الفصل الثالث

الدولة العثمانية

من سنة ٩٢٣–١٢٠٣هـ أو من ١٥١٧–١٧٨٩م

وقد كانت دولة المماليك الثانية التي بادت بقتل طومان باي أكثر عربدة وأقل اشتهارًا بالأعمال الحربية من الأولى، لكنها ذهبت شهيدة الشرف بالمدافعة عن بلادها ورعاياها كالأيوبيين. أما مصر فاستعاضت بدولة آل عثمان الذين لم يبخسوها حقها ولم يألوا جهدًا في إعادة الأمن إليها والتعويض عما خسرته من المال والرجال.

(١) سلطنة سليم بن بيازيد (من سنة ٩٢٣–٩٢٦هـ أو من ١٥١٧–١٥٢٠م)

وأمر السلطان سليم بدفن طومان باي قرب قبر قنسو الغوري وبعد دفنه بثلاثة أيام دخل السلطان سليم عاصمة الديار المصرية ظافرًا في غاية ربيع أول سنة ٩٢٣هـ. وبعد يسير نزل إلى الإسكندرية في فرقة من جيوشه لوضع الحماية عليها. ثم عاد إلى القاهرة ومكث فيها إلى ٢٠ شعبان من تلك السنة فبارحها قاصدًا الروملي. ويقال إنه نقل معه ألف جمل محملة ذهبًا وفضة فضلًا عن أسلاب أخرى وهدايا قدمت له. وقبل مبارحته إياها جعل فيها حكومة منظمة فأصبحت مصر إيالة عثمانية سياسيًّا ودينيًّا.

وكان فيها من الخلفاء العباسيين إذ ذاك محمد المتوكل على الله (الثالث) الخليفة الثامن عشر من الدولة العباسية الثانية. وكيفية توصل الخلافة إليه أن الإمام المستنجد بالله الخليفة الخامس عشر الذي تولى الخلافة في أيام ينال سنة ٨٥٩هـ كما تقدم توفي في ٢٤ محرم سنة ٨٤٤هـ بعد أن تولاها ٢٥ سنة وولي مكانه الخليفة عبد العزيز بن يعقوب حفيد الخليفة العاشر المتوكل على الله ولقب بلقب جده. ثم توفي يوم الجمعة في ٢ صفر سنة ٩٠٣هـ فخلفه الخليفة أبو صابر يعقوب الملقب بالمستمسك بالله ثم خلف هذا نحو الفتوح العثماني الخليفة محمد المتوكل على الله المتقدم ذكره. فلما فتح العثمانيون مصر رأى السلطان سليم الفاتح أن نصره لا يؤيد إلا إذا قبض على الأزمة الدينية. فاستخرجها من أيدي الخلفاء العباسيين فصارت الخلافة الإسلامية إلى العثمانيين وأول خلفائهم السلطان سليم. وأما الخليفة العباسي فقيد إلى الأستانة وخصص له راتب معين لنفقاته وقبل وفاة السلطان سليم بيسير عاد المتوكل إلى مصر وعاش فيها منفردًا إلى أن توفاه الله سنة ٩٤٥هـ وهو آخر الخلفاء العباسيين.

وأخذ السلطان سليم في تأييد سلطته في مصر ليأمن من تمردها وتلاعب ذوي الأغراض فيها، وكان قد جعل عليها حاكمًا يلقب بالباشا إليه مرجع الحل والعقد. وكان من جملة الذين انحازوا إلى العثمانيين في وقعة مرج دابق أمير يقال له خير بك وكان من كبار رجال قنسو. فلما فتح الله على العثمانيين ولاه السلطان سليم على مصر بلقب باشا. ثم خشي أن تفرد هذا الحاكم بالأمر مع بعد مصر عن الأستانة ربما يكونان داعيًا لعصيانه.

فعمل الفكرة فيما يكفيه مؤنة هذا الخطر فاهتدى إلى طريقة تضمن له ذلك. وهي أن يجعل في مصر ثلاث إدارات كل منها تراقب أعمال الآخريين فلا يخشى من اتحادها وتمردها.

فالقوة الأولى: «الباشا» وأهم واجباته إبلاغ الأوامر السلطانية لرجال الحكومة وللشعب ومراقبة تنفيذها.
والقوه الثانية: «الوجاقات» فإنه أقام في القاهرة وفي المراكز الرئيسية من القطر ستة آلاف فارس وستة آلاف ماش بالبنادق جعلها ستة وجاقات «فرق» تحت قيادة وأوامر خير الدين أحد قواد العثمانيين العظماء وأمره أن يقيم في القلعة ولا يخرج منها لأي سبب كان، وواجبات هذه الوجاقات حفظ النظام في القطر المصري والدفاع: عنه وجباية الخراج. وقد رتبها على الوجه الآتي
  • (١)

    وجاق المتفرقة: وهو مؤلف من نخبة الحرس السلطاني.

  • (٢)

    وجاق الجاويشية: وهو مؤلف في الأصل من صف ضابطان جيش السلطان سليم فعهد إليهم جباية الخراج.

  • (٣)

    وجاق الهجانة.

  • (٤)

    وجاق التفقجية: وهم ناقلو البنادق.

  • (٥)

    وجاق الانكشارية: وهم أخلاط من نخبة القبائل الخاضعة للدولة العثمانية وكانوا يعرفون أيضًا بالمستحفظين لإناطة محافظة البلاد بهم.

  • (٦)

    وجاق العزب.

وكان كل من هذه الوجاقات مؤلفًا من أفراد يقال لهم «وجاقلية» واحدهم «وجاقلي» على كل وجاق منها ضابط يلقب بالأغا يصحبه الكخيا والباش اختيار والدفتردار والخزندار والروزنامجي. ومن اجتماع هؤلاء الضباط من سائر الوجاقات يتألف مجلس شورى الباشا فلا يقضي أمرا إلا بمصادقتهم. أما هم فلهم أن يوقفوه عن الإجراء وأن يستأنفوا إلى ديوان الأستانة عند الاقتضاء. ولهم أيضًا أن يطلبوا عزله حالما يشتبهون بمقاصده.

أما القوة الثالثة: «فالمماليك» وهم بقايا الدولتين السالفتين والفائدة منهم حفظ الموازنة بين الباشا والوجاقات لأنهم في الأصل أعداء لكلا الفريقين ومن غرضهم الانتصار للفريق الأضعف ليمنعوا القوي من الاستبداد. وقد كان القطر المصري منقسمًا إلى ١٢ «سنجقلية» (مديرية) يحكم كلًّا منها حاكم يقال له «سنجق» أو «بك» يعينه الديوان (وهو مجلس شورى الباشا) من أمراء المماليك. ولا غرو أن تقاطع المصالح على هذه الصورة واختلاطها مع تعداد الآمرين مما يقود إلى القلاقل والمتاعب، أما الدولة العثمانية فقد اجتنت راحة من هذا التعب لأنها كانت على ثقة من استبقاء الديار المصرية في حوزتها.

وبقي خير بك باشا واليًا على مصر إلى أن داركته الوفاة بمرض جلدي سنة ٩٢٨هـ ودفن في المدرسة التي تدعى الخيربكية التي كان بناها في القاهرة في شارع درب الوزير تحت القلعة. وبعد وفاته لهجت الألسنة بذمه لعظم استبداده فكانوا يقولون إنه كان ينهض من لحده ليلًا ويستغفر الله على ما أتاه من الشرور في حياته. ومن آثاره في القاهرة جامع يعرف بجامع خير بك في درب الوزير.

(٢) سلطنة سليمان بن سليم (من سنة ٩٢٦–٩٧٤هـ أو من ١٥٢٠–١٥٦٦م)

وقبل وفاة خير بك باشا بسنتين توفي السلطان سليم وخلفه ابنه السلطان سليمان سنة ٩٢٦هـ وسنه ٢٦ سنة، فمكث على كرسي الخلافة نحوًا من نصف قرن وقد أكثر من اهتمامه بمصر وتنظيمها. وكان أبوه قبل وفاته قد رسم الخطة التي يجب أن تسير عليها مصر في حكومتها وإدارتها، لكنه توفي قبل أن يبرزها إلى حيز الفعل، فلما تولى السلطان سليمان جعل اهتمامه إتمام مشروع أبيه.

وكان من رأي السلطان سليم أن ينشئ ديوانًا تحت رئاسة الباشا حفظًا للموازنة. أما السلطان سليمان فأتم الموازنة بإنشاء ديوانين عُرفا بالديوان الكبير والديوان الصغير «أو الديوان فقط» وأناط رئاستهما بالباشا الذي عليه أن يجلس عند انعقاد الجلسة وراء ستار المنبر. وعلى الكخيا والدفتردار استئذانه قبل المفاوضة ومتى أقر الديوان على أمر أبلغاه ذلك القرار وليس له إلا المصادقة والأمر بالتنفيذ. وجعل إقامة هذا الباشا بالقلعة تحت ملاحظة الأغا الذي هو قومندانها ويجدد تعيين الباشا في كل سنة.

أما واجبات الديوان الكبير فهي المفاوضة والإقرار على ما يتعلق بالأشغال العمومية التي لا تتعلق إدارتها بالباب العالي نفسه. أما اعضاء هذا الديوان فهم أغوات الوجاقات الستة ودفترداريوها وروزنامجيوها. ونواب من جميع فرق الجيوش وأمير الحج والقاضي الأكبر وأعيان المشايخ والأشراف والمفتيون الأربعة والأئمة الأربعة والعلماء. أما المخاطبات التي ترد إلى هذا الديوان فتُعَنْوَن باسم الديوان الكبير لكنها تسلم للباشا، وله وحده الحق أن يأمر بعقد جلساته التي لم تكن كثيرة. أما جلسات الديوان الأصغر فكانت تنعقد يوميًّا في قصره وأعضاء هذا الديوان هم كخيا الباشا ودفترداره وروزنامجيه ونائب من كل من الوجاقات والأغا وكبار ضباط وجاق المتفرقة. ومن واجبات هذا الديوان النظر في الحوادث اليومية ومن اختصاصاته البحث في الإدارات الثانوية.

وأنشأ السلطان سليمان فضلًا عن الستة وجاقات التي كان قد أنشأها أبوه وجاقًا سابعًا دعاه وجاق الشراكسة وهم بقية دولة المماليك. ومن هذه الوجاقات السبعة تتألف حكومة مصر وحاميتها. أما نفقاتها فمن مخصصات يتولى ضبطها وتفريقها «أفندي» من كل وجاق. وجعل لكل وجاق مجلسًا مؤلفًا من ضباط ذلك الوجاق وبعض صف ضابطانه لمحاسبة الأفندية والنظر في الدعاوى الخصوصية وعرض الترقيات للباشا للمصادقة عليها، ومقامهم في القاهرة ولكل منهم لباس خاص برتبته وعليه علاماته. ومجموع رجال الوجاقات معًا عشرون ألفا وقد يزيد أو ينقص حسب الاقتضاء. أما مقرهم ففي القاهرة على أنهم كثيرًا ما كانوا يخرجون منها لمهمات في المديريات. وكان لوجاق الانكشارية امتيازات على سائر الوجاقات وكان قائدهُ (أغا) مفضلًا على سائر القواد ولهُ نفوذ عليهم.

وجعل السلطان سليمان للبكوات المماليك الذين أقامهم السلطان سليم امتيازات خصوصية وحقًّا بالارتقاء إلى رتبة الباشوية. وأضاف إليهم ١٢ بيكًا آخرين لمأموريات فوق العادة. وهاك أسماء الموظفين الذين ينتخبون من البكوات المماليك وهم الكخيا أو نائب الباشا والقبابطين الثلاثة، وهم قومندانات ثغور السويس ودمياط والإسكندرية ويسمى واحدهم قبطان بك، والدفتردار وأمير الحج وأمير الخزنة وحكمداريوا ومديريو المديريات الخمس الآتي ذكرها وهي جرجا والبحيرة والمنوفية والغربية والشرقية. ولم يكن لغير الكخيا والدفتردار وأمير الحج الحق في دخول الديوان، فالدفتردار كان عليهِ ضبط الحسابات وحفظ الدفاتر والسجلاَّت ولا ينفذ أمرٌ ببيع عقار إلَّا بعد توقيعهِ عليهِ إشارةً إلى تسجيلهِ في دفاترهِ. وأمير الحج يحمل الهدايا والصدقات التي كانت ترسل من السلطان سنويًّا إلى مكة أو المدينة وعليهِ حماية قافلة الحج ذهابًا وإيابًا. وأما أمير الخزنة فيحمل القسم المختص بالقسطنطينية من حاصلات مصر برًّا وعليهِ حمايتهُ.

وكانت مديريات القليوبية والمنصورة والجيزة والفيوم في عهدة كشاف لا فرق بينهم وبين البكوات في النفوذ. ولا يعمل بإقرار أحدهم إلَّا مصادقة الشربجية وغيرهم من الوجاقليين الذين يتألف منهم ديوان خاص قي كل مديرية.

ثم إن تعيين كخيا الباشا وقبابطين السويس ودمياط والإسكندرية متعلق رأسًا بجلالة السلطان فيُرسلون من الأستانة ويستدعون إليها في آخر كل سنة. أما البكوات الآخرون فيعينهم الديوان ويوليهم الباشا ويثبتهم الباب العالي ومراكزهم ثابتة إلَّا أن واجباتهم تتغير إلَّا الدفتردار. وقد ينتخب البكوات من وجاق المتفرقة ومتى انتخبوا لا يعودون تابعين لذلك الوجاق. وكان من هم الباب العالي الانتباه إلى السويس ودمياط والإسكندرية على الخصوص لأنها الأبواب التي يُدخل منها إلى مصر، فكان يرسل حاميتها رأسًا من الأستانة تحت قيادة القبابطين ويجددها كل سنة، وهؤلاء القبابطين لم يكونوا يحسبون من جيوش مصر إلَّا باعتبار إقامتهم فيها وبما ينالونهُ من الإمدادات المالية لنفقاتهم. أما فيما خلا ذلك فكانوا يحسبون أجانب في اعتبار الباشا وديوان مصر ولو يكونون تحت أوامر البلد في شيء فأوامرهم كانت ترد إليهم رأسًا من ديوان الأستانة.

هذا من قبيل الإدارة. أما من قبيل محصولات البلاد فإن السلطان سليمان صرح بأنهُ المالك الحرُّ لجميع أرض مصر فكانت لهُ ملكًا وكان يفرقها إقطاعات على مزارعين كان يدعوهم «الملتزمين». على أنهُ لم يكن لهُ أن يمنع إقطاعها أو يوقفهُ فلم يكن بالحقيقة فرق بين هذه الإقطاعات والملك الحقيقي. والفلاحون الذين كانوا يحرثون تلك الأراضي كانوا يتمتعون بنصيبهم منها ويورثونها لأعقابهم، ولكنهم كانوا مجبورين على العمل فيها بدون حق التصرف بها وعليهم خراج لا مناص من دفعهِ للملتزمين، فإذا توفي فلاَّح عن غير وريث تعطى أرضهُ للملتزم وهو يعهد حراثتها إلى من يشاءُ، وإذا مات الملتزم عن غير وريث تعود الأرض للسلطان. وكان على كل من الملتزمين والفلاَّحين خراجٌ يدفعونهُ إما نقدًا وإما عينًا، فإذا تأخر الفلاح عن الدفع يمنع من نوال نصيبهِ وإذا تأخر الملتزم تؤخذ الأرض منهُ. ونظرًا لاتساع أرض مصر لم يكن ممكنًا حصر أملاك كلٍّ من الملتزمين فلم يكن ممكنًا تعيين مقدار خراجها، فأرسل السلطان سليمان مساحين مسحوا الأراضي المصرية فقسموا المديريات إلى أقسام دعوها بالقراريط ومسحوا كلًّا منها على حدة وحددوهُ.

كل هذه النظامات الإدارية والمالية أجراها السلطان سليمان بالتتابع بواسطة الباشوات الذين أقامهم على مصر مدة حكمهِ وعددهم ١٤. أولهم مصطفى باشا تولَّى بعد وفاة خير بك باشا في ذي الحجة سنة ٩٢٦هـ وبعد تسعة أشهر و٢٥ يومًا أبدل بأحمد باشا وكان عدوًّا للصدر الأعظم إبراهيم باشا فأسرَّ الصدر سنة ٩٣٠هـ إلى أمراء القاهرة أن يقتلوهُ فعلم هو بذلك فقبض على التحارير قبل أن تصل إلى أصحابها ثم استدعاهم وأعلنهم أنها أوامر واردة من جلالة السلطان بقتلهم ولم يطلعهم عليها فأبوا الإذعان إلا أن إِباءَهم لم يمنع قتلهم. ولما تأكَّد أنهُ صار في مأمن من المقاومين صرَّح باستقلالهِ وأمر أن يخطب لهُ وأن تضرب النقود باسمهِ وبالغ بالعسف والفجور فاختلس ممتلكات البعض وحبس البعض، فثارت الأفكار عليهِ حتى أصبحت حياتهُ في خطر. وبينما كان ذات يوم في الحمام فاجأَهُ أميران من أمرائهِ كان قد أمر بسجنهما وهما جهم الحمزاوي ومحمود بك فكسرا باب السجن وخرجا رافعين العلم الشاهاني يستنصران الناس حتى أتيا الحمام فعلم الباشا بذلك ففرَّ من السطح والتجاَّ إلى أحد مشايخ عربان الشرقية واسمهُ ابن بقر فتعَّقبهُ أعداوُّهُ حتى أدركوهُ وقطعوا رأسهُ وعلقوهُ على باب زويلة ثم نقل إلى الأستانة سنة ٩٣١هـ. فأرسل السلطان عوضًا عنهُ قاسم باشا مصممًا على تقصير مدة هؤلاءِ الولاة لئلا يثور في خواطرهم حب الاستقلال، فبعد تسعة أشهر و١٤ يومًا استبدلهُ بإبراهيم باشا وكان نشيطًا محبًّا للإصلاح والنظام إلَّا أن قصر مدتهِ لم تمكنهُ من إتمام ما كان شارعًا فيهِ من تنظيم الضابطة فعزل وأقيم بدلًا منهُ سليمان باشا سنة ٩٣٣هـ. وكان السلطان راضيًا عن هذا الباشا واثقًا فيهِ فأبقاهُ في الحكم مدة تسع سنوات و١١ شهرًا وفي سنة ٩٤١هـ استقدمهُ إلى الأستانة ليسلمهُ قيادة حملة أعدهَّا لمحاربة الفرس والهند. وقد أقام في مدة حكمهِ بنايات كثيرة من جملتها جامع سارية أو شارية في القلعة. وناب عنهُ في مدة غيابهِ خسرو باشا نحو سنة وعشرة أشهر فعاد سليمان باشا إلى مصر وبقي عليها بعد ذلك نحو سنة وخمسة أشهر.

وفي سنة ٩٤٥هـ عهدت باشوية مصر إلى داود باشا فبقي عليها ١١ سنة و٨ أشهر وكان رجلًا مستقيمًا كريم الأخلاق محبًّا للعلماء آخذًا بناصرهم كلفًا بالمطالعة وعلى نوع خاص مطالعة المؤلفات العربية فجمع منها عددًا وافرًا واستنسخ كل ما ظفر بهِ من الكتب غير المطبوعة فجمع مكتبة جميلة جدًّا. وكانت الأهالى في مدة حكمهِ في بحبوحة السعادة والأمن وتوفي في القاهرة سنة ٩٥٦هـ فتولَّى مكانهُ على باشا وهذا رمم وبنى عدة بنايات عمومية في القاهرة وفي فوة ورشيد واقتدى بهِ غيرهُ من بكوات مصر فجعلوا يشيدون الجوامع، منها الجامع الذي ابتناه عيسى بك في ديروط. وكان على باشا محبوبًا مكرمًا من المصريين يعتبرونهُ بمنزلة الأب لكنهُ رغمًا عن ذلك لم يحكم إلا أربع سنوات وستة أشهر. ففي سنة ٩٦١هـ تولى باشوية مصر محمد باشا وكان مبغوضًا من الناس فلم يحكم إلَّا ثلاث سنوات ولما زاد التشكي منهُ عزل واستقدم إلى الأستانة للمحاكمة فحكم عليهِ بالقتل سنة ٩٦٣هـ.

وبعد محمد باشا تولَّى إسكندر باشا فحكم ٣ سنوات و٣ أشهر ونصف وفي سنة ٩٦٨هـ تولَّى علي باشا الخادم. وبعد ١٧ شهرًا تولى مكانهُ مصطفى باشا (الثاني) في سنة ٩٦٩هـ ثم في سنة ٩٧١هـ تولاها علي باشا الصوفي مدة سنتين و٣ أشهر. وكان علي الصوفي قبلًا حاكمًا في بغداد مشهورًا فيها باعوجاج الأحكام والخيانة، فلما تولًى مصر كثرت فيها السرقات والتعديات حتى غصًّت ضواحي القاهرة باللصوص واخترقت فئة منهم المدينة حتى الجامع الأبيض فاضطرت الحكومة أن تقيم سورًا من قنطرة الحاجب إلى هذا الجامع منعًا لمثل ذلك.

وفي شوال سنة ٩٧٣هـ استبدل علي باشا الصوفي بمحمود باشا وهو آخر من تولى مصر في أيام السلطان سليمان فجاءَ من الأستانة بموكب عظيم فأُهدي إليه أثناءَ مرورهِ من الإسكندرية إلى القاهرة هدايا عظيمة. فلما وصل القاهرة لاقاهُ الأمير محمد بن عمر متولي الصعيد على قارب فيهِ جميع أنواع الهدايا وخمسون ألف دينار فأخذ الباشا الهدايا منهُ وأمر بخنقهِ حال خروجهِ من مجلسهِ وأمر أيضًا بخنق القاضي يوسف العبادي لأنهُ لم يأتِ لملاقاتهِ ولم يهدهِ شيئًا، واستمر على هذا الاستبداد حتى قتل معظم أعيان القاهرة فكان لا يمرُّ إلَّا مصحوبًا بالشوباصي (رئيس الجلادين) فإذا مر بأحدٍ وأراد قتلهُ أشار بيدهِ إلى الشوباصي فيعمد حالًا إلى ذلك السيئِ الطالع فيعدمهُ الحياة بأسرع من لمح البصر.

وفي ٣ رجب سنة ٩٧٤هـ توفي الأمير إبراهيم الدفتردار وكان أميرًا للحج فاستولى محمود باشا على كل ما ترك من المال والمماليك والجواري وجملة ذلك مائة ألف دينار ضمهَّا إلى المال الذي يرسل إلى الأستانة سنويًّا وبعث معها هدايا ثمينة للسلطان ووزرائهِ استجلابًا لخاطرهم، لكنهُ لم ينتفع من ذلك فقد قُتل في يوم الأربعاء غاية جمادى الأولى سنة ٩٧٥هـ بينما كان مارًّا في موكبهِ الاعتيادي بين البساتين ولم تقف الحكومة على القاتل فاتهمت اثنين من الفلَّاحين وقتلتهما ظلمًا لأنهما وجدا بقرب مكان القتل. وكان السلطان سليمان الثاني قد توفي قبل ذلك بسنة (صفر سنة ٩٧٤هـ) وسنُّهُ ٧٤ سنة ومدة حكمهِ ٤٨ فتولى بعدهُ ابنهُ سليم شاه (سليم الثاني) في ٩ ربيع أول من تلك السنة.

fig10
شكل ٣-١: نقود السلطان سليمان الثاني.
وترى في الشكل ٣-١ نقود السلطان سليمان الثاني ضربت في القسطنطينية سنة ٩٢٦هـ. ومما يحسن التنبيه إليه أن سلاطين آل عثمان لا يؤرخون نقودهم إلَّا بسنة جلوسهم على السلطنة وليس بسنة ضربها.

(٣) سلطنة سليم بن سليمان (من سنة ٩٧٤–٩٨٢هـ أو من ١٥٦٦–١٥٧٤م)

فلما بلغ السلطان سليم شاه موت محمود باشا أمر بنقل سنان باشا من باشوية حلب إلى باشوية مصر وبعد وصولهِ إليها بتسعة أشهر أنفذهُ لمحاربة اليمن فسار سنان من مصر في ٤ شوال سنة ٩٧٦هـ مصحوبًا بحمزة بك ومماي بك وغيرهما من أمراء مصر واستخلف على مصر إسكندر باشا الشركسي، ومكث سنان باشا في تلك الحملة سنتين و٤ أشهر ففتح اليمن وعاد ظافرًا إلى مصر، فرأَى الأحوال هادئة والنظام مستتبًّا بدراية إسكندر باشا المذكور لأنهُ كان حكيمًا محبًّا للرعية فرفع الضرائب عن الفقراء والعاجزين والقسم الأعظم من طلبة العلم لأنهُ كان شديد التعلق بالعلم وذويهِ، فلما عاد سينان باشا إلى مصر (أول صفر سنة ٩٧٩هـ) عادت أحكامها إلى يدهِ فاهتم بتأييد النظام وحفظ رونق البلاد، فأعاد حفر ترعة الإسكندرية ورمم وبنى فيها جامعًا وشارعًا وعدَّة حمامات. وبنى في بولاق بمصر شارعًا ووكالات وجامعًا لا يزال معروفًا باسمه. وما زال على مصر إلى ذي الحجة سنة ٩٨٠هـ فخلفهُ حسين باشا وكان على جانب من اللطف والدعة وحب العلم والأدب ولا يعاب إلَّا لكثرة حلمهِ الأمر الذي آل إلي تكاثر اللصوص في أيامهِ ولم يحكم إلَّا سنة وتسعة أشهر. وفي أيامهِ توفي السلطان سليم شاه (سليم الثاني) في ٢٨ شعبان سنة ٩٨٢هـ بعد أن حكم ثماني سنين وخمسة أشهر و١٩ يومًا.

fig11
شكل ٣-٢: نقود السلطان سليمان الثاني.
وترى في الشكل ٣-٢ صورة نقود السلطان سليم الثاني مضروبة في حلب بتاريخ ٩٧٤هـ.

