الفصل الرابع

الحملة الفرنساويَّة

(١) تمهيد

قد رأَيت ما كان من انغماس مراد بك ورفيقهِ في ارتكاب المظالم واختلاس أموال الأهلين بغير الحق وكيف أنهما تطرقا بتصرفهما هذا إلى الأجانب القاطنين في هذا القطر تحت حماية دولهم، فإنهما لم يكونا يراعيان حرمة ولا ذمة. وكان أؤلئك الأجانب يتحملون تلك التعديات بالصبر الجميل لأنهم رفعوا شكواهم إلى دولهم فأوعزت إلى الظالم أن يرعوي فلم يرعو. وما زال الحال كذلك حتى جاءَ النابليون بونابرت الرجل العظيم برجالهِ لافتتاح هذه الديار. وقبل الخوض في تفاصيل تلك الحملة نشرح للقارئ؛ أولًا: ما الداعي الذي حمل الفرنساويين إلى تجريدها. ثانيًا: كيف كانت مصر عند وصول تلك الحملة إليها.

(٢) لماذا جرَّد الفرنساويون إلى مصر

لما قتل الفرنساويون ملكهم لويس السادس عشر وتخلصوا من الحكم المطلق أقاموا عليهم نوعًا من الحكومة دعوهُ «الإدارة» وهي عبارة عن لجنة مؤلفة من خمسة أعضاء دعوا كلًّا منهم «مديرًا» وذلك سنة ١٧٩٥ للميلاد (١٢١٠هـ) ثم جعلوا يحملون على ممالك الأرض يفتحونها بهمة كبير قوادهم الرجل العظيم بونابرت. فحاربوا أوستريا ثم إيطاليا ثم غيرهما وما زالوا حتى لم يبقَ في سبيلهم إلا دولة إنكلترا واقفة لهم بالمرصاد وهي على جانب عظيم من القوة ولا سيما في البحار. فتباحثت إدارة فرنسا بذلك مرارًا لكنها لم تستطع مناهضة تلك الدولة لما كانت تعلمهُ من قوتها ومناعة جانبها.

وكان بونابرت قد مرَّ في البحر المتوسط وضمَّ قسمًا عظيمًا من سواحلهِ إلى فرنسا فطمع بمصر وقد أعجبهُ شأنها وما فيها من الخيرات وما بها من التعزيز لدولتهِ والإرهاب لإنكلترا. إلا أن الإدارة لم تكن على بينة من الأمر فعرض بونابرت رأيهُ هذا عليها بعد أن شرح لها شرحًا مستوفيًا كيف أن هذا الوادي ما برح منذ القدم منشأ لخيرات العالم المتمدن، ثم أمسى موضوعًا لمطامع الدول العظيمة وشاغلًا لرجال الفتوحات كالإسكندر وغيرهِ حتى الأيام الأخيرة إلى أن قال مخاطبًا الإدارة:

«إن مصر أيها السادة أكثر الأرض خصبًا وقد كانت اهراء لرومية قديمًا وللقسطنطينية الآن. وفيها الحنطة والأرز وسائر أنواع البقول والسكر والنيلة والقطن والسنا والخيار شنبر والنطرون والكتان والقنَّب وفيها أنواع الماشية الجوية والبرية والطيور الداجنة، وقد اشتهرت على الخصوص بحسن حميرها وقوَّة جمالها. نعم إن مواد الإشتعال والزيت والبن والتبغ نادر فيها لكن ذلك مستدرك لأن الشرق بجملتهِ لا غنى لهُ عن هذا الوادي لأنهُ مركز متوسط بين أفريقيا وآسيا، فإن القوافل تنزل في القاهرة كما ترسي المراكب عند الشواطئ بعد سفر طويل وهذه القوافل مؤلفة من مئات وأحيانًا ألوف من الجمال قادمة من بلاد العرب أو سوريا أو سواحل المغرب أو الحبشة أو أفريقيا المركزية أو من رأس الرجاء الصالح أو السنجال حاملةً أنواع التجارة من الخشب والفحم والزيت والتبغ والبن والأثمار ومن الرقيق والتبر والعاج والريش والصمغ والأطياب والعطريات والشالات وكل محصولات الهند فتبيعها في مصر وتأخذ بدلًا منها أحمالًا من مصنوعات أوروبا.

فما برحت مصر أيها السادة منذ القدم موصلًا تجاريًّا بين أوروبا والهند وهذهِ تجارتنا مع الهند قد كانت قبل اكتشاف رأس الرجاء الصالح تأتينا عن طريق مصر وذلك أن تحط في برنيس على سواحل البحر الأحمر ومنها تنقل على الجمال في الصحراء مسافة ٢٤ مرحلة حتى طيبة (الأقصر) ومنها في النيل إلى بلاد مصر وتتوزع فيها ومنها تنقل إلى أوروبا. وكانت التجارة أحيانًا تنقل إلى القصير في البحر الاحمر ومنها إلى السويس ثم على الجمال إلى منف ومنها إلينا. على أننا لو أغضينا عن أهمية مصر بالنسبة لتجارتها الخصوصية فإننا إذا فتحنا هذه البلاد واعتنينا بإدارتها مدة خمسين سنة فقط لأصبح عدد سكانها أضعاف أضعاف ما هو الآن لأن سكان هذا الوادي قد كانوا في الأزمنة الخالية بين ١٢ و١٥ مليونًا (كذا) وهم الآن لا يبلغون ثلث هذا القدر وذلك لسوء الإدارة. هذا فضلًا عما تقدمهُ لمعاملنا من محصولاتها وما ننفقهُ فيها وفي جوارها من مصنوعات بلادنا. فما هي مستعمراتنا بالنسبة إلى هذه البلاد الخصبة الشاسعة الأطراف هلمَّ إليها فنستغل من أرزها وسكرها وقطنها كما فعل غيرنا وهي تغنينا عن محصولات أمريكا وتكفينا مؤنة الارتباط معها.

ولا يخفاكم أيضًا أننا إذا ثبَّتنا قدمنا في مصر لا تلبث إنكلترا طويلًا في الهند، فإننا نجعل على سواحل البحر الأحمر حاميات نقيمها في معاقل منيعة نذخر فيها من نتاج ذلك القطر ونحول التجارة الهندية إليه. على أننا لو فرضنا بقاءَها عن طريق رأس الرجاء الصالح كما هي الآن لأقمنا بيننا وبينها بابًا للمباراة وفتحنا ترعة بين السويس والنيل. ولا شك أننا إذا فعلنا ذلك نحبط مساعي إنكلترا جملة لأن التجارة تتحول بجملتها إلينا. أما هذه الترعة فقد كانت محفورة منذ القدم ولا يصعب علينا إعادة حفرها. فإذا فتحنا مصر لا تقتصر منفعتها لنا كمنفعة سائر المستعمرات العظيمة ولكنَّا بها نعرقل مساعي إنكلترا فنكفي مؤنة مقاومتها هذا إذا لم نذهب بها إلى الحضيض.»

فترددت الإدارة بقبول مشروعهِ لكنهُ ما زال في مثل ما تقدم حتى اشتَّد الجدال بينهُ وبينهم فرأَى فيهم إصرارًا على مقاومتهِ فعرَّض بذكر استعفائهِ فنهضوا إليه وأوقفوهُ ثم راجعوا النظر فيما عرضهُ وأخيرًا وافقوهُ على رأيهِ بشرط أن يكون ذلك سرًّا لئلا تتصل مقاصدهم هذه بمسامع إنكلترا فتسعى ضدهم. فانحصر هذا المشروع بين بونابرت والخمسة مدراءَ فقط حتى إن الكاتب الذي كتب الأمر بإعداد الحملة لم يكن يفهم حقيقتهُ لأنهُ أُمر أن يكتبهُ بصورة مبهمة في ٥ مارس سنة ١٧٩٨.

ومن مقتضى هذه الأوامر السرية أن تكون هذه الحملة مؤلفة من أربعين ألف مقاتل عليهم أربعون قائدًا يختارهم بونابرت وفئة من رجال العلم لا يقل عددهم عن المائة بين مهندسين وجغرافيين ونحو ذلك العدد من سائر الصناع. وعمارة بحرية تحت قيادة الأميرال برويس يضاف إليها المراكب الراسية عند طولون. وأن يقبض في مدة عشرة أيام من الخزينة مليونًا وخمسمائة ألف فرنك فضلًا عن ثلاثة ملايين من خزينة بارن وأن يتصرف بهذه المبالغ حسب حكمتهِ والأوامر السرية المعطاة لهُ. فصرف بونابرت جهدهُ لتعزيز هذه الحملة والإسراع في إعدادها. فشاعت الأقاويل عن هذه الإعدادات وكثرت الظنون فقال بعضهم إنها حملة تعدُّها فرنسا لمحاربة إنكلترا، وقال آخرون لا بل لافتتاح مدن جديدة في آسيا وأفريقيا، وقال آخرون غير ذلك. وبونابرت لم يأل جهدًا في إعداد المهمات وترتيب مخارج الحملة؛ فجعل المراكب المعدة لنقل الحملة البريَّة أربعمائة مركبًا تسير فرقًا أربع من أماكن مختلفة فتسير الفرقة الأولى من طولون والثانية من جينوا والثالثة من شيفيتا فكيا والرابعة من جاكسبو ثم تجتمع وتتحد وتسير إلى مصر. وتنقل على هذه المراكب أيضًا مطبعة عربية كانت في البروباغندا برومية مع ما يلزمها من العملة. وعلى أنقاض هذه المطبعة أُقيمت مطبعة بولاق الأميرية ونقلوا أيضًا كل ما يلزم من الأدوات الكيميائية والطبيعية والرياضية، وانضم إلى فئة العلماء كثير من علماء وصناع فرنسا في ذلك العهد ومثل ذلك القواد. وكأَن فرنسا بجملتها تاقت إلى استصحاب هذا القائد العظيم فانضم إلى حملتهِ كثير من أبطالها وعلمائها وصناعها بقلب واحد. وهم لا يعلمون إلى أين تذهب بهم الأقدار. أما الجيوش فجعل فيهم ألفين وخمسمائة من الفرسان وألف من الطبجية والمهندسين ومن بقي (من الأربعين ألفًا) جعلهُ من المشاة، وكان من جملة القواد الذين رافقوا تلك الحملة كليبر وديزه البطلان الشهيران ورينير وبون ومينو وهؤلاء هم قواد الخمس فرق من المشاة ومورات قائدًا للفرسان وكافرالي قائدًا لفرقة المهندسين ودومارتين على الطبجية. هذا من قبيل الحملة البرية أما الحملة البحرية فكانت مؤلفة من:
  • ١٥ مركبًا حربيًّا من جملتها «الشرق» محمولها مائة وعشرون مدفعًا ومركبان محمول الواحد منهما ثمانون. وعشرة محمول الواحد منها ٧٤ مدفعًا واثنان محمول الواحد منهما ٦٤.

  • أربع عشرة مدرعة بعضها تحمل أربعين مدفعًا وبعضها ٣٦ وفيها أبريقان.

  • ٧٣ مركبًّا صغارًا على أشكال مختلفة.

