشأ مرصدًا في الميدان وشاد قصرًا على أنقاض قصر الأشرف، فانتهى منه في سنة ٧٣٤هـ، وأقام جسور شيبين سنة ٧٣٥هـ. وابتنى عدا عن الجامع الناصري المتقدم ذكره جامعًا آخر بجانب جامع أبيه في شارع النحاسين يشاهد فيه عند الدخول إليه أعمدة ملتفة يقال إن الملك الأشرف بن قلاوون جاء بها من عكا تذكارًا للظفر، وهناك كتابة يقول فيها: إن الذي بنى ذلك المشهد هو السلطان محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي سنة ٦٩٨هـ، والمقريزي يقول: إن بناءه تم سنة ٧٠٣هـ وأن الملك العادل كتبوغا هو الذي وضع أساسه أيام السلطنة. وشاد الناصر دارًا كبيرة دعاها دار العدل وأنشأ عيونًا كثيرة ومدارس عالية متعددة وأتم بناء البيمارستان الذي شرع أبوه في بنائه وزاد فيه كثيرًا وخصص مالًا معلومًا للنفقة عليه.

ومن أعماله الحميدة أنه أبطل جميع الضرائب الظالمة التي كانت تؤخذ على كل ما يباع ويشترى من حيوان ونبات وعقار فأحبته الرعية وأجمعوا على طاعته، فاستتبت الراحة وعمر الصعيد على وجه خاص. ولم يشب الراحة إلا تنازع الوزراء على منصب الوزارة فألغاه حسمًا للمشاكل.

وفي سنة ٧٣٨هـ توفي ابنه أنوق فحزن عليه حزنًا شديدًا أورثه مرضًا رافقه حتى الموت، فتوفي الناصر في ٢١ ذي الحجة سنة ٧٤١هـ وسنه ٥٧ سنة ومدة حكمه ٤٤ سنة وبضعة أشهر، عن ثمانية أولاد ذكور تناوبوا الملك بعده الواحد بعد الآخر إلا أن تنصيبهم وخلعهم كانا منوطين بأحزاب متضادة لا يستقرون على حال، فكانت مدات حكمهم قصيرة جدا.

fig5
شكل ١-٥: نقود الملك الناصر بن قلاوون.

وترى في الشكل صورة نقود الملك الناصر بن قلاوون النحاسية.

(١٨) سلطنة أولاد الناصر وهم أبو بكر وقوجوق وأحمد وإسماعيل وشعبان وحاجي وحسن وصلاح الدين (من سنة ٧٤١–٧٥٣هـ أو من ١٣٤١–١٣٥١م)

فأول من تولى بعد الملك الناصر ابنه البكر سيف الدين أبو بكر ولقب بالملك المنصور (الرابع) وبعد أربعين يومًا عزل ونفي إلى قوص في مصر العليا وتوفي سنة ٧٤٢هـ، وفي يوم خلعه سطا المماليك على نساء أبيه وأهانوهن ونهبوا متاعهن. فبويع أخوه علاء الدين قوجوق وله من العمر ست سنوات فقط ولقب بالملك الأشرف.

وبعد خمسة أشهر أي في رمضان من تلك السنة خلع الأشرف وسجن في قلعة القاهرة فتوفي هناك. فبويع أخوه شهاب الدين أحمد وكان متغيبًا في الكرك فاستقدم وبويع ولقب بالملك الناصر (الثاني) وفي ١٢ محرم سنة ٧٤٣هـ أعيد إلى الكرك منفاه الأول. فبويع أخوه عماد الدين إسماعيل ولقب بالملك الصالح، وهذا بقي على كرسي السلطنة أكثر قليلًا من إخوته السابقين، أي ثلاث سنوات وشهرين وبضعة أيام. وأهم ما حصل في أيامه أنه أعاد منصب الوزارة إلى حكمه سنة ٧٤٤هـ وكان قد ألغاه أبوه كما رأيت، وأنه قتل أخاه شهاب الدين أحمد سنة ٧٤٥هـ وكان منفيًّا في الكرك، ثم انتهت سلطته بموته في ٤ ربيع آخر سنة ٧٤٦هـ. فبويع أخوه الخامس زين الدين شعبان ولقب بالملك الكامل، ولكنه لم يكن اسمًا على مسمى، فأبغضته الرعية وهجاه الشعراء. ومكث حاكمًا سنة وبضعة أشهر وفي جمادى الأولى سنة ٧٤٧هـ عزل. فبويع أخوه السادس زين الدين حاجي ولقب بالملك المظفر (الثالث) وكان أكثر استبدادا من سلفه فلم تطل مدة حكمه أكثر من سنة وثلاثة أشهر فذبح في ١٢ رمضان سنة ٧٤٨هـ. فبويع أخوه السابع ناصر الدين حسن ولقب بالملك الناصر (الثالث) وقد كان من سيره في الملك ما كان لأبيه فحكم ثلاث سنوات وعشرة أشهر بمساعدة نائبه الأمير الطمش وخلع في غرة رجب سنة ٧٥٢هـ وسجن في قلعة القاهرة. فبويع أخوه الثامن صالح صلاح الدين ولقب بالملك الصالح (الثاني) وكان على وزارته الأمير شيخو العمري، وإلى هذا الأمير ينسب الجامع المعروف بجامع شيخون أو شيخو في الصليبة غربي الرميلة، أوهما جامعان واحد على كل من جانبي الطريق وكلاهما يعرفان بهذا الاسم. وبقي الصالح على دست السلطنة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر و١٤ يوما.