(٤) سلطنة مراد بن سليم (من سنة ٩٨٢–١٠٠٣هـ أو من ١٥٧٤–١٥٩٤م)

وفي ١٠ رمضان بويع ابنهُ مراد خان (مراد الثالث) وحال جلوسهِ على كرسي السلطنة ولَّى على مصر بدلًا من حسين باشا مسيح باشا وكان خزندارُا عند السلطان سليم الثاني، فحكم في مصر خمس سنوات وخمسة أشهر ونصف ووجَّه اهتمامهُ خصوصًا إلى إبطال السرقات والتعديات، فكان يقبض على اللصوص ويقتلهم بدون شفقة حتى بلغ عدد من قتل من اللصوص عشرة آلاف فارتاحت البلاد من شرورهم. ثم عكف على إصلاح شئون الرعية وكان نزيهًا لا يقبل الرشوة ولا الهدية. ومن آثارهِ مسجد عظيم في ضواحي القرافة لا يزال يعرف باسمه. وقد بناهُ على اسم الشيخ نور الدين القرافي وجعلهُ لهُ ولنسلهِ ملكًا حرًّا وخصص دخلًا معلومًا للنفقة عليهِ. وأمر مسيح باشا أن تستهل الأوامر والكتابات الرسمية والأحكام بهذه العبارة «الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا وآلهِ وصحبهِ إن المؤمنين إخوة فاحفظوا السلام بين إخوتكم واتقوا الله.»

وفي سنة ٩٨٨هـ وُلّي مصر حسن باشا الخادم خزندار السلطان مراد الثالث فلم يكن همُّهُ إلَّا جمع الأموال بأي وسيلة كانت وإعادة ما كان حظرهُ سابقهُ من الرشوة والهدايا، فبقي على ولاية مصر سنتين وعشرة أشهر ولما عزل عنها سار من القاهرة خفية وطلع من باب المقابر لئلاَّ ينتقم منهُ الأهالي. وفي سنة ٩٩١هـ ولَّى مكانهُ إبراهيم باشا فأخذ يستطلع ويتحرى ما أتاهُ سابقهُ من الاختلاس فجعل في جامع السلطان فرج بن برقوق مأمورًا خصوصيًّا لاستماع تشكيات المتظلمين على الوالي السابق من ١٠ رجب من تلك السنة إلى غاية رمضان، فاطلع على مظالم لا تحصى من جملتها ١٠٠٤٤٢ أردب قمح من الشون العمومية باعها حسن باشا واستولى على قيمتها، فرفع إبراهيم باشا تقريرًا مدققًا بشأن ذلك إلى السلطان فأمر بقتلهِ خنقًا. ثم طاف إبراهيم باشا بنفسهِ يتفقد أحوال المديريات ويتحقق حالتها وزار أيضًا آبار أمرود في الصحراء ورسم بعضها. وفي عودتهِ إلى القاهرة استقال من منصبهِ سنة ٩٩٢هـ وتولى مكانهُ سنان باشا وكان دفتردارًا وبعد ستة أشهر وعشرين يومًا بارح مصر هاربًا وسبب ذلك أنهُ أساءَ التصرف فاشتكاهُ الناس إلى الأستانة فجاءَ عويس باشا إلى مصر ليتحرى أمر تلك التشكيكات فحالما علم سنان بمجيء عويس فرَّ هاربًا.

فتولى عويس حكومة مصر سنة ٩٩٤هـ وكان رجلًا صارمًا في الأحكام وكان في أوَّل أمرهِ قاضيًا ثم صار دفتردارًا في الروملي ثم نقل إلى باشوية مصر كما تقدم وبقي عليها خمس سنوات وخمسة أشهر وعشرة أيام، وأراد أن يعيد تعليم الجنود فعصوهُ وهجموا عليهِ في الديوان في ٢٨ شوال سنة ٩٩٧هـ وأهانوهُ ونهبوا بيتهُ وفي جملة مانهبوا منهُ ساعة كبيرة تعرف منها الأيام. ثم ذبحوا الأمير عثمان قائد وجاق الجاويشية وأخربوا بيت قاضي العسكر وقتلوا قاضيين من قضاة مصر ثم عمدوا إلى الحوانيت فنهبوها. كل ذلك والأمراء لا يستطيعون منعهم والاضطراب يزداد أشكالًا والثائرون تمرُّدًا وقد حاول الدفتردار إيقافهم عند حدهم فذهب سعيهُ باطلًا. ثم ظن عويس باشا أنهُ إذا جاءَهم بالحسنى ربما يلينون. فبعث إلى القضاة أن لا يخالفوا لهم أمرًا فلم يزدهم ذلك إلا عنادًا وفجورًا حتى إنهم قبضوا على أولاد الباشا رهنًا لما يريدون فاضطر الباشا إلى الإذعان لكل ما أرادوهُ وأعطاهم كل ما طلبوهُ واستقال من تلك الولاية بعد أن ملَّ من خيبة مساعيهِ الحميدة فيها. فتولى مكانهُ حافظ أحمد باشا الملقب بالخادم سنة ٩٩٩هـ وكان حاكمًا في قبرص وعلى جانب عظيم من حب العلم وطالبيهِ حاذقًا مدرَّبًا في أمور الأحكام. وكان رفوقًا بالأهالي ففرق الحسنات على الحجاج الفقراء. وابتنى في بولاق وكالتين وعدة قيسريات وعدة بيوت وخصَّص ربع دخلها لعمل الخير وبقي حاكمًا في مصر ٤ سنوات.

fig12
شكل ٣-٣: نقود السلطان مراد بن سليم.
fig13
شكل ٣-٤: نقود السلطان مراد بن سليم.
وترى في الشكلين ٣-٣ و٣-٤ صورة نقود السلطان مراد بن سليم مضروبة في القاهرة سنة ٩٨٢هـ.

(٥) سلطنة محمد بن مراد (من سنة ١٠٠٣–١٠١٢هـ أو من ١٥٩٤–١٦٠٣م)

وفي ١٧ رمضان سنة ١٠٠٣هـ تولى الخلافة في الأستانة السلطان محمد بن مراد (محمد الثالث) عوضًا عن أبيهِ مراد الثالث.

فولَّى على مصر قورط باشا فلم يبقَ فيها إلَّا سنة وثمانية أيام وكان محبوبًا من الأهالى نظرًا للطفهِ ودعتهِ وتنشيطهِ لطالبي الأدب ومساعدتهِ للفقراء ولكل من يلتجئُ إليه. وفي شوال سنة ١٠٠٤هـ أُبدل بالسيد محمد باشا وبقي على الحكومة سنتين اتبع أثناءَهما خطة أسلافهِ في محبة العلم والأدب وتنشيطهما فأعاد بناءَ الجامع الأزهر وجعل فيهِ توزيعًا يوميًّا من العدس المطبوخ على الطلبة الفقراء ورمم أيضًا المشهد الحسيني. ومع كل ما كان يتوخَّاه من السعي في حفظ النظام بين الأهالي لم يمكنهُ إكفاءهم شر ثورة عسكرية انتشبت في غرة رجب سنة ١٠٠٦هـ في سائر أنحاء القطر المصري. ثم اجتمع العصاة إلى القاهرة وكان السيد محمد باشا إذ ذاك في منزلهِ في برية الجيزة فعاد إلى القاهرة تحفُّ بهِ السناجق وزمرة من الغفر فلم يبالِ العصاة بذلك بل أطلقوا عليهِ النار ولم يتخلص من أيديهم إلَّا بشق الأنفس. فسار إلى أحد منازلهِ فتبعوهُ وحاصروهُ هناك ليلًا ونهارًا وألحُّوا عليهِ أن يسلمهم بعضًا من ضباطهِ وفي جملتهم دالى محمد أحد كبار الأمراء والأمير جلاد الشوباصي والأمير خضر كاشف المنصور فطلب إليهم أن يعطوهُ مهلة ثلاثة أيام. فلما جاءهم رسولهُ قالوا له: سيحكم الله بيننا وبين سيدك.» وتفرقوا في المدينة فظفروا بقاضي العسكر عبد الرءوف عزب الزادين فأجبروهُ علي القيام بمطاليبهم. أما الباشا فاغتنم فرصة اشتغالهم بذلك الشأن وفرَّ من منزلهِ ودخل القلعة وقفل أبوابها وراءَه ملتجئًا إلى حسن باشا السكراني قائد عموم الجيش وبيري بك أمير الحج فحاولا تسكين الثورة فذهب سعيهما عبثًا. ثم علما أن العصاة قتلوا الأمير محمد بك والدالي محمد وعلقوا رأسيهما على باب زويلة ونهبوا بيوتهما وأثخنوا في الناس قتلًا ونهبًا.

وفي ١٧ ذي الحجة سنة ١٠٠٦هـ أبدل السيد محمد باشا بخضر باشا فحكم ثلاث سنوات و١٢ يومًا وقد أغضب الأهالي منذ وصولهِ القاهرة لأنهُ أمر بقطع جميع العطيات التي كانت توزع على العلماء والفقراء من الحنطة، ولم يقتصر على الإيقاع بهؤلاء الضعفاء فقط بل تجاوزهم إلى الضابطة فأحرمهم من زادهم فتجمهروا في ٢٠ رمضان سنة ١٠٠٩هـ وساروا إلى قاضي العسكر. ثم اتحدوا جميعًا والقاضي في مقدمتهم وتوجهوا إلى الديوان يريدون الانتقام فقتلوا كخيا الباشا وأمراءَ آخرين، فخاف الباشا فسلم لهم بكل ما كانوا يطلبون وأعاد لهم العطيات كما شاءوا فخمدت الثورة وعادت المياه إلى مجاريها. إلَّا أن الباشا لم يلبث هنيهة حتى جاءَهُ الأمر بالإقالة فاستقال وولي مكانهُ الوزير السلحدار وكان شجاعًا محبًّا للحرب ولذلك كان يكرم الجند على الخصوص إلَّا أنهُ كان سفاكًا للدماء فتظلم الأهالي من قساوتهِ. ولم يكن يخرج في موكبهِ إلى المدينة أو ضواحيها إلا ويميت على الأقل عشرة أشخاص تحت أقدام جوادهِ فكان الناس يرتعدون خوفًا عند ذكر اسمهِ. ورافق كل ذلك جوع عظيم فكثرت الوفيات وعمَّ الخراب، فازداد الرعب حتى أمر الباشا أن تدفن الموتى سرًّا أما هو فترك القاهرة فرارًا من تلك الغائلة مستخلفًا عليها بيري بك وبعد يسير توفي هذا، فانتخب السناجق الأمير عثمان بك ليقوم مقامهُ وبقي هذا حتى عين الباب العالي بدلًا من علي باشا، وكان ذلك التغيير بسبب وفاة السلطان محمد الثالث في ١٦ رجب سنة ١٠١٢هـ. وترى في الشكلين ٣-٥ و٣-٦ صورة نقود السلطان محمد بن مراد الأولى مضروبة في القاهرة والثانية في دمشق.
fig14
شكل ٣-٥: نقود السلطان محمد بن مراد ضربت في القاهرة.
fig15
شكل ٣-٦: نقود السلطان محمد بن مراد مضروبة في دمشق.

(٦) سلطنة أحمد بن محمد (من سنة ١٠١٢–١٠٢٦هـ أو من ١٦٠٣–١٦١٧م)

فنصب ابنهُ أحمد بن محمد (أحمد الأول) فولَّى على مصر إبراهيم باشا. فحكم فيها مدة قصيرة انتهت بخطب جسيم وذلك أنهُ منذ وصولهِ إليها نوى على إبطال طلبات الجند ولما سعى إلى إنفاذ ما نواهُ زادت الجنود تمردًا وعصيانًا. وفي ٢٩ ربيع آخر سنة ١٠١٣هـ علموا أن الباشا خرج من القاهرة في زمرة من رجالهِ وركب في النيل إلى بولاق قاصدًا شبرا قرب جسر أبي المنجا. فاجتمعوا في ضواحي القرافة وتحالفوا بالأيمان العظيمة على قتلهَ. وفي الصباح التالي جاءوا وعسكروا في بولاق منتظرين عودهُ. ثم قاموا من هناك على نية مهاجمتهِ في قلعة الدولاب وكانوا قد علموا بالتجائهِ إليها. فلما عرف هو ومن معهُ من السناجق بقدوم تلك العصبة تشاوروا فيما بينهم فنصح لهُ السناجق أن يسافر بحرًا قبل أن يصل إليه ضيمٌ فلم يصغَ لهم لأنهُ تشدد بمن معهُ من الجاويشية والمتفرقة.

ثم جاءَت الجنود الثائرة وأحاطوا بالقلعة ثم بعثوا من بينهم ١٥ شخصًا ليأتوا برأس الباشا فدخل هؤلاء القلعة والسيوف في أيديهم إلى أن جاؤوا مجلسهُ فانتهرهم قائلًا: «ماذا تريدون مني ألم تستولوا على مرتباتكم والأنعام التي تعطى اعتياديًا عند أول تولية الحكام عليكم فماذا تطلبون إذًن.» فأجابوهُ: «لا نطلب منك شيئًا إلَّا رأسك.» قالوا هذا وضربهُ أحدهم صفعًا على وجههِ وأدركهُ الباقون بالطعن مرارًا. ثم عمد أحدهم إلى رأسهِ فقطعهُ فناداهم الأمير محمد بن خسرو منتهرًا وموبخًا على ما جاءوا بهِ من القحة فلم يجيبوهُ إلَّا بما أجابوا ذاك وأخذوا رأسي الاثنين وعادوا بهما إلى رفاقهما حول القلعة. ثم حملوها جميعًا وداروا بهما في شوارع المدينة ثم علقوهما على باب زويلة الذي كان قد تعود مثل هذهِ الأكاليل. وفي ذلك اليوم ولُّوا عليهم عثمان بك فلم يقبل فولوا قاضي العسكر مصطفى أفندي. فلما علم ديوان الأستانة بقتل إبراهيم باشا أرسل عوضًا عنهُ الوزير محمد باشا الكورجي الملقب بالخادم. وحال وصولهِ القاهرة وردت الأوامر الصارمة من الباب العالي موجهة إلى جميع السناجق بأن يستطلعوا أصل الثورة وأسبابها ويقبضوا على زعمائها. فاجتمع في الحال السناجق والقسم الأعظم من الجيش في قراميدان وكان الباشا في القلعة فبعث يستقدم السناجق إليه ليبلغهم هذه الأوامر رسميًّا فرفضوا المثول بين يديهِ فتواسط الأمراء ووعدوا السناجق أنهم إذا سلَّموا القاتلين ينجون هم وينالون العفو العام فقبلوا وسلموا القاتلين إلى الباشا فأمر بقطع أعناقهم بين يديهِ حالًا وأطلق السناجق. فهاب الثائرون وضعف عزمهم ولا سيما لما رأَوا من محمد باشا الانتباه الكلي لحفظ النظام ومعاقبة المعتدين المعاقبة الصارمة حتى قتل منهم نحوًا من مائتي رجل في مدة حكمهِ القصيرة التي لم تدم أكثر من سبعة أشهر وتسعة أيام.

فتولى بعدهُ الوزير حسن باشا وكان أقلَّ صرامة من سلفهِ وكان يعامل الجند بالحسنى وكان ابنهُ فيهم برتبة بيلربك وكانت الأحوال هادئة جدًا في أثناءِ حكمهِ. ثم تولى بعدهُ الوزير محمد باشا وذلك في ٧ صفر سنة ١٠١٦هـ وبقي على حكومة مصر أربع سنوات وأربعة أشهر و١٢ يومًا وكان رجلًا حكيمًا حازمًا أخذ منذ وصولهِ القاهرة في المحافظة على السلام فنجى الأهالي من كل ماكان يكدر راحتهم فاكتسب ثقتهم ومحبتهم إلَّا أنهُ لم ينجُ من الحساد وذوي الأغراض.

وفي أواخر شوال من السنة التالية ثارت عليهِ الجيوش واجتمعوا في برج سيد أحمد البدوي وتحالفوا أن لا يوافقوهُ على إلغاء الضرائب غير العادلة التي كانت مضروبةً على القطر إلى ذلك العهد. ثم اختاروا من بينهم رئيسًا ولوهُ عليهم سلطانًا بإيعاز الوزراء وتقاسموا مصر إلى أقسام تولى كل واحدٍ اثارة الشغب والنهب في قسمٍ منها، فانتشرت تعدياتهم في جميع الدلتا. فلما علمَ محمد باشا بذلك جمع السناجق والجاويشية والمتفرقة وسار بها تحت قيادتهِ لردع العصاة في ٩ ذي الحجة سنة ١٠١٧هـ وأخذ معهُ ستة مدافع وانضم إليه عدة من مشايخ قبائل العرب وفي الليلة التالية عسكر الجميع في بركة الحج. وفي الصباح التالي هاجموا العصاة في الخانكاه فضيقوا عليهم بالنيران فاضطر أولئك إلى التسليم، فأخذ عليهم الباشا عهودًا أولها أن يسلموا إليه سلطانهم وكبار رؤسائهم ووعدهم مقابلة لذلك بالتأمين على حياتهم فقبلوا وسلموا الرؤساء وعددهم نحو ٧٧ فأمر بقتلهم حالًا. ثم جرَّد الباقين من سلاحهم فتفرقوا فتعقبهم رجال الباشا قتلوا كل من ظفروا بهِ منهم. فلما رأى قاضي العسكر محمد أفندي الملقب ببختي زاده ما كان يحصل من مثل هذه المذابح يوميًّا نصح للباشا أن ينفي كل من يقبض عليهِ من بعد ذلك إلى اليمن ففعل وكانت النتيجة حسنة وبطلت التعديات.

ولما ارتاح محمد باشا من تلك الثورات أَخذ في إصلاح الإدارة المالية فتفحص بنفسهِ النفقات التي كانت تدفع من الخزينة وأبطل منها على سبيل الوفر كلما لم يكن ضروريًّا، ثم نظر إلى الضرائب فمنع اتباع طريقة المماليك الشراكسة فيها واتبع القوانين التي أُصدرت سنة ٩٣٢هـ تحت سلطة السلطان سليمان ثم نظم المكوس وعدَّلها ولم يكن يكلف نفسًا إلَّا وسعها، فاذا رأى أرضًا لا تقوى على القيام بما فرض عليها من المكوس تنازل لها عنهُ وساعدها في إحياء خصبها. ولما بارح مصر نال من المكافآت والإنعامات مالم ينلهُ أحدٌ من أسلافهِ في مصر. وتولى بعدهُ محمد باشا الملقب بالصوفي وكان يحب العلماء ورجال الفضيلة وكان ورعًا حليمًا عفيفًا لم يقبل رشوةً ولم يأتِ ظلمُا إلَّا أنهُ كان ملومًا لزيادة ضعفهِ بما يتعلق بمحبوبهِ يوسف الذي كثيرًا ما تعدَّى حدودهُ.

وفي سنة ١٠٢٢هـ أرسل الصدر الأعظم عشرة آلاف جندي إلى اليمن لإخماد ما كان ثائرًا من الشغب هناك وأُرسلت الفرقة المذكورة عن طريق مصر مرفوقةً بأمر سام إلى الباشا بدفع النقود اللازمة لها وتشييع الحملة إلى اليمن، فلما وصلت الجيوش إلى مصر وعلموا بما ورد من الأوامر بشأنهم ادَّعوا أنهم إنما جاءوا ليقيموا في مصر ولم يذعنوا لأوامر الباشا بالسفر فاتخذوا لهم منازل في مخازن باب النصر وبعض بيوت الأهالي بعد أن طردوا أصحابها منها، فاجتهد الباشا أن يحملهم على التسليم بالأوامر الواردة إليه بشأنهم فذهب سعيهُ باطلًا وأقاموا لهم متاريس في أبواب الحارة وقفلوا باب النصر وأقاموا المدافع في برجيهِ، فاضطر الباشا لمحاصرتهم بكل ما لديهِ من الوجاقات والمدافع فتمكن الأمير عابدين بك من الدخول إلى حصنهم من مدخل في المدرسة المدعوة بالجانبلاطية فخاف العصاة وسلموا ففرَّق فيهم الباشا نحو ثمانين كيسًا وسافروا من المدينة.

وبعد يسير عزل محمد باشا الصوفي فاعتزل في قبة العدلية ولم يبارحها إلا بعد أن علم بوصول خلفهِ أحمد باشا دفتردار مصر سابقًا إلى الإسكندرية ثم جاءَ القاهرة ودخلها بموكب حافل، وبينما هو بمحفلهِ في المدينة رماهُ أحد الناس بحجر من على سطح أحد البيوت فكسر الهلال الذي كان فوق عمامتهِ ولم يضر بهِ فأُمسك الفاعل فاعترف بذنبهِ فقتل في المكان عينهِ.

وفي محرم سنة ١٠٢٥هـ ورد إلى الباشا المذكور أمر من الأستانة أن يرسل ألفَّا من جنود مصر لتنضم إلى الجيش العثماني الذاهب لمحاربة الفرس فأرسلهم تحت قيادة صالح بك أمير الحج فساروا على أتم نظام ومرُّوا بالمديريات، ولم يشعر الأهالي بمرورهم مع أنهُ لم يكن يتيسر قبل ذلك مرور مائة رجل بمقاطعة واحدة ما لم ينهبوها. وذلك لما كان لهذا الباشا من النفوذ وما أقام في مصر من النظام وإعطاء الجيوش حقهم من المرتبات. فالتقت هذه الفرقة بالجيش العثماني في الخانكاه وانضمت إليه وعندما ودع الباشا عساكرهُ فرَّق فيهم المال فأصاب الواحد منهم ٢٠ دينارًا على الأقل.

وكانت مدة حكم أحمد باشا سنتين وعشرة أشهر واثنا عشر يومًا لم يقتل أثناءًها أكثر من عشرة أشخاص جاءُوا أمورًا استوجبوا من أجلها القتل، ولم يكن يحكم على أحدٍ إلا بعد التحري الدقيق واستماع تقارير الدعوى من الطرفين.

(٧) سلطنة مصطفى بن محمد ثم عثمان بن أحمد ثم مصطفى بن محمد ثانية (من سنة ١٠٢٦–١٠٣٢هـ أو من ١٦١٧–١٦٢٣م)

وفي يوم الأربعاء في ٢٣ ذى القعدة سنة ١٠٢٦هـ توفي السلطان أحمد الأول وتولى بعدهُ أخوهُ السلطان مصطفى الأول وعند توليتهِ استبدل أحمد باشا بمصطفى باشا لفغلي إلا أن السلطان مصطفى لم يمكث على كرسي السلطنة إلا ثلاثة أشهر وثمانية أيام. وفي يوم الأربعاء ٣ ربيع أول سنة ١٠٣٧هـ عزل السلطان مصطفى وولى مكانهُ بالانتخاب ابن أخيهِ أبو النصر عثمان. أما الوزير مصطفى باشا فلم يبقَ على مصر بعد خلع السلطان الذي ولاهُ إلا بضعة أشهر لأنهُ جعل سبيلًا لنفوذ ذويهِ في الأحكام، فنشأت ثورة عسكرية في ٧ شوال سنة ١٠٢٧هـ فقتل الثائرون عددا كبيرًا من الأمراء والأغوات وغيرهم من كبار المأمورين واضطر الباقون إلى الفرار ولم يسكن الإضطراب إلا بعزل مصطفى باشا بأمر السلطان عثمان، فتولَّى مكانهُ الوزير جعفر باشا وهذا لم تدم حكومتهُ أكثر من خمسة أشهر ونصف وكان محبًّا للعلم والعلماء، وكان يجمع إليه رجال الأدب ويكرم مثواهم ولم يهتم كل تلك المدة إلا بما فيهِ صالح البلاد وراحة العباد.

وحصل في أيامهِ وباءٌ انتشر في مصر وفتك بأهلها فتكًا ذريعًا من غاية ربيع أول سنة ١٠٢٨هـ إلى غاية جمادى الثانية من السنة المذكورة وقد لوحظ أن معظم من مات بهذا الوباء كانوا بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين من العمر وبلغت جملة من توفي بسببهِ ٦٣٥٠٠٠ نفس.

