الفصل الثاني

دولة المماليك الثانية

من سنة ٧٨٤–٩٢٣هـ أو من ١٣٨٢–١٥١٧م

(١) منشأ المماليك الشراكسة

وقد دعيت هذه الدولة بدولة المماليك الشراكسة نسبة إلى منشأ سلاطينها فإنهم من الشعب الشركسي، ويدعى أيضًا كركس أو جركس أو كرغز، وهم لم ينشئوا في آسيا العليا إنما جاءوا إليها من سيبيريا ونواحي بحيرة بيكال منذ الجيل السادس للميلاد، ثم هاجروا إلى غربي بحر قسبين فاستوطنوا هناك ودعيت تلك البلاد شركاسيا. وكان المماليك الشراكسة يحملون من بلادهم للاتجار بهم في جهات العالم، فاقتنى منهم سلطان المماليك البحرية الأخير عددًا وافرًا فضلًا عن المماليك البحرية اقتداء بأسلافه. وكانوا يستخدمونهم في مصالح الدولة فارتقوا فيها تبعًا لما خصتهم به الطبيعة من الجمال والذكاء حتى صارت إليهم حماية الحصون والقلاع، فجعلوا سكناهم في الأبراج فلقبوا بالبرجية، وما زالوا يزدادون عددًا وقوة ومنعة حتى تاقت نفوسهم إلى تسلق كرسي الملك يجعلونها إرثا لنسلهم. وقد رأينا أنهم تمكنوا مما أرادوا فخلعوا حاجي بن شعبان وبايعوا برقوق.

أما برقوق فهو ابن مرتد شركسي اسمه أنس من قبيلة كسا استُملك في شركاسيا وقيد إلى القرم، فاشتراه رجل مسلم يقال له عثمان وجاء به إلى مصر سنة ٧٦٢هـ وباعه للأمير يلبغا فجعله في عداد مماليكه، إلا أن نباهة برقوق وجماله ومهابته استلفتت انتباه سيده، فبالغ في إكرامه وترقيته حتى أدخله في بطانته ولقبه بالشيخ إشارة إلى براعته بالفقه وسائر العلوم الإسلامية وجعله في مصاف الأمراء، وكان يلقب أيضًا بالعثماني واليلبغاوي، وما زال في خدمته إلى أن قضى الله على يلبغا بما قضى وتشتتت مماليكه، فبقي برقوق وأمير آخر يقال له بركة لأنهما كانا في السجن، ثم أطلقا فدخلا في خدمة منجك حاكم دمشق. ثم عاد إلى مصر بطلب من الملك الأشرف شعبان فتمكن برقوق بوسائط مختلفة من الحصول على رتبة باش أمير ياخور وقيادة ألف رجل، فأصبح من الذين يطمعون في نيابة الملك فتولاها ولقب بأتابك الجيوش. وتولى رفيقه بركة رئاسة حكومات الأعمال (المديريات) وما زالت الحال كذلك حتى خلع الملك الصالح حاجي، فتمكن برقوق بمساعدة أحزابه أن يتسلق كرسي الملك في ١٩ رمضان سنة ٧٨٤هـ كما رأيت.

(٢) سلطنة الملك الظاهر برقوق (من سنة ٧٨٤–٨٠١هـ أو من ١٣٨٢–١٣٩٨م)

فأقر الخليفة المتوكل بالله على تولية برقوق وبايعه جميع القضاة والمشايخ والعلماء والأمراء ولقبوه بالملك الظاهر، وهو لقب أعظم من حكم مصر من دولة المماليك الأولى نعني به ركن الدين بيبرس البندقداري.

وكان تيمورلنك الشهير إذ ذاك قد ملأ الأرض بافتتاحاته حتى سمع دويها في سوريا إذ جاء يتهدد حدودها، فنهض إليه برقوق في جيش عظيم فأوقفه عند حده لكنه لم يكد يتخلص من ذلك العدو التتري حتى ظهر له عدو في بيته نعني به الخليفة المتوكل بالله، فإنه دعا إلى خلع برقوق فالتفت حوله دعاة عديدون، فاجتمع برقوق بالمشايخ والائمة والعلماء، وأجمع معهم على خلع الخليفة فخلعه وحبسه في القلعة سنة ٧٨٧هـ ونصب عمرًا أخا إبراهيم ولقبه بالواثق بالله. ثم توفي الواثق في ١٩ شوال سنة ٧٨٨هـ فنصب أبا يحيى زكريا عمر ابن الخليفة المستنصر بالله. وهذا لم يلبث طويلًا لأنه أساء للسلطان برقوق فخلعه في جمادى الأولى سنة ٧٩١هـ وأعاد المتوكل بالله، لكنه ندم بعد ذلك لما رأى من سعيه إلى خلعه، فحاول تنزيله ثانية فلم يستطع لأن المتوكل كان قد تواطأ مع أحد الأمراء المسمى منطاش على خلعه ووافقهما سائر الأمراء ورجال الدولة، فخلعوه بعد أن حكم ست سنوات وسبعة أشهر وبضعة أيام وأرسلوه منفيا إلى قلعة الكرك منفى السلاطين في تلك الأيام واستقدموا السلطان حاجي آخر سلاطين دولة المماليك البحرية وهو الذي خلعه برقوق، فبايعوه في ٦ جمادى الآخرة سنة ٧٩١هـ. وكان يلقب بالملك الصالح فأبدله بالملك المنصور، لكنه لم يهنأ بهذه التولية الثانية لأن المتوكل ومنطاش بعد أن سعيا إلى توليته ندما فأنزلاه وأعادا برقوق في ٤ صفر سنة ٧٩٢هـ فتعلم برقوق هذه المرة كيف يستبقي الملك في يده، فبادر حالًا إلى الملك المنصور حاجي وأماته وكل من كان على دعوته منعًا لدسائسهم. ثم عمد إلى الخارجية فوطد الأمن في أنحائها ولم يكن يثق بمقاصد أحزاب الخلفاء، فجعل يتداخل في أحزابهم فيتحد تارة مع هولاء وطورًا مع هولاء لاستدامة الشقاق بينهم فلا يتفقون على خلعه.