هذه هي الحملة البحرية وهي مؤلفة من أكثر من مائة قطعة وبرفقتها سبعمائة مركبًا لنقل العساكر البرية ومهماتهم وخيولهم وأسلحتهم وجميعها تحت قيادة برويس، وبلغ عدد الملاحين في تلك الحملة نحوًا من عشرة آلاف. أما الفئة العلمية المرافقة لتلك الحملة فكانت مؤلفة من فرق لكل من العلوم والصنائع وجملة أعضائها مائة فيهم فرقة للهندسة وأخرى للفلك وأخرى للميكانيكات وأخرى للكيمياء وأخرى للمعادن وأخرى للحيوان وأخرى للنبات. ومثل ذلك للجراحة والطب والاقتصاد السياسي والإنشاء والجغرافيا وعلم الآثار والبناء والتصوير والرسم والنقش والحفر والموسيقى إلخ. وقد اختير لهذهِ الفنون أشهر من اشتغل بها ومعهم المطبعة المتقدم ذكرها وعدة مترجمين. وجميع هذه المعدات توفرت وكانت على أهبة السفر في ٢٠ أبريل/نيسان من تلك السنة أي بعد صدور الأمر ببضعة أسابيع. ومن الغريب أنهُ رغمًا عن تعداد الرجال الذين ساعدوا في تنفيذ أمر الإدارة وفيهم القواد العظام ورجال العلم والصناع لم ينكشف لأحد منهم حقيقة المقصود من تلك الحملة إلَّا لتاليران وهو الرجل السياسي الذي أرسلتهُ الإدارة إلى الأستانة لمخابرة الباب العالي بشأن تلك الحملة وطلب مصادقتهِ عليها. وفي ٩ مايو سنة ١٧٩٨م وصل بونابرت إلى طولون وكان الجند في انتظاره كأنهم على جمر الغضى فخطب فيهم فزادهم توقدًا ورغبة في الحرب. وفي ١٩ منهُ ودَّع بونابرت امرأُتهُ وركب على الدارعة «الشرق» وهي أكبر دوارع الأسطول ومعهُ أركان حربهِ يتهللون جميعًا كأنهم ذاهبون إلى نزهة أو إلى غنيمة باردة وسارت سائر المراكب من النقط الأخرى ثم اتحدت جميعها وعددها جميعًا يزيد عن الخمسمائة فسارت تخترق البحر معًا وعليها نحو من خمسين ألف نسمة. وفي ٩ يونيو سنة ١٧٩٨ وصلوا إلى مالطا ومنها ساروا قاصدين الإسكندرية.

فأوجست إنكلترا خيفة من هذه الحملة فأنفذت نلسون أحد كبار أميراليتها في أسطول وعهدت إليه أن يتبع خطوات الأسطول الفرنساوي في البحر المتوسط وأن يكون ساهرًا على إجراءاتهِ وأن يقاومهُ إذا رأَى منهُ مسًّا لحقوق إنكلترا فسار نلسون فطاف البحر المتوسط ثم تنبأ أن الأسطول الفرنساوي لا يقصد إلا مصر أو سوريا فسار نحوهما. فبلغ ذلك بونابرت فأمر الأسطول أن ييمِّمََّ غربي الإسكندرية ببضعة مراحل وأن يكون دائمًا في استعداد للدفاع.

(٣) حالة مصر عند قدوم الحملة الفرنساويَّة

لم يكن في وادي النيل إذ ذاك أكثر من ثلاثة ملايين من السكان مؤلفين من ثلاث طوائف كبرى وهم:
  • الأقباط وهم سكان مصر الأصليون لا يزيدون عن مائتي ألف نفس.

  • العرب الذين افتتحوها.

  • الأتراك وفيهم المماليك.

وهناك شرذمات من طوائف أخرى.

والباشا وهو الحاكم المرسل من الأستانة لتأييد سلطة أمير المؤمنين كان يقيم في القاهرة لا فائدة من وجودهِ هناك إلا إثبات سلطة جلالة السلطان وخلافتهِ على مصر، وذلك يقوم بالخطبة لجلالتهِ في الصلاة وضرب النقود باسمهِ. أما المماليك وكانوا أخلاطًا من الأتراك والشراكسة والكرج وكانت جميع ثروة البلاد وإدارتها في أيديهم، على أنهم مع ذلك لم يكن لهم في البلاد عصبة عائلية لأنهم لم يكونوا يتوارثون الحكم إلا نادرًا وإنما كان يتولى منهم من يمتاز بشيء من القوة الخصوصية أو الاحتيال أو المحسوبية وما شاكل. وقلما ارتقوا إلى الحكم بالحكمة والدراية وحسن السياسة ولذلك كانت أحلامهم عرضة للفساد وداعيةً للخلل. أما مقرُّهم ففي قاعة كبيرة مختصة بهم في قلعة الجبل وفيها اصطبلات كبيرة لخيلهم ومخازن لأسلحتهم ومعداتهم. أما مساكنهم الخصوصية فكانت غالبًا في حيّ قيسون وحيّ بركة الفيل ودرب الحبانية في أجمل ما يكون من البناء مرصعة بالرخام والفسيفساء وفيها الفرش من المخمل مزركشة بالحرير وفي بعضها حدائق تزينها السراري الجميلات من نساء الكرج وغيرها. أما الجنود فكانت تزيد عن الثمانمائة أو الألف من المماليك الأشداء وقلما يكونون على شيء من الفنون الحربية وأكثرهم من الفرسان، أما المشاة فقليلون بينهم. فإذا امتطى المملوك صهوتهُ يتقلد القربينة بمنكبهِ والطبنجات في منطقتهِ والسيف على يسارهِ وهراوة في قربوزهِ وقضيبًا من الفولاذ أمام أنفهِ ممتدًّا من جبهتهِ إلى ذقنهِ. وربما يتفق تمرُّن أحدهم على الحركات الحربية أما الجماعات فلا يعرفون شيئًا عن المربعات أو الخطوط الحربية وإنما كانوا يتقنون فن الفروسية جيدًا.

ففي يوم قدوم الفرنسويين إلى مصر كان على الأحكام إبراهيم بك ومراد بك كما مر بك الأول شيخ البلد والثاني أمير الحج وبيدهما الحل والعقد. وكان إبراهيم بك ربعًا ضخم القامة حسن الطلعة حاد العينين مشهورًا بالغنى والطمع والاحتيال. أما مراد فكان يفوقهُ إقدامًا وحزمًا وفيهِ كرم وسخاءٌ. وكلاهما لم يؤيدا سلطتهما إلا بالقتل والنهب والاحتيال وقد اتفقا على اقتسام إيراد البلاد. أما العرب فمنهم فئة العلماء والفقهاء وفي أيديهم إدارة المعابد والتكيات وهم في الغالب من عائلات قديمة متصلة بالصحابة وغيرهم من أصحاب البيت وكانت معيشتهم غالبًا في بحبوحة الرفاهية وترف العيش، لكنهم قلما وصلوا إلى ما وصل إليه البكوات المماليك وكانوا محترمين من الأهالي احترامًا دينيًّا وأدبيًّا. أما نفوذهم السياسي فكان ضائعًا في جانب استبداد المماليك. أما التجارة فكانت معتبرة في مصر وأصحابها من ثقات العرب وأصحاب الأمانة ولذلك قلَّت بينهم التفاليس. وكانت مينا القاهرة بولاق وهناك كانت تستقبل المراكب حاملة البضائع من سائر الأنواع قادمة من أقطار شتى من العالم. ومن بولاق تحمل إلى الخانات أو الوكالات كخان السبع قاعات وخان التركماني وتباع فيها بالإجمال. أما البيع بالمفردات فكان في الأسواق إلى شمال المدينة من باب زويلة إلى الباب الذي يشرف على الصحراء.

أما جمع الخراج فكان موكولًا بفئتين من المصريين وهم المسلمون والأقباط. فمن المسلمين كان الروزنامجية وعندهم تقاويم الأراضي وسجلات الأملاك وكانوا ممتازين عن سائر الأهالي ومحافظين على أنسابهم العائلية لا يتزوجون إلا من بنات عائلتهم وكانوا على جانب من الثروة ولهم ممتلكات واسعة وكان يضرب بهم المثل في ذلك. أما الأقباط فكانوا يقتصرون على ضبط الحسابات في القبض والصرف كسائر الحسَّاب إلَّا فيما ندر. أما مساكن الأقباط في القاهرة فكانت إلى شمالي المدينة وغربها فيما كان يعرف بباب المقس (حيث الأزبكية الآن ولذلك دعي بعضها بحارة النصارى) وفي باب البحر وأكثرهم من متوسطي الثروة. أما أصحاب البنوكة والمداينون والصيارف فكانوا من اليهود وكانوا يسكنون عائلات كثيرة في بيت واحد في حارة اليهود ويضطهدهم المماليك اضطهادًا شديدًا. أما الأجانب في القاهرة فكانوا غالبًا من الفرنساويين وكانوا يلبسون اللباس العربي ويتكلمون اللغة العربية جيدًا ويقيمون في جهة الموسكي وكانوا يتزاوجون مع المسيحيين من السوريين الذين كانوا يقيمون غالبًا في درب الجنينة. وكان في وادي النيل جمع من السوريين لكنهم كانوا يقيمون غالبًا في السواحل وفي المدن الكبيرة مثل دمياط ورشيد وأسيوط ومعاطاتهم التجارة غالبًا إِما ببضائع أوروبا أو بمحصولات السودان من العاج والريش والصمغ أو ببضائع بلاد أخرى. أما علاقة مصر مع الدول الأجنبية في ذلك العهد فكانت مقصورة على التجارة وكانت البندقية «فنيس» أشد علاقة معها من الجميع ولها قنصل مقيم في الإسكندرية وكانت لها أيضًا علاقات أخرى مع تجار فرنسا وإنكلترا.

هذا ملخص حالة مصر عند قدوم الفرنساويين إليها.

(٤) الحملة الفرنسوية (من سنة ١٢١٣–١٢١٦هـ أو من ١٧٩٨–١٨٠١م)

مر بك في الفصل السابق أن الأسطولين الفرنساوي والإنكليزي سارا في البحر المتوسط قاصدين سواحل الدلتا.

ففي يوم الأحد الواقع في ١١ محرم سنة ١٢١٣هـ ظهر أمام الإسكندرية أسطول مؤلف من خمسة وعشرين مركبًا إنكليزيًا وكان يتولَّى الإسكندرية السيد محمد كريم أحد الأشراف الوطنيين. فلما علم بقدوم الأسطول جعل يراقب حركاتهِ وسكناتهِ وأهل المدينة يتساءَلون فيما بينهم عن أمره. وبعد قليل اقترب من الثغر قارب فيهِ عشرة نفر إفرنج طلبوا مقابلة الحاكم فجيء بهم إلى السيد محمد كريم وهو في مجلسهِ وحولهُ رجال حكومتهِ فسألهم عما جاءُوا من أجلهِ فقالوا: «إن ما ترونهُ في هذا البحر إنما هو أسطول إنكليزي قد جاءَ للتفتيش على عمارة فرنساوية عظيمة خرجت مؤخرًا تريد جهة من الجهات فربما داهمتكم فلا تقوون على دفعها فنكون لكم نصراءَ عليها.» فظن السيد محمد كريم ذلك مكيدة فأغلظ لهم بالقول فقالوا: «إننا نقف في هذا البحر محافظين لكم لا نطلب منكم إلا المدد بالماء والزاد بثمنهِ.» فأجابوهم أن هذهِ البلاد بلاد السلطان ولا يد للفرنساويين فيها فإذا جاءوُنا لا نبالي بهم فاذهبوا أنتم عنا. فعادوا ثم أقلعت المراكب تخترق عباب البحر. أما السيد محمد كريم فأنفذ إلى مراد بك في القاهرة حال وصول الأسطول يخبرهُ بما كان وأرسل إلى كاشف البحيرة يأمرهُ أن يجمع إليه العربان ويأتي بهم للمحافظة على الثغر، فلما اتصل ذلك بمسامع الأمراء والبكوات لم يكترثوا بها وقالوا: «إننا لا نبالي بمن تحدثهُ نفسهُ بمداهمتنا بل ندوسهُ تحت حوافر خيولنا.» أما الشعب فاضطرب وخاف. ثم جاءَ خبر آخر بإقلاع الإنكليز فسكن الجأش.

وفي يوم الاثنين في ١٨ منهُ وصلت ثغر الإسكندرية العمارة الفرنساوية فأنفذت أحد قواربها تطلب القنصل فمانع السيد محمد كريم أول الأمر في تسليمهِ. ثم أذن لهُ فنزل حتى أتى الدارعة التي عليها بونابرت فسألهُ عن حالة المدينة فأخبرهُ بما كان من أمر الأسطول الإنكليزي وأن الأهالي في يقظة واستعداد للدفاع جهادًا في سبيل الدين.