وتولَّى بعد جعفر باشا مصطفى باشا فقبض على مصطفى بك الملقب بالبكلجي زعيم الثورة التي نشأت في أيام مصطفى باشا لفغلي وحكم عليهِ بالإعدام، فسرَّ الأهالي لذلك لأن مصطفى بك المذكور كان مصدرًا لمتاعبهم. إلا أن ذلك السرور لم يلبث أن ظهر حتى أُبدل بالكدر لأن مصطفى باشا حاكمهم الجديد اضطهد تجارتهم اضطهادًا عنيفًا وضيق عليهم مسالك رزقهم. فرفعوا تظلماتهم إلى السلطان فنظر في دعواهم وأنصفهم بعزل ذلك الباشا وتولية حسين باشا. فبادر هذا إلى إبطال جميع الضرائب غير الأصولية التي كان قد ضربها سلفهُ. وفي أيامهِ ارتفع النيل ارتفاعًا غير اعتيادي فطاف على الأرض بكثرة حتى يئس الناس من البقاء لنهاية ذلك الفيضان فحصل بسبب ذلك ضيق عظيم عقبهُ طاعون شديد. ثم عُزل حسين باشا واستُقدم إلى الأستانة وقبل وصولهِ إليها خُلع السلطان عثمان الثاني يوم الخميس في ٨ رجب سنة ١٠٣١هـ وبويع مصطفى الأول الذي كان قبلهُ.

أما الباشا المعزول فوصل إلى الأستانة في أسعد الأوقات لهُ لأن إعراض السلطان السابق عنهُ كان داعيًا لرغبة السلطان الجديد في تقريبهِ منهُ فاتنفت الأحزاب هناك فولوهُ الصدارة العظمى. وكان عثمان الثاني قبل وفاتهِ قد بعث إلى مصر محمد باشا بدلًا من حسين باشا لكنهُ لم يصل مصر إلَّا بعد أن أنبئ أهلها بما كان يأتيهِ في الروملي يوم كان واليًا عليها ما جعلهم ينفرون منهُ ويخشون من تصرفهِ، ولحسن حظهم لم يبقَ بينهم إلَّا شهرين ونصف، فلما تولى حسين باشا الصدارة العظمى عزلهُ بأمر السلطان مصطفى الأول وولى إبراهيم باشا. وبقي هذا على مصر سنةً وقد تمكن بحسن سياستهِ وتدبيرهِ من استجلاب رضى الأهالي وثقتهم، إلا أنهُ حصل في أيامهِ ضيق عيش وغلت أسعار المأكولات جدًّا.

ولما عزل إبراهيم باشا سافر إلى الإسكندرية بحرًا خلافًا لما كانت العادة عند من سبقوهُ على حكومة مصر، فإنهم كانوا إذا عُزلوا من مناصبهم سافروا برًّا. وتولَّى مكانهُ مصطفى باشا وأتم زمام الأحكام في ٢٢ رمضان سنة ١٠٣٢هـ، فأتاه كتبة الديوان يشتكون من تصرف سلفهِ وقالوا إنهُ مديون للخزانة بمبلغ وافر فأرسل في إثرهِ بعض الجاويشية فالتقوا بهِ فتهددهم بالقتل إذا لم يعودوا عنهُ فخافوا وعادوا إلى القاهرة، فأرسل الأمير صالح بك فأدركهُ وقد نزل البحر عند الإسكندرية فاستدعاهُ أن يقف فأجاب أنهُ متوجه إلى الأستانة فإذا كان عليهِ شيء يدفعهُ هناك إلى السلطان نفسهِ. قال ذلك ونشر الشراع فمخرت بهِ السفينة فأطلقوا عليهِ من طابية منارة الإسكندرية بعض الطلقات المدفعية فلم ينل بها.

(٨) سلطنة مراد بن أحمد (من سنة ١٠٣٢–١٠٤٩هـ أو من ١٦٢٣–١٦٤٠م)

وما زال حتى بلغ الأستانة فإذا بالسلطان مصطفى الأول قد خلع وتولَّى مكانهُ السلطان مراد الرابع بن أحمد ولذلك لم يتعرض أحد لإبراهيم باشا ولم يهتم أحد بقضيتهِ، وبعد تولية مصطفى باشا بثلاثة أشهر، أى في ١٥ ذى الحجة ورد إلى القاهرة خبر عزلهِ وتولية علي باشا مكانهُ. فاجتمعت الأجناد وساروا إلى القائمقام عيسى بك يطلبون الإعطاءات التي توزع عند تولية كل والٍ جديد فانتهرهم عيسى بك قائلًا: «أفي كل ثلاثة أشهر تجددون هذه الطلبات.» فأجابوه: «وما المانع ألم يغير مولانا السلطان كل ثلاثة أشهر واليًا علينا ألا يضرُّ ذلك بصالح البلاد، فإذا أراد أن يولي كل يوم واليًا نحن أيضًا كل يوم نطلب الإعطاءات الاعتيادية التي لنا.» فحاول القائمقام إقناعهم فلم ينجح ولم يزدهم ذلك إلَّا عنادًا وتهديدًا وصرخوا جميعهم بصوت واحد: «لا نرضى حاكمًا آخر غير مصطفى باشا وليرجع هذا إلى حيث أتى.» ثم قرءوا الفاتحة على محافظتهم لما قالوهُ وأن لا يحنث أحد منهم بذلك وبناءً عليهِ أُعيد مصطفى باشا إلى مركزهِ.

فلما رأى أن الحزب العسكري كلهُ معهُ حرَّر إلى السلطان يطلب تثبيتهُ وأرفق الكتاب برسائل عديدة ممضية من علماء القاهرة ومشايخها وقضاتها وجميعهم يطلبون تثبيتهِ بصوت واحد. ثم بلغهم وصول علي باشا إلى الإسكندرية فبعثوا إليه وفدًا يبلغونهُ أن الجند والأهالي متفقون على رفضهِ فجمع إليه الوفد وألقى إليهم كتبًا كلها مدح وإطناب للأمراءِ والجيوش فلما تليت تلك الرسائل على الجند لم يكن جوابهم إلَّا إعادة ذلك الوفد ثانيةً يعيدون مطاليبهم الأولى، فلما رأى ما كان من إصرارهم استشاط غضبًا وأمر فقُبض على ذلك الوفد وقيدوا إلى سجن قلعة الإسكندرية مغلولين، فتآمروا مع جند الإسكندرية وكانوا من حزبهم فحلوا وثاقهم وهجموا جميعًا على علي باشا وهدموا خيمتهُ وأجبروهُ على مبارحة الإسكندرية فورُا، فأنزلوهُ في قارب مخصوص وأخرجوهُ من المينا وكان الريح ضدهُ فأعادهُ إليها ثانيةً، فأطلق عليهِ الأمير مصطفى من قلعة المنارة عدة طلقات ثقبت مركبهُ ثقوبًا لم تغرقها لكنها أخرجتها من المينا ولقب الأمير مصطفى من ذلك الحين بالطبجي.

وفي ٢٠ ربيع آخر سنة ١٠٣٣هـ جاءَ القاهرة كتاب محمول على حمامة يفيد قرب وصول مندوب عثماني ناقل لبعض الأوامر السلطانية. وبعد أيامٍ وصل ذلك المندوب ودخل القاهرة وجمع إليه السناجق والأمراء وكبار المأمورين في الديوان وأَلبس مصطفى باشا الخلعة المرسلة إليه من السلطان. ثم تلا عليهم الفرمان بتثبيتهِ على مصر.

وفي السنة التالية زاد النيل زيادة غير اعتيادية فبلغ ٢٤ ذراعًا فخشي الأهالي أن لا تنخفض المياه عن أراضيهم في زمن يمكنهم فيهِ زراعتها. لكنهُ أخذ في الهبوط بسرعة فانكشفت الأرض وزاد خصبها ولم تكد مصر تنجو من الجوع حتى داهمها ما هو أصعب مراسًا منهُ وهو الوباء، فإنهُ ظهر فيها في أوائل ربيع أول سنة ١٠٣٥هـ وأخذ ينتشر في جميع أنحائها بسرعة، وفي شعبان من تلك السنة أخذ بالتناقص ولم ينقضِ إلا في أوائل رمضان. قال بعضهم إن عدد الذين ماتوا بسبب هذا الوباء ثلاثمائة ألف نفس. فاغتنم الباشا من هذه الضربات فرصة لاختلاس أموال الناس، فجعل نفسهُ وريثًا لكل من مات بالوباء من الأغنياء فاستولى على تركاتهم، فتظلَّم الورثاءُ الأصليون منهُ إلى الأستانة. ولا يخفى أن هذا الباشا لم يتولَّ مصر إلَّا رغمًا عن إرادة الباب العالي، فاغتنم هذه الفرصة فعزلهُ وولَّى بيرام باشا. وهذا حاكم مصطفى باشا وحكم عليهِ بدفع الأموال التي اختلسها فباع كل مالهُ من المتاع والمقتنيات ودفع ماعليهِ. ولما عاد إلى الأستانة سنة (١٠٣٧هـ) حكم عليهِ بالإعدام.

ولا يخفى أن محاولة الجيوش والأمراءِ عزل وتولية باشوات مصر بمجرد إرادتهم مخالف للنظام العمومي، ولما وضعهُ السلطان سليم الفاتح وما جعلهُ لكل فئة من فئات مصر الحاكمة من الحدود. وقد اعتبرت موافقة الباب العالي على مطاليب الأمراءِ خرقًا للحدود السابقة. وعلى ما تقدم حصل ما حصل من التحوير في القواعد الأساسية التي سنَّها السلطان سليم الأول منذ نحو قرن.

وكان بيرام باشا محبًَّا للعلم والعلماءِ لكنهُ كان أكثر حبًّا لإحراز المال وإقامة المشروعات المفيدة وتنشيط التجارة على أنواعها، لكنهُ أكثر من الضرائب عليها حتى على الصابون. وأما فيما خلا ذلك فكان حازمًا لم يترك للجند فرصة للتمرد فهدأت مصر في أيامهِ. ثم استدعي إلى الأستانة وعين وزيرًا في ديوانها وهذه هي المرة الثالثة لتعيينهِ في ذلك المنصب، فتولَّى بعدهُ الوزير محمد باشا فساس الأمور بحكمة ودراية وكان محبًّا للحياة الانفرادية فلم يظهر في طرق القاهرة أثناءَ مدة حكمهِ التي هي نحو سنتين إلا ست مرات. واتصل بهِ ما حصل في اليمن من الشغب الناتج عن سوء السياسة مع القبائل البدوية فعرض على السلطان إخضاعها وتعهد بإرسال فرقة من رجالهِ تحت قيادة قنسو بك أمير الحج لهذه الغاية، فأجابهُ السلطان إلى ما طلب وولى قنسو بك على اليمن مع رتبة باشا وجعلهُ بيلر بك على الجيش. فأَنشأ قنسو بك جيشًا من ثلاثين ألف مقاتل وقبض مبلغًا كبيرًا ليدفع منهُ نفقات الحملة، إلَّا أنهُ بعد أن قبضهُ توقف عن السفر وترك جيشهُ نقمة لمصر يسلبون وينهبون ويقتلون فتكًا في الأهالي وتعريضًا للمسافرين في طريقهم. ولحسن الحظ كان بين تلك الجيوش ألف رجل من الروملي جاءُوا للمشاركة في تلك الحملة تحت قيادة الأمير جعفر أغا فأخمدوا تلك الثورة وألزموا قنسو بك على المسير بهم إلى اليمن في محرم سنة ١٠٣٩هـ فسار وحارب وفاز وبعد سبعة أشهر من سفر تلك الحملة (في ١٩ شعبان) مرَّ في مكة تيَّار من الماءِ فأغرق القسم الأعظم من أرضها حتى مقام الكعبة فهدم جميع بنائها ولم يبق من جدرانها إلَّا الأيمن. فاتصل ذلك بوالى مصر فأوصلهُ للسلطان مراد الرابع فأنفذ السلطان إلى محمد باشا يعهد إليه ترميمها ففعل. فبلغت جميع النفقات على ما قالهُ بعضهم نحوًا من مئة ألف قرش (القرش يساوي أربع فرنكات تقريبًا).

وفي سنة ١٠٤٠هـ كان ارتفاع النيل قليلًا فجاءَ شهر توت ولم يبلغ ١٦ ذراعًا ولكن رغمًا عن ذلك النقص فتح الخليج وسيقت المياه قليلةً إلى الأراضي، ولكن البلاد أمنت من الجوع بتدبير محمد باشا. وفي هذه السنة استُدعي محمد باشا إلى الأستانة وقلدهُ السلطان منصب الوزارة في الديوان الشاهاني مكافأَة لحسن سياستهِ ودرايتهِ. وتولَّى مكانهُ في مصر الوزير موسى باشا، وكان للأهلين في بادئِ الرأَي ثقة تامة فيهِ وكانوا يحبونهُ ويعتبرونهُ فإنهم ساروا لملاقاتهِ في شبرا إلَّا أنهُ لم يكد يمكن قدمهُ حتى ألقى بنفسهِ إلى هوى النفس من المطامع، فأخذ في الاختلاس ظلمًا والاستبداد بأنفس العباد فأمر بقتل أكبر رجال مصر بغير وجه حق وجعل يراقب سير أغنيائها ويترصد تصرفاتهم لعلهُ يأتي على طريقة للاستيلاءِ على ثرواتهم.

وفي شعبان من تلك السنة بعث السلطان يطلب إليه إعداد حملة من جنده لمحاربة الفرس فجمعهم وجعل قيادتهم في عهدة قيطاس بك وضرب على البلاد ضرائب فاحشة تحت إسم إعانة حربية. ولما وصلت تلك المبالغ إلى يدهِ أوعز إلى قيطاس بك أن مصر لا يمكنها تجريد مثل هذه الحملة لأن ماليتها لا تسمح لها بدفع النفقات اللازمة فنصح لهُ قيطاس أن يتبع الاستقامة فهي أفضل لهُ فذهبت جميع أقوالهُ عبثًا. ثم أوجس موسى باشا خيفةً من قيطاس بك لأنهُ اطلع على أعمالهِ فاستدعاهُ إلى القلعة في عيد الأضحى يوم الأربعاءِ في ٩ ذي الحجة وأمر أربعين من رجالهِ أن يقتلوهُ ففعلوا. فلما رأَى ذلك الأميران كنعان بك وعلي بك وقع الخوف في قلبيهما وأسرعا إلى الجيوش فأعلماهم بما كان من أمر قيطاس بك مع موسى باشا، فاجتمعت العساكر حالًا في الرميلة. وأما السناجق والأمراءُ والقضاة وكبار المأمورين فاجتمعوا في جامع السلطان حسن وتفاوضوا في الأمر فقرُّوا على عزل موسى باشا وتولية من يقوم مقامهُ وقتيًا لبينما يأتي أمر الباب العالي بشأنهِ، فخلعوهُ وأقاموا حسن بك مكانهُ. فكتب موسى باشا إلى السلطان يعلمهُ بما كان من تلك الثورة. أما رؤساؤُها فكانوا قد رفعوا إلى ديوان الأستانة كتابين الواحد بالتركية ممضيٌ من السناجق والأغوات وكبار ضباط العسكرية والآخر بالعربية ممضيٌ من القضاة والمشايخ والعلماءِ يطلبون بصوت واحد خلع موسى باشا فأجابهم السلطان إلى طلبهم فولَّى عليهم خليل باشا.

وفي ربيع أول سنة ١٠٤١هـ وصل خليل باشا إلى مصر واستلم أزمتها. وبعد يسير بلغهُ أن جماعة من اللصوص ثاروا تحت رئاسة أحد الأشراف المدعو نامي ونهبوا مكة، فجمع جند القاهرة وأرسلهم تحت قيادة الأمير قاسم بك لإخماد تلك الثورة فساروا وحاربوهم وقتلوا زعماءَهم وفي صفر سنة ١٠٤٢هـ عاد قاسم بك بجيشهِ إلى القاهرة ظافرًا. وأقبلت محصولات مصر تلك السنة وزاد خصبها وتضاعف ريعها ونزلت أسعار الحنطة من ثمانية قروش الأردب إلى قرشين.

وفي سنة ١٠٤٢هـ استقال خليل باشا من حكومة مصر فخرج منها والناس يثنون عليهِ ثناءً طيبًا لأنهُ كان عادلًا مع رفق فلم يكن يصدر حكمهُ إلَّا بعد التروي بما يقولهُ الطرفان. ومما يحكى عنهُ أنهُ جيءَ إليه يومًا بثلاثة لصوص قبض عليهم في حال إجراء الجناية، فأَمر أن يحاكموا فقال أحد رجال ديوانهِ إن مثل هذه الحادثة لا تحتاج إلى محاكمة لثبوت الجناية فعلًا فيجب إصدار الحكم رأسًا بالإعدام. فلم يكن جواب الباشا إلاَّ الأمر بهدم بيت ذلك الناصح فاستغرب الرجل ذلك وطلب السبب الموجب لهُ فأجابهُ الباشا قائلًا: «كيف يحق لك الاعتراض عليَّ إذا أمرت بهدم بيتك المبني من حطام الدنيا ولا يحق لذلك الباني العظيم معارضتنا إذا هدمنا بنايتهُ بغير وجه شرعي.» ثم أبطل الأمر بالهدم وأمر بإطلاق اللصوص. قال ابن أبي السرور ناقل هذه الحكاية إن اللصوص قلُّوا بعد تلك الحادثة إهابة للباشا.

وبعد استقالة خليل باشا من مصر عين على الرولي وولّي على مصر الوزير أحمد باشا الملقب بالكورجي وكان قبلًا أمير ياخور. وفي صفر سنة ١٠٤٣هـ وردت لهُ الأوامر الشاهانية أن يبعث ألفين من العساكر المصرية إلى سوريا مساعدة للحملة العثمانية على دروز لبنان مع خمسة آلاف قنطار من البقسماط وأربعة آلاف قنطار من البارود. ثم وردت أوامر أخرى بطلب ألفي رجل آخرين وثلاثة آلاف قنطار من البارود لمحاربة الفرس. فرأُى أحمد باشا أن مصر لا تقوم بهذه الطلبات فاعتذر إلى السلطان فبعث إليه ١٢ ألف قنطار من النحاس ليسكبها نقودًا وطلب إليه أن يبعث عوضًا عنها إلى الأستانة ثلاثمائة ألف محبوب١ فأخذ سكب النحاس وأعدَّ لذلك عمالًا ومعامل. ثم رأَى بعد حين أن جميع هذه الإجراءآت ذاهبة عبثًا لأن الفعلة ملُّوا من العمل ومات منهم كثيرون من الحرّ والجهد فجمع إليه ذوي شوراه وقضاة الأقسام والقرى واستشارهم. وكان من رأيهِ أن يدفع مطاليب السلطان من مالهِ الخاص ثم يجعل النحاس سبائك صغيرة لتباع في بلاد السودان بين تكرور وبلاد الزنج. فارتأى أحد القضاة رأيًا آخر وهو أن يُجبر أهالي القاهرة على استلام هذا النحاس ودفع المبالغ المطلوبة. وأن يفرق النحاس عليهم مقادير متناسبة لما يدفعون فوافق الجميع على ذلك وأخذوا في تنفيذهِ في ١٦ ذي الحجة سنة ١٠٤٢هـ وتمموهُ في آخر شعبان من السنة التالية. وكان ذلك ثقلًا عظيمًا على كاهل المصريين لأنهُ لم ينجُ من هذه الضريبة غني ولا فقير فقَّلَّت النقود وغلت الحبوب وسائر المأكولات غلاءً فاحشًا، وزاد في الطنبور نغمة أن النيل في السنة التالية لم يكن وفاؤُهُ حسنًا غير أن ذلك لم يمنع استغلال الأرض غلة متوسطة.

وبعد يسير استدعي أحمد باشا إلى الأستانة فسار وقد توقف عن دفع المبالغ التي جمعت للخزينة فرفع المصريون التقارير اللازمة بشأن ذلك متظلمين فلما وصل إلى الأستانة حكم عليهِ بالإعدام. وتولى مكانهُ الوزير حسين باشا فجاءَ مصر في زمرة من رجالة الدروز قد التقطهم من كل ناد وكانوا من قاطعي السبل فجعلوا يسومون المصريين أنواع العذاب نهبًا وقتلًا، فاضطربت الأحوال وقفلت الحوانيت ووقفت حركة الأعمال. وهذا أصل استقباح المصريين لكلمة «درزي» على ما يظن.

وأبطل حسين باشا حقوق الوراثة فكان إذا مات أحد الأهالي استولى هو على تركتهِ وأحرم منها الذين تركهم الفقيد من الأيتام أو الأرامل أو الثكالى، واذا أراد أحد الانتقام من عدو لهُ لا يحتاج إلى أكثر من الوشاية بهِ إلى حسين باشا بأنهُ غني أو ابن غني فيجعلهُ الباشا في السجن فلا يخرج منهُ إلَّا بالبذل الكثير. ولم يكن يمرُّ يوم لا يطوف فيهِ حسين باشا في المدينة راكبًا وقلما تغيب الشمس قبل أن يقتل رجلًا أو رجلين أو أكثر، وكان يخطر لهُ أحيانًا أن يقتل كل من لاقاهُ في طريقهِ إنسانًا كان أو حيوانًا. وقد حسب عدد الذين ذهبوا فريسة عدو هذا الغاشم في مدة حكمهِ التي لم تتجاوز سنةً و١١ شهرًا فبلغوا نحوًا من ألف ومائتي نفس فضلًا عمن كان يقتلهم بيدهِ. وقد كان لهُ هيبة في قلوب رجالهِ فأحب يومًا أن لا يشاركوهُ بالقتل والنهب فحظر عليهم ذلك فلم يعودوا يجسرون على أقل المخالفات فلم يعد يسمع بشيء من تعدياتهم.

ثم عزل وتولى مكانهُ الوزير محمد باشا ابن أحمد باشا وابن ابنة السلطان سليم الثاني. وفي شوال من سنة ١٠٤٧هـ وردت إليه الأوامر أن يرسل ألف وخمسمائة مقاتل لمساعدة الحملة العثمانية إلى بغداد، فأرسل تلك الفرقة تحت قيادة أمير الحج قنسو بك في محرَّم سنة ١٠٤٨هـ فسارت ولم ترجع إلى مصر إلَّا بعد الاستيلاء على تلك المدينة في صفر سنة ١٠٤٩هـ.

واتبع هذا الباشا خطوات سلفهِ بالاختلاس والنهب فجمع ثروة عظيمة من تركات الأمراء والعلماء المشهورين، فقام عليهِ الورثه وبعد الاجتهاد تمكنوا من تحصيل نصف الأموال. وازداد ظلمًا وعَدْوًا حتى منع الصدقات التي كانت تدفع للأرامل والأيتام وأخذها لنفسهِ، فكثرت التظلمات وتعددت العائلات المعسرة. وفي يوم الخميس ١٦ شوال سنة ١٠٤٩هـ توفي السلطان مراد الرابع.

fig16
شكل ٣-٧: نقود السلطان مراد الرابع بن أحمد.
وترى في شكل ٣-٧ صورة النقود الذهبية للسلطان مراد الرابع ضربت في القاهرة سنة ١٠٣٢هـ وهي سنة توليهِ.

(٩) سلطنة إبراهيم بن أحمد (من سنة ١٠٤٩–١٠٥٨هـ أو من ١٦٤٠–١٦٤٨م)

فظن المصريون أن في تغيير السلطان منجاة لهم مما كانوا يكابدونهُ. فبويع أخوهُ السلطان إبراهيم بن أحمد وأمر حالًا باستبدال محمد باشا وأحرمهُ من العطية التي كانت تعطى اعتياديًّا لحاكم مصر عندما يستقيل من منصبهِ. لكنهُ أمر بعد ذلك بإبقائهِ فعاد إلى أعمالهِ وازداد ظلمًا وعتوًا ففتك بالناس فتكًا ذريعًا لم يبق ولم يذر.

ثم استبدل محمد باشا بمصطفى باشا الملقب بالبستانجي٢ وكان أبيَّ النفس على نوع ما إلاَّ أن كاتبهُ أحمد أفندي كان عاتيًا غشومًا وكانت بيدهِ أزمَّة الأحكام فاستبدَّ بها ما كرَّه المصريين بالحياة، واتفق في أيامهِ تقصير النيل فازدادت الأثقال بغلاء الحبوب. ولم يكن الباشا يتداخل في الأحكام على الإطلاق، فكثرت السرقات حتى لم ينجُ حيٌّ من أحياء القاهرة من النهب واضطر معظم الأهالي إلى مهاجرة بيوتهم، وكان رئيس الضابطة إذا جيءَ إليه ببعض اللصوص لا تغيب عليهم الشمس في السجن ومثل ذلك كان يفعل الكشَّاف (حكام الأقاليم) فتواترت التشكيات إلى الباشا، فاضطر إلى عزل رئيس الضابطة وتولية آخر اسمهُ كنعان بك فاهتم هذا بالقبض على اللصوص فسجن عددًا كبيرًا منهم.