وفي سنة ٧٩٤هـ أهداه قرا يوسف أمير الدولة المادية مدينة تبريز فبعث إليه برقوق خلعة وفوض إليه أن يفتتح ما استطاع من المدن، على أن يكون واليًا عليها. لكنه لم يلبث حتى أتى القاهرة في السنة التالية مع أحد محالفيه أحمد بن عويس فارين من وجه تيمور لنك، وكانا قد التجآ إلى منويل إمبراطور القسطنطينية فلم يؤمنهما لأنه كان في ريبة من أمره مع دولة جديدة قارب صبحها من الانفجار، وهي الدولة التي لقبت بعد ذلك بالدولة العثمانية نسبة إلى عثمان الغازي أول سلاطينها. وكان ذلك في عهد بيازيد بن مراد رابع سلاطين هذه العائلة الظافرة، وكان قد غزا معظم إيالات المملكة الرومانية الشرقية وأعظمها حتى تهدد القسطنطينية، فجاءه التتر من ورائه تحت قيادة تيمورلنك فأوقفوه عن مقصده وأصبحت قاره آسيا بين مناظرين عظيمين يتنازعانها، وكل منهما ذو بأس شديد، وهما تيمورلنك التتري وبيازيد التركي، فتلاطمت الزوبعتان فأرجفت لهما أفريقيا واضطربت مصر من دويهما.

وطمحت أنظار هذين الفاتحين إلى مصر فبعث كل منهما وفدًا إلى القاهرة، فطلب وفد بيازيد إلى برقوق أن يعاهدهم على السلم وإلى الخليفة المقيم في القاهرة أن يقرهم رسميًّا على سلطنة الأناضول فأجابهم إلى ما طلبوه، أما وفد تيمورلنك فاتخذوا خطة أخرى في مأموريتهم لأنهم استعملوا الخشونة والفظاظة في أقوالهم ومطاليبهم، وطلبوا إليه أن يسلم لهم قرا يوسف وأحمد بن عويس اللذين قد التجآ إليه، فطيب برقوق خاطرهم وأخذهم بالملاينة فازدادوا فجورًا فأمر بقتلهم، فشق ذلك على تيمورلنك فساق جيشه وقدم للانتقام فمر بالرها فافتتحها وقتل من فيها، ثم جاء حلب فأنكى فيها ثم توقف تيمورلنك عن مسيره لغرض في نفسه ليسهل عليه افتتاح مصر. فلم يغفل برقوق عن ذلك فأكثر من الجند والسلاح وتأهب للدفاع أو الهجوم لكنه لم يكد يتم هذه التأهبات حتى أدركته الوفاة بداء الصرع في يوم الجمعة ١٥ شوال سنة ٨٠١هـ وسنه ستون سنة، فأسف عليه الناس أسفًا شديدًا لما كان من عدله ويقظته ورفقه برعيته. ومن أدلة ذلك أنه خفف عوائد الحبوب وأبطل العوائد التي كانت تؤخذ على الأثمار والفواكه الواردة عن طريق بولاق، وكان كثير التصدق على الفقراء محبًّا للعلم والعلماء، فبنى مدرسة دعاها المدرسة الظاهرية نسبة إليه. وابتنى جامعًا لا يزال إلى الآن معروفًا باسم جامع السلطان برقوق واقعًا بجانب جامع الملك الناصر المتقدم ذكره في شارع النحاسين. وكان له ولع خاص في اقتناء الأسلحة والخيول الجياد والاستكثار من المماليك الشراكسة أبناء جلدته، فنظم منهم فرقة يركن إليها عند الحاجة. وجعل في مصالح الدولة مراتب هذه أهمها:
  • (١)

    أتابك العساكر.

  • (٢)

    رأس نوبة الأمراء.

  • (٣)

    أمير السلاح.

  • (٤)

    أمير المجلس.

  • (٥)

    أمير الياخور.

  • (٦)

    دوادار.

  • (٧)

    رأس النوبة الثاني.

  • (٨)

    حاجب الحجاب.

  • (٩)

    النائب.

وكانت مقاليد الحل والربط بيد هؤلاء التسعة فإذا أجمعوا على أمر أنفذوه ولا مرد لقضائهم.

(٣) سلطنة فرج بن برقوق (أولاً) (من سنة ٨٠١–٨٠٨هـ أو من ١٣٩٨–١٤٠٥م)

فلما توفي السلطان برقوق بايعوا بكر أبنائه فرج زين الدين الملقب بأبي السعادات وسنه ست وعشرون سنة ولقبوه بالملك الناصر. وفي أول حكمه ثار الأتابك يطمش وتنم الفرساني حاكم سوريا، فتواطأ هذا الأخير مع يلبغا السالمي حاكم حلب فاستولى على مضايق فلسطين على نية الاستيلاء على سائر مدنها، إلا أن حدسه لم يتحقق فأخذت منه المضايق وضويق عليه حتى قيد أسيرا وقتل هو وكل دعاته. ولم تكد تنجو مصر من هذه النازلة حتى داهمتها نازلة أشد وطأة وأصعب مراسا؛ فإن تيمورلنك بعد أن أنهى حروبه في الهند وبغداد وسيواس وملاطية سنة ٨٠٣هـ أمعن في سوريا فاستولى على حلب وحمص بعد حرب شديدة، وفر فرج إلى مصر رغمًا عنه فجمع إليه رجاله وتأهب للدفاع ثم بلغه أن عدوه انشغل عنه بمحاربة بيازيد في الأناضول فسكن روعه ثم جاءته الأنباء بفوز تيمور وانكسار بيازيد وأسره سنة ٨٠٤هـ في وقعة أنقرة، فخارت قواه وقنط من الفرج فبعث إليه تيمورلنك أن يسلم بسلطنة التتر ويبعث إليهم بأحمد وقرا يوسف حالًا وبعث إليه فيلًا هنديًّا، فلم يسع فرج إلا الإذعان لقضاء الله، فأجابه إلى طلبه صاغرًا وأهداه زرافة حبشية معترفًا بسيادة التتر على مصر وقيامه بأحكامها بالنيابة عنهم. أما أحمد وقرا يوسف فقال إنهما احتميا به وحقوق الضيافة تمنعه من تسليمهما فيكون هو الجاني عليهما، لكنه وعد أن يسجنهما عنده فاستقرت سيادة تيمور على مصر. وفي سنة ٨٠٦هـ شرقت مصر بقصور النيل فدهي أهل الصعيد من ذلك بما لا يوصف، حتى إنه مات في مدينة قوص وحدها ١٧ ألف إنسان ومات في مدينة اسيوط ١١ألفًا ونحو ذلك من مدن أخرى. وفي ١٧ شعبان من السنة التالية أدرك تيمور القضاء المبرم في اوترار وتخاصم أبناؤه على الملك، فاغتنم فرج تلك الفرصة للتخلص من سلطة التتر والإفراج عن أحمد وقرا يوسف فأفرج عنهما فسار إلى بلادهما.