وقد كانت حامية الإسكندرية لا تزيد عن خمسمائة من الانكشارية معظمهم يتعاطون التجارة والصناعة إلا أنهم كانوا في استعداد للدفاع. وكتب السيد محمد إلى مراد بك وإبراهيم بك في القاهرة بما جرى إلى أن قال: «إن العمارة التى ظهرت أمامنا في هذا اليوم لا يعرف أولها من آخرها.» فلما تلا مراد بك الرسالة استشاط غيظًا ورمى بالكتاب إلى الأرض ثم ركب جوادهُ قاصدًا إبراهيم بك، وكان قاطنًا في سراي القصر العيني على ضفة النيل المطلَّةُ على جزيرة الروضة. فلما وصل إليه أنفذ إلى سائر كبار البلاد ورجال الدولة وفيهم بكير باشا الوالي فاجتمعوا اجتماعًا حافلًا تباحثوا فيهِ في أمر ما جاءَهم من الأنباء الأخيرة. فقال مراد بك ناظرًا إلى بكير باشا شزرًا: «لا ريب أن الفرنساويين لا يجسرون على القدوم إلى مصر من تلقاءِ أنفسهم فلعلهم جاءُوا بأمر من الباب العالي، ولكن الله قادرٌ أن ينصرنا على الاثنين.» فأجابهُ بكير باشا قائلًا: «إن هذا الكلام لا يليق صدورهُ منك وكيف يخال لك أن الباب العالي يسلم بدخول أمة غريبة إلى بلادهِ. دع عنك مثل هذا وهلَّم إلى سيفك ورجلك لدفع العدو الذي داهمك.» وبعد المفاوضة بالأمر أقرّوا على المواد الآتية:
  • (١)

    أن يسير مراد بك في فرقة من الفرسان على الضفة الغربية لفرع رشيد من النيل نحو الإسكندرية لإيقاف الفرنساويين عن التقدم.

  • (٢)

    أن يعسكر إبراهيم بك بمن يبقى من الجند على الضفة الشرقية عند بولاق لحماية القاهرة.

  • (٣)

    أن يرسل بكير باشا رسلهُ إلى الأستانة يستمد الباب العالي (بالترياق من العراق).

ثم شاع في أسواق القاهرة خبر قدوم الفرنساويين فكثر الهرج وازداد الاضطهاد على المسيحيين رغمًا عن محاولة إبراهيم بك وبكير باشا إقناع المسلمين أن هؤلاء المسيحيين هم من جملة رعايا الدولة العلية.
أما بونابرت فبعد أن استوعب كلام القنصل أقرَّ على النزول إلى البر حالًا فاعترضهُ الأميرال برويس نظرًا لما يحول دون ذلك من بعد المسافة وصعوبة المسلك، فأصرَّ بونابرت على النزول وكانت قيادة القوتين البحرية والبرية بيده فوافقهُ برويس مكرهًا، فسار بالمراكب إلى جهة العجمي وبرج مرابوت على مسافة قصيرة جدًّا من الإسكندرية غربًا وصرفوا النهار بطولهِ يستعدون للنزول وفي الساعة العاشرة مساءً شرعوا بالنزول بالسرعة الممكنة، وما زالوا في ذلك حتى الساعة الأولى بعد نصف الليل وقد نزل منهم أربعة آلاف وثلاثمائة نفر فنزل بونابرت، وكانت ليلة مقمرة فرقد نحو ساعتين على الرمال ثم أرسل طلائعهُ وسار بمن بقي مشاةً مستترين بجنح الليل ومستنيرين بالقمر. ففي الصباح التقى بونابرت بقبائل من عرب البحيرة (ولد علي) تحت قيادة أميرها فتبادلوا طلقات قليلة. ثم فرَّ العربان وما زال بونابرت سائرًا في رجالهِ حتى أشرفوا على الإسكندرية متخذين عامود السواري مطمحًا لأنظارهم. ثم وقف بونابرت على مرتفع ونظر إلى الإسكندرية فرآها وفيها المآذن والمنارات تناطح السحاب فجعل رجالهُ فرقًا لتسير الواحدة بعيدة من الأخرى مرمى رصاص بعد أن خطب فيهم وحرضهم أن يتجنبوا إهراق الدماء ما استطاعوا، فهاجم الفرنساويون المدينة ودخلوها وقد أصيب الجنرال كليبر برصاصة في رأسهِ لم تمتهُ. فاستلمت الجنود الفرنساوية الأسوار وفرت الحامية المصرية تطلب ملجأ إلى الأبراج القديمة وسقط الجنرال مينو عن أحد الأسوار التي استلمها هو فجرح فخذهُ. أما الجنرال مرمون فدخل المدينة من بابها بعد أن حطمهُ بالفئوس. وخرق باقي الجيش الأسوار ودخلوا منها لأنها لم تكن متينة البناء. ثم أرسل بونابرت أحد ضباط جيشهِ إلى أهالي المدينة يخبرهم أنهم في مأمن على أرواحهم وأموالهم وأن الفرنساويين لم يأتوا لمحاربتهم وإنما جاءَوا لمحاربة المماليك. أما السيد محمد كريم والعساكر الأتراك ففروا إلى حصن فرعون فاضطر الأهالي إلى التسليم قهرًا فدخل بونابرت ورجالهُ الأسواق. فلما بلغ ذلك السيد محمد كريم جاءَ بمن معهُ وسلم سلاحهُ ومثل ذلك فعل المشايخ والعلماءُ فأكرمهم بونابرت إكرامًا خصوصيًّا. ثم التفت إلى السيد كريم قائلًا: «قد أخذت سلاحك بالسيف وقد كان لي أن أعاملك معاملة الأسير لأني أخذتك بعد أن دافعت عن نفسك ما ستطعت، ولكن بما أن الشجاعة حليفة الشرف ها إني أعيد إليك سيفك على أمل أن تكون مساعدًا أمينًا للجمهورية الفرنساوية كما كنت للحكومة السابقة على عتوها وظلمها.» ثم سألهُ إذا كان يرغب في معاضدة مشروعهم الذي هو تأييد سلطة الباب العالي وقمع سلطة المماليك. فأجاب بالإيجاب فأقرَّهُ على الإسكندرية تحت مناظرة الجنرال كليبر وكان قد اضطر إلى البقاء في الإسكندرية بسبب الجرح الذي أصابهُ. ثم صرح بونابرت للمسلمين بالمحافظة على معتقداتهم وصلواتهم كما كانوا يفعلون قبلًا وجرد الأهالي من السلاح قاطبة، وأمرهم أن يجعلوا في صدورهم الجوكار وهو عبارة عن علامة مصنوعة من ثلاث قطع من الجوخ أو الحرير مستديرة بقدر الريال كحلية وبيضاء وحمراء توضع بعضها فوق بعض بحيث تظهر الألوان الثلاثة إشارة إلى العلم الفرنساوي ذي الثلاثة ألوان. ولما رسخت قدم الفرنسويين في الإسكندرية نزل للبر بعض رجال الفئة العلمية ومعهم المطبعة العربية وجعلوا يبحثون في آثار الإسكندرية البنائية والجيولوجية. ثم أمر بونابرت أن تنزل إلى البر جميع المهمات العسكرية من خيول وأسلحة ومدافع وغيرها وأن يكون ذلك بأوفر سرعة. وأن يطبع منشور بالعربية يفرق في البلاد فكُتب وطبع ونصهُ بالحرف الواحد:
«بسم الله الرحمن الرحيم. لا إله إلا الله لا ولد لهُ ولا شريك في ملكهِ. من طرف الجمهور الفرنساوي المبني على أساس الحرية والمساواة السير عسكر الكبير بونابرت أمير الجيوش يعرف أهل مصر جميعهم أن السناجق الذين يتولون مصر منذ زمن مديد يعاملون الملة الفرنساوية بالاحتقار والاعتداء وقد حضرت الآن ساعة عقوبتهم، وا حسرتاه إنهُ منذ أيام وعصور هؤلاءِ المماليك المجلوبون من بلاد الأباظة والكرج يفسدون في أحسن أقاليم الكرة الأرضية، ولقد حتم رب العالمين القادر على كل شيء بانقضاء دولتهم. فيا أيها المصريون قد يقال لكم إنني ما نزلت هذه الجهة إلا بقصد إزالة دينكم فذلك كذبٌ صريحٌ لا تصدقوهُ، وقولوا لإخوانكم إنني ما قدمتُ إليكم إلا للأخذ بحقكم من الظالمين وإنني أكثر من المماليك عبادة لله سبحانهُ وتعالى واحترامًا لنبيهُ محمد () وللقرآن العظيم، وقولوا لهم أيضًا إن جميع الناس شرع عند الله وإن الذي يميز بعضهم عن بعض هو العقل والفضائل والعلوم، وأي شيءٍ في المماليك يميزهم عن غيرهم ويستوجب أن يكون لهم وحدهم كلما تجلب بهِ الحياة الدنيا، فحيثما تكون أرض مخصبة فهي للمماليك، ومثل ذلك أحسن الجواري وأكرم الخيل وأجمل المساكن. فإن كانوا قد أخذوا الأرض المصرية التزامًا فليظهروا لنا الحجة التي كتبها لهم الله، ولكن رب العالمين رءوف على الناس وبعونهِ تعالى من اليوم فصاعدًا لا يستثنى أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية وعن اكتساب المراتب العالية، فالعقلاء والفضلاء والعلماء بينهم يفوَّض إليهم تدبير الأمور والمهام وبذلك تصلح حال الأمة كلها في الأراضي المصرية كالمدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر الواسع الذي أضاعهُ طمع المماليك وظلمهم. فيا أيها القضاة والمشايخ والأئمة ويا أيها الشربجية وأعيان البلاد قولوا لأمتكم إن الفرنساويين هم أيضًا مسلمون مخلصون وإثباتًا لذلك قد نزلوا رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحثُّ النصارى على محاربة المسلمين، ثم قصدوا جزيرة مالطا وطردوا منها الكفاليرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم محاربة المسلمين، ومع ذلك فإن الفرنساويين في كل وقت أحبَّاءُ حضرة سلطان العثمانيين وأعداءُ أعدائهِ أَيد الله ملكهُ، وبعكسهم المماليك فإنهم خرجوا عن طاعة السلطان غير ممتثلين لأوامرهِ ولم يطيعوهُ إلَّا عن طمع في قلوبهم كمين، فطوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فتصلح حالهم وترفع مراتبهم، وطوبى للذين يقعدون في مساكنهم غير ماثلين لأحد الفريقين المتحاربين، لكن الويل ثم الويل للذين يتحدون مع المماليك ويساعدونهم في الحرب علينا فلا يجدون طريق الخلاص ولا يبقى لهم أثر.
  • المادة الأولى: جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة على مسافة ثلاث ساعات عن المواضع التي يمرُّ بها العسكر الفرنساوي يجب أن ترسل للصاري عسكر بعض وكلاء من عندها لكي يعرفوا المشار إليه أنهم أطاعوا وأنهم نصبوا العلم الفرنساوي الذي هو أبيض وكحلي وأحمر.
  • المادة الثانية: كل قرية تقوم على العساكر الفرنساوية تحرق بالنار.
  • المادة الثالثة: كل قرية تطيع العساكر الفرنساوية يجب عليها أن تنصب العلم الفرنساوي كذلك علم سلطان العثمانيين محبنا دام بقاؤُهُ.
  • المادة الرابعة: على المشايخ في كل بلد أن يختموا حالًا جميع الأرزاق والبيوت والأملاك خاصة المماليك وعليهم الاجتهاد الزائد لكي لا يضيع أدنى شيء منها.
  • المادة الخامسة: يجب على المشايخ والقضاة والأئمة أن يلازموا وظائفهم وعلى كل واحدٍ من أهل البلد أن يبقى في مسكنهِ مطمئنًّا، كذلك تقام الصلوات في الجوامع على العادة وعلى المصريين جميعًا أن يشكروا فضل الله سبحانهُ وتعالى على انقراض دولة المماليك قائلين بصوت عالٍ أدام الله إجلال سلطان العثمانيين. أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي. لعن المماليك وأصلح حال الأمة المصرية.
تحريرًا في معسكر الإسكندرية في ١٣ شهر مسدور من السنة السابعة من إقامة الجمهور الفرنساوي يعني أواخر شهر محرم سنة ١٢١٣هـ.»