وفي شوال سنة ١٠٥١هـ ثارت الجهادية وجاهر الجاويشيون على رئيسهم الأمير علي بدعوى أنهُ لا يفرق الأعطيات إلَّا على كتبتهِ، فاضطر الباشا إلى عزلهِ وتولية عابدين بك في مكانهِ. فلما رأى باقي الجيش ما كان من فوز الفئة الثائرة ثاروا جميعًا وادعوا أن مخازن الحبوب فارغة وطلبوا معاشاتهم المتأخرة منذ سنة. فعَّيَّن لهم محمد أفندي قاضي العسكر لتحري دعواهم فتفقد مخازن الحبوب فرآها حقيقة فارغة وأن ما كان فيها قد باعهُ الكاتب وأخفى ثمنهُ، فاضطر الباشا مراعاة لطلب الجمهور أن يتخلى عن كاتبهِ رغمًا عن حبهِ لهُ فاستنجد الجاويشية فأنجدوهُ وأعادوهُ إلى مركزهِ فازداد تمردًا وبالغ في الانتقام. ثم استقال مصطفى باشا وتولَّى الوزير مقصود باشا وكان واليًا على ديار بكر قديمًا، فلما استلم مقاليد الأحكام بحث عن تصرفات سلفهِ فاطلع على أعمالهِ فقبض على كاتبهِ والكخيا وجلدهما وأجبرهما على إرجاع مائتي كيس من النقود إلى الخزينة. أما مصطفى باشا فأُرسل إلى الأستانة وهناك أُخذ منهُ مائتا كيس سلمت للخزينة الشاهانية وأصبح في جملة الوزراء السبعة العظام في الروملي.

وفي أيام مقصود باشا قاست مصر أمرَّ العذاب من وباء وفد عليها وكان أصعب مراسًا من الوباء الذي وفد في أيام علي باشا لأنهُ كان عامًّا لم ينجُ من إصابتهِ الشيوخ ولا الشبان فكان يصيب من الشيوخ واحدًا في الثمانية. ظهر هذا الوباء أولًا في بولاق في أوائل شعبان سنة ١٠٥٢هـ وبعد ذلك بشهرين ظهر في القاهرة وما زال على معظمهِ من ابتداءِ ذي القعدة من تلك السنة إلى غاية صفر من سنة ١٠٥٣هـ، ثم أخذ بالتناقص شيئًا فشيئًا ولم ينقضِ حتى انقضى الشهر الثاني ولم يكن يُسمع إلا بالوفيات المتتابعة في كل ساعة، وكانت تنقل الجثث بالعشرات دفعةً واحدةً فكان يشاهد في الشارع الواحد أحيانًا ثلاثون أو أربعون جنازة، وقد روى ابن أبي السرور وهو من المؤرخين المعاصرين أن جملة من صُلَِّيَ عليهم من المتوفين في الجوامع الخمسة الرئيسية في القاهرة في مدة ثلاثة أشهر ألفان وتسعمائة وستون، وقد كانوا في آخر الأمر يدفنون موتاهم بغير صلاة وعدد هؤلاء لا يقلُّ عن عدد الذين صُلّي عليهم. أما خارج القاهرة فلم يكن الوباء أقل فتكًا ويقال إن ٢٣٠ قرية أصبحت خرابًا لإصابة كل أهاليها بذلك الداء.

فلما رأى مقصود باشا ما ألم بمصر من الدمار جعل يسعى إلى إصلاح الأحوال جهدهُ فاستعمل الرفق، فألغى جميع الضرائب التي وضعها أسلافهُ بغير الحق وجعل حقوق الوراثة إلى الأقرباء الشرعيين مع دفع شيءِ من التركة إلى الحكومة وجعل يتحرَّى التعديات تحريًا شديدًا، وشدد في القبض على اللصوص فقبض على كثيرين منهم فقتل بعضًا وسجن بعضًا وقاصص آخرين بحسب ذنوبهم متخذًا الصرامة ديدنًا، فاستكنَّت الناس وطابت قلوبهم نوعًا. وبينما كان هذا الباشا ساعيًا فيما تقدم ظهرت في الإسكندرية في ٢٠ ذي القعدة من تلك السنة ثورة كدرت أعمالهُ وذلك أن نحوًا من ستمائة من المسيحيين كانوا تحت طائلة القصاص مغلولين في سجون الإسكندرية، ففي اليوم المذكور فتقوا السجون بغتة والمسلمون في الجوامع يصلون وطفقوا ينهبون الحوانيت والمخازن والبيوت ولم يبقوا ولم يذروا، ولما ملئوا جعبة مطامعهم نزلوا إلى مركب كان بانتظارهم في البحر وأقلعوا يطلبون الفرار. ولم يكن ذلك كل ما تهدد مقصود باشا وحال دون مشروعاتهِ، إنما هناك ما هو أدهى وأمرُّ وذلك أن جماعة السناجق تآمروا عليهِ وتواطئوا على عزلهِ في يوم الجمعة ١٢ رمضان سنة ١٠٥٤هـ باجتماع عقدوهُ في بيت الأمير رضوان بك الملقب بأبي الشوارب. وسبب ذلك أن مقصود باشا كان قد طلب إليهم حبًّا بتسديد رواتب الجيش عن شهر رمضان أن يدفعوا الثلث الأول من المال الذي يطلب منهم للخزينة عن الإقطاعات الحربية التي كانت في يدهم، فرفضوا ذلك بالإجماع وطلبوا عزل بعض المأمورين الذين كانوا ينظرون إليهم كأكبر نصير للباشا في إرادتهِ. فسلم لهم الباشا بما أرادوا أما هم فلم يقنعوا بذلك فحرروا إلى الأستانة يشكون من سوء تصرفهِ بموافقة كثيرين من الأعيان، فكتب إليه الباب العالي رأسًا ما مفاده «إن الحضرة الشاهانية لم تعلم أسباب الثورة الجهادية التي حصلت في مصر وتتعجب كيف أن الباشا لم يبلغ الباب العالي عنها.» فأجاب الباشا أنهُ لم يحصل لديهِ ما يدعى ثورة وإنما هناك بعض التشكيات وبعض الاختلافات التي يرجو إصلاحها بالتي هي أحسن ولذلك لم يكن ثمَّ حاجة لإبلاغ الباب العالي. فطلب إليه الباب العالي أن يتحرَّى التحريات اللازمة ويعاقب المعتدين ويصرف الأمر بما يتراءَى لهُ. إلَّا أنهُ رغمًا عن كل ذلك اضطر إلى الإذعان، لكنهُ أراد الفتك بالأمير على بك والأمير ماماي بك والدفتردار شعبان بك لعلمهِ أنهم زعماءُ تلك الثورة، فأعد لهم كمينًا وأقام لهم رصداء ليقتلوهم في الديوان وعيَّن لذلك يوم الاثنين في ٢٣ ذي الحجة سنة ١٠٥٤هـ إلَّا أن الصدفة لم تسمح لهُ بما أراد، فإن الدفتردار نزل إلى الديوان وحدهُ في ذلك اليوم فشاور الباشا عقلهُ بين أن يفتك بهِ وحدهُ أو أن يخفي ما في ضميرهِ لبينما يفتك بالثلاثة معًا فأقر أخيرًا على إرجاء ذلك العمل إلى يوم آخر.

وفي اليوم الثاني جاءَ الفرمان بعزلهِ وتولية الدفتردار شعبان بك بصفة قائمقام يتعاطى الأحكام وقتيًّا فشق ذلك على الباشا لكنهُ أذعن وسلم مقاليد الأحكام لشعبان بك، فرفع السناجق إلى الباب العالي يطلعونهُ على حقيقة ما حصل في أيام الباشا السابق ويطلبون إليه الإسراع في إرسال من يخلفهُ فأنفذ إليهم أيوب باشا. وكان قبل ذلك الحين من مأموري السراي الشاهانية. فلما عهدت إليه هذه الولاية تردد في قبولها لما رأى من الأخطار المحدقة بها، إلَّا أنهُ اضطر أخيرًا إلى قبولها. وقد كان رجلًا حازمًا مستقيمًا استعان بمأموريهِ على إدارة الأعمال فلم تمضِ سنتان على حكمهِ حتى استتب النظام وسادت الراحة. ثم استقال من ذلك المنصب بعد أن صار وزيرًا وعكف على العبادة معتزلًا السياسة ومتمثلًا بالدراويش، فتنازل من ممتلكاتهِ في الأستانة للدائرة الخاصة الهمايونية وانفرد في أحد المعابد في الروملي. فوُليّ مكانهُ الوزير محمد باشا بن حيدر سنتين ونصف ولم يحسن الإدارة فارتبكت الأحوال.

وفي ١٠ رجب سنة ١٠٥٧هـ ثارت فئة من الانكشارية في مصر القديمة فتهددهم والي الشرطة فازدادوا تمردًا، فساروا إلى الباشا وطلبوا قتل ذلك الوالي ولم يكن ذنبهُ إلًا أنهُ قام بواجباتهِ فوافقهم الباشا على ما أرادوا. أما الوالي فكان من وجاق الجاويشية. فلما علم هؤلاء بعزم الباشا قاموا بصوت واحد يشكون من سوءِ تصرفهِ فخاف أن تبلغ هذه التشكيكات مسامع الباب العالي فتعود العاقبة عليهِ وبالًا فاجتمع بقنسو بك واستشارهُ بماذا يفعل، وكان هذا ممن لا يشيرون إلَّا بما يعود عليهم بالمنفعة الشخصية فأشار على الباشا أن يرفع إلى الأستانة تقريرًا سريًّا يشرح فيهِ كل ما حصل من الارتباكات وينسبها جميعها إلى الأميرين رضوان بك وعلي بك، وينسب إليهما أيضًا اختلاس مال الخزينة المصرية وأنهما سلباهُ منصب أمير الحج وحكومة جرجا كل ذلك لكي يرجع قنسو بك وماماي إلى منصبيهما.

فباشر الباشا بكتابة ذلك التقرير وطلب إلى بعض الأعيان أن يوقعوا عليهِ فبلغ ذلك مسامع رضوان بك فأسرع إلى كتابة تقرير مناقض لتقرير الباشا وبعث بهِ إلى الأستانة فوصل قبل تقرير الباشا وفيهِ ما فيهِ من التشكيات ضد قنسو بك وماماي بك، فورد الجواب من الأستانة مفوضًا إلى رضوان بك وعلي بك أمر النظر في تلك القضية وفي٢١ جمادى الأولى سنة ١٠٥٧هـ ورد إلى الباشا الفرمان بذلك، وفي ٢٧ منهُ استدعاهما الباشا إلى القلعة فاستدعيا قنسو بك وماماي بك وأمرا بقتلهما وقتل أمراء آخرين كانوا على دعوتهما. ولم تكد تتخلص مصر من دسائس هؤلاء حتى ظهرت دسائس مصطفى كخيا الملقب بالششنير وسبب ذلك أنهُ لم يسمَّ سنجقًا عوضًا من قنسو بك. وفي ٨ رمضان من تلك السنة وردت الأوامر إلى علي بك أن يترك القاهرة ويتوجَّه حالًا إلى حكومتهِ في جرجا. وبعد ذلك بثلاثة أيام استدعي رضوان بك إلى وليمة في القلعة بأمر الباشا فخاف من دسيستهِ فأبي الحضور فغضب عليهِ الباشا وجردهُ من إمارة الحج، فسار رضوان بك من القاهرة في نحو مائتين من رجالهِ وفيهم عدة من الأمراء والكشاف واتحد مع علي بك فبعث الباشا على أثرهما ألفين من جنودهِ ونحو خمسمائة من الانكشارية، فاجتمع الجند في الرملية وأقرُّوا على إغفال أوامر الباشا. ثم وردت الأوامر من الأستانة بتثبيت رضوان بك وعلي بك في منصبيهما. فاضطر الباشا إلى استقدام الأميرين فقدما إلى القاهرة في ١٩ رمضان بما لها من الرتب والحقوق فسعى إلى مصالحتها مع مصطفى كخيا.

وفي ٦ ذي الحجة من تلك السنة شاع في القاهرة أن الوزير مصطفى باشا قد سمّيَ على مصر عوضًا من محمد باشا بن حيدر. وفي ٢٦ منهُ وردت الأوامر قاضية بإعادة محمد باشا إلى منصبهِ. وفي ١٧ رجب سنة ١٠٥٨هـ توفي السلطان إبراهيم وتولى مكانهُ السلطان محمد الرابع.

fig17
شكل ٣-٨: نقود السلطان إبراهيم بن أحمد.
وترى في شكل ٣-٨ صورة النقود الفضية للسلطان إبراهيم بن أحمد ضربت في القاهرة سنة ١٠٤٩هـ.

(١٠) سلطنة محمد بن إبراهيم (من سنة ١٠٥٨–١٠٩٩هـ أو من ١٦٤٨–١٦٨٧م)

وبلغ ذلك التغيير مصر في أوائل رمضان مصحوبًا بعزل محمد باشا وتولية الوزير أحمد باشا، فاستلم هذا زمام الأحكام مدة سنتين كلهما اضطراب وقلاقل.

وأول تلك القلاقل كانت سنة ١٠٦٠هـ بسبب تقصير النيل فإنه لم يرتفع تلك السنة أكثر من ١٦ ذراعًا فلم يرتوِ من أرض الصعيد إلا الثلث أما الوجه البحرى فلم يرتوِ منه شيء تقريبًا. فغلت الاسعار حتى خيف من المجاعة.

أما الباشا فلم يكن يهمه إلا تكثير الضرائب مع أنه لم يكن يرسل منها إلى الأستانة إلا الثلثين، وكان لسوء نيته يرسل تلك المبالغ إلى الأستانة في عهدة الأمير رضوان بك ليحمل الباب العالي على الشك بأمانته فيتغير خاطر السلطان عليه، وكان إتماما لمكيدته يكتب للباب العالي على التتابع يشكو من تصرف رضوان بك ويطلب تجريده من إمارة الحج وتقليدها لعلي بك. وكان هذا على ما علمت من الصداقة مع رضوان لكنه لم يكن يعلم دسائس الباشا. أما الباشا فكان في نيته أن يوقع الضغائن بين الأميرين فيحل عرى اتحادهما، لكنه لم يتم مقصده حتى أتى الأمر العالي بعزله يوم السبت ٦ صفر سنة ١٠٦١هـ ورضوان بك لم يرجع إلى القاهرة بعد. ولم تكن نتيجة مساعي أحمد باشا إلا زيادة تآلف قلبي ذينك الأميرين، وكان من كرم أخلاقهما أن كلَّا منهما كان يتنازل للآخر عن إمارة الحج فأعجبت هذه الشهامة المصريين فمالوا بكليتهم إلى محبتهما وبالغوا في اعتبارهما، حتى إنهم أقاموا لهما دعاء عموميًّا في الرميلة. والباشا إذ ذاك محبوس في القلعة ولم يفرج عنه حتى دفع للخزينة مبالغ وافرة. فتولى مكانه الوزير عبد الرحمن باشا وما زال إلى أول شوال سنة ١٠٦٢هـ وقد قاسى ما قاساه سلفه من السجن والإهانة لأنه سار على خطواته. فاختار الباب العالي الوزير محمد باشا ليقوم مقامه في ٥ شوال من تلك السنة ولكنه لم يدخل القاهرة إلا يوم الثلاثاء في ٨ محرم سنة ١٠٦٣هـ.

وما زالت الولاة تتوالى على مصر ولا شيء من أعمالهم وأحوالهم يستحق الذكر. وفي آخر الأمر تحول النفوذ كله من أيديهم إلى أيدي البكوات المماليك. أما الباشوات فكانوا يولون مصر فإذا أتوها لا يكون ديدنهم إلا اكتساب الثروة بأي طريقة كانت ليعلم كل منهم أنه لن يعتم حتى يأتيه الأمر بالعزل وقلما انعزل أحدهم ولم يكن السجن مأواه.

(١١) السلاطين سليمان بن إبراهيم وأحمد بن إبراهيم ومصطفى بن محمد (من سنة ١٠٩٩–١١١٤هـ أو من ١٦٨٧–١٧٠٢م)

فالسلطان محمد الرابع أقيل من السلطنة في ٣ محرم سنة ١٠٩٩هـ وأودع السجن حتى مات (سنة ١١٠٥) وبويع السلطان سليمان الثالث وبعد ٣ سنوات توفي (في ٢٠ رمضان سنة ١١٠٢هـ) فبويع السلطان أحمد خان ويدعى أيضًا أحمد الثاني وبعد ثلاث سنوات ونصف توفي (سنة ١١٠٦هـ) فبويع ابن أخيه السلطان مصطفى خان وهو مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع. وبعد تسع سنوات تقريبًا (في جمادى الأولى سنة ١١١٤هـ) أقيل وتوفي في السجن في محرم سنة ١١١٩هـ.

(١٢) سلطنة أحمد بن محمد (من سنة ١١١٤–١١٤٣هـ أو من ١٧٠٢–١٧٣٠م)

وبويع أخوه أحمد خان وهو أحمد الثالث وكانت مدة حكمه على المملكة العثمانية نحوًا من عشرين سنة. وفي أيامه حصلت ثورات عديدة انتهت بتحول سلطة الباشوات ونفوذهم إلى البكوات المماليك وهذه قلعة الجبل قد كانت سجنًا للباشوات الذين كانوا يتولون الأحكام ولا يهمهم منها إلا الكسب الشخصي.

وقد توالى على مصر من سنة ١٠٦٣هـ إلى ١١١٩هـ اثنان وعشرون واليًا أغضينا عن ذكرهم لعدم أهميتهم. وفي سنة ١١١٩هـ في أيام السلطان أحمد خان تولى مصر حسن باشا وكان على القاهرة قاسم عيواظ بك بصفة شيخ البلد.

وقد كانت المماليك في مصر على حزبين كبيرين يعرفان بالمماليك القاسمية والفقارية، وكان هذان الحزبان لا ينفكان يضاد أحدهما الآخر ويحاول كل منهما اكتساب النفوذ له وإذلال الآخر. أما أصل هذين الحزبين ففيه أقوال منها أنهما ينسبان إلى أخوين هما قاسم وذو الفقار ولدي سودون أحد أمراء المماليك في عهد السلطان سليم الفاتح، وأن السلطان سليم هو الذي نشطهما ونشط أحزابهما وقد ذكر الجبرتي لذلك قصة طويلة لا حاجة بنا إلى ذكرها. وبعضهم يقول إن هذين الحزبين ينسبان إلى قاسم بك الدفتردار وذي الفقار بك الكبير سنة ١٠٥٠هـ. وكان قاسم عيواظ بك رئيس الطائفة القاسمية وذو الفقار بك رئيس الفقارية. وكان لكل من هاتين الطائفتين صفات مختصة بها فالفقارية كانت توصف بالكثرة والكرم والقاسمية بكثرة المال والبخل. وعلامة الفقارية علم أبيض ومزاريقهُ برمانة والقاسمية علمٌ أحمر ومزاريقهُ بجلبة.

وقد كانت هاتان الفئتان قبل تولي حسن باشا في وفاق تام فلما جاءَ خشي من اتحادهما فعمد إلى الدسائس فألقي بينهما الشقاق، فحصلت بين الطائفتين مواقع دامت ثمانين يومًا، فكانوا يخرجون من القاهرة إلى مكان يعرف بقبة العرب يوميًّا ويأخذون بالكفاح من شروق الشمس إلى غروبها ثم يعودون إلى القاهرة فيصرفون الليل بسلام في بيوتهم بين نسائهم وأولادهم ثم يعودون في الصباح التالي إلى المحاربة، ومن الغريب أن هذه المحاربات لم تؤثر في الراحة العمومية مطلقًا فما برحت الأشغال جارية في مجراها والحوانيت والمخازن تفتح وتقفل كالعادة.

وانتهت تلك المواقع بوفاة قاسم عيواظ بك فأسف عليهِ الناس وبكوهُ بكاءَهم على حاكم عادل أو أب حنون بارّ، ولم يبق صديق ولا عدو حتى بكاهُ لأنهُ كان فضلًا عن حكمتهِ وعدلهِ ودعتهِ شجاعًا باسلًا أبيَّ النفس. فأقاموا بعدهُ ابنهُ إسماعيل بك مكانهُ شيخ بلد وصادق الباشا على ذلك لظنهِ أن إسماعيل لصغر سنهِ يكون آلة بيدهِ يديرها كيف شاءَ، فزاد لذلك كدر ذي الفقار بك واشتد انتقامهُ لأنهُ كان ينتظر أن يولى هو ذلك المنصب. وكان إسماعيل رجلًا عاقلًا حكيمًا كوالدهِ عارفًا وجه الريح والحق، فسعى إلى الوفاق مع طائفة الفقارية فاتحدت الطائفتان جميعًا على الباشا. وقد كان إسماعيل بك من الجهة الأخرى يظهر الطاعة والرضوخ لأحكام الباشا بصفة كونهِ رئيسًا عليهِ، لكنهُ لم ينفك ساعيًا سرًّا إلى خلعهِ فكتب عنهُ إلى الأستانة ففاز بعزلهِ، فجاءَ غيرهُ ثم أُبدل بآخر فآخر وإسماعيل بك في منصبهُ مكتسبًا ثقة الرعية فكانوا يحبونهُ إلى ما يشبهُ العبادة.

ومما يحكى عنهُ أن أحد تجار القاهرة في أيامهِ وكان يدعى عثمان باع لأحد القبقجية (لقب يعطى للحرس السلطاني) وكان قد أتى القاهرة بمأمورية مهمة ثلاثمائة قفة بن إلى أَجل مسمًّى وكتب عليهِ بذلك كتابًا، ففي أثناء مدة الاستحقاق جاءَ من الأستانة إعلان بخيانة القبقجي والحكم عليهِ بالإعدام حالًا، فجيءَ بهِ إلى الباشا فقتلهُ ووضع يدهُ على تركتهِ وفيها البن كما هو. فعلم عثمان التاجر بذلك فعرض لإسماعيل بك بصفة كونهِ شيخ البلد ما كان من أمر البن فأجبر الباشا أن يرجع البن لصاحبهِ قبل كل شيء ففعل، فأصبح عثمان في حالٍ من الممنونية لذلك الرجل لا يعرف كيف يبينها فلاح لهُ أن يهديهُ علبة مرصعة وبعض القناطير من السكر النقي، فرفض إسماعيل بك تلك الهدية وخاطب عثمان التاجر قائلًا: «إذا كان المال الذي حصلت عليهِ بواسطي مالك ولك الحق بهِ فأكون قد فعلت واجباتي والله يكافئني، فإذا قبلت هديتك أظلم نفسي. أما إذا كان هذا المال ليس لك وإنما حصلت عليهِ بالحيلة فقبولي هديتك يعد مشاركة لك بالخيانة، لكني مع ذلك أقبل السكَّر الذي حملتهُ إليَّ على شرط أن تقبل ثمنهُ من وكيلي لأني سآمرهُ أن يدفعهُ اليك.»

ويحكى عنهُ أيضًا أنهُ كان يأدب في ليالي رمضان مأْدبات ليلية يجتمع إليها العلماء والفقهاء والمشايخ وقراء القرآن ولم يكن يسمح لغير هؤلاءِ الحضور فيها. فرأَى ذات ليلة بين الحضور رجلًا عليهِ ملامح الكآبة واليأس فأوصى بعض الخدم أنهم متى ارفضَّ الاجتماع يأتون بهذا الرجل إليه ففعلوا، فلما حضر بين يديهِ أعطاهُ قرآنًا وأمرهُ أن يتلوا عليهِ منهُ سورة فتوقف الرجل مرتجفًا ثم ترامى على قدمي البك متضرعًا وقال: «يعش سيدي البك إني رجل نجار لا أعرف القراءَة وإنما أتيت إلى هذه المأدبة متلبسًا بلباس الفقهاء لأملأ جوفي من الطعام فإني في حالة من الفاقة شديدة.» فأنصفهُ ولم يكتف بالإغضاء عن ذنبهِ هذا، لكنهُ جعلهُ في عداد خدمتهِ وجعل لعائلتهِ راتبًا معينًا وصار هذا النجار بعد ذلك من أصدق الخدمة وأكثرهم غيرةً وهمة.

وما زال إسماعيل بك في منصبهِ هذا مدة ست عشرة سنة تقلب أثناءَها على مصر عدة باشوات لم يكونوا إلا اسمًا بلا رسم. وكان لحسن سياستهِ موقفًا الفقاريين عن كل حركة لتظاهرهِ أنهُ على وفاق معهم فلم يجعل لهم فرصة يتحدون بها عليهِ، إلا أنهُ ارتكب خطأ واحدًا آل إلى قتلهِ، وذلك ان أحد المماليك الفقارية واسمهُ ذو الفقار كان لهُ عقار كافٍ للقيام بنفقات عائلتهِ فاختلسهُ منهُ أحد المماليك القاسمية وهم مماليك إسماعيل بك فرفع ذو الفقار دعواهُ إلى شيخ البلد (إسماعيل بك) فلم يصعَ لطلبهِ وأقرَّ على العقار لمملوكهِ، فشق ذلك على ذي الفقار فرفع دعواهُ إلى زعيم الفقارية ويقال لهُ شركس بك وكان خصمًا لإسماعيل بك بالفطرة فسار إلى الباشا وتخابر معهُ بشأن تصرف إسماعيل بك، وكان في قلب الباشا حزازات من الحسد فوافقهُ على الإيقاع بهِ ثم قال له:ُ «ليس لك وسيلة أفضل من أن تبعث أحد مماليكك وتأمرهُ أن يقتل هذا الرجل وأنا أعدهُ أن يكون لهُ جميع ما يتركهُ من المال والنساء مكافأة لأتعابهِ.»