ثم أخذ بالتأهب لاسترجاع سوريا بنفسه فلم يكد يتم الاستعداد حتى ضويق عليه في قصره. وسبب ذلك أن المصريين لما رأوا إذعانه لتيمورلنك وتسليمه بسيادته على بلادهم حسبوا ذلك خيانة وضعفًا، وأيقنوا أنه لا يصلح لإدارة الأعمال فأقروا على خلعه وتولية أخيه عز الدين عبد العزيز، وكان أعظم في عيونهم منه، فاجتمعوا تحت لوائه وساروا لمحاصرة أخيه في قصره في ١٦ ربيع أول سنة ٨٠٨هـ وما زالوا يتهددونه حتى تنازل حفظًا لحياته وقد حكم ست سنوات وخمسة أشهر و١١ يومًا.

(٤) سلطنة عبد العزيز بن برقوق (من سنة ٨٠٨–٨٠٨هـ أو من ١٤٠٥–١٤٠٥م)

ثم خرج من قصره واختفى في مكان غير معلوم فظن الناس أنه قتل من الضوضاء والازدحام فبايعوا أخاه ولقبوه بالملك المنصور. ولم يمض شهران من توليته حتى تحققوا خيبة ظنهم به، فملوا من طاعته ومالوا بكليتهم إلى سلفه فاتصل ذلك بفرج فخرج من خبائه فتقدم إليه الناس ورجال الدولة أن يعود إلى منصبه، فعاد في جمادى الآخرة ونفى أخاه عز الدين إلى الإسكندرية فعاش فيها أشهر قليلة وتوفي في ٧ ربيع آخر سنة ٨٠٩هـ.

(٥) سلطنة فرج بن برقوق (ثانيةً) (من سنة ٨٠٨–٨١٥هـ أو من ١٤٠٥–١٤١٢م)

فلما عاد فرج إلى منصبه وجه انتباهه خصوصًا إلى استرجاع ثقة الأهلين فيه فغزا دمشق وافتتحها ثم فتح غيرها من مدن سوريا، واهتم في راحة الرعية فساد الأمن وسكنت القلوب. فإذا كانت سنة ٨١٣هـ ظهرت في القاهرة ثورة دينية ذهبت بحياته. وتفصيل ذلك أن أحد أمراء المماليك المدعو أبا نصر الملقب بالشيخ المحمودي الظاهري نسبة إلى سيده الأمير محمود أحد أمراء الملك الظاهر برقوق. وكان الملك الظاهر قد عتقه ووعده بالخدامات الحربية فطمحت أبصاره إلى السلطنة، فاستخدم لهذه الغاية الخليفة المستعين بالله وكان قد ولي الخلافة بدلًا من الخليفة المتوكل بالله منذ خمس سنوات. وقد كان الخلفاء العباسيون منذ استئصال شوكتهم من بغداد وإقامة فرعها في القاهرة لا يخرجون في اعتبار الأهالي عن حد السلطة الدينية وكانوا يلقبونهم بالأئمة. فأسر الشيخ المحمودي إلى المستعين بالله انه يمكنه إعادة السلطة السياسية إليه كما كانت لأسلافه وقال له: «إن الناس ميالون إلى ذلك بكليتهم وهم مستعدون لمبايعتكم وتنفيذ أوامركم.» فثار في قلب الخليفة حب السيادة فوافق الشيخ المحمودي، وكان فرج إذ ذاك في دمشق فاتفقا على استقدامه، فأنفذا إليه أولاً أن يتنازل عن الملك فأجاب إن جوابه الوحيد على ذلك إنما هو السيف وأخذ في إعداد مهمات الحرب، ومثل ذلك فعل الخليفة والشيخ المحمودي وتقدم الجيشان لكنهما لم يتلاحما حتى أصدر الخليفة خطًّا شريفًا بتوقيعه، فجاء بما لا يجيء به السيف ونصه: «من الإمام أبي الفضل العباسي المستعين بالله أمير المؤمنين إلى أهل مصر، إننا نصرح بخلع فرج بن برقوق عن سلطنة مصر وسوريا لأن السلطان الحقيقي عليها إنما هو الخليفة سلالة النبي () ونائبه، فطوبى لمن أذعن له وويل لمن أعرض عنه والسلام.»

فلما دار ذلك بين الجيوش أعرضوا عن فرج ولم يبق له نصير، فحاول الفرار فلم ينج فقبض عليه وقيد إلى الخليفة فانتحل له ذنبا يستوجب عليه المحاكمة. وهو أنه كان قد اضطر لكثرة ما أنفقه في محاربة التتر أن يفرض على الأهالي ضرائب فوق العادة، فرفعت عليه عرائض التشكي إلى مجلس الأئمة والفقهاء، أنه اختلس الأهالي وخرب البلاد وأنه تمرد على الخليفة ظل الله على الأرض، فاتخذ الخليفة هذه التشكيات ذريعة للحكم على فرج بالإعدام فقتلوه في ٢٥ محرم سنة ٨١٥هـ خارج أسوار دمشق وتركوا جثته ملقاة على دمنة هناك.

(٦) سلطنة الإمام المستعين بالله (من سنة ٨١٥–٨١٥هـ أو من ١٤١٢–١٤١٢م)

فأصبحت السلطة الروحية والسياسية بيد المستعين بالله فبايعه الأمراء وقواد الجند ولقبوه بالملك العادل، فاستلم مقاليد الأحكام وجعل الشيخ المحمودي رئيسًا لشوراه. وأخذ في إصلاح الأحوال وتنظيم الأحكام ووجه انتباهه إلى ما يكتسب به ثقة الرعية، فأعاد الأمن إلى البلاد بمقاصة المعتدين وأظهر لياقته لما عهد إليه، فشرع في إصلاح أمور الأحكام وإنصاف المظلومين وبذل العطاء فأحبته الأهالي. أما الشيخ المحمودي فقد كان في باله أنه أقام هذه الثورة خدمة لأغراضه وليس للخليفة، فرأى أنه أصبح بعدها آله بيد ذلك السلطان الجديد، فأضمر له شرًّا ونوى على خلعه، لكنه استخدم الحزم والتأني واغتنام الفرص المناسبة خوفًا من الوقوع في شر أعماله، فعمل على توطيد العلاقات الودية بينه وبين أمراء المماليك والتقرب منهم وإقناعهم تحت طي البساطة والإخلاص أن في هذا الخليفة شيئًا من ضعف الرأي والخمول، فضلًا عن كونه أجنبيًّا عنهم. فاستمال قلوبهم واشتد أزره فأخذ يشكو من منصبه فولاه الخليفة نيابة الملك في ٨ ربيع أول من تلك السنة، فصار أقدر على تنفيذ مآربه، وما زال ساعيًا إلى مطمح أنظاره حتى كثرت أحزابه وأصبحت أَزِمّة البلاد في يده فأجبر الخليفة على مشاركته في السلطنة فأجابه ولقبه بالملك المؤيد، وبعد يسير خطا خطوة أخرى فخلع الخليفة وحبسه في بعض غرف القصر.