وأمر بتوزيع هذا المنشور في البلاد المصرية. ثم فكر في أمر التوجه إلى القاهرة وإخضاع سائر القطر. وكان إلى القاهرة من الإسكندرية طريقان الواحد عن طريق دمنهور أو الصحراء على البر الغربي والثاني عن طريق رشيد في النيل فرأَى أن الطريق الثاني أصعب مسلكًا عليهِ بالنسبة لبقاء رشيد في حوزة المماليك إذ ذاك، فأقر أن يسير في حملة عن طريق دمنهور في الصحراء وكان قد أنفذ الجنرال ديزه عند استلام الإسكندرية ليسير في ذلك الطريق وأرسل عمارة بحرية لتحتل رشيد ثم تسير في النيل لملاقاتهِ في الرحمانية.

وفي ٢٤ محرَّم سنة ١٢١٣هـ (٧ يوليو/تموز، سنة ١٧٩٨م) بارح بونابرت الإسكندرية في الساعة الخامسة مساءً وقاية من الحرّ تاركًا كليبر فيها. وما زال سائرًا بحملتهِ حتى منتصف الليل فنزلوا للراحة فرقدوا ساعتين ثم نهضوا وما زالوا يواصلون السير ليلًا ونهارًا، وقد قاسوا عذابًا شديدًا من قلَّة الماء حتى وصلوا دمنهور فصادفوا خيرات كثيرة وماءً غزيرًا فمكثوا هناك يومين وليلتين ثم ساروا قاصدين الرحمانية في صباح ٢٨ محرم سنة ١٢١٣هـ (١١ يوليو/تموز، سنة ١٧٩٨م).

وفي اليوم الثاني من مسيرهم لاقتهم شرذمة من الخيالة المماليك فحصلت بين الفريقين مناوشة شفَّت عن انهزام المماليك بعد أن قتل منهم نحو من خمسين فارسًا. فواصل بونابرت سيرهُ حتى وصل الرحمانية وقابل النيل فوثبت العساكر على الماء كأنهم ذئاب خاطفة فشربوا وتركوا خيولهم للمرعى وعسكر بونابرت ومن معهُ طلبًا للاستراحة على أثر ما قاسوهُ من مشاق السفر والعطش ريثما تصلهم العمارة البحرية التي أنفذوها إلى رشيد. وبعد ليلتين من مكوثهم هناك أتت العمارة بعد أن استولت على رشيد وجعلت فيها حامية تحفظها. وكانت الجيوش قد استراحت فتأهب للرحيل إلى القاهرة فسارت المشاة والفرسان على الضفة الغربية حذاء النيل وإلى يسارها العمارة سائرة في النيل، وما زالوا يجدُّون السير حتى أتوا محلة سلامة عند المساء فلم يمكنهم استطلاع حالة العدو تلك الليلة.

أما ما كان من قبيل مراد بك فإنهُ عندما عهد إليه المسير إلى الإسكندرية كما تقدم جمع إليه خيالتهُ وقبل مبارحتهم القاهرة صاروا يصادرون الناس ويأخذون ما يحتاجون إليه بدون ثمن. ثم سار بهم إلى الجسر الأسود في البر الغربي فمكث بهِ يومين حتى تكامل العسكر وسناجقهُ وفيهم علي باشا الطرابلسي وناصيف باشا وكانا من أخصَّائهِ المقيمين معهُ في الجيزة. وأخذ معهُ عدة كثيرة من المدافع والبارود. وجعل الرحالة وهم أسراب من الالداشات والغليونجية والأروام والمغاربة حملة بحرية تسير في النيل على الغلايين الصغار التي أنشأها هو. ولما بارح الجسر الأسود أرسل إلى مصر بمشورة علي باشا الطرابلسي يأمر باصطناع سلسلة من الحديد في غاية الثخن والمتانة طولها مائة وثلاثون ذراعًا تنصب بعرض البوغاز عند برج مغيزل من البر إلى البر لتمنع مراكب الفرنساويين من المرور. وأن يُجعل عندها جسر من المراكب عليها المتاريس والمدافع ظنًّا منهُ أن الفرنساويين لا يناهضون المصريين في البر ولا بد من قدومهم بحرًا وأنهم يطاولونهم ويصابرونهم في القتال حتى تأتيهم النجدات. وما زال مراد بك سائرًا فيمن معهُ ملازمًا ضفة النيل الغربية وإلى يمينهِ الغلايين وفيها من ذكرنا من الرحالة قاصدًا الجيوش الفرنساوية فوصل إلى قرية شبرايس وعسكر هناك بفرسانهِ وأرسل عمارتهُ لملاقاة عمارة الفرنساويين فالتقت بها على مسافة قصيرة من منية سلامه وقد تجاوزت جنود البر مسافة بسبب الريح الشديد الذي طلع عليها ذلك اليوم. فانبهر الفرنساويون لذلك الاتفاق فأطلقوا نارهم فأجابهم المماليك وكان على قيادة العمارة المصرية على باشا الطرابلسي المتقدم ذكرهُ فاحتدمت الحرب بين الفريقين حتى كادت تدور الدائرة على الفرنساويين وقد يئسوا لدخول عدة من مراكبهم في حوزة المماليك، فأرسل بيره قائد العمارة الفرنساوية من يوصل الخبر إلى بونابرت ليسرع إلى إمدادهم. ثم اتفق أن إحدى قنابل الفرنساويين أصابت المركب الذي فيهِ ذخائر المماليك فأحرقتها وتتطايرت أجزاؤها في الفضاء فانذعر المماليك وخابت آمالهم ثم وصل بونابرت بمن معهُ فحمد الاتفاق الذي نجَّى عمارتهم وأمر أن تنتظم عساكرهُ مربعات منتظمة لملاقاة المماليك في البر أيضًا، فالتقى الفريقان وبعد الأخذ والرد مدةً عاد المماليك على أعقابهم طالبين النجاة وفرَّ كل من كان في القرى المجاورة فدخلها الفرنساويون فلم يجدوا فيها أحدًا، فواصلوا السير حتى أتوا وردان فعسكروا للاستراحة ثم بلغهم أن مراد بك ورجالهُ قد تحصنوا في إمبابة مقابل القاهرة.

وفي ٧ صفر سنة ١٢١٣هـ بارح بونابرت وردان بجيشهِ قاصدًا القاهرة وما مشى يسيرًا حتى ظهرت لهُ من وراء الأفق الأهرام العظيمة. وما زال أهل القاهرة منذ سفر مراد بك لملاقاة الفرنساويين في اضطراب يجتمع علماؤُهم وفقهاؤُهم في الجامع الأزهر يقدمون الصلوات والتضرعات إلى الله أن ينصرهُ على الأعداء ومثل ذلك كان يفعل القراء وتلامذة المدارس. أما باقي الأهالي فكانوا في اضطراب عظيم ولا سيما عندما كانوا يسمعون بتقهقر المماليك.

أما إبراهيم بك فكان معسكرًا في بولاق كما تقدم. فلما بلغهُ تقهقر مراد بك من شبرايس بمدافعهِ تخابر مع رجال حكومتهِ فأقروا على مد الطوابي وإقامة المدافع من بولاق إلى شبرا تعزيزًا للقاهرة. أما أهالي المدينة فَمن يسكن جأشهم وقد وقع في قلوبهم الرعب. أما مراد بك فكان قد تحصن في إمبابة على نية أن يقابل الفرنساويين هذهِ المرة بالمدافع وليس بالفرسان كما فعل في شبرايس. وفي صباح يوم السبت في ٨ صفر بلغ الفرنساويون الجسر الأسود ثم أم دينار. وفي صباح ٨ منهُ (٢١ يوليو) بارح الفرنساويون أم دينار ونزلوا على مسافة ميلين من إمبابة في حقل من البطيخ فكان النيل عن يسارهم والأهرام وسلسلة جبال ليبيا عن يمينهم وإمبابة أمامهم وفيها مراد بك وجنودهُ وعليهم الألبسة والدروع من الحديد المصقول تتلألأ في أشعة الشمس وألوان ملابسهم تزيدها رونقًا وأصوات خيولهم قد ملأت الفضاء. فالتفت بونابت إلى معسكر العدو فإذا بهِ حصين وفي مقدمتهِ أربعون مدفعًا مستعدة لإطلاق القنابل على الفرنساويين عند إبداءِ أول حركة نحوهم فالتفت إلى رجالهِ وأشار إلى الأهرام قائلًا: «اعلموا أن خمسين جيلًا من الناس تنظر إليكم من قمة هذه الأهرام وتراقب حركاتكم ناظرة إلى ما يئُول إليه أمركم مع هؤلاء المماليك.»

fig32
شكل ٤-١: الجيوش الفرنساوية بجوار الأهرام.
وترى في شكل ٤-١ الجيوش الفرنساوية بجوار أهرام الجيزة.

ثم أمر فرقة الجنرال ديزه أن تسير نحو اليمين والفرق الأخرى نحو اليسار تجنبًا لنيران تلك المدافع، فأدرك مراد بك مرادهم من هذهِ الحركات فأمر أيوب بك الدفتردار أن يطلق القنابل على فرقة الجنرال ديزه ويوقفها عن المسير فوقفت على شكل مربع تنتظر هجوم المماليك، فهجم أيوب بك هجمة الأسود الضارية وتبعتهُ السناجق بالسيوف فلاقاهم مربع ديزه بنار كالصواعق المتساقطة فلم ينفك أيوب بك هاجمًا وهو ينادي بأعلى صوتهِ. «ويل لكم أيها الكفار الملاعين قد ساقتكم كبرياؤكم إلى أرضنا مهلًا إننا سنملئُّ القبور بأجسادكم ونجعل هذا اليوم يومًا تذكرهُ أعقابكم من بعدكم. أما نحن فإذا مات أحدنا فإنهُ يذهب شهيدًا إلى النعيم والذي يبقى حيًّا فلهُ السعادة إلى آخر أيامهِ.» ثم هجمت الفرق الفرنساوية من على اليسار واشتد القتال وما زالت الحرب سجالًا حتى تقهقرت المماليك وقُتل أيوب بك وفرَّ مراد بك بمن بقي من رجالهِ قاصدًا الصعيد واستولى الفرنساويون على إمبابة.

فلما اتصلت تلك الأخبار بالقاهرة ضجَّت العامة وكثرت الغوغاء من الرعية وأخلاط الناس بالصياح منادين: «يارب يا لطيف يا رجال الله» وكانوا كأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم وجلبتهم وكان العقلاءُ منهم ينادونهم أن يتركو ذلك الصياح قائلين إن الصحابة والمجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب وضرب الرقاب لا برفع الأصوات والصراخ والنباح. أما هم فكانوا لا يسمعون ولا يرجعون ومن يقرأُ ومن يسمع. ثم ركبت طائفة كبيرة من الأمراء والأجناد من المعسكر الشرقي في بولاق وفيهم إبراهيم بك وشرعوا في التعدية إمدادًا لمراد فتزاحموا على المعادي لكون التعدية من محل واحد والمراكب قليلة فلم يصلوا إلى البر الثاني حتى وقعت الهزيمة على المحاربين، كل ذلك وريح النكباء يشتد هبوبها وأمواج البحر في قوة اضطرابها والرمال يعلو غبارها وتنسفها الريح في وجوه المصريين، فلم يستطع أحدهم أن يفتح عينيهِ من شدة الغبار وكان ذلك من أعظم أسباب الهزيمة حتى خيل للناس أن الأرض تزلزلت والسماء ساقطة عليها. كل ذلك والهزيمة متواصلة حتى انهزم إبراهيم بك وبكير باشا. وجعل أهالي المدينة يحملون ما خفَّ حملهُ وغلا ثمنهُ ويفرُّون من وجه الموت جنوبًا وشرقًا إلى الصعيد أو إلى السويس وبلبيس، أما إبراهيم بك فسار إلى جهة الشرق. كل ذلك ظنًّا منهم أن الفرنساويين قد عدوا إلى البر الشرقي ولا سيما عندما رأوا دخانًا يتصاعد من جهة بولاق وقيل لهم إن الفرنساويين قد حرقوها وجاءُوا قاصدين المدينة يحرقون وينهبون ويفتكون.