فوافقه على رأيهِ وعين لتلك الفعلة أول يوم يجتمع فيهِ الديوان وأمر مملوكهُ ذا الفقار أن يستعد لإجرائها فقبل اعتمادًا على وعد الباشا، ففي اليوم المعين سار ذو الفقار ودخل الديوان وفيهِ إسماعيل بك فتقدم إليه وقبل يدهُ قائلًا: «أرجوك أن تأمر بإرجاع عقاري إليَّ.» فأجابهُ إسماعيل منتهرًا: «سننظر في طلبك هذا.» فألحَّ عليهُ فانتهرهُ فاستل خنجرًا ماضيًا بقرَ بهِ بطنهُ فتدفقت أمعاؤهُ ومات لساعتهِ في وسط الديوان، فهجمت رجال الباشا وقتلوا كل من كان هناك من رجال إسماعيل ولم ينجُ منهم إلا سريع العدو. هكذا كان انتهاء حكم إسماعيل بك سنة ١١٣٦هـ فنقلت جثتهُ إلى بيتهِ ثم دفنت بجانب جثة أبيهِ بجوار باب اللوق.

فتولى مشيخة البلد شركس بك واستولى ذو الفقار على جميع ممتلكات إسماعيل بك ونسائهِ كما كان موعودًا من الباشا، فأصبح رجلًا عظيمًا يشار إليه بالبنان وفي خدمتهِ مئات من المماليك فخافهُ شركس بك وأخذ يسعى إلى إذاقتهِ ما أذاقهُ لإسماعيل بك، فعلم ذو الفقار بتلك الدسائس فجمع إليه رجالهُ وفيهم عدة من الرجال العثمانيين وهجم على شركس بك فحصلت بينهم موقعة لم يستطع رجال شركس الثبات فيها أكثر من ربع ساعة، فقتل معظمهم وفرَّ الباقون ومعهم زعيمهم يطلبون الصعيد وهو الملجأ الوحيد للبكوات المغضوب عليهم.

فتولى ذو الفقار مكانهُ مع لقب بك بعد أن أقرَّ الباشا على ذلك فأصبح ذو الفقار بعد قليل عدوًّا ألدَّ لكل أترابهِ البكوات وعلى الخصوص لأبي دفية (سمي بذلك لأنهُ كان يتشح برداء كبير يقال لهُ دفية) ثم أُنبئ ذو الفقار بك أن أبا دفية ساع إلى إهلاكهِ وقد حاول ذلك مرارًا ولم ينجح. ثم إن شركس بك جمع إليه دعاتهُ في الصعيد وسار بهم نحو القاهرة فأرسل ذو الفقار بك عثمان كاشف أحد كبار قوَّادهِ في فرقة من المماليك لمحاربتهِ فتقهقر شركس بك ورجالهُ مرارًا حتى لحق ببلاد البربر. فسكر ذو الفقار من خمرة النصر وأخذ في الانتقام من البكوات الذين في القاهرة، فكان يقتل منهم كل من يظن فيهِ الانتماء إلى شركس بك حتى قتل منهم خلقًا كثيرًا، فاتحد من بقي حيًّا منهم مع رئيس الشرطة والأغا رئيس الانكشارية وبعثوا إلى شركس بما كان من فعلة ذي الفقار وتعاهدوا جميعًا على محاربتهِ، وانضم إليهم مصطفى القرد وكان من أعداءِ ذي الفقار ومعهُ جماعة من الرجال الأشداءُ فقدم شركس بك إلى القطر المصري، فعلم ذو الفقار بذلك فجمع إليه العلماء والمشايخ وشاورهم في الأمر فأجمعوا على عدم مناسبة الهجوم في تلك الحال إلا إذا تأكَّد الفوز، فلم يصغَ لمشورتهم فأرسل عثمان بك أحد قوادهِ لمحاربة شركس بك فحصلت بينهما موقعة قتل فيها مصطفى القرد وغرق شركس بك في النيل وهو يحاول الفرار فبعث عثمان بك برأسيهما إلى ذي الفقار. أما هذا فلم يهنأ بذلك النصر لأنهُ قتل بعد قتل عدوهِ شركس بيومين بمكيدة أُعدت لهُ بمساعي البكوات في القاهرة، وذلك أنهم ألبسوا واحدًا منهم دفية وجاءوا بهِ إلى بين يدي ذي الفقار وقالوا لهُ: هذا أبو دفية قد جعلهُ الله في أيدينا. وكانوا قد جعلوا تحت دفيتهِ عيارين ناريين فلما وقف بين يديهِ أطلقهما عليهِ دفعة واحدة، فسقط ذو الفقار مضرجًا بدمائهِ في وسط ديوانهِ سنة ١١٤٢هـ فعلم عثمان بك بما أصاب رئيسهِ فهرع إلى الأخذ بثأرهِ فدخل القاهرة وجعل يفتك بكل من يصادفهُ في طريقهِ فخافهُ الجميع.

ثم إن محمد بك أحد البكوات الذين كان يترقبهم عثمان بك رأَى منصب مشيخة البلد خاليًا فطمع فيهِ فتعاهد مع صالح كاشف صديقهِ على أن يقتلوا كل من بقي من زملائهِ البكوات بمكيدة ينصبها لهم، فأدب محمد بك مأدبة فاخرة دعاهم إليها فلبُّوا دعوتهُ ثم علموا بمكيدتهِ فقاوموهُ مقاومة شديدة وتمكنوا من قتلهِ فيئس صالح كاشف من مرامهِ، ففرَّ إلى القسطنطينية بعد أن شاهد رءوس البكوات ملقاة على الطريق أمام جامع الحسنين. ثم عقب هذهِ القلاقل ضربة أشد وطأة وهي الوباءُ الذي أَصاب مصر في تلك السنة ويدعى طاعون الكيّ، فإنهُ انتشر في البلد انتشارًا سريعًا وفتك بالعباد فتكًا ذريعًا. ورافق كل هذه الضربات عزل السلطان أحمد الثالث في جمادى الأولى سنة ١١٤٣هـ.

fig18
شكل ٣-٩: نقود السلطان أحمد بن محمد.
وترى في شكل ٣-٩ صورة النقود الذهبية للسلطان أحمد بن محمد مضروبة في القاهرة بتاريخ سنة ١١١٥هـ.

(١٣) سلطنة محمود بن مصطفى (من سنة ١١٤٣–١١٦٨هـ أو من ١٧٣٠–١٧٥٤م)

وبعد عزل السلطان أحمد بويع ابن أخيهِ محمود بن مصطفى خان وهو السلطان الرابع والعشرون من بنى عثمان ويدعوهُ بعضهم محمود الأول وبقي هذا على كرسي السلطنة خمسًا وعشرين سنة. أما الباشوات الذين كانوا يتولُّون مصر في أيامهِ فلم يكونوا أكثر أهلية من أسلافهم وكانت الأحكام قائمة بمشايخ البلد وفي يدهم الحل والعقد لا يستطيع الباشوات معارضتهم في شيء.

فبعد قتل ذي الفقار بك تولَّى مكانهُ عثمان بك المتقدم ذكرهُ فرقَّى كثيرين من مماليكهِ إلى رتبة البكوية ليقوموا مقام الذين هلكوا بالحوادث الأخيرة. وكان عثمان بك عادلًا حازمًا ولكنهُ كان صارمًا لا يراعي في تنفيذ العدل جانبًا، فعلم مرةً أن أحد بكواتهِ سعى في إقليمهِ ظلمًا فاستدعاهُ إليه وإذ تحقق ارتكابهُ قطع رأسهُ. ويحكى عن عثمان بك حوادث كثيرة تشير إلى حزمهِ واستقامتهِ وقسطهِ لا بأس من ذكر بعضها على سبيل النموذج.

يحكى أن حمَّارًا من حمَّاري القاهرة أراد ترميم مزود حمارهِ وبينما كان يرممهُ عثر في أحد جدران البيت على وعاءِ مملوء ذهبًا ففرح جدًّا واخذ الوعاء برمتهِ وسلمهُ إلى امرأتهِ وأوصاها أن تكتم الأمر لئلا ينكشف للحكومة فتأخذ المال منهُ لأن لها وحدها الحق بالاستيلاء على مخزونات الأرض. فلم يسع المرأَة إلَّا أنها طلبت من زوجها أن يبتاع لها مصاغًا وثيابًا فاخرة لتتمتع بتلك الهبة، فأبى زوجها إجابة طلبها خيفة أن يقود ذلك إلى كشف الحقيقة فاغتاظت المرأَة وأسرعت لساعتها ووشت بزوجها إلى عثمان بك، فاستدعى الحمَّار وبعد أن سمع حقيقة الحال صرفهُ قائلًا: «احفظ ما وهبك الله وطلِّق امرأتك وعش بسلام.»

ولما جاءَ الوباءُ إلى مصر كان عثمان بك في أول حكمهِ فرأَى الجوع الذي عقب الوباء ففتح مخازنهُ وخزائنهُ وفرَّق الأقوات والأموال في الناس، إلا أنهُ مع ذلك لم يستطع النجاة من مكايد ذوي المطامع وفي مقدمتهم إبراهيم وإسماعيل رضوان الأول كخيا٣ الانكشارية والآخر كخيا العزب، وكان كلاهما من المماليك الواحد من طائفة القزدقلية والآخر من طائفة الجلفية. وأصل الطائفة الأولى مملوك يقال لهُ القزدغلي كان سروجيًّا وأصل الطائفة الثانية أحمد الجلفي كان في بادئ أمره شيالًا وأغناهُ الله بطريقة في غاية الغرابة ولا بأس في ذكرها وهي:

جاءَ أحد المماليك إلى بعض معاصر الزيت ليبتاع منها ما يقوم بمؤونة بيتهِ مدة السنة، وكان أحمد الجلفي شيالًا في تلك المعصرة فابتاع المملوك الزيت واستأجر أحمد لحملهِ فحملهُ وسار معهُ وما زالا حتى بلغا بيتهُ فأنزل الحمل ووقف ينتظر أجرتهُ، فجاءَهُ المملوك وطلب إليه أن يساعدهُ في إخفاء مبلغ من النقود في أحد جدران البيت وألحَّ عليهِ أن يكتم الأمر سرًّا وأعطاهُ بضعة دراهم مكافأة لذلك فساعدهُ وأخذ الدراهم وسار في سبيلهِ حامدًا شاكرًا. وبعد مضي ثلاثين يومًا اتفق لهُ المرور بالقرب من ذلك البيت فشاهد ثمَّ جماهير مجتمعة. ثم علم أن ذلك المملوك توفي وقد عرضت تركتهُ للمبيع فتقدم أحمد وابتاع البيت الذي فيهِ المخبأة وبعد ارفضاض الجمع استخرج النقود وسار بها إلى قريتهِ (جلف) في مصر العليا وامتلك ممتلكات كثيرة ثم اتسعت ثروتهُ، وما زال حتى أصبح زعيمًا لعصابة كبيرة نسبت إليه.

وقد كان إبراهيم وإسماعيل رضوان في بادئ الرأي على تباين كلي بالأدبيات والماديات، فكان إبراهيم في ضيق من المعاش مع إقدام وبسالة ومطامح كبيرة. أما إسماعيل فكان غنيًّا بليدًا لا يهمهُ إلَّا التمتع بالملذات والشهوات. فكان إبراهيم في احتياج إلى إسماعيل ولذلك كان يتقرب منهُ. ثم تزوج إبراهيم ابنة محمد البارودي أحد التجار الأغنياء وأخذ معها مالًا كثيرًا، فتمكن بذلك من التداخل في بيت شيخ البلد وإلقاء المفاسد فيهِ بواسطة عدة من المماليك والأتراك وغيرهم من ذوي الرتب الذين كان يستعملهم آلة بيدهِ لتنفيذ مآربهِ. ثم تأتى لهُ الارتقاء إلى رتبة البكوية مع صديقهِ إسماعيل رضوان واتحد الاثنان معًا على السراء والضراء ووحدا ممتلكاتهما واجتزآ بالسوء من محصولاتها.

فأوجس عثمان بك خيفة من سرعة نمو ثروتهما وملافاة لما كان يخشى حدوثهُ من طموح أنظارهما جمع إليه ثلاثة أحزاب أحدهما حزب إبراهيم بك القطامش وفيهِ ثلاثة بكوات. والثاني حزب علي بك الدمياطي وفيهِ بكان. والثالث حزب علي كخيا الطويل وشاورهم في الأمر فأقروا على وجوب قتل إبراهيم بك وكان إذ ذاك كخيا الانكشارية ورضوان بك. فوافقوهُ على ما أراد إلا أن أحمد السكري وكيلهُ وكان من مماليك إبراهيم بك فلم يمكنهُ كتمان ذلك عنهُ فجاء إليه وأخبرهُ بجميع ما كان من التواطؤ على قتلهِ وقتل رفيقهِ، فسار للحال إلى رضوان بك وأخبرهُ وتشاورا بشأن ذلك فقررا إعداد مكيدة يقتلان بها عثمان بك فبعثا لهُ جواسيس يترصدونهُ في طريقهِ إلى القلعة فمرَّ فوثبوا عليهِ ففر بجوادهِ حتى دخل القلعة ولم يظفروا بهِ ولاقاهُ وكيلهُ وقد أضمر لهُ الشر، فسألهُ عما ألمَّ بهِ فأخبرهُ بما كان فكلمهُ بلسان الثعلب ناصحًا لهُ أن يبارح المدينة حالًا لأن الناس قد ثاروا جميعًا يطلبون قتلهُ، وما زال حتي أقنعهُ ففرَّ إلى سوريا وسار هو برفقتهِ حتى إذا دنوا من غزة تنحَّى أحمد عن الطريق واختبأ في قرية يقال لها الأشرفية بدعوى أنهُ يريد استطلاع الأحوال حماية لعثمان بك، فتربص هناك مدة ثم عاد إلى القاهرة بمن معهُ من المماليك وسار إلى إبراهيم بك وأعلمهُ بما فعل فكافأهُ على تلك الخيانة برتبة البكوية. وهمَّ الأهالي إلى بيت عثمان بك فأحرقوهُ واقتسموا تركتهُ، أما هو فوصل سوريا وحدهُ وسار منها إلى الأستانة فولي بروصة ولبث فيها حتى توفاهُ الله. وجميع هذه الحوادث توالت في مصر أثناء سنة ١١٥٦هـ.

فبعد إخراج عثمان بك من مصر صفا الجو لإبراهيم كخيا ورضوان بك فعملا على إبادة الأحزاب التي كانت متآمرة عليهما، فأخذ رضوان بك على نفسهِ إهلاك علي كخيا الطويل فأمر أحد مماليكهِ أن يقتلهُ بالرصاص في وليمة حافلة فلبَّى المملوك الأمر لكنهُ أخطأ الرمي وعوضًا من أن يصيب عليًّا أصاب مملوكهُ الذي كان بجانبهِ فقبض عليهِ وقتل في الحال. أما إبراهيم كخيا فتعهد بإهلاك من بقي من الأحزاب وقد كان على ولاية مصر إذ ذاك كيور أحمد باشا فطلب إليه إبراهيم أن يوافقهُ على إبادة البكوات فوافقهُ وربما كان ذلك لخوفهِ منهُ أو لأن ذلك يعود عليهِ بالنفع الشخصي، واستعانوا بالنقود فبذلوها فسهلت مشروعهم حتى إنهم قتلوا علي بك الدمياطي بيد وكيلهِ سليمان في وسط الديوان وقد وعدهم هذا بتسليم رءوس البكوات الأخر من أحزابهِ. فأمر إبراهيم كخيا ورضوان بك أن تقفل جميع منافذ القلعة على من فيها من البكوات المنوي قتلهم وجعلا على بابيَ الانكشارية والعزب جندًا. وحافظ سليمان على وعدهِ فبوشر بالمذبحة وأول من قتل فيها خليل بك من دعاة الدمياطي ومحمد بك من دعاة القطامش وكثيرون غيرهم، وحاول علي بك وعمر بك البلاط الفرار فتبعهما الباشا بنفسهِ ثم لاقاهما إبراهيم ورضوان وقتلاهما عند باب القلعة ولم يدفن من القتلى إلا محمد بك وخليل بك.

ولم يبقَ من مناظري إبراهيم بك إلا إبراهيم القطامش وعلي كخيا الطويل، فالأول مات من الحزن بعد مدة قصيرة والثاني هاجر من تلقاء نفسهِ تاركًا الدار ومن بناها. فصفا الجو لإبراهيم كخيا فتولى مشيخة البلد وسمَّى رضوان بك أميرًا للحج. ثم جعلا يتبادلان هاتين الوظيفتين كل سنة وعاد كلٌّ منهما إلى ميلهِ الطبيعي، إبراهيم إلى مطامعهِ ورضوان إلى ملاهيهِ. فأخذ إبراهيم كخيا يمتهن الأحكام ويستخدمها لاسترجاع ما بذلهُ للحصول عليها فلم يغادر وسيلة إلا استخدمها في سبيل مطامعهِ من قتل وفتك، فابتدأ بسليمان قاتل علي بك الدمياطي فحجر عليهِ في القلعة ولم يفرج عنهُ حتى استرجع منهُ كل ما كان أعطاهُ من النقود. ثم باغت من بقي من الأغنياءِ في القاهرة ووضع يدهُ على ممتلكاتهم بعد ما قتل بعضًا منهم ونفى البعض الآخر. فاستولى في يوم واحد على أموال نحو من ثمانين بيتًا من بيوت القاهرة ووضع يدهُ على جميع محصولات البلاد والكمارك والقرى والمخازن حتى الحوانيت الصغيرة ويقال بالإجمال إنهُ لم يُبقِ ولم يَذَرْ.

وكان كيور أحمد باشا قد استدعي إلى الأستانة ووليَ حكومة قبرص. فأقيم مقامهُ في القاهرة باشا آخر سنة ١١٥٦هـ فعاملهُ إبراهيم كخيا بالاحتقار فحقد عليهِ. ثم اتفق غياب إبراهيم في قافلة الحجِ إلى مكة فاغتنم الباشا فرصة غيابهِ وتواطأ مع حسين بك الخشاب على مكيدة يعدَّانها لإبراهيم، فاتفقا على أن يقوم الخشاب بما يلزم لقتل إبراهيم ورفيقهِ رضوان بك وأن يكافئهُ الباشا على ذلك بمشيخة البلد. فلما رجع إبراهيم سعى الخشاب إلى إتمام وعدهِ ففاز بالقبض على الاثنين فسجنهما في القلعة فولَّاهُ الباشا مشيخة البلد إلا أنهُ لم يهنأ بها لأن دعاة إبراهيم كخيا اتحدوا وهجموا دفعةً على حسين بك والباشا وأخرجوا المسجونين ففرَّ الخشاب إلى مصر العليا واختبأ في ابريم من نوبيا. أما الباشا فاستدعي إلى الأستانة فعاقبهُ السلطان عقابًا انتهى بالموت.

وكان يملك إبراهيم كخيا على أكثر من الفي مملوك وفي جملتهم علي الذي سيلقب بعلي بك الكبير ويكون لهُ شأن عظيم بهذا التاريخ، وسترى في سيرتهِ أنهُ من أفراد الدهر حزمًا وبطشًا وحكمةً. وكان علي بك بين مماليك إبراهيم كخيا بصفة سلحدار أغا وكان إبراهيم كخيا يحبهُ كثيرًا ويعتبرهُ حتى جعلهُ ناقل سيفهِ. ومما زادهُ اعتبارًا لهُ أنهُ استصحبهُ مرة في مسيرة إلى الحرمين في قافلة وكان برتبة كاشف وقد سار قائدًا لتلك القافلة، فلاقاهم في الطريق سرب من اللصوص فدفعهم علي بقلب لا يهاب الموت فلقبوهُ بالجني. ولما رجع إبراهيم كخيا إلى القاهرة نوى على مكافئة علي بلقب بك إلاَّ أن صغر سنهِ ودسيسة الخشاب حالا دون ذلك. ثم عقب ذلك شاغلٌ آخر أكثر أهمية زاد الأمر تأخيرًا وذلك أنهُ جاءَ القاهرة خبر وصول باشا جديد إلى الإسكندرية بدلًا من الباشا الذي أُخرج منها. وكان من عادة الحكومة في مصر إذا علموا بمجيء باشا جديد بعثوا وفدًا يلاقونهُ في الإسكندرية وفيهم العيون والجواسيس فيحيطون بهِ يستطلعون مقاصدهُ ونواياهُ وما في يدهِ من الأوامر السلطانية، فإذا رأوا تلك الأوامر سلميَّة ومقاصدهُ حسنة تأهلوا بهِ وفتحوا لهُ الطريق حتى يصل بولاق فيحتفل الأمراء بلقائهِ. أما إذا استطلعوا من أحوالهِ غير ذلك بلغوا الأمراءَ بالقاهرة فيجتمعون ويقررون إعلانهُ أن يقف حيث هو ويحررُون إلى ديوان الأستانة بعدم مناسبة ذلك الباشا الجديد وأن بقاءَهُ في مصر مخلٌّ بالنظام العمومي، أو ربما حمل الأهالي على الثورة. ثم يطلبون استبدالهً بآخر أكثر مناسبة للبلاد منهُ.

فلما اتصل بهم خبر قدوم هذا الباشا واسمهُ راغب محمد باشا سار شيخ البلد بنفسهِ لاستقبالهِ ومعهُ البكوات ثم اجتمعوا جميعًا بجلسة رسمية وأقسموا على الطاعة والإخلاص لأمير المؤمنين وكان قد خلع على كل منهم خلعة كالمعتاد. وأحب الأمراءُ راغب باشا محبة عظيمة لأنهُ عرف كيف يعامل شيخ البلد فأحبتهُ الرعية ومالوا بكليتهم إليه فصرف بين ظهرانيهم سنتين كلهما سلام وطمأنينة حتى أجمع البكوات على استبقائهِ بينهم طويلًا.

وبينما هم في مثل ذلك ورد إلى الباشا خط شريف٤ أن يسعى جهدهُ إلى قطع دابر البكوات وفي جملتهم شيخ البلد وكل من يلوذ بهِ. فاستنتج الباشا من نص ذلك الخط أن ديوان الأستانة مشتبهٌ بتصرفهِ في مصر وأنهُ قد وشي بهِ إلى جلالة السلطان أن اتفاقهُ مع بكوات مصر ليس إلا من قبيل عزمهِ على استخدامهم في مآربهِ بالاستقلال بحكومة مصر وإخراجها من طاعة الدولة العلية. فوقع في حيص بيص وتردد بين أن ينفذ الأوامر الشاهانية جهارًا مهما في ذلك من الخطر وما يحول دونهُ من المصاعب أو أن يعصاها أو يؤخرها فيعرض حياتهُ للخطر ويؤَيد التشكيات التي تقدمت بحقهِ. وبعد أن نظر في المسألة من سائر وجوهها قرَّر في ذهنهِ أفضلية الفتك بأصدقائهِ البكوات فتواطأَ مع زمرة من رجالهِ أنهُ متى اجتمع البكوات في مجلسهِ فليكونوا على استعداد للهجوم عليهم دفعةً عند أول إشارة ففعلوا ما أمرهم بهِ، لكنهم لم يفوزوا كل الفوز لأن ثلاثة من البكوات تمكنوا من النجاة وفي مقدَّمتهم شيخ البلد بعد أن جاهدوا الجهاد الحسن وأوسعوا الباشا تثريبًا على فعلتهِ هذه التي لم يكونوا ينتظرونها منهُ بعد أن أظهروا نحوهُ من اللطف والصداقة والإخلاص ما قد رأيت. فبرأَ ساحتهُ بإطلاعهم على الفرمان السرِّي الوارد لهُ بهذا الصدد، فكفُّوا عن الانتقام منهُ لكنهم عزلوهُ وحرروا إلى الأستانة يطلبون من يقوم مقامهُ. وفي الحال عينوا ثلاثة بكوات في مكان الثلاثة الذين قتلوا بتلك المكيدة. واستغنم إبراهيم كخيا هذهِ الفرصة لترقية علي كاشف فرقَّاهُ إلى رتبة بك فساءَ ذلك الترقِّي أحد البكوات المدعو إبراهيم بك، وكان شركسي المولد ولذلك كان يعرف باسم إبراهيم بك الشركسي وكان من دعاة إبراهيم كخيا لكنهُ عند ذلك تظاهر بعداوتهِ ونمت بينهما الضغائن التي لم تنتهِ إلا بقتل إبراهيم كخيا بعد ذلك الحين بخمس سنوات بيد إبراهيم الشركسي المذكور سنة ١١٦٨هـ. وفي تلك السنة توفي السلطان محمود بن مصطفى.
fig19
شكل ٣-١٠: نقود السلطان محمود بن مصطفى.
وترى في شكل ٣-١٠ صور نقود السلطان محمود بن مصطفى مضروبة في القاهرة بتاريخ سنة ١١٤٣هـ فالأولى منها ذهبية وهي صورة القطعة المعروفة باسم زر محبوب أو سكوين والثانية ذهبية أيضًا وهي نصف سكوين أو نصفية والثالثة صورة القطعة النحاسية المعروفة بالجديد.