(٧) سلطنة الشيخ المحمودي (من سنة ٨١٥–٨٢٤هـ أو من ١٤١٢–١٤٢١م)

فلم يستطع المستعين بالله أدنى مقاومة لكنه كتب سرًّا إلى نوروز أحد أصدقائه القدماء وكان قد ولاه سوريا يستنجده، فقدم نوروز مسرعًا إلى القاهرة في جيش فرأى أنه يقصر عن مناواة المحمودي، فأوعز إلى الخليفة أن يستخدم الوسائط الدينية كما فعل المرة الماضية، وكان الشيخ المحمودي في دمشق فأصدر منشورا بحرمانه، فاغتنم المشايخ والأمراء فرصة غيابه وجاهروا بخلعه. وبلغ ذلك الشيخ المحمودي فأسرع إلى القاهرة فخافه المشايخ والعلماء وأنكروا مجاهرتهم بحرمانه، وقالوا: إن الخليفة أولى بذلك الحرمان وألحوا على معاقبته لأنه تمرد على سلطانهم فخلعوه من السلطنة والخلافة وسجنوه ثم نفوه إلى الإسكندرية سنة ٨١٨هـ وأقاموا أخاه داود خليفة مكانه ولقبوه بالإمام المعتضد بالله، فعاد الشيخ المحمودي على كرسي السلطنة وأخذ يسعى إلى اكتساب ثقه الأهلين، فاتبع خطة الخليفة المستعين فأنصف ورفق فأمنت الرعية وسعدت البلاد، وما زالت الحال كذلك ثماني سنوات وخمسة أشهر وفي ٩ محرم سنة ٨٢٤هـ توفي السلطان الشيخ المحمودي. وكان محبًّا للعلماء يكرم مثواهم. وله بنايات جميلة من جملتها الجامع المسمى جامع المؤيد بالقرب من باب زويلة وقد جدد بناؤه، وهو كثير النقوش ولم يبق من البناء القديم إلا إيوان القبلة. وبعد وفاته عادت الأمور إلى مجراها الأول من القلاقل فتولى على السلطنة بعده ثلاثه سلاطين لم يحكموا إلا مدة قصيرة.

(٨) سلطنة أحمد بن المحمودي ثم سيف الدين تتر ثم محمد بن تتر (من سنة ٨٢٤–٨٢٥هـ أو من ١٤٢١–١٤٢٢م)

أولهم ولده شهاب الدين أحمد الملقب بالملك المظفر، وفي شوال من تلك السنة تخلى عن الملك لوصيه وحميه سيف الدين تتر الملقب بالملك الظاهر، وهذا توفي في ذي الحجة من السنة المذكورة، فبويع ابنه ناصر الدين محمد ولقب بالملك الصالح وبعد أربعة أشهر خلعه وصيه سيف الدين برس باي فقضى باقي حياته في الشقاء.

(٩) سلطنة الملك الأشرف برس باي (من سنة ٨٢٥–٨٤١هـ أو من ١٤٢٢–١٤٣٧م)

وبعد خلعه اختلف الأمراء على من يخلفه فتنحى برس باي حتى أهلك الأحزاب بعضها بعضا فتسلق السلطنة غنيمة باردة. فبويع في ٨ ربيع آخر سنة ٨٢٥هـ ولقب بالملك الأشرف، وقد كان برس باي مملوكًا أحبه سيده الملك الظاهر تتر فأعتقه ورقاه حتى جعله وصيًّا على ابنه. وفي أول حكمه تزايد وفاء النيل حتى غمر الأرض بالخيرات فكثرت الحبوب وشبع الفقراء وكان برس باي كالشيخ المحمودي حكمة ورفقًا، وقد رمم عدة مدن وشاد في القاهرة عدة بنايات منها الجامع المعروف بجامع الأشرفية تجاه سوق العطارين ابتدأ في بنائه سنة ٨٢٦هـ. وقد تمكن برس باي لحسن سياسته وحزمه من استبقاء السلطنة بيده مدة طويلة والبلاد في سكينة، إلا في سنة ٨٢٧هـ إذ ثار الأمير بنيق النجاشي وكان قد ولاه حكومة دمشق. غير أن تلك الثورة ما لبثت أن ظهرت حتى اضمحلت وعوقب الثائرون بمساعدة أمير زنجي يقال له عبد الرحمن، فولاه برس باي على سوريا بدلا من النجاشي، وكانت هذه الثورة أول القلاقل وآخرها في أيامه. أما محارباته مع الدول الأخرى فجديرة بالاعتبار لأنه جرد على الإفرنج عدة تجريدات وتغلب عليهم، فأخضع جزيرة قبرص وحمل الملك جان لوسينيان الثالث على الاعتراف بسلطانه وفرض عليه الجزية، وقد عقد مع ملوك الإفرنج وسلطان آل عثمان إذ ذاك مراد بن محمد عدة معاهدات سلمية تدل على عظيم شوكته، فكانت مصر في أيامه سعيدة داخلًا وخارجًا. وقد قال بعض المؤرخين إن الملك الأشرف برس باي أجدر الملوك الشراكسة بالمدح لأنه كان أرفعهم همة وأشدهم عزيمة وأكثرهم تدربًا في الأحكام، ومما يمتدح عليه أنه أبدل جميع التذللات التي كانت تقدم للملوك قبله بتقبيل اليد فقط. وبعد أن حكم ١٧ سنة و٨ أشهر و٦ أيام قضى يوم السبت في ١٣ ذي الحجة سنة ٨٤١هـ وسنه ستون سنة.

(١٠) سلطنة يوسف بن برس باي (من سنة ٨٤١–٨٤٢هـ أو من ١٤٣٧–١٤٣٨م)

فبويع ابنه جمال الدين يوسف الملقب بأبي المحاسن ولقب بالملك العزيز، وبعد ثلاثة أشهر من مبايعته تخاصم مماليكه وسيف الدين جقمق أتابك جيشه خصامًا انتهى بعزله ومبايعة جقمق في ١٩ ربيع أول سنة ٨٤٢هـ.