ولما أصبح القوم تبيَّن لهم أن الفرنساويين لا يزالون في البر الغربي فاجتمع بعض العلماء والمشايخ في الجامع الأزهر وأقرُّوا على أن يرسلوا إلى الفرنساويين كتابًا وينتظروا ماذا يكون من أمرهم، فأرسلوهُ صحبة رجل مغربي يعرف الفرنساوية وبرفقتهِ رجل آخر فعادا وأخبرا أنهما قابلا كبير الفرنساويين وأعطياهُ الكتاب فقرأهُ عليهِ ترجمانهُ ومضمونهُ الاستفهام عن قصدهم فقال لهما: أين عظماؤكم ومشايخكم لماذا لا يأتون إلينا لنجري ما يكون فيهِ راحتهم، فقالا: إننا جئنا نطلب ذلك بالنيابة عنهم، فقال: قد سبق منَّا منشور أرسلناهُ إليكم من الإسكندرية فقالا: قد وصلنا وإنما نريد تضمينًا آخر. فكتب لهما ما مضمونهُ: «إننا قد أرسلنا لكم سابقًا كتابًا فيهِ الكفاءَة وقد ذكرنا لكم أننا ما حضرنا إلا بقصد إزالة المماليك الذين يعاملون الفرنساويين بالذل والاحتقار وأخذ مال التجار ومال السلطان، ولما حضرنا إلى البر الغربي خرجوا الينا فقابلناهم بما يستحقون وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم عندنا، ونحن في طلبهم حتى لا يبقى منهم أحد في القطر المصري. وأما المشايخ والعلماء وأصحاب المرتبات والرعية فليكونوا مطمئنين وفي مساكنهم مستقرين إلخ». ثم قال لهما يلزم أن يأتي الينا المشايخ والشوربجية لنرتب لهم ديوانًا ننتخبهُ من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور. فلما رأَى العلماءُ تلك الملاينة سكن جأشهم وكاتبوا من كان فارًّا منهم فحضر الشيخ الشرقاوي والشيخ السادات. وفي ذلك اليوم حضر بعض الأوباش ونهبوا بيتي مراد بك بخطة قيسون وأحرقوهما.

وفي يوم الثلاثاء ١١ صفر عادت الجيوش الفرنساوية إلى القاهرة ونزل بونابرت في بيت محمد بك الألفي في الأزبكية بخط الساكت وكان قد بناهُ وزخرفهُ في السنة الماضية كأنهُ كان يعدُّهُ لهذه الغاية، وهي البناية التي فيها مخزن فرانسيز الآن بجانب اللوكاندة الخديوية. وأخذت العساكر الذين دخلوا القاهرة من الفرنساويين يعاملون الباعة باللين ويبتاعون ما يحتاجون إليه ويدفعون فيهِ ثمنًا غاليًا فأحبتهم الناس وارتاحوا إليهم.

وفي الخميس ١٣ صفر بعث بونابرت يطلب المشايخ وأعيان البلاد والوجاقلية فحضروا ولما استقرَّ بهم الجلوس خاطبهم وتفاوض معهم بأمر إنشاء ديوان مؤلف من عشرة أشخاص من المشايخ لفصل الدعاوي فوقع الاتفاق على عشرة وفيهم الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ خليل البكري والشيخ مصطفى الصاوي والشيخ محمد المهدي. كل هذا الانتخاب حصل بمشورة قنصل فرنسا في مصر والإسكندرية وجعلوا علي أغا الشعراوي واليًا على الشرطة وعلي أغا محرم واليًا على الاحتساب بإشارة أرباب الديوان، بعد أن أفهموا بونابرت أن سوقة مصر لا يهابون إلا الأتراك وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم. وجعلوا ذا الفقار كتخدا محمد بك الألفي كخيا لبونابرت. وجعلوا من أرباب الشورى الخواجه موسى كافوا وكلوي الفرنساويين ووكيل الديوان جان بنوا. ثم أمروا الوالي والأغا أن ينادوا بالأمان وفتح الحوانيت وأن يطمئن الناس. وكان الفرنساويون يدخلون بيوت الأمراء المهجورة ويأخذون منها شيئًا ويتركونها مفتوحة فيدخلها الرعاع وينهبونها ثم تكررت هذه التعديات على البيوت التى أصحابها فيها فجعلوا للبيوت بيارق بثلاثة ألوان تعلَّق على بيوت الكبراء الذين يخافون على بيوتهم من النهب أو يلصقون على أبوابهم ورقة يأخذونها من السير عسكر (بونابرت). وفي ذلك اليوم قلدوا برطلمين الرومي كخيا مستحفظًا وجعلوا شخصًا آخر إفرنجيًّا أمين البحرين وآخر جعلوهُ أغا الرسالة وجعلوا الديوان في بيت قائد أغا بالأزبكية قرب الرويعي، وسكن بهِ رئيس الديوان وسكن دبوي قائمقام المدينة ببيت إبراهيم بك الوالي المطل على بركة الفيل، وسكن شيخ البلد في بيت إبراهيم بك الكبير، وسكن مجلون في بيت مراد بك. وأقام بونابرت بوسليك مديرًا للمالية سكن في بيت الشيخ البكري القديم وكان يجتمع عندهُ القبط لأجل الحسابات.

ثم أخذت العساكر الفرنساوية تعدي للبر الشرقي شيئًا فشيئا حتى كثر عددهم في القاهرة فامتلأت منهم الأسواق وسكنوا في البيوت، ولكنهم لم يشوشوا على أحد وكانوا يأخذون ما يحتاجون إليه بزيادة في الثمن، ففجر السوقة وصغروا أقراص الخبز وطحنوا الحنطة بترابها وكثرت باعة المأكولات، وفتح الأروام عدة حوانيت لبيع أنواع الأشربة وحانات وقهاوي وفتح بعض الإفرنج المتوطنين بيوتًا لصنع الأطعمة والأشربة على النمط الإفرنجي (أي لوكاندات إفرنجية) ولم يكن ذلك معروفًا في مصر إلى ذلك العهد ولذلك وصفها المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي كأنها شيءٌ جديد دخل عليهم فقال: «وفتحوا بيوتًا لصنع الأطعمة والأشربة على طرائقهم في بلادهم، وجعلوا على أبوابها علامات يعرفونها بينهم فإذا مرَّت طائفة تريد الأكل بذلك المكان دخلوهُ وهو يشتمل على عدة مجالس بين دون وعال ووسط، وعلى كل مجلس علامة ومقدار الدراهم الي يدفعها الداخل، وفي تلك المجالس موائد من الخشب عليها الطعام وحولها الكراسي فيجلسون عليها ويأتيهم الفراشون بالطعام على قوانينهم، فيأكلون ويشربون على نسق لا يتعدونهُ ثم يدفعون ما وجب عليهم من غير نقص ولا زيادة ويذهبون لحالهم.»

وفي يوم السبت ١٥ صفر سنة ١٢١٣ اجتمع الديوان المتقدم ذكرهُ وتباحث في احتياجهِ إلى النقود فقرَّر استلاف خمسمائة ألف ريال من التجار المسلمين والنصارى والقبط والسوريين والإفرنج وأخذوا في تحصيلها، وقرروا أن ينادى في الأسواق أن من أخذ شيئًا من نهب البيوت عليهِ أن يحضر بهِ إلى بيت القائمقام وإن لم يفعل وظهر بعد ذلك يشتد عقابهُ. وأن ينادى على نساءِ الأمراء والبكوات بالأمان وأن يسكنَّ بيوتهنَّ وإن كان عندهن شيءٌ من أمتعة أزواجهنَّ يصالحن على أنفسهنَّ، فجاء كثيرات منهنَّ وصالحن ودفعن مبالغ عظيمة.

وفي يوم الأحد في ١٦ منهُ طلب بونابرت الخيول والجمال والأسلحة فجمعوا شيئًا كثيرًا منها وكذلك الأبقار والثيران وأشاعوا التفتيش وكسروا عدة دكاكين بسوق السلاح وغيرهِ وأخرجوا ما وجدوهُ فيها من الأسلحة وأخرجوا فيما خلا ذلك كثيرًا من الخبايا والودائع بواسطة البنائين والمهندسين والخدم الذين يعرفون بيوت أسيادهم فكانوا يطلعونهم على أماكن الخبايا ومواضع المدافن تقرًّبًا من الفرنساويين. وفي ذلك اليوم قبضوا على شيخ الجعيدية (الرعاع) ورموهُ بالرصاص ببركة الأزبكية مع رفيق لهُ. ثم قبضوا على آخرين في الرميلة فخاف الناس وصار يأتي الذين عندهم منهوبات ويقدمونها للديوان.

وفي يوم الثلاثاء ١٨ منهُ طلبوا أهل الحرف والتجار وضربوا عليهم مبلغًا على سبيل القرض لا يستطيعون دفعهُ، وأجَّلوا لهم أجل ستين يومًا لدفعهِ فاستغاثوا وذهبوا إلى الجامع الأزهر والمشهد الحسيني واستشفعوا المشايخ فتكلموا بأمرهم أمام الديوان فلطف المطلوب إلى نصفهِ ووسعوا لهم في الأجل. وقد كان بكل عطفة أو حارة من عطف وحارات القاهرة باب كبير مصفح بالحديد يقفل ليلًا. فأمر بونابرت بقلع أبواب الدروب والعطف والحارات واستمروا في ذلك عدة أيام فخاف الأهالي وكثرت ظنونهم في المقصود من تلك الأعمال، فظن بعضهم أن الفرنساويين عازمون على قتل المسلمين وهم في صلاة الجمعة وقال آخرون غير ذلك. وكان في القاهرة دار لضرب النقود تضربها باسم السلطان فأمر بونابرت أن يستمر الضرب كما كان وعهد ذلك إلى أحد رجالهِ. وكان في نيتهِ إنشاء بريد (بوسطة) بين مصر والإسكندرية لكنهُ لم يستطع ذلك لكثرة الأخطار التي تحيط برسل البريد أثناء الطريق.

وفي ٢٠ منهُ وردت إلى الديوان تحارير من قافلة الحج من العقبة فذهب أرباب الديوان إلى السير عسكر بونابرت وأعلموهُ بذلك وطلبوا منهُ أمانًا لأمير الحاج فامتنع خيفة أن يكون في كثرة من الحجاج فيحدث ما يكدر الراحة. وقال: لأ أعطيهِ ذلك إلا إذا جاء في قلةٍ ولا يدخل معهُ المماليك فقالوا: ومن يغفر الحجاج قال: أنا أرسل لهم من عساكري أربعة آلاف يوصلونهم إلى مصر، فكتبوا إلى أمير الحج كتابًا لطيفًا وأوعزوا إليه أن يحضر بمن معهُ إلى الدار الحمراء وأنهُ متى وصل إلى هناك يدبرون ما فيهِ الخير، فلم يصلهُ ذلك الكتاب حتى خابرهُ إبراهيم بك وكان في بلبيس يطلب إليه أن يوافيهِ إلى هناك حالًا فسار إلى بلبيس، فعلم بونابرت بإقامة إبراهيم بك في بلبيس فأرسل إليه فرقة من جيوشهِ تحت قيادة الجنرال لاكلاك فسار وعسكر في الخانكاه وراء المطرية ومكث هناك يومين ولم يصادف أقلَّ مقاومة. وفي اليوم الثالث هجم عليهِ وعلى رجالهِ قبائل من العرب وبينهم عدد كبير من المماليك وبعد محاربة شديدة تقهقرت الجيوش الفرنساوية نحو القاهرة لعجز خيولهم، فعلم الجنرال مورات بذلك فاستمد بونابرت فأمدَّهُ فاجتمعت الجيوش الفرنساوية ثانية إلى الخانكاه وتبعهم بونابرت بنفسهِ خيفة أن يكونوا في ارتباك فينكسرون وتعود العائدة عليهم، فاتحدت جميع الجيوش الفرنساوية في الخانكاه وساروا جميعًا في أَُثر العربان والمماليك حتى الصالحية، وهناك كان إبراهيم بك بمن معهُ ثم علموا أنهُ بارح الصالحية فارًّا نحو سوريا ملتجئًا إلى الجزَّار في عكا، وانضم كثيرون من رجالهِ إلى عسكر الفرنساويين وسلمت الصالحية بمن فيها.