(١٤) سلطنة عثمان بن مصطفى (من سنة ١١٦٨–١١٧١هـ أو من ١٧٥٤–١٧٥٧م)

فبويع أخوهُ السلطان عثمان بن مصطفى ويدعوهُ بعض مؤرخي المغرب عثمان الثاني وهو بالحقيقة عثمان الثالث وبقي على كرسي الخلافة ثلاث سنوات فقط. فشفى إبراهيم بك الشركسي غليلهُ بقتل إبراهيم كخيا لكنهُ لم يروِ مطامعهُ لأن مشيخة البلد انتقلت إلى رضوان بك صديق إبراهيم كخيا. ثم ظهر لهُ مناظر آخر من زعماء حزب إبراهيم كخيا يقال لهُ حسين بك أصبح بعد قتل الكخيا أكبر زعماء ذلك الحزب، فادعى لنفسهِ الأولوية بمشيخة البلد فلم تقبل دعواهُ فجمع إليه عددًا من دعاتهِ المماليك وصعد إلى قلعة القاهرة واستولى على بطارية من المدافع تشرف على بركة الفيل حيث يقيم رضوان بك فأطلق عليها قنابل خرقت جدرانها فتداعت أركانها.

وكان رضوان بك إذ ذاك مشغولًا بحلاقة لحيتهِ. فلما أحسَّ بالأمر امتطى جوادهُ لكنهُ لم يعل ظهرهُ حتى أصيب برصاصة كسرت فخذهُ إلا أنهُ تمكن من الفرار ومعهُ بعض المماليك إلى قرية الشيخ عثمان، وهناك توقف عن المسير لزيادة الألم وبرفقتهِ رئيس الضابطة وكان مجروحًا ثم توفي الاثنان ودفنا معًا. فسمِّي حسين بك من ذلك الحين شيخ البلد وجعل يتقرب من أترابهِ البكوات لكنهم كانوا لا يزيدون منهُ إلا نفورًا، ولم تمضِ بضعة أشهر من توليتهِ حتى كمنوا لهُ في مكان مصاطب النشاب في السهل الواقع بين القاهرة وأراضي إبراهيم بك وقد كان هناك منشغلًا بعرض جنودهِ المماليك فهمُّوا بهِ وذبحوهُ ثم قطعوهُ إربًا، ومن ذلك الحين صار يعرف بحسين بك المقتول. فتولى مكانه خليل بك واشتهر بحب القتل وكان متظاهرًا بالعداوة والحسد لعلي بك على الخصوص لأنهُ علم أنهُ أشد أعدائهِ عزمًا.

(١٥) سلطنة مصطفى بن أحمد (من سنة ١١٧١–١١٨٧هـ أو من ١٧٥٧–١٧٧٤م)

وفي سنة ١١٧١هـ تولى الخلافة العثمانية مصطفى بن أحمد وهو مصطفى الثالث. وبالحقيقة أن علي بك كان لشدَّة إخلاصهِ لإبراهيم كخيا لا ينفك ساعيًا إلى الانتقام لهُ ولكنهُ كان واضعًا أمام عينيهِ أن السبيل الأقرب والأسهل لبلوغ مرامهِ إنما هو القوة. فأخفى ما في ضميرهِ مدة ثماني سنوات كان أثناءَها منشغلاّ بجمع القوة فابتاع عددًا وافرًا من المماليك وتداخل مع البكوات الآخرين واكتسب ثقتهم بما كان يظهرهُ من الغيرة عليهم والإخلاص لهم وما كان يكرمهم بهِ من الهدايا، وما زال يخطو خطوة بعد أخرى حتى اقترب من النقطة المطلوبة، فأوجس خليل بك خيفة منهُ وجعل يتتبَّعهُ بالأرصاد والعيون ويعدًّ لهُ المكايد في شوارع القاهرة، ففي ذات يوم هجم عليهِ حسين بك كشكش بأمر خليل بك وبعد موقعة هائلة اضطر علي بك أن يفر إلى الصعيد في جملة من أصدقائهِ البكوات يستعد للانتقام انتقامًا مضاعفًا.

فصرح خليل بك أن علي بك ومن تابعهُ من البكوات مجردون من رتبهم وحقوقهم وولَّى بمناصبهم بكوات من ذويهِ، وقتل كل من ظفر بهِ في القاهرة من أصدقاءِ علي بك أو المنتمين إليه. أما علي بك فلاقى في الصعيد أحد مماليك مصطفى القرد يدعى صالح بك كان منفيًا إلى هناك وفي قلبهِ من خليل بك حزازات فاتحد الاثنان ورجالهما وزحفا إلى القاهرة. فخرج خليل بك وحسين بك كشكش لمقاتلتهما فدارت رحى الحرب فكان الفوز لعلي بك ورفيقهِ، فتتبعا خليل بك ورجالهُ حتى قطعوا بهم مديرية القليوبية وأوصلوهم إلى المسجد الأخضر على ضفاف النيل، واشتد الكفاح هناك فاضطر خليل بك ورجالهُ إلى الالتجاء إلى طنطا، فبعث على بك كاشفهُ محمد الملقب بأبي الذهب ليهاجمهم فهاجمهم واستلم طنطا بعد أن قتل حسين كشكش. أما خليل بك فاختبأ بالمسجد وبقي فيهِ وقد داهمهُ الجوع ثم قبض عليهِ ونفي إلى الإسكندرية ثم خنق هناك. أما رءوس القتلى فنقلوها إلى القاهرة وطافوا بها في أسواقها.

(١٦) علي بك الكبير (من سنة ١١٧٧–١١٨٧هـ أو من ١٧٦٣–١٧٧٤م)

فتمكن علي بك بهذا الانتصار من استلام مشيخة البلد في القاهرة وذلك سنة ١١٧٧هـ وأول أمر باشرهُ قتل إبراهيم الشركسي الذي قتل سيدهُ فثارت عليهِ أحزابهُ يطلبون الانتقام وكانوا عديدين، فخاف علي بك على حياتهِ ففرَّ من القاهرة حالًا طالبًا سوريا فالتجأ إلى متسلم (حاكم) بيت المقدس وكانت بينهما صداقة قديمة، إلا أن هذا الملجأ لم يحمهِ إلا مدة شهرين لأن أعداءَهُ البكوات لما علموا بمقرهِ شكوهُ للسلطان مصطفى وأخبروهُ بمقرهِ فأنفذ إلى متسلم القدس فرمانًا يأمرهُ بهِ أن يرسل علي بك تحت الحجز إلى الباب العالي. فعلم علي بك بذلك ففرَّ إلى عكَّاَّ وهناك اكتسب صداقة الشيخ ضاهر بن عمر أمير تلك المدينة الحصينة، فأكرم وفادتهُ وسعى إلى تبرئتهِ أمام الباب العالي وبمساعدة نصرائهِ من أصدقاء إبراهيم كخيا تمكن من نوال العفو عنهُ من لدن الحضرة الشاهانية فألغيت الأوامر بالقبض عليهِ وأعيد إلى القاهرة في منصبهِ الأول.

وفي سنة ١١٧٩هـ أي بعد ذلك الحين بسنتين هُدد علي بك بالإقالة من ذلك المنصب. وكيفية ذلك أن محمد راغب باشا الذي كان على مصر وعزل منها على ما مر بك كان لا يفتر عن تذكار كرم أخلاق علي مذ كان كاشفًا. فبعد استقالتهِ من مصر ولي بر الأناضول وبعد تسع سنوات ارتقى إلى رتبة صدر أعظم بأمر السلطان مصطفى الثالث، وما انفك مع ذلك متذكرًا صداقة علي بك لا يفتر عن معاضدتهِ وتسهيل مشروعاتهِ سرًّا وجهرًّا. ففي سنة ١١٧٩هـ توفي الوزير راغب محمد باشا فأصبح علي بك في احتياج لمن يعضدهُ. فاغتنم أعداؤُهُ هذه الفرصة ووشوا بهِ إلى الأستانة فاضطر علي بك أن يفرَّ إلى اليمن لكنهُ لم تأت سنة ١١٨٠هـ حتى عاد إلى القاهرة واسترجع منصبهُ بمساعدة أحزابهِ وموت أربعة من دعاة إبراهيم الشركسي. ثم تراءًَى لهُ أن صديقهُ صالح بك قد حدثتهُ نفسهُ بخرق حرمة الصداقة واتباع داعي المطامع الشخصية، فوكل أمر قتلهِ إلى أحد أتباعهِ المدعو إبراهيم كاشف فقتلهُ طعنًا وسترى أن إبراهيم هذا سيرتقي حتى يتولى مشيخة البلد.

ثم رأى علي بك أيضًا أن قبائل العربان في مصر السفلى قد شقت عصا الطاعة فأنفذ إليها أحد مماليكهِ المدعو أحمد في فرقة من الرجال فحارب أولئك العربان وأمعن في قتلهم حتى لقبوهُ بالجزَّار، وهو الذي تولَّى عكا بعدئذٍ واشتهر هذا الاسم هناك بالعسف والجور. أما من بقي من أعداء علي بك فاضطربوا خوفًا ولزموا السكوت والطاعة فارتاح وتحقق تخلصهُ من القلاقل والمفاسد والمقاومات. إلا أنهُ رأَى من باب الاحتياط والحرص أن يرقي ثمانية عشر مملوكًا من أتباعهِ إلى رتبة البكوية يكونون لهُ نصراء وقت الحاجة وهذه أسماؤُهم:
  • (١)

    رضوان ابن اخيهِ من جورجيا

  • (٢)

    علي الطنطاوي من جورجيا

  • (٣)

    إسماعيل من جورجيا

  • (٤)

    خليل من جورجيا

  • (٥)

    عبد الرحمن من جورجيا

  • (٦)

    حسن من جورجيا

  • (٧)

    يوسف من جورجيا

  • (٨)

    ذو الفقار من جورجيا

  • (٩)

    عجيب من جورجيا

  • (١٠)

    مصطفى من جورجيا

  • (١١)

    أحمد الجزار من أماسيا

  • (١٢)

    سليم أغا انكشاري

  • (١٣)

    سليمان كخيا انكشاري

  • (١٤)

    لطيف شركسي

  • (١٥)

    عثمان شركسي

  • (١٦)

    إبراهيم شركسي

  • (١٧)

    مراد شركسي

ولهذين الأخيرين شأن في هذا التاريخ لأنهما سيتنازعان السلطة في مصر.
  • (١٨)

    محمد

وكان يعزُّهُ أكثر من الجميع وستراهُ رجلًا عقوقًا ناكرًا للجميل. فلما تقلَّد محمد هذا البكويَّة ولم يكن قبل ذلك إلَّا كاشفًا لُقِب بأبي الذهب فأحب أن يجعل هذا اللقب اسمًا على مسمّى فجعل يتظاهر بالكرم المفرط فكان بدلًا من أن يفرق العطايا بالبارات يفرقها بالأرباع.
fig20
شكل ٣-١١: صورة ختم سليمان كخيا.

أما علي بك فكان ساهرًا على مصلحة البلاد سهرًا تامًّا وكان مخلصًا في كل أعمالهِ، فطهَّر البلاد من اللصوص وسعى كل ما في جهدهِ لإصلاح شئونها فساد الأمن فيها بعد أن كانت معرضًا للقلاقل والمفاسد. ولم يكن ذلك كلَّ مطامع علي بك فإنهُ رأَى من تحامل الواشين بينهُ وبين ديوان الأستانة وإيقاع ذوي الأغراض بهِ وبسلطتهِ ما حملهُ على السعي إلى الاستقلال بمصر وتجريدها من حماية الدولة العثمانية كليةً، لكنهُ كتم مقاصدهُ هذهِ وجعل يسعى إلى تنفيذها تحت طي الخفاء، وأول خطوة خطاها نحو هذه الغاية أنهُ انتحل أسبابًا مختلفة بنى عليها عزل أو إبعاد جميع مستخدمي الملكية والجهادية ورؤساء الوجاقات واستبدالهم بمن هم على دعوتهِ، إلا وجاق الانكشارية فإنهُ لم يمسهُ وذلك بعد أن تمكن من استبقائهِ تحت حمايتهِ وسد جميع السبل التي يمكنهُ بهِ التطرق إلى مقاومتهِ، وأخَّر دفع مرتبات الوجاقات الأخرى عمدًا فكان يدفع لهم أقساطًا عملة ورق بول وكانت تخسر المائة من هذا الورق تسعين، فكان يربح علي بك أرباحًا عظيمة باسترجاع الورق بالأثمان البخسة وصرفهِ ثانية بثمنهِ الأصلي. فلما رأت الوجاقات أنهم لا يستولون من ماهياتهم إلاَّ على العشر كرهوا الاستخدام بالعسكرية وجعلوا يستقيلون منها شيئًا فشيئًا ويتعاطون أشغالًا أخرى أكثر فائدةً لهم.

ثم سعى علي بك إلى تقليل العساكر العثمانية وتكثير المماليك من دعاتهِ. فيقال إنهُ جعل عددهم نحوًا من ستة آلاف وحظر على سائر البكوات والكشاف الذين يخشى من تغيُّرهم عليهِ أن يقتني أحدهم أكثر من مملوك أو مملوكين. وكان على ولاية مصر إذ ذاك محمد باشا فأزعجتهُ إجراءات علي بك وخشي عاقبتها فنصح إليه أن يقف عند حدهِ فلم يكترث بقولهِ. فأقرَّ الباشا على مقاومتهِ بدعوى أن هذه الإجراءات مضادة لمصالح الباب العالي، ولكنهُ لم يستطع المجاهرة بمقاصدهِ هذه فجعل يدسُّها سرًّا واتحد مع من بقي من دعاة إبراهيم الشركسي وأقروا على الانتقام من علي بك، ثم جعلوا يسعون فسادًا بين أحزابهِ حتى استجلبوا بعضًا منهم إلى جانبهم بالمواعيد المبنية على الحسد والطمع. وفي جملة هؤلاءِ محمد بك أبو الذهب الذي طمرهُ علي بك بفضلهِ حتى أزوجهُ ابنتهُ وكان يناديهِ كما ينادي أولادهُ. ولما لم يكونوا يستطيعون تنفيذ مآربهم جهارًا أغروا صهرهُ محمد بك المذكور بمبالغ وافرة ووعدوهُ أنهُ إذا قتل علي بك يتولى المشيخة مكانهُ فقبل، لكنهُ علم بعدئذ أنهُ يقصر باعًا عن مناوأة علي بك واستعظم الجناية فعدل عنها إلى جناية أعظم منها. وذلك أنهُ شكا إلى علي بك من معاملة الباشا لهُ فأسرع علي بك إلى إنقاذهِ منهُ وما انفك عن الباشا حتى أخرجه من مصر فعاد إلى الأستانة. ولم يزدَد علي بك في محمد بك أبي الذهب إلَّا ثقةً وإخلاصًا رغمًا عما كان يُنقل إليه عنهُ من السعي إلى الإيقاع بهِ، وفي سنة ١١٨٢هـ انتشرت حرب بين الروسية والدولة العلية فبعثت هذه الأخيرة إلى مصر أن تبعث إليها مددًا من اثني عشر ألفًا، فوصلت الأوامر لعلي بك بهذا الصدد ومشروعهُ لم ينضج بعد فلم يسعهُ إلا مباشرة ما أُمر بهِ فابتدأ بجمع الجنود. أما أعداؤُهُ فاغتنموا تلك الفرصة للوشي بهِ فاستجلبوا إليهم بكل سهولة الباشا الجديد الذي كان قد أُرسل من القسطنطينية بدلًا من الباشا الذي أخرجهُ علي بك، واتفقوا جميعًا على كتابة تقرير ممضي من الباشا وسائر البكوات أعداء علي يوشون بهِ إلى الديوان الشاهاني بدعوى أنهُ إنما أراد بما يجمعهُ من الجيوش معاضدة روسيا لتحرير مصر، فأنفذ الديوان الشاهاني إلى الباشا أمرًا مشدَّدًا أن يقتل علي بك ويرسل رأسهُ إلى أعتابهِ. فاتصل ذلك بعلي سرًّا بواسطة أصدقائهِ بالأستانة فبعث علي بك الطنطاوي أحد دعاتهِ في عشرة من أتباعهِ المماليك متنكرين بلباس بدوي يكمنون في مكان على مسافة قصيرة من القاهرة حيث لا بدَّ للقابجي باشي حامل ذلك الفرمان من المرور بهِ، فمكثوا هناك ثلاثة أيام متوالية وفي اليوم الرابع بانَ لهم القابجي ومعهُ أربعة نفر فقط، فوثبوا عليهم وقتلوهم جميعًا وطمروهم في الرمل بعد أن اخذوا ملابسهم والفرمان وساروا بهِ إلى علي فقرأَهُ ثم جمع إليه ديوان البكوات العمومي وأطلعهم عليهِ وأقنعهم أن ذلك الأمر ليس فقط لقتلهِ وحده وإنما لقتلهم جميعًا على إثرهِ ثم خاطبهم قائلًا: «دافعوا إذن عن حياتكم وحقوقكم واعلموا أن مصر ما برحت منذ القدَم محكومة بدولٍ من المماليك وقد كانوا سلاطين أشدَّاء تفاخر بهم الأرض والسماء فأعيدوها إليهم. وهذه فرصة ثمينة لا تضيعوها فإنكم لن تعثروا عمركم على فرصة مثلها هلمَّ إذن نسعى إلى الاستقلال فإن فيهِ حياتنا وحريتنا.»

فثار البكوات بجملتهم متأثرين من فصاحة عليّ وبلاغتهِ وكانوا ثمانية عشر جميعهم على دعوتهِ فعاهدوهُ أن يدافعوا عنهُ ما استطاعوا. أما من بقي من الأمراء المماليك الذين كانوا من أعدائهِ فخافوا العاقبة ولزموا السكوت. فكتب ديوان علي بك أمرًا إلى الباشا أن يبارح الأراضي المصرية في مدة ثمان وأربعين ساعة وأنهُ إذا لم يفعل يقتل وأن مصر قد أصبحت مستقلة. وبعث علي إلى الشيخ ضاهر أمير عكا يعلنهُ رسميًّا استقلال مصر ويدعوهُ للمساعدة في ذلك فأجابهُ الشيخ ضاهر مسرورًا وجمع إليه رجالهُ ورجال بنيهِ السبعة وصهرهِ وانضمَّ الجميع إلى جنود علي، وكان قد أضاف إلى الستة آلاف التي عندهُ من المماليك الاثني عشر ألف التي جمعت لمدد العثمانيين وأضاف إلى هذهِ أيضًا رجال أصدقائهِ البكوات حتى رجال أعدائهِ لأنهم لم يعد يسعهم إلا طاعتهُ. فاتصل ذلك بالأستانة فأرسل الباب العالي أمرًا إلى والي دمشق أن يسير في خمسة وعشرين الفًا لمنع جنود عكا من معاضدة علي فسار الوالي في ذلك العدد من الرجال فلاقاهُ الشيخ ضاهر في ستة آلاف فيما بين جبل لبنان وبحيرة طبرية وردَّهُ على أعقابهِ سنة ١١٨٣هـ. وكانت هذهِ الموقعة آخر المواقع لأن الباب العالي أمسك بعد ذلك عن إرسال الجند وكأنهُ نسي علاقتهُ مع سوريا ومصر بالكلية.

أما عليّ فاغتنم فرصة انشغال الدولة العلية بالمحاربة مع روسيا وصرف اعتناءَهُ نحو تنظيم مملكتهِ الجديدة وإصلاح ما داخلها من الخلل، فخفض الضرائب وجعل على المالية مدير الكمرك القديم المعلم ميخائيل فرحات القبطي بدلًا من يوسف بن لاوي الإسرائيلي الذي قتل جزاءَ خيانتهِ. ونظَّم التجارة الخارجية والمخابرات وأبعد العربان إلى الصحراء فساد الأمن وانتشر الإصلاح في القطر فزادوا على ألقاب علي لقب بلوط قبان (مبيد اللصوص). وكان في جملة القبائل الثائرة على مصر قبيلة الهوارة وكانت أشدهنَّ بأسًا وأطول باعًا جاءَت في الأصل من ضواحي تونس الغرب واستقرَّت فيما بين جرجا وفرشوط في بقعةٍ من الأرض لم تكن تصلح للزراعة، فاعتنوا فيها حتى ابتنوا فيها عدة قرى وما زالوا ينشرون سطوتهم حتى احتلُّوا جميع الأراضي بين هو وكفر الشيخ سليم. ثم اغتنم الشيخ هامان (شيخ الهوارة) فرصة انشغال مصر بما تقدم ووضع يدهُ على كل البلاد من أسيوط إلى أسوان وجمع إليه محصولاتها. وكان قد حارب هذه القبيلة كثيرون ممَّن تولوا مصر قبل عليّ وفرضوا عليها ضريبة مقدارها ٢٥٠ ألف أردب من الحنطة توردها سنويًّا إلى مصر.

ففي سنة ١١٨٣هـ أرسل علي بك صديقهُ محمد بك أبا الذهب لمحاربة الشيخ هامان وقبيلتهِ فحاربهم وتغلب عليهم في أواخر تلك السنة، فاضطر أبناء الشيخ أن يبتاعوا حياتهم بكل ما كان لديهم من ثروة أبيهم. فربح أبو الذهب من هذه الموقعة ثروة كبيرة ثم أسرع إلى القاهرة لما علمهُ من الدسائس التي كان ساعيًا بها رفيقهُ أحمد بك الجزَّار على علي بك، وكأنهُ لم يكن يريد أن يشاركهُ أحدٌ بالدسائس على سيدهِ. وكان أحمد الجزَّار ينظر إلى محمد أبي الذهب نظرهُ إلى عدوٍّ يناظرهُ في ارتكاب الدنايا فسعى إلى قتلهِ فلم ينجح. وكان لأحمد الجزار سيفٌ مشهور بطيب فولاذهِ وإتقان صنعهِ فاتفق يومًا أنهُ اجتمع بمحمد أبي الذهب فقال له: «أرني حسامك لأجربنَ فرنده.» فأجابهُ أحمد: «لا يستلُّ حسامي سواي ولا أغمده حتى يستباح قتيل.» ثم نهض للحال وغادر القاهرة قاصدًا القسطنطينية فوصلها ثم عهدت إليه ولاية عكا بعد ذلك وما زال فيها حتى توفاهُ الله.

أما علي بك فبعد أن تغلب على الصعيد ثار في خاطرهِ حب الافتتاح فجرَّد إلى اليمن تحت قيادة محمد أبي الذهب فسار في عشرين ألف مقاتل فقطع برزخ السويس ومضيق العقبة ولم يُبق على أحد من القبائل التي حاولت الوقوف في طريقهِ وما زال حتى أتي اليمن وافتتحها. وأمر عليٌّ فسار إسماعيل بك في ثمانية آلاف لافتتاح السواحل الشرقية للبحر الأحمر وحسن بك لافتتاح جدة، ولقب بالجداوي إشارة إلى انتصارهِ على تلك المدينة وما زال يعرف بهذا اللقب من ذلك الحين. ولم تمض ستة أشهر حتى افتُتحت شبه جزيرة العرب وفي جملتها مكة المشرفة التي لحق بها نهبٌ شديد وأُنزل شريفها وأقيم مقامهُ ابن عمهِ الأمير عبد الله فثبَّت عليًّا في سلطنتهِ ببراءَة رسمية ولقبهُ بسلطان مصر وخاقان البحرين. فلما حصل علي بك على هذا التثبيت من شريف مكة أخذ يتمتع بكل حقوق السلطنة فأمر أن يُخطب باسمهِ في الصلوات العمومية أيام الجمعة وضرب النقود سنة ١١٨٥هـ في القاهرة باسمهِ كما سترى.

وفي هذه السنة سعى علي بك إلى أمرٍ سيق بهِ إلى حتفهِ وذلك أنهُ عهد إلى محمود بك أبي الذهب أن يسير في ثلاثين ألفًا لإخضاع بلاد الشام لأنهُ كان يعتبر هذهِ الولاية بعد أن خرج هو من طاعة الدولة العلية جارًا عدوًّا يخشى منهُ ليس فقط على نفسهِ ولكن على الشيخ ضاهر صديقهِ ومحالفهِ أيضًا. وكان ينظر إلى سوريا كأنها مجعولة من طبيعتها جزءًا من مملكة مصر، وقد كانت بالواقع قسمًا منها في سائر الأزمنة التي كانت مصر فيها مستقلةً كما رأيت في أيام الدول الطولونية والأيوبية والمماليك وغيرها. وسعى علي بك في الوقت نفسهِ إلى التحالف مع دولٍ بينها وبين الأستانة عداوة طبيعية، فاستخدم أحد التجار الإيطاليانيين المدعو روستي فعقد لهُ معاهدة سلمية مع الفنيسيين على أن يكونوا أصدقاءَ معضدين لهُ. ثم عهد إلى رجل أرمني يدعى يعقوب أن يستطلع من الكونت الكسيس اورلوف قومندان القوات الروسية في البحرين (المتوسط والأسود) عن إمكان عقد معاهدة دفاعية وهجومية مع قيصرة روسيا كاترينا الثانية. فأجاب الكونت بالإيجاب وفتحت المخابرات بشأن ذلك وطال أمرها كثيرًا لبعد المسافة بين الطرفين. أما جنود علي بك في سوريا فصاحبها الظفر واتحدت بجنود الشيخ ضاهر فاستولوا على غزة والرملة ونابلس وأورشليم ويافا وصيدا وأخيرًا حاصروا دمشق ولم تلبث يسيرًا حتى سلَّمت.