وفي سنة ٧٥٤هـ دهم القطر طاعون وانتشر حتى عم البلاد واختطف الإمام الحاكم بأمر الله (الثاني) وصي الخلافة فبويع عمه المعتضد بالله.

وفي أوائل سنة ٧٥٥ رفع المسلمون إلى الملك الصالح تقارير مفصلة بما للنصارى من الأملاك الموقوفة للأديرة، فأحيلت هذه التقارير إلى ديوان الأحباس فوجد أن للنصارى أوقافًا تبلغ ٢٥ ألف فدان من الطين، كلها موقوفة للكنائس والأديرة، فعرضت على الأمير شيخو والأمير صرغتمش والأمير طاز وكانوا قائمين بتدبير الدولة، فقرروا أن ينعم بذلك على الأمراء زيادة على إقطاعاتهم وهدموا للنصارى عدة كنائس. وفي أواخر رجب من هذه السنة خرج الحاجب والأمير علاء الدين علي بن الكوراني وكان واليًا على القاهرة إلى ناحية شبرا الخيام من ضواحي مصر، فهدم كنيسة للنصارى وأخذ منها أصبع الشهيد في صندوق وأحضره إلى الملك الصالح، فأحرق بين يديه في الميدان وذرى رماده في البحر حتى لا يأخذه النصارى، فبطل عيد الشهيد من يومئذ كليًّا. وكان بين المترشحين للوزارة وزيران قبطيان مرتدان هما موفق الدين وعلم الدين فتنازعا عليها وانضم إلى كل منهما أحزاب فانتهى الخصام بخلع الملك الصالح في ٢٢ شوال سنة ٧٥٥هـ، وكان منشأ هذا النزاع دسيسة من أخيه الملك الناصر حسن باتفاق مع الأمير تاج الدين، وكان الناصر مسجونًا ففاز بمراده وخلع أخاه فأخرج من السجن وبويع وبقي الملك الناصر حسن على دست السلطنة هذه المرة ست سنوات وسبعة أشهر وبضعة أيام بمساعدة الأمير تاج الدين، فولاه الوزارة مكافأة لمسعاه. وفي ٩ جمادى الأولى سنة ٧٦٢هـ قتل بمكيدة من كبار أمرائه.

ومن مآثره الباقية إلى هذا العهد جامعه في الرملية مقابل قلعة الجبل في القاهرة، وهو المعروف بجامع السلطان حسن أو بجامع الحسنية، وهو من أجمل جوامع القاهرة وأتقنها، اقتضى لبنائه ٣ سنوات أنفق عليه في خلالها ما يساوي ستمائة جنيه كل يوم، وقد جاء بالحجارة الكبيرة من أنقاض الأهرام ونقش عليه الكتابات الكوفية والعربية فزادته رونقا وجمالًا، وقد أصبح الآن وعلى وجهه ملامح الشيخوخة، لكنها لم تزده الا عظمة ووقارا.

fig6
شكل ١-٦: نقود الملك ناصر الدين حسن.

وترى في الشكل السادس صورة النقود الذهبية للملك الناصر ناصر الدين حسن.

(١٩) سلطنة محمد بن حاجي (من سنة ٧٦٢–٧٦٤هـ أو من ١٣٦٠–١٣٦٢م)

ولما قتل السلطان حسن بويع ابن أخيه محمد بن الملك المظفر حاجي وسنه ١٤ سنة ولقب بالملك المنصور (الخامس) وفي منتصف شعبان سنة ٧٦٤هـ اضطر إلى التنازل عن الملك لابن عمه شعبان بن حسن وسنه عشر سنوات فبويع ولقب بالملك الأشرف (الثالث).

fig7
شكل ١-٧: نقود الملك المنصور ضربت في القاهرة سنة ٧٦٤هـ.