فلما رأَى بونابرت ذلك أسرع بالعودة إلى القاهرة. وبينما كان في الطريق قابلهُ رسول بكتاب مفضوض فتلاهُ فإذا بهِ خبر قدوم عمارة نلسون الإنكليزية إلى الإسكندرية وحصول موقعة كبيرة في أبي قير شفَّت عن تحطم العمارة الفرنساوية برمَّتها. فانذعر لذلك الخبر ولكنهُ تجلَّد وقال لأركان حربهِ الذي كان قد فضَّ الكتاب وتلاهُ قبلهُ دع هذا الخبر في سرك الآن لنرى ماذا يأتي بهِ الغد.

موقعة أبي قير

وتفصيل تلك الموقعة أن نيلسون بعد أن بارح الإسكندرية علم بقدوم الفرنساويين إليها ودخولهم في القطر المصري فعاد بعمارتهِ حتى جاء الإسكندرية في ١٩ صفر سنة ١٢١٣هـ (أول أغسطس/آب، سنة ١٧٩٨م) وكانت العمارة الفرنساوية راسية في جون أبي قير على خط واحد ممتدة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي تحت قيادة الأميرال برويس، وكانت قد أرسلت في ذلك الصباح خمسة وعشرين نفرًا من كل دارعة من دوارعها إلى البر لغفر الفعلة المرسلين لاحتفار الآبار فلما استكشفوا العمارة الإنكليزية نادوا بالرجال أن يعودوا إلى المراكب. ثم تداول الأميرال برويس مع ضباطهِ في كيفية مقابلة العمارة الإنكليزية فأشاروا عليهِ أن يخرج من الجون ويستقبلها في ظهر البحر فأصرَّ على بقائهِ في مكانهِ بدعوى أن عدد رجالهِ لا يسمح لهُ بقبول مشورتهم فبقيت العمارة في الجون بانتظار الإنكليز. أما نلسون فكان مذ علم باحتلال الفرنساويين مصر عاملًا فكرتهُ في كيفية ملاقاتهم لا يأكل ولا ينام. فلما صار على مشهد من عمارتهم فكر في أحسن أسلوب يأخذهم بهِ فأقرَّ على أن يرسل قسمًا من مراكبهِ يدخل بين الفرنساويين والبر والقسم الآخر يأتيهم من الأمام فيجعلهم هدفًا لنارين حاميتين غير متغافل عما يحيط بهذا العمل من الخطر ولكن يظهر أنهُ كان ممن يستسهلون الصعب. فسارت بعض مراكبهِ من وراء الفرنساويين ورست بينهم وبين البر وتقدمت بقية المراكب من الأمام، وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب وابتدأَ نلسون بإطلاق المدافع فأجابهُ الفرنساويون بنار مثل نارهِ. وبعد ١٢ دقيقة انكسرت دارعة فرنساوية وبعد عشر دقائق انكسرت دارعتان أخريان ولم يأتِ العشاء حتى استولى الإنكليز على عدة دوارع فرنساوية عدا عن التي كسرت.

وكان الأميرال برويس على الدارعة «الشرق» ذات المائة وعشرين مدفعًا وعليها نحو من ألف رجل، وكان نلسون من الجهة الأخرى على أحد دوارعهِ يراقب حركات الفرنساويين ويعطي الأوامر، فأصابتهُ رصاصة في جبهتهِ فوق إحدى عينيهِ فتدلى الجلد حتى غشي بصرهُ فرفعهُ بيدهِ غير مبال وجعل ينظر إلى ما يكون من حركات الدوارع، وكان بجانبهِ أحد ضباطهِ فأمسكهُ بيدهِ فانتبه كأَنهُ كان في غفلة وناداهُ قائلًا: «قد قتلت فأرجوك أن تذكرنى أمام امرأتي.» فحملوهُ إلى غرفتهِ وأحاط بهِ الأطباء وبعد أن كشفوا عن جرحهِ طيَّبوا خاطرهُ وطمنوهُ أن الجرح لا يؤذن بالخطر السريع، أما هو فلم يكن ينتظر الشفاء ولكنهُ مع ذلك لم ينشغل عن الأوامر إلى ضباط الدوارع وكان يتتبع حركاتها وهو على فراشهِ. ثم ضمدوا جرحهُ وهو يخاطب كاتب سرهِ أن يحرر حالًا لنظارة البحرية في لندرا عن هذه المحاربة، فلم يستطع أحد من الحضور أن يمسك القلم من شدة التأثر، فأخذ نلسون قلمًا وجعل يكتب مسرورًا بما أوتيهِ من الفوز.

أما الأميرال برويس فأُصيب أولًا ببعض الجروح ثم أصابتهُ قنبلة قطعتهُ قسمين فسقط على الأرض فأرادوا حملهُ إلى أسفل الدارعة فأشار لهم أن يتركوهُ يفارق الحياة على ظهرها فتركوهُ. وبعد العشاء بيسير أصاب «الشرق» الدارعة الفرنساوية العظيمة احتراق تطرَّق إلى جارتها فبلغ ذلك الأميرال نلسون فطلب أن يحملوهُ إلى ظهر دارعتهِ ليشاهد ذلك فحملوهُ، فلما رأَى تلك المشاهد تأثر منها كثيرًا فأمر أن يسير أحد الضباط في سرب من العساكر لمساعدة الفرنساويين في إنقاذ دارعة «الشرق» من الحريق ولم ينجُ من رجالتها إلا بعضهم واشتد الحريق حتى رآهُ أهالي الإسكندرية ورشيد. وما زال الإطلاق متواصلًا والاضطراب متسلطًا حتى ظهيرة اليوم التالي وقد فاز الإنكليز فوزًا مبينًا.

وكان كليبر ورجالهُ في الإسكندرية أثناء المعركة في خوف واضطراب وكانوا جميعًا تحت السلاح. وفي الصباح وردت لهم الأخبار بانكسار العمارة الفرنساوية ثم وردت مكاتبة أخرى تفيد أن أسرى ومجاريح الفرنساويين محفوظون بكل إكرام عند الإنكليز، وأن في نية نلسون أن يبعث بهم إلى البر يقيمون في مستشفيات تحت معاينة بعض أطبائهِ. فلما وصل خبر انكسار الفرنساويين إلى رشيد والإسكندرية خافت جيوش الاحتلال وصغرت قيمتهم في أعين الوطنيين. واضطر الرشيديون إلى تواصل المخابرة مع الإسكندرانيين فأقاموا قافلة تنقل البرُد وفيها التحارير والرسائل والأخبار لأجل المفاوضة في أمر الدفاع إذا أراد الإنكليز محاربتهم. فكتب كليبر إلى بونابرت بواقعة الحال وما انتهت إليه العمارة الفرنساوية فوصلهُ الكتاب أثناءَ عودهِ من الصالحية كما مر بك أما العمارة الإنكليزية فأقلعت عن الإسكندرية.

عود

فسار بونابرت حتى أتى بلبيس فرأَى ضباطهُ وأركان حربهِ على المائدة صباحًا وهم فرحون بانتصارهم على المماليك في الصالحية غير عالمين بشيء من محاربة أبي قير فقال لهم ضاحكًا: «افرحوا ولتنشرح صدوركم واجتهدوا أن تعتادوا على هواء هذا الإقليم فاننا أصبحنا ولا مراكب لدينا تنقلنا إلى أوروبا» فاضطربت قلوبهم عند ذلك فطلب إليهم ألا يذيعوا الخبر ثم ساروا حتى وصلوا القاهرة مساء الخميس ٤ ربيع أول.

واليوم التالي كان يوم وفاء النيل (١٣ مسري) فأمر بونابرت أن يحتفل بفتح الخليج كالعادة فزينوا عدة غلايين ونادوا في الناس الخروج للنزهة في النيل والمقياس والروضة على عادتهم. وأرسل بونابرت أوراقًا رسمية إلى كخيا الباشا وإلى القاضي وأرباب الديوان وأصحاب المشورة وأرباب المناصب وغيرهم للحضور في صبحها وركب هو معهم في موكبهِ وزينتهِ وعساكرهِ وطبولهِ وزمورهِ إلى قنطرة السد، وكسروا الجسر بحضورهم وأطلقوا المدافع إطلاقًا متواليًا وأحرقوا النفوط حتى جرى الماءُ في الخليج ثم ركب وهم برفقتهِ حتى أتى إلى دارهُ. أما أهل المدينة فلم يخرج أحد منهم تلك الليلة للنزهة في المراكب كالعادة الاَّ الإفرنج والسوريون والقبط وقليلون غيرهم.

ثم جاءَ المولد النبويُّ ولم يكن في نية العلماء الاحتفال بهِ فاستفهم بونابرت عن سبب ذلك فاعتذر الشيخ البكري بتوقف الأحوال وتعطل الأمور وعدم إمكانهم القيام بما يقتضيهِ ذلك الاحتفال من النفقات. فقال بونابرت لا بد من الاحتفال كالعادة وصرف لهُ في الحال ثلثمائة ريال فرنساوي وأمر بتعليق قناديل وأحمال وتعاليق، واجتمع الفرنساويون يوم المولد ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم وأرسل بونابرت طبلخانتهُ الكبرى (الموسيقى) إلى بيت الشيخ البكري واستمروا يضربونها طول الليل والنهار بالبركة تحت دارهِ وأحرقوا أثناء الليل نفوطًا وشواريخ كثيرة، وفي ذلك اليوم أُلبس الشيخ خليل البكري فروة وتقلَّد نقابة الأشراف ونودي في المدينة بأن كل من كان لهُ دعوى على شريفٍ فليرفعها إلى النقيب.

ثم جاءَ يوم احتفال الفرنساويين بجمهوريتهم للسنة السابعة فاحتفلوا به غاية الاحتفال وشخصوا فيهِ حرب إمبابة وانكسار المماليك ونصبوا شجرة الحرية، فانبهج لها الوطنيون ولم يكونوا يفهمون المقصود منها. ثم أرسل بونابرت مندوبًا ينصب العلم الفرنساوي ذي الثلاثة ألوان على قمة أحد الأهرام العظمى وحفروا هناك أسماء الضباط الذي قتلوا في واقعة إمبابة.

وقد تقدم أن السيد محمد كريم بقي في الإسكندرية كما كان فيها قبل مجيء الفرنساويين. وقبل واقعة أبي قير بيسير عثر الفرنساويون على كتاب مرسل من محمد كريم المذكور إلى مراد بك يتواطأ معهُ على تسليم الإسكندرية فاستُحضر إلى القاهرة فحكم عليهِ أن يدفع ثلاثمائة ألف فرنك غرامةً على خيانتهِ، وأنهُ إذا لم يدفع المبلغ أثناء خمسة أيام يقطع رأسهُ فقال لهُ التراجمة: أنت رجل غني فافدِ نفسك بهذا المبلغ فتبسم وقال: «لا لا أدفع شيئًا لأني إذا قُدَِّرَ لي الموت لا يدفع الدفع مقدورًا واذا قدرت لى الحياة فأنا حيٌ بغير دفع.» ثم استُحضر وسئل عن تلك الخيانة فأنكر فأبرزوا لهُ التحرير فأُفحم فأرسلهُ بونابرت إلى شيخ البلد فطلب العلماءُ من بونابرت إلى أن يعفو عنهُ فأطلعهم على تحريرهِ وأصرَّ على قتلهِ وما انفك حتى أذاقهُ الموت وطوَّف رأسهُ بالمدينة مكتوبًا فيهِ: «هذا جزاء الخائن».

وفي ٢٠ منهُ استدعى بونابرت مشايخ القاهرة وعلماءَها إلى بيتهِ، فلما استقروا جلوسًا خرج ثم عاد وبيدهِ طيالسة ملونة بثلاثة ألوان كل طيلسان ثلاثة عروض أبيض وأحمر وكحلي، فوضع واحدًا منها على كتف الشيخ الشرقاوي رئيس الديوان فرمى بهِ إلى الأرض واستعفى وتغيَّر مزاجهُ وأخذ منهُ الغيظ مأخذًا عظيمًا. فقال الترجمان الذي كان مرافقًا لبونابرت: «يا مشايخ ما بالكم لا تزالون في نفرة من حضرة الصاري عسكر فقد صرتم من أحبَّائهِ وهو يقصد بإلباسكم هذهِ الطيالسة تعظيمكم وتشريفكم بزيهِ وعلامتهِ، فإنكم إذا تميزتم بها عظَّمتكم العساكر وأكثرت من احترامكم.» فقالوا: «لكنَّ قدرنا ينحط عند الله وعند إخواننا المسلمين.» فاغتاظ بونابرت وانتهر الشرقاوي قائلًا: إن مثلك لا يصلح للرئاسة. فنهض بقية الجماعة وجعلوا يلطفون من غضب بونابرت ويطلبون إليه أن يعفيهم مما أراد. فقال: إن لم يكن هذا فلا بد من وضع الجوكار في صدورهم. وهي العلامة التي يقال لها الوردة وقد تقدم ذكرها فقالوا: نرجوك الإمهال ريثما نتروى في الأمر وانصرفوا.