فلما رأَى محمد أبو الذهب ما كان من هذهِ الفتوحات العظيمة على يدهِ حدثتهُ نفسهُ أن يجعلها لنفسهِ. ثم قادتهُ مطامعهُ إلى محاربة عليّ واستخراج مصر من يدهِ. ويظن أنهُ لم يقدم على ذلك من تلقاءِ نفسهِ وإنما كان محمولًا بأوامر جاءَتهُ من الأستانة لأن المخابرت السرَّية كانت متواصلة بينهُ وبينها بواسطة الباشا الذي أخرجهُ عليٌّ من مصر. فأمسك محمد عن المسير في الأراضي العثمانية وحوَّل شكيمة مقاصدهِ نحو الديار المصرية فجمع إليه كل ما كان لديهِ من الجيوش وضمَّ إليها كل الحاميات التي كان قد أقامها في المدن المفتتحة وسار قاصدًا مصر. إلا أنهُ لم يجسر على المسير إلى القاهرة رأسًا خشية أن يلاقي من الانكشارية والوجاقات الأخرى أعداءُ أشداء لعلمهِ بما في قلوبهم من الضغينة عليهِ. فعرَّج نحو الصحراء وسار حتى بلغ الصعيد فحط رحالهُ هناك واستولى على أسيوط في آخر يوم من سنة ١١٨٥هـ. ثم استقدم إليه قبائل العربان وطلب محالفتهم ومحالفة بكوات الصعيد وجاهر بعزمهِ على خلع علي بك، وسار قاصدًا القاهرة فوصلها في اوائل سنة ١١٨٦هـ فنزل بجيشهِ مقابل البساتين فوق مصر القديمة. فلما علم عليٌّ بذلك ندم على ما وضع من الثقة في رجلٍ كان لهُ أن يعتبر من سيرتهِ الماضية أنهُ على غير الإخلاص والاستقامة. فجند ثلاثة آلاف رجل تحت قيادة إسماعيل بك وأمرهم أن يمنعوا محمدً من عبور النيل فسار إسماعيل لكنهُ خاف سطوة عدوهِ. ثم وردت إليه منهُ كتب مفعمة بالمواعيد يمازجها بعض التهديد فأخذ جانبهُ وضمَّ جيشهُ إلى جيشهِ، فقطع محمد بك النيل فاستقبلتهُ رجال إسماعيل بالترحاب فاتصل ذلك بعلي فيئس من الفوز فانقطع إلى القلعة بعائلتهِ وأصدقائه ورجال دعوتهِ عازمًا على المدافعة إلى آخر نسمة من حياتهِ. وبعد ذلك بثلاثة أيام ورد إليه كتابٌ من الشيخ أحمد أحد أبناء صديقهِ الشيخ ضاهر أن يبارح القاهرة حالًا ويأتي إلى أبيهِ في عكا، فبارح علي القلعة بمن معهُ وسار من جهة الجبل الأحمر طالبًا سوريا عن طريق الصحراء. وكان خروجهُ قبل دخول محمد بك القاهرة بيوم واحد أي مساء ٩ محرم سنة ١١٨٦هـ وهذه هي المرة الثالثة لخروجهِ منها إلى سوريا وفي معيتهِ عددٌ يسير من الجند لا يبلغ ستة آلاف معظمهم من الخدمة الذين لا يستطيعون الدفاع. ولم يحمل معهُ من المال إلا ثمانمائة ألف زر محبوب يحملها ٢٥ جملًا. ونقل معهُ من المصاغ والحلي ما يساوي أربعة أضعاف ذلك. وما زالوا في المسير ليلًا ونهارًا فوصلوا إلى خان يونس في حدود سوريا بعد ثلاثة أيام فرأَوا أن خمسة من الجمال الحاملة للنقود قد ذهبت فريسة بيد القبائل البدوية وأن عددًا من جنودهِ قد فروا ومعهم يوسف الخزندار. وفي اليوم التالي دخل علي بك غزة ثم واصل السير حتى عكا بعد ثمانية أيام فترحَّب بهِ أميرها وكانت بينهما مودة شديدة فأمن عليٌّ هناك غير أن ما تكبدهُ من المشاق في الأسفار مع ما أثَّر في نفسهِ من الغيظ الشديد قد غيَّرا في صحتهِ فلم يصل عكا إلا وهو في حالة الخطر من شدة المرض.

وفي أثناء ذلك وصل مينا عكا أسطولٌ روسيٌ فلما علمت حاميتةُ بما حلَّ بعلي عقدوا معهُ معاهدة ثانية وقدموا لهُ كل ما يحتاج إليه من المؤن والذخائر، وكان في خدمة ذلك الأسطول فرقة من الألبانيين (الأرناءوط) مؤلفة من ثلاثة آلاف رجل فأمدوه بهم. فلما رأَى علي بك ما كان من نجدة الروسيين مع ما يمكنهُ الحصول عليهِ من جنود الشيخ ضاهر عزم على مناوأة أبي الذهب لكنهُ لم يكن يستطيع مباشرة ذلك بنفسهِ لانحراف صحتهِ. فعهد إلى علي بك الطنطاوي بعد ثلاثة أشهر أن يسير أولًا لاسترجاع المدن السورية التي دخلت في حوزة محمد أبي الذهب فسار واستولى على صور وصيدا وقرى أخرى من سواحل سوريا كانت قد احتلتها جنود عثمانية بعد انسحاب جنود محمد أبي الذهب. ثم سار علي بنفسهِ فيمن بقي من الجند إلى يافا وافتتحها بعد محاصرة خمسة أشهر استولى في أثنائها على غزة عنوةُ وعلى الرملة واللد تسليمًا. فأعاد يافا إلى حكومة الشيخ ضاهر وجعل على اللد حسن بك الجداوي وعلى الرملة سليم بك.

وفي ٩ ذي القعدة سنة ١١٨٦هـ كان علي بك في يافا فجاءَتهُ رسل من القاهرة بمأمورية سرية من وجاق الانكشارية والوجاقات الأخرى وسائر أعيان القاهرة يعلمونهُ أن محمد أبا الذهب دخل القاهرة حالما خرج منها هو وسمىَّ نفسهُ شيخ البلد وجعل يعيث في البلاد ظلمًا لم يسبقهُ إلى مثلهِ أحدٌ ممن تولى مصر قبلهُ فجعل بعض الضرائب ضعفين وبعضها ثلاثة أضعاف. ثم اختلق قانونًا غريبًا دعاهُ قانون رفع المظالم والمقصود منهُ بحسب الظاهر إنقاذ ملتزمي الأموال الأميرية من الإجراءَات الاستبدادية التي كان يسومهم إياها الكشاف إلى ذلك العهد واستبدالها بما يعود بالمنفعة، والحقيقة أن الضرائب ما انفكت أشدَّ وطأة من ذي قبل والإجراءات لم تزدد إلا استبدادً فضلًا عما رافق كل ذلك من الفتك بالعباد قتلًا ونهبًا.

ثم قالوا إن مصر بجملتها لما رأَت ما وصلت إليه من الانحطاط وما لحق بأهلها من المظالم والإجراءات التي ما أنزل الله بها من سلطان قد نَوَّبتهم أن يبلغوا علي بك أنها بصوت واحد تلتمس رجوعهُ ليحكم فيها لأنهُ هو منقذها الوحيد، وأن مدينة القاهرة مستعدة أن تفتح أبوابها لاستقبال أميرها القديم وأن تدافع عنهُ الدفاع الممكن إذا حاول محمد بك أبو الذهب إجراء ما يخالف الصوت العمومي.

فلما علم علي بك بكل ذلك شعر كأن آمالهُ عادت إليه وبارح يافا للحال قاصدًا القاهرة. ولم يكن لديهِ من الجنود إلا ألفان وخمسمائة فاستنجد حاميات اللد والرملة وانضم إليهم جنود الشيخ ضاهر وجنود ابنهِ الشيخ شلبي وصهرهِ الشيخ كريم وحسن شيخ مدينة صور. وكان قد استأجر ثلاثة آلاف وخمسمائة من المغاربة. فكان عدد الجنود التي بمعيتهِ جملة ثمانية آلاف محارب.

ففي ١١ محرَّم سنة ١١٨٧هـ وصل علي بك بجنودهِ إلى خان يونس وفي ١٦ منهُ اقترب من الصالحية. وفي ١٨ منهُ التقى بمقدمة جيوش محمد بك أبي الذهب وعدَّتهم اثنا عشر ألف مقاتل وبعد محاربة بضع ساعات ظهر علي بك عليهم بعد أن قتل عددًا غفيرًا من رجالهم. فانفتحت لهُ أبواب الصالحية فدخلها بسلام وقد أصيب بجروح بليغة. ثم علم أن اعتمادهُ على أحزابهِ في القاهرة لا يورثهُ إلا خيبة الأمل لأن أبا الذهب كان قد جمع إليه كبراءَ البلاد ورجال حكومتها لما علم بمظاهرتهم لعلي وحاول إقناعهم أن علي بك قد غدر الأمَّة وخان الوطن وأباح دماء المسلمين بمعاهدتهِ مع الروسيين وغيرهم من الأمم النصرانية. واستخدم أبو الذهب في سبيل إقناعهم الدرهم الوضاح فانحازت إليه كل القوات العسكرية إلا وجاق الانكشارية فإنهُ بقي محافظًا على ولاء علي بك. فلما تحقق محمد بك أبو الذهب اجتماع الأحزاب في مصر على دعوتهِ أَمن من الاضطراب الداخلي فسار بنفسهِ لمحاربة علي.

أما علي فانزعج لتلك الأحوال انزعاجًا كثيرًا فضلًا عما كابدهُ من مشاق الأسفار في قطع الصحراء الحارة وزد على ذلك الجروح التي أصابتهُ في موقعة الصالحية فأصيب بحمى شديدة منعتهُ من امتطاء جوادهِ وقيادة جنودهِ. وفي ٢٠ محرم سنة ١١٨٧هـ علم بمجيء أبي الذهب وهو على ماتقدم من المرض فلم يتردد في وجوب الدفاع فأَمر قوَّادهُ فانتظمت رجالهُ على قلَّتها وتهيَّاَت للدفاع. وكان على الجناح الواحد من الجيش علي بك الطنطاوي ومن معهُ من البكوات وعلى الجناح الآخر ابن الشيخ ضاهر وصهرهُ فاستظهرت جنود علي بادئ الرأي حتى قاربت الفوز التام ثم أرسل أبو الذهب جواسيس إلى المغاربة في جيش علي يغريهم على خيانة رئيسهم فوافقوهُ ووافقهُ غيرهم كثيرون من بكوات علي وفي جملتهم إبراهيم بك ومراد بك. وهذا الأخير اشترط أن يأخذ مقابلًا لخيانتهِ هذه كل ما يتركهُ عليٌ من المتاع والنساء وعلى الأخص امرأَتهُ نفيسة التي كان يحبُّها ويعتبرها كثيرًا لما كانت عليهِ من الفطنة والجمال.

فلما انتشبت الحرب في الصباح التالي انحاز جميع المغاربة والبكوات الذين خانوا إلى معسكر أبي الذهب. وكانت جنود علي بك قريبة من الفوز فلما رأَت تلك الخيانة حبطت قواها وفرَّ الجند يطلبون النجاة بأنفسهم بعد أن قتل علي بك الطنطاوي والشيخ شلبي ونجا الشيخ كريم والشيخ حسن ورضوان بك من المعركة وساروا إلى فسطاط علي وأعلموهُ بما حصل وطلبوا إليه أن يمتطي فرسهُ ويسير برفقتهم إلى غزة حيث يلاقيهم الشيخ ضاهر بمن معهُ من الجند. أما علي بك فأَبت نفسهُ الإصغاء لما أرادوا فجلس عند باب خيمتهِ وقال لهم: «ها إني ملازم هذا الموضع لا أبارحهُ حتى تبارحني نفسي لأن الموت فيهِ أفضل عندي من الفرار. أما أنتم فإذا شئتم النجاة بأنفسكم فبادروا إلى الفرار قبل أن يغشاكم ما ربما لا تقوون على دفعهِ.» فاضطر ابن أخيهِ ورجالهُ الباقون أن يذعنوا لما أمر. فودعوهُ وحوَّلوا الأعنة في طريق خان يونس قاصدين غزَّة وهناك وجدوا الشيخ ضاهر فأعلموهُ بما كان وبوفاة ابنهِ فأسف عليهِ كثيرًا. أما علي بك فمكث بعد وداع أصدقائهِ بضع ساعات ينتظر منيتهُ وبجانبه عشرة من مماليكهِ وإذا بخمسين رجلًا تحت قيادة الكخيا نائب محمد أبي الذهب قد وصلوا إلى الخيمة ودخلوها وقتلوا من كان فيها من المماليك ثم وثبوا على علي وكان المرض مشتدًّا عليهِ وفيهِ جروح لكنهُ نهض بسيفهِ فقتل أوَّل قادم إليه وجرح اثنين آخرين فخشي الباقون الاقتراب منهُ فأطلقوا عليهِ البنادق فجرحوهُ جروحًا بليغة في ذراعهِ وفخذهِ اليمنى. فدافع بيسراهُ دفاعًا شديدًا حتى وثب عليهِ الكخيا بنفسهِ فدافعهُ حتى أصيب في ذراعهِ اليسرى وفي أماكن أخرى فسقط على الأرض وهو لا ينفك عن الدفاع فتكاثرت عليهِ الرجال حتى أمسكوهُ حيًّا وساروا بهِ إلى محمد أبي الذهب وطرحوهُ عند قدميهِ فأمر بحملهِ إلى القاهرة فحملوهُ إليها وأنزلوهُ في دارهِ بدرب عبد الحق في شارع البكري وراء صندوق الدين فلبث فيها سبعة أيام ثم توفاهُ الله. وقد قال بعضهم إن أبا الذهب أدخل السم في جروحهِ فقتلهُ والله أعلم. وقد دفنوهُ بتربة أستاذه إبراهيم كخيا بجوار الإمام الشافعي. وقد كان لموت هذا الرجل تأثير عظيم في قلب كل من عرفهُ حتى إن أبا الذهب نفسهُ لم يسعهُ إلَّا الندم داخليًّا لما فرط منهُ وما أتاهُ من نكران الجميل وارتكاب مثل هذهِ الخيانة.

ومن صفات علي بك أنهُ كان عظيم الهيبة حتى اتفق لأناس أنهم ماتوا خوفًا من هيبتهِ وكانت تأخذ الرعدة بعضهم بمجرَّد المثول بين يديهِ فيأخذ هو بتلطيف رعبهِ فيقول لهُ: «هوِّن عليك.» وكان صحيح الفراسة شديد الحذق يفهم ملخص الدعوى الطويلة بين المتخاصمين ولا يحتاج في التفهيم إلى ترجمان أو من يقرأُ لهُ الصكوك والوثائق بل يقرؤها هو بنفسهِ ولا يختم ورقة حتى يقرأَُها ويفهم مضمونها. ومن مآثرهِ البناية العظيمة بطنطا وهي المسجد الجامع والقبة على مقام السيد البدوي والمكاتب والميضأة الكبيرة والحنفيات والمنارتان العظيمتان والسبيل المواجه للقبة والقيسارية العظيمة. وجدد أيضًا قبة الإمام الشافعي وبنايات ووكالات في بولاق مصر ولا يزال هذا الرجل مميزًا عند المؤرخين بلقب الكبير فيدعونهُ «علي بك الكبير».

fig21
شكل ٣-١٢: نقود السلطان مصطفى بن أحمد وعلي بك.
fig22
شكل ٣-١٣: نقود السلطان مصطفى بن أحمد وعلي بك.
وترى في شكل ٣-١٢ و٣-١٣ صور النقود التي ضربت على عهد علي بك في القاهرة. الأولى فضية وعليها الطغراءُ الشاهانية للسلطان مصطفى بن أحمد وتاريخ توليهِ السلطنة سنة ١١٧١هـ يشاهد عليها أيضًا من الأعلى اسم عليّ وتاريخ ٨٥ وهي مختصرة من سنة ١١٨٥هـ وتدعى هذه القطعة من المعاملة قرشًا. والثانية فضية أيضًا ويشاهد عليها الطغراءُ العثمانية أما تاريخ تولية السلطان فاستبدل بسنة ١١٨٣ وهي السنة التي صرح بها علي بك باستقلالهِ ويشاهد عليها اسمهُ وتدعى هذه القطعة عشرينية أي نصف قرش.

(١٧) سلطنة عبد الحميد بن أحمد (من سنة ١١٨٧–١٢٠٣هـ أو من ١٧٧٤–١٧٨٩م)

وفي تلك السنة تولى الخلافة العثمانية السلطان عبد الحميد بن أحمد عوضًا من السلطان مصطفى الثالث.

fig23
شكل ٣-١٤: نقود السلطان مصطفى بن أحمد.
fig24
شكل ٣-١٥: نقود السلطان مصطفى بن أحمد.
وترى في شكل ٣-١٤ و٣-١٥ صور نقود ضربت في القاهرة في عهد السلطان مصطفى بن أحمد قبل استقلال علي بك بتاريخ ١١٧١هـ. الأولى فضية والثانية نحاسيَّة.

وبوفاة علي بك عاد وادي النيل إلى ما كان عليهِ قبلهُ تابعًا لأملاك الدولة العلية وعادت أحكامهُ إلى مشايخ البلد والكشاف الذين جعلوا تلك المصالح وسيلة لاختلاس أموال الناس وحقوق الدولة، وكان علي بك قد جعل لكل هذه المظالم حدًّا وأصلح الشئون حتى علقت الآمال باعتزاز مصر ورفع شأنها أما المنيَّة فلم تبق عليهِ.

نعم إن مصر بعد وفاتهِ عادت إلى كنف الدولة العلية لكنها بالحقيقة لم تفدها شيئًَا لأنها كانت في الحالة الأولى طعمة لرجل محبٌ للإصلاح مخلص بمقاصدهِ وإن كانت بمعزل عن صوالج الدولة، وفي الثانية أصبحت طعمة لثلاثين رجلًا كلٌّ منهم يسعى إلى ابتلاعها لا يتفقون إلاَّ على كره الدولة التي هم تحت حمايتها. أما السلطان عبد الحميد فلم يكن يرسل إليها من الولاة إلاَّ من كان اسمًا بلا رسم كما كان شأنهم قبل ظهور عليّ، فكان الباشا من هؤلاءِ آلة يديرها البكوات كيف شاءُوا ولم يكن لديهِ من الأعمال إلَّا مخابرة القسطنطينية مخابرات سرية فيما كان يقع بين هؤلاءِ البكوات من الخلاف وما كانوا يتداعون إليه من الخصام، وواجباتهُ المهمة أن يستلم من الحكومة المصرية الجزية ويرسلها إلى الأستانة هذا إذا تمكن من قبضها.

فلم تكن ولاية مصر إلاَّ مأمورية يستعيب بها المأمور بتأديتها فكانوا يعتبرونها بمثابة منفى قد استحقهُ الباشا أو الوزير الذي يرسل إليها لأنهُ كان يعلم قبل خروجهِ من الأستانة أنهُ إذا لم يكن راضيًا بما يرضاهُ شيخ البلد لا يلبث أن يصلهُ منهً رسالة ينقلها ناقلٌ يقال لهُ الأوطة باشي، وفيها الأمر بعزلهِ أمرًا لا مردَّ لهُ ولا مجال للمدافعة بعدهُ. وكيفية ذلك أن شيخ البلد ورجالهُ إذا رأوا في تصرف الباشا ما يوجب الشك يجتمعون اجتماعًا عموميًّا في الديوان ويقررون عزلهُ ويكتبون بذلك أمرًا عاليًا يسلمونهُ إلى الأوطه باشي ليوصلهُ إلى الباشا فيحملهُ ويسير منفردًا على حمار (لأن القانون لايسمح لهُ بركوب الخيل أو البغال) بين يديهِ فرمان العزل، فإذا مرَّ في الأسواق على هذه الصورة علم الناس أنهُ ساع إلى أمر مهمّ فيهِ عزلٌ فيهرولون وراءَهً. ولا يزال سائرًا في عرض الطرق قائدًا لتلك المواكب نحو القلعة. وكان من واجبات أي جندي صادفهُ في تلك الحال أن يرافقهُ اتقاءَ مما يخشى حدوثهُ عند وصول القلعة. فإذا وصل القلعة يدخل على الباشا ثم يجثو أمامهُ بكل وقار، لكنهُ عندما ينهض يطوي السجادة التي كان جاثيًا عليها وينادي بأعلى صوتهِ: «انزل يا باشا» وعند طىّ السجادة والتلفظ بهذه العبارة تسقط كل حقوق ذلك الباشا ولا يعود لهُ أقلُّ سلطة على الجنود التي كانت قبل بضع دقائق تنتظر إشارتهُ وتصير تحت أوامر الأوطه باشي. والباشا يقف ممتثلًا يسمع تلاوة الفرمان سواء كان منطوقهُ بعزلهِ أو قتلهِ فلا يسعهُ إلا الطاعة التامة. وعلى مثل ذلك كانت معاملة باشوات مصر فإنهم كانوا عرضة لأوامر العزل التي إذا لم تكن من الأستانة تكون من مصر.

فلما مات علي بك اختلف أعداؤُهُ في القاهرة على الاجتزاء من انتصاراتهم فكان كل منهم يظن لنفسهِ الحق بالتمتع بأثمار الانتصار كغيرهِ أو أكثر فاختلفت الأحزاب من بينهم. أما من بقي من رجال علي فلم يجدوا مكانًا فيهِ راحة لهم فقد كانوا في عكا عند الشيخ ضاهر على ما تقدم فلم يكن من أبي الذهب إلا أنهُ تعقبهم لأنهُ كان رجلًا محبًّا للانتقام حبًّا يفوق التصديق، وقد آلى على نفسهِ ألا يبقي على أحد من رجال علي.

أما الشيخ ضاهر أمير عكا فلم يعد يطيب لهُ السكون بعد أن خسر ابنهُ في سبيل نصرة على بك فثارت في خاطرهِ دواعي الانتقام. ولكن محمد بك أبا الذهب لم يكن أقل رغبة في الانتقام منهُ، ولما لم يعد يستطيع صبرًا على ذلك استرحم من الباب العالي أن يؤذن لهُ بالمسير إلى محاربة سوريا وعلى الخصوص عكا وأوقع في أميرها الشيخ ضاهر فاتَّهمهُ بالعصيان وأنهُ ساع بدسائس ضدّ الدولة. فأجاب الباب العالي بفرمان يثبتهُ في مشيخة البلد مع لقب باشا ورتبة والي القاهرة مكافأة لما أتاه من الإيقاع بعلي وأحزابهِ وصرَّح لهُ أن يتتبع ذلك الشيخ العاصي. فلما وصل الفرمان إلى أبي الذهب كاد يطير من شدة الفرح وأعدَّ جيشًا جعلهُ تحت قيادتهِ الشخصية مستخلفًا في مصر إسماعيل بك بصفتهِ قائمقام وعهد حكومة مدينة القاهرة إلى إبراهيم بك. ثم سار في جيشهِ إلى سوريا ولم تنتهِ سنة ١١٨٩هـ حتى دخل فلسطين. وكان لشدة عجبهِ بما أوتيهِ من الألقاب والرتب وما وُعد بهِ من المساعدات من قبل الباب العالي لا يزيد إلاَّ كبرًا حتى جعل خيمتهُ التي كان يقيم فيها أوقات الراحة من أثمن ما يمكن مزينةً بأبدع ما يكون. فمرَّ بخان يونس فغزَّة فالرملة ولم يصادف أقل مقاومة. أما يافا فكان عليها الشيخ كريم صهر الشيخ ضاهر فدافعت قليلًا ثم فُتحت عنوة فدخلتها رجال أبي الذهب بالقتل والنهب حتي قتلوا القسم الأعظم من سكانها من رجال ونساء وشيوخ وأطفال.

فبلغت تلك الفواحش مسامع الشيخ ضاهر وهو في عكا فخاف أن يصيبهُ ما أصابها ففرَّ بعائلتهِ وبمن هم لديهِ من المهاجرين المصريين ولم يترك في المدينة إلَّا ابنهُ الشيخ علي. وهذا لما علم باقتراب جيوش أبي الذهب أخلى القلعة وانسحب منها لعلمهِ أنهُ إذا حاول الدفاع إنما يكون محاولًا عبثًا. فوصلها أبو الذهب وأبوابها مفتوحة فدخلها ولم يبق عليها ومثل ذلك فعل بقرى أخرى من فلسطين والى هذه المدينة وفيها انتهت ارتكابات هذا الرجل لأنهُ بينما كان عازمًا على العود إلى مصر أصبح القوم فوجدوهُ ميتًا في خيمتهِ ولم يستطيعوا معرفة القاتل رغمًا عما اتخذوهُ من الاحتياطات وما كان لديهم من القرائن الكثيرة. فقال بعضهم إنهُ أصيب بنقطة وهو داء السكتة وقال آخرون لا بل مات مقتولًا بيد عدوّ فاتك والله أعلم. وبعد موت أبي الذهب عادت الجيوش المصرية تحت قيادة مراد بك إلى مصر ومعهم جثة رئيسهم فدفنوها بالقرب من مدفن علي بك. فقد مات أبو الذهب بعد موت علي بك بسنتين ولقب «بالخائن».