(١١) سلطنة الملك الظاهر جقمق (من سنة ٨٤٢–٨٥٧هـ أو من ١٤٣٨–١٤٥٣م)

وكان سن جقمق اذ ذاك ٦٩ سنة ولقب بالملك الظاهر وبعد سنتين من حكمه أصيبت مصر بطاعون انتشر في سائر أنحائها. وفي سنة ٨٤٦هـ توفي الإمام المعتضد بالله وكان بارًّا تقيًّا، وأوصى بالخلافة بعده إلى أخيه بالرحم، فبايعوه ولقبوه بالمستكفي بالله، وكان صديقًا للسلطان جقمق، وبعد ثماني سنوات من خلافته توفي سنة ٨٥٤هـ وكان كأخيه تقى وبرًّا حتى تخاصم الأعيان والكبراء تسابقًا إلى حمل نعشه وقت الجنازة حتى السلطان جقمق فإنه حمل به على منكبيه. فبويع أخوه ولقب بالقائم بأمر الله. كان سير هذا الخليفة مغايرًا لسير سابقيه فأبغضه السلطان وخشي من دسائسه، وكان قد تجاوز الثمانين من سنه ولم تعد فيه عزيمة على مقاومة الدسائس، فتنازل عن السلطنة لابنه فخر الدين عثمان وتوفي في ٢٩ صفر سنة ٨٥٧هـ، وهي السنة التي فتح فيها السلطان محمد بن مراد القسطنطينية وباد مملكة الرومان.

(١٢) سلطنة عثمان بن جقمق (من سنة ٨٥٧–٨٥٧هـ أو من ١٤٥٣–١٤٥٣م)

وبويع فخر الدين عثمان ولقب بالملك المنصور، أما الخليفة فلم ينفك عن دسائسه طمعًا بالسلطة، فدعا إليه زمرة من الأمراء وحملهم على نبذ طاعة الخليفة على أمل أن ينال بذلك ما ناله المستعين بالله، فانتشبت الثورة وخلع الملك المنصور عثمان في غرة شهر ربيع آخر من تلك السنة بعد أن حكم شهرًا ويومًا. أما الخليفة فخاب انتظاره وحبطت مساعيه فغادرته الأحزاب وبايعوا مملوكًا مسنًّا اسمه أبو النصر ينال ولقبوه بالملك الأشرف.

(١٣) سلطنة الملك الأشرف ينال (من سنة ٨٥٧–٨٦٥هـ أو من ١٤٥٣–١٤٦٠م)

فقال الخليفة في نفسه إن هذا السلطان شيخ فلننتظرن وفاته إنه لا يلبث أن يصيب حتفه، فانتظر ست سنوات فلم يمت فعمد إلى الدسيسة فاتصل بالوزير بلجيوني فأعلم السلطان بأمره فاستحضر الخليفة وقرعه ثم أمر بخلعه عن الخلافة. فقال الخليفة: «من أين لك أن تخلع الخلفاء ولهم وحدهم أن يولوا ويعزلوا.» فلم يجبه إلا بالنفي إلى الإسكندرية فبقي فيها مدة ثم مات، فبايعوا أخا المعتضد بالله ولقبوه بالمستنجد بالله وكان حكيمًا معتدلًا وعاش السلطان ينال بعد ذلك سنتين ولى وعزل أثناءها كثيرًا من الوزراء ثم توفي يوم الخميس ١٥ جمادى الأولى سنة ٨٦٥هـ بعد أن حكم ٨ سنوات وشهرين وستة عشر يومًا.

(١٤) سلطنة أحمد بن ينال (من سنة ٨٦٥–٨٦٥هـ أو من ١٤٦٠–١٤٦١م)

فتولى بعده ابنه شهاب الدين أحمد الملقب بأبي الفتح وكان قد تعاطى الأحكام في آخر أيام أبيه. وترى في شكل ٢-١ صورة نقود مضروبة في عهد شهاب الدين أحمد يوم كان يتعاطى الأحكام في حياة أبيه، فلما بويع لقب بالملك المؤيد، ولكنه لم يحكم إلا أربعة أشهر فعزل في ١٨ رمضان من تلك السنة وبويع سيف الدين خوش قدم ولقب بالملك الظاهر.
fig9
شكل ٢-١: نقود أبي الفتح والأشرف.

(١٥) سلطنة الظاهر خوش قدم (من سنة ٨٦٥–٨٧٢هـ أو من ١٤٦١–١٤٦٧م)

ويعرف خوش قدم هذا بالرومي لأنه يوناني الأصل وبالناصري لأنه كان من مماليك الملك الناصر، وكان محبًّا للآداب اليونانية محافظًا عليها وكان حكيمًا بارًّا حليمًا محبًّا لرعيته ساهرًا على راحتهم، ولم يكن يستوزر إلا الذين اختبر نزاهتهم ونشاطهم فأحبته الرعية وأجمعوا على طاعته والإخلاص له. ويقال بالجملة إن هذا السلطان من أفضل سلاطين مصر وقد اقتدى به رجال دولته فساد الأمن. أما الخليفة فلم يكن يتجاوز سلطته الدينية فحكم خوش قدم ست سنوات ونصف كلها سلام ونعيم، وتوفي في ١٠ ربيع أول سنة ٨٧٢هـ وسنه ستون سنة فأسف عليه الناس كثيرًا.

(١٦) سلطنة الملك الظاهر بلباي ثم الظاهر تمار بوغا (من سنة ٨٧٢–٨٧٢هـ أو من ١٤٦٧–١٤٦٧م)

فبايعوا أبا سعيد بلباي ولقبوه بالملك الظاهر فكان سميًّا لسابقه بالاسم لا بالفعل، فجاء من السيئات أكثر مما جاء ذاك من الحسنات لأنه كان مستبدًّا عاتيًا لا يغادر كبيرًا ولا صغيرًا فكرهته الناس. ولم يمض ٦٦ يومًا من توليته حتى خلعوه وذلك في ١٧ جمادى الأولى من تلك السنة وبايعوا الأمير أبا سعيد تمار بوغا الملقب بالظاهري ولقبوه بالملك الظاهر أيضًا، فكان حظه من الملك كحظ سلفه لأنه خلع بعد شهرين من توليته وبايعوا الأمير قايت باي الملقب بالمحمودي وبالظاهري ولقبوه بالملك الأشرف.