ثم استدعى بونابرت الشيخ السادات إليه فحضر فلاطفهُ في القول وأعرب لهُ عن محبتهُ لهُ (كل ذلك بواسطة الترجمان) ثم ناولهُ خاتمًا من الألماس هدية وطلب إليه أن يحضر في اليوم التالي فحضر فأتى لهُ فأتى لهُ بجوكار وعلقهُ بنرجيَّتهِ فسكت ولما انصرف نزعهُ. وفي ذلك اليوم نودي بالمدينة لوجوب نقل هذه العلامة وأنها هي علامة الطاعة والمحبة، فأنف الناس على أن بعضهم علم أنها لا تخلُّ بالدين وخشي العقاب فوضعها. ثم في العصر نادوا بعدم إعطائها إلَّا لبعض الأعيان أما الباقون فيضعونها إذا جاءُوا لمقابلة رسمية.

ومن الغريب أن نابوليون بونابرت مع شدة رغبتهِ في الاستيلاء على مصر وكثرة سهرهِ على ذلك لم يحسن التصرف بهِ كما كان يجب، فقد رأَيناهُ يصرح باحترامهِ الديانة الإسلامية وتأمين الأهالي على عوائدهم وأديانهم وأرزاقهم وأعراضهم، الأمر الذي استوجب عليهِ ثناءًَ طيبًا، إلا أننا لا نرى وجهًا يصوب ادعاءَهُ الإسلام ادعاءً لم يصدقهُ أحد من المصريين ولم يزدد الناس بسببهِ إلا حذرًا من الفرنساويين بناءً على أنهم لم يدَّعوا غير دينهم إلا تقربًا منهم لغرض في نفوسهم يحاولون الحصول عليهِ.

على أنهُ لو ادعى تلك الدعوى ثم تظاهر بما يثبتها لكان خيرًا وإنما رأيناه من الجهة الأخرى يأمر بالمساواة في الإرث بين الأنثى والذكر أمرًا يخالف نص القرآن الشريف مخالفة صريحة كما لا يخفى. وليس ذلك فقط فإنهُ تجاهل عن العوائد المشرقية وأراد أن يجعل الشعب المصري بعد ما قاساهُ في أيام المماليك أن يسير على خطوات الشعب الفرنساوي بعوائدهِ وشرائعهُ وأزيائهِ. فكانت العساكر الفرنساوية تدخل أحيانًا بيوت الهوانم اللواتي لم يكن يجسر الباشا بنفسهِ أن يدخلها. وسبب ذلك أن بونابرت أجاز لرجالهِ الدخول إلى بيوت النساء للتفتيش على أسلحة أو مخبآت أو أمور أخرى، ولا يخفى ما في ذلك من تنفير القلوب وكلٌّ منا يعلم أن الشرقي أشدُّ حرصًا على عرضهِ منهُ على حياتهِ. ناهيك عما كان يأتيهِ الجند الفرنساوي من الفواحش التي تأباها النفوس الشرقية، على أننا لا ننكر على هذا الرجل العظيم ما أدخلهُ بواسطة هذه الحملة من الإصلاح في أحوال الأمة المصرية صحيًّا وأدبيًّا وشرعيًّا، ولكنا لا نعجب بعد أن علمنا من تصرفهِ مثل ما قد علمنا إذا رأينا الأهالي بعيدين من الإخلاص لهُ رغمًا عن قرب الشعب المصري من الطاعة والانقياد. ولا غرو بعد هذا إذا رأيناهم يشتفون بمصائبهِ ويترقبون فرصة لشق عصا الطاعة وتفضيل سلطة المماليك على تمكنها من العسف والظلم لأنهم شركاؤهم بالدين وهو أكبر رابط بين المشارقة. وقد انخدع بونابرت بقبول العلماء الاجتماع في ديوان تحت حمايتهِ وما علم أن قبولهم ذلك وغيرهُ من مثلهِ إنما هو رغمًا عن إرادتهم وامتثالًا لقول القائل إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.

ومن الأمور المغايرة التي أتى بها الفرنساويون واستوجبوا من أجلها نفور الأهالي: زيادة الضرائب والاستبداد في تحصيلها، واستحداث القوانين على الموتى والضرائب على المواريث وعلى المسافرين من بلد إلى أخرى فتعطى لهم تذكرة مرور بثمنها، وإباحة بيع المسكر في الشوارع، وهدم بعض الجوامع والمنارات وتخريب بعض الترب تحت اسم الإصلاحات الصحية، وتكثير القلع والاستحكامات على التلال خارج القاهرة، وقطع أرزاق الأوقاف عن أهلها وتسليمها لغير المسلمين.

وفي خاتمة الجميع وردت للعلماء والمشايخ تحارير سرية من إبراهيم بك وأحمد باشا حاكم عكا في ٣ ربيع آخر مآلها أن جلالة السلطان قد أرسل قوة عسكرية ستصلهم قريبًا لإنقاذهم من نير الفرنساويين. وعلم بونابرت بذلك فجعل يجمع العلماء والفقهاء وأعيان البلاد ويخاطبهم محاولًا إقناعهم أن خطابات المماليك لهم كلها كذب ونفاق.

وفي ١٨ ربيع آخر استكتب بونابرت المشايخ كتابًا أرسل منهُ نسخة لجلالة السلطان ونسخة لشريف مكة وطبعوا منها عدة نسخ لصقوها بالشوارع جعلهُ عن لسان المشايخ يتكلمون عن أعمال الفرنساويين بمصر ومفادهُ:

«أن الفرنساويين قد قاتلوا المماليك وهزموهم وأنهم إنما أتوا مصر وتكبَّدوا ما تكبدوهُ في سبيل حبهم للباب العالي لأنهم من أخصاء جلالة مولانا السلطان وأعداء أعدائهِ، وأن السكة والخطبة لا تزالان باسمهِ وشعائر الإسلام قائمة على ما كانت عليهِ، وأنهم هم أنفسهم مسلمون يحترمون النبي والقرآن الشريف وأنهم أوصلوا الحجاج المتشتتين وأكرموهم وأركبوا الماشي منهم وأطعموا الجائع وسقوا الظمآن، واعتنوا بيوم الزينة يوم جبر البحر استجلابًا لسرور المؤمنين، وأنفقوا أموالًا برسم الصدقة على الفقراء، واعتنوا كذلك بالمولد النبوي وأنفقوا المال في شأن انتظامهِ وعلو شأنهِ، وأنهم قد اتفقوا رأْيًا على لبس الجناب الأكرم مصطفى أغاكخيا بكير باشا والي مصر حالًا، وأنهم (المشايخ) استحسنوا ذلك لبقاء علاقة الدولة العلية وأنهم مجتهدون في إتمام مهمات الحرمين وقد أمرونا أن نعلمكم بذلك والسلام.»

وأرسلوا من هذا التحرير نسخة إلى أحمد باشا والي عكا وأخرى إلى والي سوريا.

وفي أول جمادى الأولى سنة ١٢١٣هـ (٢١ أكتوبر/تشرين أول، سنة ١٧٩٨) حضر إلى الشيخ البكري جمٌّ غفير من أولاد المكاتب والفقهاء والعميان والمؤذنين وأرباب الوظائف والمستحقين من خدمة الأوقاف، وشكوا من قطع مرتباتهم وخبزهم لأن الأوقاف تعطل إيرادها واستولى على نظارتها من هم غير مسلمين، فوعدهم أنهم إذا قدموا شكواهم هذه إلى الديوان يساعدهم في تحصيل حقوقهم. وفي اليوم التالي اجتمع المشايخ في الجامع الأزهر وأرسلوا القراءَ يطوفون الأسواق ينادون المسلمين قائلين: «فليذهب كل من يوحد الله إلى الجامع الأزهر هذا هو يوم الجهاد في محاربة الكفار وأخذ الثأر.» فعج الناس وقفلوا حوانيتهم وتقلدوا أسلحتهم التي كانوا قد خبئوها في أماكن معلومة وساروا نحو الجامع أفواجًا يزاحم بعضهم بعضًا وفي مقدمتهم السيد بدر وبعض رعاع الحسينية ينادون بأعلى اصواتهم: «نصر الله دين الإسلام» وساروا توًّا إلى بيت قاضي العسكر فوجدوا هناك كثيرين آخرين ممن سبقوهم على شاكلتهم، فخاف القاضي وأغلق بابهُ وأوقف حجابهُ فضربوهم وحاول هو الهرب فأمسكوهُ. وكان قد توجه القسم الأعظم من الجماهير إلى الجامع الأزهر. ثم سارت فرقة منهم إلى بيت الجنرال كافارلي وفيهِ بعض الأدوات فنهبوهُ وأخربوهُ ولم يكن الجنرال فيهِ.

وكان الجنرال ديبوي قائمقام القاهرة مقيمًا عند بركة الفيل وشاهد في الصباح بعض الجماهير مارين في الأسواق فلم يعبأْ بحركاتهم وعند الظهيرة رأَى الجماهير قد تعاظمت والأسواق قد ازدحمت، فركب في جماعة وسار مسرعًا إلى بيت الشيخ الشرقاوي رئيس الديوان بقرب الغورية فلم يجدهُ، فسار شمالًا نحو بيت القاضي وكان يرى الجماهير تزداد والأصوات تتعاظم فمرًّ بين القصرين فرأَى هناك جمهورًا كبيرًا أوقفهُ عن المسير فيمن معهُ فكلمهم بواسطة الترجمان فلم يسمعوا، فأمر بالهجوم عليهم بالجنود التي برفقتهِ فرماهُ أحد الناس من أحد الشبابيك على عنقهِ بحربةٍ مشدودة برأس عمود فقطعت لهُ وعاءً دمويًا كبيرًا وكانت القاضية عليهِ.

وتعاظمت الجماهير على الخصوص في مركز القاهرة بجوار الجامع الأزهر، أما أهالي مصر القديمة وخط بركة الفيل فلم يتجرءوا على ذلك، وكانت الجيوش الفرنساوية على غير استعداد لمثل هذه الثورة وحصونهم على سفح المقطم والربى خارج القاهرة خالية من الجنود فلم يكونوا يستطيعون تهديد المدينة. وجعل الثائرون يطوفون الأسواق يقتلون المسيحيين على اختلاف نزعاتهم بين إفرنج وأقباط وسوريين ويونانيين وينهبون مساكنهم.

فلما اتصل ذلك ببونابرت ركب في ٣٠ من دواليلهِ وسار إلى أكثر الأماكن تعرضًا للنهب والسلب فانتعشت جنودهُ، فعهد قيادة المدينة إلى الجنرال بون وفرق الطوبجية حيث اجتمعت جماهير الثائرين. وفي اليوم التالي أصبح القوم واذا بسفح المقطم والربى خارج القاهرة مرصعة بالمدافع وقد أرسل بونابرت وفدًا إلى المشايخ يطلب إليهم أن يوقفوا الرعاع عن التجمهر فلم يفعلوا. وفي الساعة التاسعة (إفرنجية) من الصباح بلغ بونابرت أن بعض العربان قادمون إلى القاهرة يريدون الدخول إليها من باب النصر، فبعث أركان حربهِ سالكوسكي لينظر في أمر ذلك، فبينما كان مارًّا عند باب العدوي هجم عليهِ بعض الثائرين وقتلوهُ وكان يحبهُ بونابرت فأسف كثيرًا.