وتولى مشيخة البلد بعدهُ إسماعيل بك رغمًا عن ادعاءَات مراد بك وإبراهيم بك ولم يبق غيرهُ من طائفة إبراهيم كخيا وهو من الذين نالوا رتبة البكوية بواسطة علي بك وكان لا يزال على دعوتهِ ولكنهُ انضم إلى أبي الذهب خوفًا. أما قلبهُ فلم يفتر لاهجًا بالمدافعة عن رئيسهِ الذي لم يأت نحوهُ إلَّا كل ما يستدعي انتصارهُ لهُ فضلًا عن أنهما من طائفة واحدة. فلما استلم زمام الأحكام عمل على اتباع خطوات علي بك فبعث إلى الذين كانوا لا يزالون من حزبهِ في سوريا واستدعاهم إليه وأقرَّهم في أماكنهم وطيب خاطرهم كل ذلك استعدادًا لمقاومة مناظريهِ مراد وإبراهيم. وكانا قد اتحدا معًا قلبًا واحدًا على خلع إسماعيل بك فباشرا أولًا يطلبان طرد حسن بك الجداوي صديق إسماعيل بك فلم يفوزا إلا أنهما تمكَّنا من احتلال القلعة، فاتحد إسماعيل بك وحسن بك وأخرجاهما منها ففرَّا إلى الصعيد. وبعد يسير جمع المنهزمان حزبًا كبيرًا واستعدَّا لدفاع إسماعيل فبعث جيوشًا لتخمد أنفاسهما فعادت الجيوش على أعقابها وفاز الأميران فاضطر إسماعيل بك إلى مبارحة القطر المصري فسار إلى الأستانة. أما حسن بك فقُبض عليهِ وسيق إلى جدَّة منفيًَا فتمكن أثناء الطريق من إرضاء رئيس المركب الذي نقلهُ فأنزلهُ في القصير على سواحل القلزم ومن هناك قطع الصحراء غربًا حتى أتى الصعيد فاستكنَّ في أعلاه.

فلما خلا الجو لمراد بك وإبراهيم بك اقتسما الأحكام فتعيَّن الأول أميرًا للحج والثاني شيخًا للبلد ورقَّيا كثيرًا من مماليكهم إلى رتبة البكوية وقلداهم مصالح البلاد، وكانت الأحكام في عهدهما كما كانت في أيام أسلافهما من المظالم والاستبداد. وبلغهما بعد مدة أن إسماعيل بك عاد من الأستانة وأنهُ جاء إلى حلوان فبعثا إليه فرقة من المماليك فتكت بكل ما كان معهُ من عائلتهِ ورجالهِ فتمكن من النجاة باختبائهِ في بعض الكهوف ثلاثة أيام. ثم سار منهُ طالبًا الشلال وهناك اجتمع بصديقهِ حسن بك الجداوي وسارا معًا وأَويا إلى شلال الجنادل في السودان. فاختلف مراد بك وإبراهيم بك على إرسال حملة للقبض على الهاربين فارتأَى أحدهما وجوب التجنيد وخالفهُ الآخر حتى آل الأمر إلى الخصام وخروج إبراهيم بك من القاهرة وانسحابهِ إلى المنيا في الصعيد مغتاظًا. فأرسل إليه مراد بك بعض الاختيارية يسكنون من جأشهِ ما استطاعوا فأرضوهُ واعادوهُ إلى مركزهِ في القاهرة. إلاَّ أن العلاقات الودية ما انفكَّت متكدرة بين الاثنين ولم تمضِ مدة حتى انسحب مراد بك إلى المنيا مغتاظًا من زميلهِ لعلمهِ باتحادهِ مع خمسة من بيت عدوّهما القديم وهم البكوات عثمان الشرقاوي وأيوب الصغير وسليمان وإبراهيم الصغير ومصطفى الصغير.

ولبث مراد بك بعيدًا من القاهرة خمسة أشهر وكان يظن إبراهيم بك أنهُ لا يلبث أن يسكن جأشهُ حتى يعود إليه فلما استبطأهُ أرسل إليه الاختيارية كما فعل ذاك معهُ. فأبى مراد بك وردَّ الاختيارية خائبين. ثم جند جندًا من أتباعهِ المماليك وسار نازلًا على الضفة الغربية للنيل حتى أتى الجيزة مقابل مصر القديمة وعسكر هناك. ثم همَّ إلى قطع النيل فعلم إبراهيم بك بذلك فجنَّد في الجهة المقابلة على البر الشرقي ليمنعهُ من المرور ولبث الجانبان على تلك الحال ثمانية عشر يومًا لا يهمَّان إلا إلى إطلاق مدفع أو مدفعين على سبيل المناوشة ولم يقتل إلا رجل وفرس. فملَّ مراد بك من تلك الحال فعاد إلى المنيا بمن كان معهُ.

أما إبراهيم بك فكان كثير الرغبة في مصالحة زميلهِ فأنفذ إليه بعد خمسة أشهر من انسحابهِ وفدًا ثانيًا من كبار البلد ومشايخها يطلبون إليه الرجوع إلى القاهرة فوافقهم لكنهُ اشترط عليهم أن يسلموهُ الخمسة بكوات المتقدم ذكرهم حال وصولهِ إلى القاهرة. فقبلوا بذلك الشرط فنزل معهم فعلم أولئك البكوات بإعلام سري من إبراهيم بك بما اشترطهُ مراد بك فخرجوا من القاهرة لجهة القليوبية على نية الشخوص إلى الصعيد عن طريق الأهرام، فاتصل ذلك بمراد بك فجعل عند الجسر الأسود بالقرب من الأهرام زمرة من العربان تترصد مرورهم لكنهُ لم يستطع صبرًا على ذلك فقطع النيل ببعض رجالهِ فالتقى بالمنهزمين عند رأس الخليج فتلاحموا فجرح مراد بك ونجا أولئك، فلاقاهم العربان عند الجسر الأسود فأسروهم وجاءوا بهم إلى مراد بك فلم يسعهُ لشدة غيظهِ إلا نفيهم إلى المنصورة وفرسكور ودمياط تفريقًا لكلمتهم، لكنهم لم يلبثوا إلا مدة يسيرة حتى اجتمعوا في غاية سنة ١١٩٧هـ واتفقوا أن يفرُّوا إلى الصعيد ويجمعوا إليهم عصبة يقاومون بها عدوَّهم، لكنهم لم يباشروا ذلك حتى تداخل شيخ الجامع الأزهر في أمرهم واستحصل لهم على العفو من مراد بك فصفح عنهم وأعادهم إلى القاهرة بكل إكرام وأعاد إليهم رتبهم وامتيازاتهم.

ثم مضى بعد ذلك ثلاث سنوات على إبراهيم بك ومراد بك وهما على وفاق وسكينة يقتسمان إيرادات البلاد فيما بينهما بالسواء لا يقدمون عنها حسابًا أو إذا قدموهُ لا يكون إلا حبرًا على ورق. فوشى بهما محمد باشا وكان واليًا على مصر إذ ذاك إلى السلطان وبما هما فيهِ من الاستقلال بمالية البلاد، فأمر السلطان عبد الحميد سنة ١١٩٩هـ أن يُرْسَل إلى مصر جيشٌ لإيقافهما عند حدهما فسار الجيش في عمارة تحت قيادة قبطان باشا حسن فوصلوا الإسكندرية في ٢٥ شعبان سنة ١٢٠٠هـ فخاف البكوات خوفًا شديدًا واجتمعوا اجتماعًا عموميًّا في الديوان وتباحثوا فيما يجب إجراؤهُ. ونظرًا لكثرة اللغط واختلاف المقاصد والآراء لم يقرُّوا على شيء وأخيرًا ارتأوا طلب تداخل محمد باشا ولما عرضوا عليهِ رأيهم رفض. فطلبوا من الشيخ أحمد العريشي شيخ الجامع الأزهر والشيخ محمد المهدي كاتم السر باش كاتب الديوان الخصوصي وغيرهم أن يسيروا إلى رشيد ويستعطفوا القبطان باشا.

fig25
شكل ٣-١٦: ختم محمد المهدي وإمضاؤُهُ.
وترى في شكل ٣-١٦ صورة ختم الشيخ المهدي وإمضائهِ الرسميّ وفيهِ لقبهُ كما يكتبهُ بيدهِ.

فركبوا من بولاق في زورق متقن وما زالوا حتى بلغوا رشيد فلاقاهم القبطان باشا بما يليق من الاحترام. أما هم فلعلمهم أن الأميرين إبراهيم ومراد لا يثبتان على رأي فربما طلبوا لهما العفو فحصلوا عليهِ ثم نكث ذانك فتكون الملامة عليهم. فقال الشيخ العروسي: «يا مولانا إن رعية مصر قوم ضعفاء وبيوت الأمراء مختلطة ببيوت الناس.» فقال الباشا: «لا تخشوا بأسًا فإن أول ما أوصاني بهِ مولانا السلطان هو قولهُ: «إن الرعية وداعة الله عندي وأنا أستودعك ما أودعنيهِ الله تعالى.»» فدعوا لهُ بطول العمر. ثم قال لهم: «كيف ترضون أن يملككم مملوكان كافران يسومانكم سوء العذاب لماذا لا تخرجونهما من بلادكم.» فأجابهُ أحدهم بقولهِ: «يا سلطان هؤلاء عصبة شديدو البأس لا نقوى على دفعهم.» فطيب خاطرهم ووعدهم بالحماية. وبالحقيقة إن هذا الوفد قد تصرف بالحكمة لأنهم لم يكادوا يخرجون من حضرة القبطان حتى سمعوا بقدوم مراد بك ومعهُ عشرة من البكوات وعدد من الكشاف والمماليك. ثم شاع أنهم نزلوا في الرحمانية عند منشاءِ الترعة المحمودية الإسكندرانية. وسبب ذلك ان مراد بك بعد ما أرسل ذلك الوفد خطر لهُ الدفاع بالسيف فجمع إليه ذوي شواره وفاوضهم فأقروا على وجوب الدفاع وأن يسير مراد لذلك ويبقى إبراهيم للمحافظة على القاهرة.

فسار مراد بمن معهُ ونزلوا في الرحمانية كما قدمنا فلاقتهم الجنود العثمانية الظافرة وحصلت بينهما موقعة لم تطل إلا يسيرًا فانذعرت جنود المماليك من قنابل العثمانيين التي كانت تتفرقع بين أرجل خيلهم فشتت شملهم وفاز العثمانيون ففرَّ مراد بك ومن معهُ حتى أتوا القاهرة، فاجتمعوا بإبراهيم بك وفرُّوا جميعًا إلى الصعيد ولبثوا هناك ينتظرون هجمات العثمانيين. فلما رأى محمد باشا الوالي خلو القاهرة من المماليك جمع إليه الوجاقات ونزل بمعيتهم من القلعة استعدادًا لاستقبال الجنود العثمانية.

ففي ٥ شوال سنة ١٢٠٠هـ دخل حسن باشا القاهرة بعد أن خربت جيوشهُ ونهبوا كل ما مروا بهِ من المدن والقرى ولولاهُ لم يبقوا على شيء أَصلًا. لكنهُ كان يتهددهم وقد قتل منهم كثيرين عبرة للباقين فكفت الأيدي فسكتت الناس. فلما وصل القاهرة نزل في بيت إبراهيم بك عند القصر العيني على النيل ثم عرض أمتعة البكوات المنهزمين للمزاد العمومي وفي جملتها حريمهم وأولادهم ومماليكهم فاسترحم المشايخ أن يخرج الأولاد والنساء الحوامل من معرض البيع لأن ذلك فضلًا عن أنهُ مخالف للحاسيات الإنسانية فهو مغضب لله. فانتهرهم القبطان باشا قائلًا: «سأحرر إلى الأستانة بأنكم تعارضون في بيع أمتعة أعداء جلالة السلطان.» فأجابهُ الشيخ السادات قائلًا: «قد أَرسلتَ الينا لمعاقبة شخصين مجرمين وليس لهتك شرائعنا والطعن في عوائدنا فاكتب إلى الأستانة ما شئت.» فعند ذلك أمر الباشا باستثناء المحظيات الحوامل من البيع وبعد أن بيعت سائر الأمتعة عكف حسن باشا إلى إصلاح الإدارة فأصلحها على ما يوافق الإرادة الشاهانية. وكان قد استقدم إسماعيل بك وحسن بك الجداوي من الصعيد فأرسلهما في جيش تحت قيادة عابدين باشا ودرويش باشا وهما قائدا الحملة العثمانية التى جاءَت مصر عن طريق البرّ (فضلًا عن العمارة البحرية المتقدم ذكرها) وسار في تلك الحملة أيضًا نحو من ألف مقاتل من رجال الشام تحت قيادة أمير كبير من أمراء شين أغلي فاجتمعت هذه الحملة وسارت نحو الصعيد لمحاربة مراد بك ورجالهِ.

فحصلت هناك موقعة عظيمة شفت عن عدة قتلى من الجانبين وانهزام مراد بك ورجالهِ إلى الشلالات ورجوع الجنود العثمانية ظافرة إلى القاهرة. ثم جاءَت الأوامر الشاهانية بعزل محمد باشا عن مصر وتولية عابدين باشا مكانهُ.

وهنا تنتهي مأمورية حسن قبطان باشا فاستدعي إلى الأستانة بسبب الحرب مع روسيا. ولم تنج مصر مما كانت تشكو منهُ نعني بهم البكوات لأنهم كانوا لا يزالون في مصر العليا كما رأيت. والمسيحيون يشكون من معاملة حسن باشا لهم فإنهُ أخذ كل متاعهم وباعهُ على مشهد من الناس فضلًا عن الإهانة التي سامهم إياها وعلى الخصوص المعلم إبراهيم الجوهري أمين احتساب مصر، فإنهم قبضوا على امرأَتهِ وأجبروها أن تخبرهم بمخابئ زوجها من النقود فأخبرتهم فاستخرجوها وأخذوها. وعندما بارح حسن باشا القاهرة أقام عليها إسماعيل بك شيخ البلد وهذا عهد إلى صديقهِ القديم حسن بك الجداوي إمارة الحج واتفقا معًا على اقتسام الإيراد.

fig26
شكل ٣-١٧: نقود السلطان عبد الحميد بن أحمد.

وفي سنة ١٢٠٣هـ توفي السلطان عبد الحميد بن أحمد.

fig27
شكل ٣-١٨: نقود السلطان عبد الحميد بن أحمد.
وترى في شكل ٣-١٧ و٣-١٨ صور النقود الذهبية التي ضربت على عهد السلطان عبد الحميد بن أحمد في القاهرة بتاريخ ١١٨٧هـ فالأولى تدعى نصف زر محبوب والثانية فندقلي.

(١٨) سلطنة سليم بن مصطفى (من سنة ١٢٠٣–١٢١٣هـ أو من ١٧٨٩–١٧٩٨م)

فبويع السلطان سليم الثالث بن مصطفى فأقَّرَّ إسماعيل بك في مركزهِ وما زال إسماعيل بك ممارسًا للأحكام بكل دراية وحكمة إلى سنة ١٢٠٥هـ، وفي هذه السنة طرأ على البلاد ولا سيما القاهرة وباء شديد الوطأة لم تقاسِ مثلهُ قبلهُ، فإن عدد الموتى بهِ بلغ نحو الألف في يوم واحد في القاهرة وحدها وتقلب على حكومتها في يوم واحد ثلاثة حكام، وسبب ذلك أن إسماعيل بك أصيب بالوباء فأقيم آخر مكانهُ فآخر حتى فني كل من كان من بيت إسماعيل بك إلَّا واحدًا يدعى عثمان بك الطبل. ولا يزال هذا الوباء مشهورًا بفتكهِ ويعرف بوباء إسماعيل. فتولى عثمان بك الطبل المذكور مشيخة البلد إلا أنهُ لم يكن قادرًا على إدارة الأعمال التي عهدت إليه فاستدعى إبراهيم بك ومراد بك فدخلا القاهرة في ٢١ ذي القعدة من تلك السنة ففرَّ حسن بك الجداوي إلى مصر العليا قانطًا. فاستلم إبراهيم ومراد أزمَّة الأحكام وجعل يعيثان فيها وكانا يتناوبان مشيخة البلد وإمارة الحج سنويًّا بعد أن أفنيا كل من كان على غير دعوتهما فصفا الجوُّ لهما، أما قلوبهما فكانت لا تخلو من الضغائن المتبادلة لما طبع عليهِ كل منهما من الطمع وحب الأثرة ولما كان في صفاتهما من المناقضة، فقد كان مراد بك رجلًا شديد البطش مقدامًا لا يهاب الموت وكان إبراهيم بك أكبر سنًّا منهُ وأكثر اختبارًا وكان يتربص لهُ محاذرًا بطشهُ خيفة أن يطلبهُ للنزال وإلا لما رضي معهُ بالاجتزاء من الدخل اجتزاء سويًّا، وكان لا يعارضهُ فيما يتعاطاه من الاستبداد ووضع الضرائب وسلب أموال الناس على نية أن يشاركهُ بالأرباح الناتجة من ذلك. وكان على شيء من الرياءِ يظهر خلاف ما يضمر إذا استُصرخ وعدَ مع العزم على الإخلاف، وكان جبانًا فإذا أراد أمرًا لا يتظاهر بهِ وإنما يسعى إليه بالدسائس والمكايد على أساليب النفاق.

أما مراد بك فلم يكن يعرف المكر وإنما كان يسعى إلى أغراضهِ بالقوة والحزم وكان طويل القامة عضلي البنية شديد البأْس يقطع عنق الثور بضربة من سيفهِ وعلى وجههِ ملامح الأسود فإذا غضب يهابهُ ويخاف منهُ كل من يراهُ حتى أحب أصدقائه. وكان كريم النفس لا يبيت على غيظ، حرّ الضمير لا ينكر الحق ولو كان عليهِ مخلصًا لأصحابهِ مقيمًا على قولهِ، وكان طمعهُ بمقدار سخائهِ وحبُّهُ لذاتهِ بمقدار حرَّيةِ مبادئهِ وكان سريع الغضب شديدهُ لا يراعي في حال غضبهِ أمرًا من الأمور وربما فتك بصوالح نفسهِ أو أضر بشخصهِ.

fig28
شكل ٣-١٩: ختم مراد بك، ختم إبراهيم بك.
وترى في شكل ٣-١٩ صورة كلٌ من ختمَي مراد بك وإبراهيم بك محفورة على شكل جميل.
وألمَّ بالبلاد بعد عود هذين الأميرين إلى مصر جوع هائل ويقال إنهُ حصل من كثرة ما ضبطاهُ من الحبوب في مصر العليا طمعًا بالكسب. ثم أَلغيا النظامات التي وضعها حسن باشا قبطان وأبدلاها بما يوافق مطامعهما الشخصية. فكثرت تعديات مماليكهما وعلى الخصوص تعديات أحدهم محمد الألفي٥ فثارت الأهالي ثورة عامة لم يسعهما معها إلاَّ توقيف تلك الإجراءات وقتيًّا فخمدت الثورة فعادا إلى ما كانا عليهِ فعاد الأهالي إلى الاضطراب وكسدت سوق التجارة لقلة الأمنية.

ومما يحكى أن مراد بك تظاهر يومًا أنهُ عازم على تجديد الملابس والأمتعة العسكرية فيحتاج لما يقوم بنفقاتها ففرض على طائفة الإسرائيليين مبلغًا كبيرًا مساعدة لهذا المشروع، فاجتمع رؤساءُ الطائفة وتخابروا فيماذا يصنعون لينجوا من هذه الضريبة فأقروا على أن ينفذوا إليه اثنين من كبرائهم يسعيان إلى ما ينجيهم من هذه الضريبة فسارا، ولما مثلا بين يدي مراد بك قالا لهُ: «أيها الأمير إننا فقراءٌ ولو بعنا جميع ممتلكاتنا ونسائنا وأولادنا وأنفسنا لا نجمع عشر ما تطلبهُ منا، فإذا تنازلت إلى إعفائنا من هذه الضريبة التى يستحيل علينا دفعها نطلعك على مخبأة تكفيك مؤنة هذه المطالب. وهذه المخبأة لا يعلم بها أحدٌ إلَّا عائلتنا وقد تنوقل هذا السرّ فيها أبًا عن جد حتى وصل الينا ونحن علينا أن نوصلهُ لأولادنا عندما تحضرنا الوفاة.» فلما سمع كلمة «مخبأة» فتح أذنيهِ وقاطعهما قائلًا: «هلمَّ بنا لنرى تلك المخبأة فإني إذا رأيتكم صادقين أعفيكم وطائفتكم من كل ضريبة. هلم بنا إلى المخبأة أين هي؟» فأجابا: «إن هذه المخبأة أيها الأمير في جامع عمرو بن العاص في مصر القديمة قد جعلها هناك ذلك الفاتح العظيم في صندوق من حديد في دهليز لا يعرف مقرَّهُ إلا نحن.» فتأكد مراد بك أنهما يتكلمان الصدق فصرفهما. ثم سار في اليوم التالي مظهرًا للصيد في البرية فمرَّ بجامع عمرو فدخلهُ كأنهُ يريد الصلاة ثم نظر الجامع فإذا بهِ قد تداعت أركانهُ فالتفت إلى شيخهِ قائلًا: «بما أن الله قد أدخلني إلى هذا المكان المقدس وجب عليَّ أن أسعى إلى إصلاحهِ لكي يذكر اسمي في الصلاة مع اسم مؤسسه الفاتح عمرو بن العاص وغدًا ان شاءَ الله أرسل إليكم الفعلة يباشرون العمل.»

وفي اليوم التالي أرسل الفعلة تحت مناظرة أحد ثقاتهِ وبدلًا من ان يبدءوا بهدم القسم المتساقط من الجامع بدءوا بالقسم القائِم وبعد بضع ساعات جاءَ مراد بك بنفسهِ فإذا بهم قد وصلوا إلى دهليز فيهِ صندوق من الحديد فتحقق ما قالهُ لهُ الإسرائيليَّان وكانا بين الجماهير فأمر فأُخرج الصندوق فأمر بفتحه فإذا هو ملآن رقوقًا مكتوبًا عليها آيات من القرآن الشريف بالقلم الكوفي.

fig29
شكل ٣-٢٠: بعض كلمات من فاتحة القرآن الشريف.
وترى في شكل ٣-٢٠ رسم بضع كلمات من فاتحة ذلك القرآن مثالًا لنوع كتابتهِ الكوفية ويظن أنهُ كتب في أيام عمرو بن العاص. فلما رأَى الإسرائيليان ذلك فرَّا من بين الجماهير. أما مراد فاستشاط غيظًا ولما عاد إلى القاهرة ضاعف الضريبة على الإسرائيليين وأصرَّ إلا أن يدفعوها حالًا واستعمل الكرباج لحثهم على ذلك. أما تلك الرقوق الثمينة فأُلقيت في الدهليز بغير اعتناء وتركت هناك عرضة للشمس والماء ففسد بعضها. ثم لما كانت الحملة الفرنساوية التقط ما بقى منها الموسيو مارسل مدير مطبوعات تلك الحملة وحفظها عندهُ في متحفهِ الخصوصي. وقد شاهدت في المكتبة الخديوية العامرة اليوم نسخة من هذا النوع تمامًا يقولون إنها وجدت في جامع عمرو فلا يبعد أن تكون ذات النسخة التي التقطها مارسل والله أعلم.

وعاد مراد بك ورفيقهُ إلى ما كانا عليهِ من اختلاس أموال الأهالي وأموال الأجانب بالضرائب الفاحشة فإنهُ ضرب على التجار الأجانب في الإسكندرية والقاهرة ورشيد ضرائب ما أنزل اللهُ بها من سلطان فرفعوا شكواهم إلى قناصلهم فلم تكن النتيجة إلاَّ زيادة الاضطهاد. أما تداخل الباشا في مثل هذه الأمور فكان عديم الفائدة على الإطلاق فرفع المتظلمون شكواهم إلى الأستانة فلم يكن الجواب إلا الصمت ولم يزدد مراد بك إلا عتوَّا وعسفًا، ولم يكن يبالي بما يقولهُ القائلون أو يتظلم منهُ المتظلمون من سائر ساكني القطر. كل ذلك كان على عهد السلطان سليم بن مصطفى السلطان التاسع والعشرون من سلاطين آل عثمان.

fig30
شكل ٣-٢١: نقود السلطان سليم بن مصطفى.
fig31
شكل ٣-٢٢: نقود السلطان سليم بن مصطفى.
وترى في شكل ٣-٢١ و٣-٢٢ صورة نقود السلطان سليم بن مصطفى مضروبة في القاهرة بتاريخ سنة ١٢٠٣هـ وهي سنة تنصيبهِ على كرسي السلطنة.
١  كان من النقود الذهبية في مصر زرمحبوب أو محبوب ويقال لهُ أيضًا سكوين وهو عبارة عن قطعة من المعاملة تساوي ٤٥ قرشًا ميريًّا مصريًّا أو أقل قليلًا من اثني عشر فرنكًا. نصفها يدعى نصف محبوب أو نصف وربعها يدعى ربع محبوب أو ربع.
٢  هو لقب لفرقة عظيمة من الجنود العثمانية يرأسها رئيس يعرف بالبستانجي باشي وهو من أعظم وزراءِ الدولة.
٣  ويكتب أيضًا كتخدا وكان لكل وجاق كخيا وفي عهدتهِ ملاحظة شرطة ذلك الوجاق وقضاياهُ.
٤  يقصدون بالخط الشريف الأوامر الصادرة من جلالة السلطان رأسًُا.
٥  يقال إنهُ دعي بهذا الاسم لأنهُ ابتيع بألف دينار.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.