(١٧) سلطنة الملك الأشرف قايت باي (من سنة ٨٧٢–٩٠١هـ أو من ١٤٦٧–١٤٩٥م)

فتوالى على مصر في سنة ٨٧٢هـ أربعة سلاطين. أما السلطان الاخير فمكث على سرير السلطنة مدة طويلة رغمًا عما كانت عليه البلاد إذ ذاك من الاضطراب. وكان قايت باي مملوكًا محررًا من مماليك جقمق وكان لعلو همته وحسن سجاياه قابضًا على أزمة الأحزاب، فكانت البلاد آمنة مطمأنة إلا أنها اضطربت بخبر انتصار محمد الثاني العثماني على اوزون حسن ملك الفرس. وكان بين الفرس والمصريين تحالف فتنبأ قايت باي بأن ذلك التحالف سيكون سببًا لعزم العثمانيين على فتح سوريا، فأرسل حامية كبيرة إلى الحدود فأجل العثمانيون عزمهم لانشغالهم إذ ذاك بفتح البلاد النصرانية. أما قايت باي فخاف سوء العقبى ولم ير سبيلًا لرفع المسئولية عنه إلا بالتنازل عن الملك، فأدرك الأمراء شدة احتياجهم إليه في مثل تلك الأحوال الصعبة فأجبروه على قبول السلطنة ولم يكد يعلوها حتى جاءته الأنباء بانتصار محمد الثاني على الإفرنج وعزمه على فتح سوريا وذلك سنة ٨٨٥هـ. لكنه لم يخرج من بر الأناضول حتى داهمته المنية في مدينة طيقور جابر. وتخاصم ابناه بيازيد وجم (أوزيزم) على الملك فانشغلا عن الفتح، فاغتنم قايت باي تلك الفرصة للانسحاب فعاد بجيشه إلى مصر.

وما زال الخصام يتعاظم بين ابني محمد حتى كانت بينهما واقعة بني شهر فانهزم جم حتى أتى مصر فالتجأ إلى قايت باي فأكرم وفادته ثم علم أن ذلك الإكرام يهيج حاسة الانتقام في بيازيد، فقال في نفسه: «إذا كان لا بد لنا من محاربة العثمانيين فلنكن مهاجمين أولى من ان نكون مدافعين» فجعل يناوئ الأتراك ويقطع السبل على قوافلهم الناقلة الحجاج إلى الحرمين حتى قبض على وفد هندي مرسل في مهمة سياسية إلى بيازيد، واستولى على أدنه وترسوس وكانتا في حوزة العثمانيين. أما بيازيد فكان واقفًا بالمرصاد ينتحل حجة لمهاجمة المصريين فجاءت تلك الإجراءات طينة على عجينة، إلا أنه رأى أن يأتيهم من باب الحزم فأنفذ إليهم رسلًا في طلب التعويض عما سببوه من الخسائر والأضرار فأرجع قايت باي الرسل وبعث يهاجم الجيوش العثمانية، فقاومته أشد مقاومة وأرجعت جيشه إلى ملاطية فأنجدهم قايت باي بخمسة آلاف رجل فعادوا إلى العثمانيين وهم في مضايق الجبال فهجموا عليهم بغتة وذبحوا منهم عددًا كبيرًا وفر الباقون وتحصنوا في ترسوس وأدنه، فاتصل ذلك بقايت باي فأرسل الأمير الأزبكي في نجدة لإخراج العثمانيين من تينك المدينتين فسار وحارب وفاز، فشق ذلك على السلطان بيازيد وآلى على نفسه إلا أن يسترجع ترسوس وأدنه، فأنفذ جيشًا كبيرًا تحت قيادة صهره أحمد وهو ابن أمير بوسنا ولد في البانيا ثم اعتنق الإسلام وأخذ يرتقي في أعمال الدولة حسب استحقاقه حتى تمكن مع صغر سنه وكونه غير مولود في الإسلام من قيادة هذه الحملة لمحاربة الجيوش المصرية. فلما وصل إلى معسكر الأزبكي اقتتل الجيشان فهجم أحمد هجمة قوية إلا أن رجاله لم يستطيعوا الثبات ففازت الجيوش المصرية وأسر أحمد بعد أن جاهد جهادًا حسنًا، فعاد الأزبكي بمأسوره إلى مصر ظافرًا فبنى جامعه المشهور المعروف بجامع الأزبكية وإليه ينسب ثمن الأزبكية وحديقة الأزبكية، وكانت في أيامه بركة يتجمع إليها الماء في أيام الفيضان وستأتي كيفية تحويلها إلى ما هي عليه الآن.

فلما بلغ بيازيد ما كان من انكسار جيوشه استشاط غضبًا وجند جندًا كبيرًا جعله تحت قيادة علي باشا لمحاربة المصريين، فسارت تلك الحملة من الأستانة فعبرت البوسفور في ٣ ربيع آخر سنة ٨٩٣هـ ونزلت في قرمان فاتصل خبرها بقايت باي فأوجس خيفة فعمد إلى جانب المصالحة فأنفذ إلى بيازيد صهره أحمد واسطة لعقد شروط المصالحة فرفض بيازيد ذلك رفضًا كليًّا، وسار حتى التقى بالمصريين في أدنه وترسوس فحاربهم وفاز عليهم واسترجع المدينتين الواحدة بعد الأخرى بعد أن أهرق دماء غزيرة، ثم سار إلى أرمينيا الصغرى وأخضعها وحاصر عاصمتها فافتتحها بعد أن دافعت دفاعًا قويًّا وأسر حاكمها وأرسله بعد ذلك إلى مصر بدلًا من الأمير أحمد. فبعث قايت باي الأزبكي ثانية لدفع العثمانيين فواقعهم في ترسوس فغلبوه أولًا ثم عاد إليهم وفاز بهم وأعادهم القهقرى وعاد إلى القاهرة ظافرا فخلع عليه قايت باي. ثم رأى أن يغتنم كونه ظافرًا لمصالحة العثمانيين فبعث إلى بيازيد في ذلك فأجابه متهددًا وطلب إليه أن يتنازل له عن ترسوس وأدنه وإنه إذا لم يفعل يدعو الناس إلى الجهاد فيجتمع تحت لوائه كل من يدعو لآل عثمان فيجيء مصر ويفتحها فتحًا مبينًا. فخاف قايت باي وتنازل عن المدينتين ارتضاء بأهون الشرين وكان ذلك سنة ٨٩٦هـ.