وترى في الشكل صورة النقود الذهبية للملك المنصور محمد ضربت في القاهرة سنة ٧٦٤هـ.

(٢٠) سلطنة شعبان بن حسن (من سنة ٧٦٤–٧٧٨هـ أو من ١٣٦٢–١٣٧٦م)

وحكم الأشرف شعبان ١٤ سنة وشهرين وبضعة أيام معظمها سكينة وسلام، وفي السنة الثالثة من حكمه أصيبت مصر وسوريا بقحط ضايق على الناس حتى أكلوا الكلاب والقطط وأكل بعضهم أولاده من شدة الجوع، واستمر الأمر كذلك في بعض الأماكن ٣ سنوات، ولما كانت السنة الحادية عشرة من حكمه أصاب البلاد حروب أهلية أشد وطأة من الجوع، وسببها أن يلبغا العمري أحد أمراء المماليك كان نائبًا للملك، ففي سنة ٧٧٦هـ سطت عليه عصبة من مماليكه في قصره فقتلوه وساروا يريدون مثل ذلك من السلطان نفسه، فردهم بعد حرب هائلة قتل فيها زعيمهم فتشتتوا فولى على النيابة الجاي اليوسفي، وكان طماعًا مريدًا فتقرب من السلطان حتى تزوج بوالدته، فنال منها ثروة عظيمة، فقويت شوكته وكثر متشيعوه فطمع بالسلطة فقتل زوجته المذكورة وتواطأ مع قاتلي يلبغا على قتل السلطان فهاجموه، فدفعهم ورئيسهم وقتل منهم جمعًا كبيرًا وتبعهم رجاله حتى أغرقوهم في النيل. ولم يكد يطمأن من هذا القبيل حتى اجتمع عليه أضداد يريدون قتله، فتربصوا ينتظرون فرصة حتى إذا كان عائدا من زيارة الحرمين كمنوا له في مضيق العقبة فقتلوا من معه من الحاشية، ولم يقفوا للسلطان على أثر فظنوا أنه قتل فعادوا إلى القاهرة وعهدوا إلى الخليفة المتوكل بالله العباسي، وكان قد تولى الخلافة بعد المعتضد بالله سنة ٧٦٣هـ أن يبايع من يشاء. فكتب إليهم: «اختاروا من بينكم من تشاءون وأنا أصادق على بيعته.» ثم علم الأمراء أن الأشرف لا يزال حيًّا مختبئًا في القاهرة، فقبضوا عليه وخنقوه في ١٥ ذي الحجة سنة ٧٧٨هـ.

fig8
شكل ١-٨: نقود الملك الأشرف شعبان.

وترى في الشكل الثامن نقود الملك الأشرف شعبان.

(٢١) سلطنة علي بن شعبان (من سنة ٧٧٨–٧٨٣هـ أو من ١٣٧٦–١٣٨١م)

وبايعوا ابنه علاء الدين علي وسنه ٧ سنوات فسر بذلك المنصب لصغر سنه ولم يعلم أنه مدفن أبيه ولا يلبث حتى يلحق به. فلقبوه بالملك المنصور (السادس) وأقاموا له الأمير لاين بك وصيا. ثم أبدل لاين بلامير قرطاي ثم أبدل هذا بالأمير برقوق. وهو الذي سيأتي على ختام هذه الدلة وتأسيس دولة جديدة. وقد كانت هذه مقاصده منذ ولي الوصاية، لكنه بقي محافظًا على ولاء مولاه إلى أن توفاه الله في شهر ربيع أول سنة ٧٨٣هـ وكانت مدة حكمه أربع سنوات وأربعة أشهر.

(٢٢) سلطنة حاجي بن شعبان (من سنة ٧٨٣–٧٨٤هـ أو من ١٣٨١–١٣٨٢م)

فبويع أخوه زين الدين حاجي وسنه ست سنوات ولقب بالملك الصالح (الثالث) ولم تمر على مبايعته سنة ونصف حتى مل برقوق من إخفاء مقاصده فخلعه ونفاه في ١٩ رمضان سنة ٧٨٤هـ واستلم مقاليد الملك. وكان الملك المنصور هذا آخر من حكم من دولة المماليك الأولى سلالة قلاوون المسماة بالبحرية أو التركمانية، فانقرضت دولتهم بعد أن حكمت نحوًا من مائة وست وثلاثين سنة، أولها امرأة وآخرها صبي، وقامت دولة المماليك الثانية أو الشراكسة.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.