وعاش قايت باي بعد مصالحة الدولة العثمانية خمس سنوات وتوفي في ٢٢ ذي القعدة سنة ٩٠١هـ بعد أن حكم ٢٩ سنة وأربعة أشهر وعشرين يوما فبكاه الناس. ومن آثاره جامعه المعروف باسمه إلى هذا العهد في القرافة خارج القاهرة. وفيه مقام قايت باي وهو مثال لما بقي من مدافن المماليك في تلك الجهة. وبنى قايت باي جامعًا في جزيرة الروضة لا يزال يشاهد هناك إلى هذا اليوم.

(١٨) سلطنة محمد بن قايت باي ثم قنسو خمسمية ثم قنسو أبي سعيد ثم قنسو جان بلد ثم الملك العادل طومان باي (من سنة ٩٠١–٩٠٦هـ أو من ١٤٩٥–١٥٠١م)

وتولى بعد قايت باي ابنه أبو السعادة محمد ولقب بالملك الناصر ولم يجلس على سلطنة مصر رجل أقل لياقة لها منه، فإنه كان أحمق جبيصًا وحشيًّا لا ديدن له إلا الانغماس في الملذات الحيوانية ولو كلفه ذلك ارتكاب أشر الآثام. وقد زادت قحته حتى سلخ جلد أحد مماليكه حيًّا فثار عليه المماليك وخلعوه بعد أن حكم ستة أشهر وبايعوا الأمير قنسو الملقب بخمسمية لأنه ابتيع بالأصل بخمسمائة دينار ولقبوه بالملك الأشرف، وبعد خمسة أشهر تنازل عن الملك عجزًا فأعادوا الملك الناصر محمد ثانية لكنه لم يبق إلا ١٨ شهرًا ونصف فذبحه المماليك في ١٦ ربيع أول سنة ٩٠٤هـ وبايعوا عم قنسو واسمه قنسو الثاني الملقب بأبي سعيد ولقبوه بالملك الظاهر، ولم يقبل هذا المنصب الخطر إلا رغمًا عنه وبعد عشرين شهرًا وبضعة أيام عزلوه، وبايعوا قنسو الثالث جان بلد ولقبوه بالملك الأشرف ولم يحكم إلا سبعة أشهر ثم خلع في ١٨ جمادى الآخرة سنة ٩٠٦هـ فأقام أمراء دمشق الأمير سيف الدين طومان باي وكان من مماليك قايت باي ولقبوه بالملك العادل، فوافقهم أمراء القاهرة على ذلك. وبعد ثلاثة أشهر أضمر له المماليك مكيدة يقتلونه بها فعلم هو بذلك ففر طلبًا للنجاة فأوى إلى مكان ظنه ملجأ حصينًا مكث فيه أربعين يوما ثم اكتشف عليه المماليك وقتلوه في ذي القعدة سنة ٩٠٦هـ، ثم اجتمع المماليك والأعيان وأرباب الدولة وتداولوا فيمن يجب أن يختاروا ليحكم فيهم من أهل اللياقة، فأقروا على الأمير قنسو الرابع الملقب بالغوري وكان هو أيضًا من مماليك قايت باي وكان رجلًا تقيًّا مخلصًا محترمًا من الناس عفيفًا غير عالم بما كان يتخاصم عليه الأمراء وما كانوا يدسونه من الدسائس. فلما بلغه أمر مبايعته انذهل ورفض قائلًا للذين انتخبوه: «إني لا أخالف لكم أمرًا إنما أراني غير لائق بهذا المنصب لأني لم أعتد معاناة الأحكام والأمر والنهي.» فأجابوه إن صدق نيته وإخلاصه وثقة الناس فيه كافية لاستحقاقه هذا المنصب. فلم ير بدًّا من القبول لكنه قال لهم: «أكون في غاية السرور إذا جئتموني يومًا تنبئوني بالإقالة من هذا المنصب، فأرجع إلى ما اعتدته من معيشة السكينة.» فولوه في غرة شوال من تلك السنة ولقبوه بالملك الأشرف أيضًا.

(١٩) سلطنة قنسو الغوري (من سنة ٩٠٦–٩٢٢هـ أو من ١٥٠١–١٥١٦م)

فاستلم الغوري مقاليد الأحكام وأخلص في الحكم فاطمأنت البلاد وسكن حالها، فأخذ في إصلاح شأنها فابتنى في القاهرة جامعًا ومدرسة ينسبان إليه وهما مدرسة الغورية وجامع الغورية في أول شارع الغورية في السكة الجديدة، كل منهما إلى جانب من الطريق. فإلى الشرق البناية التي كانت فيها المدرسة ويليها إلى الجنوب مدفن فيه مقام بعض أعضاء عائلته. وإلى الغرب الجامع ويظهر للناظر عندما يشرف عليه إنه هائل وهو مبني على مثال جامع قايت باي وعلى القبلة كتابة كوفية. وقد رمم بمساعي جمعية حفظ الآثار وإلى الشمال سبيل جميل. ثم كانت الحوادث السياسية فتوقف الغوري عن إتمام ما كان يقصده من البناء والتحسين، فإن البرتغاليين لما استولوا على بعض بلاد الهند أثقلوا على العلاقات التجارية بينها وبين مصر، فجهز قنسو الغوري إلى محاربتهم حملة عظيمة ذهبت غنيمة باردة لجيوش الإفرنج في البحر الأحمر.

وفي سنة ٩١٨هـ جاء كركود أخو السلطان سليم بن بيازيد (سليم الأول) إلى مصر ملتجأ إليها بعد أن تخاصم مع أخيه على الملك كما حصل بجم وبيازيد المتقدم ذكرهما. فترحب به قنسو الغوري ترحابًا عظيمًا وجهزه بعشرين بارجة بحرية لافتتاح القسطنطينية فذهبت هذه العمارة أيضًا غنيمة لمراكب أورشليم في البحر المتوسط ولم تكن النتيجة إلا إثارة غضب السلطان سليم على مصر فجهز إليها، وابتدأ بافتتاح الحدود السورية وأرسل إلى مصر رسائل التهديد. فاتحد الغوري مع ملك الفرس إسماعيل شاه على قهر العثمانيين وكان الفرس في حرب معهم إلا أن الجيوش العثمانية لم تبال بكثرة العدد فشتتت الجيشين وأي تشتيت. فعمد قنسو الغوري إلى مخابرة العثمانيين بأمر الصلح على أي وجه كان وبعث إلى السلطان سليم بذلك، فسارت الرسل حتى أتوا السلطان سليم فخروا سجدًا وخاطبوه بأمر الصلح فقال لهم وقد استشاط غيظًا: «لقد فات الأوان انهضوا وارجعوا إلى سلطانكم وقولوا له إن الرجل لا تعثر بحجر واحد أكثر من مرة واحدة. وها أنا ذاهب إلى القاهرة فليستعد للدفاع إن كان له أهلًا.» فعادوا وأخبروا بما كان فجمع إليه رجاله وسار لملاقاة الجيوش العثمانية فالتقى بها في مرج دابق قرب حلب فانتشبت الحرب هناك، وأظهر الغوري بسالة وإقدامًا عظيمين حتى أوشكت رجاله من الاستظهار فمنعتها مدافع العثمانيين من ذلك، ولم يكن سلاح المصريين إلا الرماح والحراب والسيوف فتشوش نظامهم ووقع الرعب في قلوبهم وانحاز قائدا جناحيهم إلى العثمانيين، وكان الغوري قائدًا لقلب الجيش فاضطر إلى الفرار فحول شكيمة جواده فسقط عنه لشدة الازدحام وذهب قتيلًا تحت أرجل الخيل في ٢٥ رجب سنة ٩٢٢هـ بعد أن حكم مدة ١٥ سنة وتسعة أشهر و٢٥ يومًا.

(٢٠) سلطنة الملك الأشرف طومان باي (من سنة ٩٢٢–٩٢٣هـ أو من ١٥١٦–١٥١٧م)

وكان السلطان قنسو الغوري قبل مبارحته القاهرة هذه المرة قد استخلف عليها ابن أخيه طومان باي (الثاني) فلما اتصل خبر تلك الموقعة بالأمراء بايعوا طومان باي ولقبوه أيضًا بالملك الأشرف وكان حازمًا باسلًا. فلما وصلت بقية الجيوش المنهزمة إلى القاهرة أمر بإعداد حملة أخرى لمحاربة العثمانيين. وكان العثمانيون في سوريا قد توقفوا للاستراحة فظن طومان باي أن الرمال المتراكمة بين سوريا ومصر تحول بين العثمانيين وما يريدون. إلا أن الامر لم يكن كما ظن لأنه لم يكد يتم إعداداته حتى أتاه كتاب السلطان سليم إلى القاهرة ونصه:

من السلطان سليم خان ابن السلطان بيازيد خان سلطان البرين وخاقان البحرين السلطان إلخ، إلى طومان باي الشركسي

«الحمد لله. أما بعد فقد تمت إرادتنا الشاهانية وباد إسماعيل شاه الهرطوقي. أما قنسو الكافر الذي حملته القحة على مناوأة الحجاج فقد نال جزاءه منا ولم يعد لدينا إلا أن نتخلص منك فإنك جار معاد والله سبحانه وتعالى يساعدنا على معاقبتك، فإذا أردت اكتساب رحمتنا الملوكاتية اخطب لنا واضرب النقود باسمنا وتعال إلى أعتابنا واقسم على طاعتنا والإخلاص لنا وإلا …»

فلما قرأ طومان باي الكتاب وما في ذيله من التهديد المستتر استشاط غيظًا وأصر على المقاتلة وكان عالمًا بعجزه لكنه فضل الموت في ساحة الحرب على التسليم. فزاد في حصون دمياط وغيرها من الحدود السورية وجمع كل ما أمكنه جمعه من الرجال وسار لملاقاة العثمانيين حتى أتى الصالحية فعسكر هناك. أما السلطان سليم فسار من مرج دابق وافتتح غزة والعريش والقطيعة. ثم علم بمقر الجيوش المصرية في الصالحية وما هم فيه من العزم على المدافعة لشدة اليأس فعرج بجيشه تاركًا الصالحية عن يمينه وسار حتى أتى الخانكاه على بضع ساعات من القاهرة. فلما بلغ طومان باي تقدم العثمانيين إلى هذا القدر عاد بجيشه لمهاجمتهم من الوراء فالتقى الجيشان في سهل قرب بركة الحج يوم الجمعة في ٢٩ ذي الحجة سنة ٩٢٢هـ واقتتلا طويلًا والمصريون يحاربون ببسالة شديدة لكنهم لم يكونوا يعرفون البارود ولا المدافع كما قدمنا فكانت الغلبة للعثمانيين ففر المصريون إلى القاهرة وعسكر العثمانيون في الروضة. فجمع إليه طومان باي عددًا كبيرًا من العربان بعد أن أرضاهم بالمال وهجم على معسكر السلطان سليم هجمة اليأس فلم ينل هذه المرة غير ما نال في المرات الماضية، فعاد إلى القاهرة على نية الحصار فزاد في حصونها واستحكاماتها وحصن القلعة تحصينًا عظيما وأقام في كل شارع وفي كل بيت طابية وحمل السلاح كل من يستطيع حمله للمدافعة عن الوطن. ولكن رغمًا عن كل هذه الإعدادات وعما أظهره طومان باي من البسالة والإقدام وما سعى إليه أمراؤه لم تنج القاهرة من يد العثمانيين فإنهم دخلوها عنوة وأمعنوا فيها قتلًا ونهبًا وحرقًا واستلموا القلعة. أما طومان باي فتمكن من الفرار على معدية قطع بها إلى الجيزة ثم سار منها قاصدًا الإسكندرية فقبض عليه بعض العربان الرحل وباعوه للعثمانيين، فاستحضره السلطان سليم مغلولًا ونظر إليه فإذا هو في حالة الكدر وقد علا وجهه القنوط لما حل ببلاده من الذل والدمار، فتحركت عواطف السلطان سليم فأمر بأن تحل قيوده وأن يؤذن له بالحضور في مؤتمرات كان يعقدها السلطان سليم لأجل المداولة في أمر البلاد، فكان يسأله مسائل كثيرة تتعلق بحصولات البلاد وخراجها وإدارتها وبقي الحال كذلك نحو عشرة أيام، وفي اليوم العاشر رأى السلطان سليم أنه لم يعد في احتياج إلى مشورة طومان باي فأمر بشنقه وذلك في ١٩ ربيع أول سنة ٩٢٣هـ فعلقوه تحت رواق باب زويلة بكلاب من حديد كان باقيًا هناك إلى عهد قريب.

وبقتل طومان باي انتهت دولة المماليك الشراكسة أو البرجية بعد أن تسلطوا نحو ١٣٩ سنة، ومن ذلك الحين أصبحت مصر إحدى الإيالات العثمانية الكبيرة. وبقيت جثة طومان باي ثمانية أيام معلقة ليراها الناس.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.