وبينما هم في ذلك وصل الجنرال كليبر بجيشهِ من الإسكندرية بعد ما شفي من جراحهِ فاشتد أزر الجنود الفرنساوية، وتألفوا على المحاربة بقلب واحد فقبضوا على جمهور عظيم من الثائرين بجهة الأزبكية. وفي الساعة الثالثة بعد الظهر أطلقت المدافع من الحصون خارج القاهرة على خط الجامع الأزهر حيث كان مركز الثورة وفيهِ زعماؤُها وما زال الضرب إلى المساء فاضطربت الأهالي ووقع في قلوبهم الرعب فأجمع المشايخ على التسليم، فركبوا خيولهم وساروا إلى بونابرت يطلبون الأمان، فانتهرهم على ما أتوهُ من سفك الدماء، ثم أَمَّنهم وأوقف الضرب، أما سكان خط حسين ومعظمهم من الجزارين فلم ينفكوا عن الضرب حتى فرغت جعبهم من البارود فهدءُوا.

فدخلت الجنود الفرنساوية المدينة وأخذوا في تسكين الناس وتفريق الجموع وفرقوا الخيالة في الأسواق للغفر، فأدخلوا خيولهم إلى الجامع الأزهر وكسروا قناديلهُ ومحوا ما كان مكتوبًا عليهِ من الآيات القرآنية. وفي يوم الثلاثاء ٤ جمادى الأولى خرج المسلمون للصلاة في الجامع الأزهر فإذا بالخيول تعج فيهِ عجيجًا. وفي صباح الأربعاء ٥ منهُ بعث المشايخ إلى بونابرت يلتمسون إخراج الخيول من الجامع فسألهم عن زعماءِ الثورة ومنشطيها فلم يجيبوهُ فرفض طلبهم. ثم تداخل محمد الجوهري من أعيان القاهرة وفضلائها في الأمر وكان ممَّن لازموا الحيادة فوافقهُ بونابرت على إخراج الخيالة من الجامع، على أن يجعل في ذلك الخط غفرًا من سبعين رجلًا. ثم سار إلى بونابرت جميع السوريين واليونانيين الذين نهبت بيوتهم بسبب الثورة وشكوا إليه خسائرهم. فعكف على الاقتصاص من زعماء الثورة. فجعل يقبض على الذين تقع عليهم الشبهة رجالًا ونساءً حتى قتل منهم ١٢ شيخًا دفعةً وجعل جثثهم في أكياس وألقاها في النيل وأخذ من ذلك الحين يستخدم الصرامة في معاملتِهِ المصريين، فمنع المشايخ من المباحثة في الديوان وحصر شغلهم في نشر المنشورات في الشعب لأجل تسكين الهيجان فسكن روع الشعب حسب الظاهر.

وفي ليلة السبت ٢٤ جمادى الأولى جاءَ إلى القاهرة هجَّان بكتابات من أحمد باشا الجزَّار وفيها فرمان عليهِ الطغراءُ العثمانية وكتابات أخرى من بكير باشا وإبراهيم بك وجميعها معنونة باسم مصطفى بك، فلما تناولها وقرأها لم يسعهُ من خوفهِ إلا أن يسلمها إلى بونابرت فترجمت لهُ وهاك ترجمتها بعد الاستهلال:

«إن الفرنساويين أبادهم الله وغشى أعلامهم غشاء العار لأنهم كفار معاندون قوم لا يؤمنون برسالة النبي () ويسخرون بجميع الأديان ويجحدون البعث وما قدرهُ الله فيهِ من الثواب والعقاب، وهم يعتقدون أن الصدفة العمياء هي المتسلطة على الحياة والموت وأن النفس مادة وأن الأجسام بعد انحلالها في الأرض لا تعود إلى الحياة ثانية ولا يلحقها حساب ولا دينونة، وبناءً على هذا الاعتقاد قد وضعوا أيديهم على هياكلهم وطردوا منها قسسهم ورهبانهم. وعندهم أن الكتب المنزلة ليست سوى خزعبلات وأكاذيب ملفقة، وأن القرآن والتوراة والإنجيل خرافات، وأن موسى وعيسى ومحمد رجال اعتياديون، وأن الناس جميعًا قد خلقوا سواء لا شيءَ يميِّز بعضهم من بعض، وأن كلًّا منهم لهُ أن يعتقد بما يخطر لهُ، وعلى هذه المعتقدات قد بنوا جميع أعمالهم ووضعوا شرائع جهنميَّة، وقد اهتزَّت أوروبا لإجراءاتهم هذه وسفكت في سبيل ذلك دماء غزيرة. وأنتم تعلمون ماذا تأمركم بهِ الديانة الإسلامية الشريفة، فعليكم الانتباه لملافاة ما يبثونهُ بينكم، لأن من غرضهم هدم مكة والمدينة وأورشليم وذبح كل من فيها من الناس إلا الأطفال واقتسام تركاتهم وأراضيهم، أما من يبقي منهم حيًّا فيجبرونهم على اتباع مبادئهم وتعلم لغتهم فتختفي الأسلامية من الأرض. فافهموا إذن ماذا تكون النتيجة إذا كان كل مسلم لا يحمل الإسلام ويجاهد ضد هؤلاءِ المعطلين، فانتبهوا إذن إلى الشراك التي نصبت لكم. والأسد لا يكترث بالثعالب كثر عددها أو قلَّ إلخ…»

فلما فهم بونابرت فحوى هذا الفرمان اجتهد أن يغرس في أذهان المشايخ أنها فتنٌ قد سعى بها أعداءُ الدولة والدين، وما زال حتى استكتبهم منشورًا ممضيًا منهم يفرقونهُ في البلاد ونصهُ بالحرف الواحد:

«نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ونبرأ إلى الله من الساعين في الأرض بالفساد. نعرف أهل مصر قاطبةً أنهُ حصل بعض الخلل في مدينة المحروسة من طرف الجعيدية وأشرار الناس فحركوا الشرور بين الرعية وعسكر الفرنساويين بعد أن كانوا أصحابًا واحبابًا، وترتب على ذلك قتل جملة من المسلمين ونهب بعض البيوت، ولكن بلطف الله سكنت الفتنة بسبب شفاعتنا عند أمير الجيوش بونابرت، وارتفعت هذه البلية لأنهُ رجل كامل العقل ذو رحمة وشفقة على المسلمين ومحبة إلى الفقراء والمساكين، ولولاه لكانت العساكر أحرقت جميع المدينة ونهبت جميع الأموال وقتلت كامل أهل مصر، فعليكم أن لا تثيروا الفتن ولا تطيعوا المفسدين ولا تسمعوا كلام المنافقين ولا تتبعوا الأشرار، ولا تكونوا مع الخاسرين سفهاء العقول الذين لا يفتكرون بالعواقب لكي تحفظوا أوطانكم وتطمئنوا على عيالكم وأديانكم، فإن الله سبحانهُ وتعالى يؤتي ملكهُ من يشاءُ ويحكم من يريد، ونخبركم أن كل من تسببوا في إثارة هذه الفتنة قُتلوا عن آخرهم وأراح الله منهم البلاد والعباد، ونصيحتنا لكم أن لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واشتغلوا بأسباب معايشكم وأمور دينكم وادفعوا الخراج الذي عليكم والدين النصيحة والسلام.»

وهذا المنشور ممضي من علماءِ مصر كافة طبعوهُ بالمطبعة التي أتت بها الحملة معها كما تقدم. ثم شاع بين الأهالي أمر الفرمان الذي ورد من جلالة السلطان فاضطربوا فأصدر المشايخ والعلماء منشورًا يبرئون بهِ الفرنساويين مما جاءَ بحقهم في ذلك الفرمان ونصُّهُ حرفيًّا:

«نصيحة من علماء الإسلام بمصر. نخبركم يا أهل المدائن والأمصار من المؤمنين ويا سكان الأرياف من العربان والفلاحين أن إبراهيم بك ومراد بك وبقية دولة المماليك أرسلوا عدَّة من المكاتبات والمخاطبات إلى سائر الأقاليم المصرية لأجل تحريك الفتنة بين المخلوقات، وادعوا أنها من حضرة مولانا السلطان ومن بعض وزرائهِ بالكذب والبهتان. وسبب ذلك أنهُ حصل لهم الغم الشديد والكرب الزائد واغتاظوا غيظًا شديدًا من علماء مصر ورعاياها حيث لم يوافقوهم على الخروج معهم وأن يتركوا عيالهم وأوطانهم، فأرادوا أن يوقعوا الفتنة والشرَّ بين الرعية والعسكر الفرنساويين لأجل خراب البلاد وهلاك كامل الرعية، وذلك لشدة ما حصل لهم من الكرب الزائد بذهاب دولتهم وحرمانهم من مملكة مصر المحمية. ولو كانوا في هذه الأوراق صادقين بأنها من حضرة سلطان السلاطين لأرسلها جهارًا مع أغوات معينين. ونخبركم أن الطائفة الفرنساوية بالخصوص عن بقية الطوائف الإفرنجية دائمًا يحبُّون المسلمين وملَّتهم ويبغضون المشركين وطبيعتهم، وهم أصحاب لمولانا السلطان قائمون بنصرتهِ وأصدقاء ملازمون لهُ لمودتهِ وعشرتهِ ومعونتهِ يحبون من والاهُ ويبغضون من عاداهُ. ولذلك بين الفرنساويين والموسكو غاية العداوة الشديدة ومن أجل هذا يعاونون حضرة السلطان على أخذ بلاد الموسكو إن شاءَ الله ولا يبقون منهم بقية. فننصحكم يا أهل الأقاليم المصرية أن لا تحركوا الفتن ولا الشرور بين البرية ولا تعارضوا العساكر الفرنساوية بشيء من أنواع الأذِيَّة فيحصل لكم الضرر والهلاك والبلية. ولا تسمعوا كلام المفسدين ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وإلَّا فتصبحوا على مافعلتم نادمين، وإنما عليكم دفع الخراج المطلوب منكم لكامل الملتزمين لتكونوا في أوطانكم سالمين وعلى عيالكم وأموالكم آمنين مطمئنين، لأن حضرة صاري عسكر الكبير أمير الجيوش بونابرت اتفق معنا على أنهُ لا ينازع أحدًا في دين الإسلام ولا يعارضنا فيما شرعهُ الله من الأحكام ويرفع عن الرعية سائر المظالم ويقتصر على أخذ الخراج ويزيل ما أحدثتهُ الظلمة من المغارم، فلا تعلقوا آمالكم بإبراهيم ومراد وارجعوا إلى مولاكم مالك الممالك وخالق العباد. فقد قال نبيُّهُ ورسولهُ الأكرم: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها بين الأمم. عليهِ أفضل الصلاة، والسلام ختام.»

ولصقوا نسخًا من هذين المنشورين في أسواق القاهرة وفرقوا منها في سائر بلاد القطر. وأقام بونابرت على القاهرة الجنرال استنك عوضًا من ديبوي الذي تقدم أنهُ قتل. ثم سعى إلى تحصين مداخل القطر المصري؛ الإسكندرية ورشيد ودمياط فحصنها تحصينًا منيعًا. وجعل في القاهرة وضواحيها استحكامات تمنع ثورة الأهالي مرة أخرى. وأنشأ في القاهرة مطاحن هواء ومطاحن ماء لأجل طحن الحنطة. وجعل في الروضة مستشفى (اسبيتالية) يسع خمسمائة مريضًا.

ثم جعل مطاحن ومستشفيات أيضًا في الإسكندرية ورشيد ودمياط، وأُنشئَ في القاهرة إذ ذاك مدرسة لتعليم الأولاد الفرنساويين المولودين في مصر وجريدتان فرنساويتان الواحدة تدعى «دكاد اجبسيان» والأخرى «كوريه ديجيبت» ومرسح للتشخيص، ومعامل للأقفال والأسلحة والنجارة ومعامل أُخرى للمدافع وتوابعها وآلات الهندسة والورق والأقمشة وسائر احتياجات البلاد. واستُحدث فيها أيضًا أماكن للَّهو وحدائق للنزهة، وبالنتيجة أن الجيش الفرنساوي لم يكن ينقصهُ من داعيات الراحة إلا البريد، وأنشئُوا مجمعًا علميًّا مصريًّا (انستيتي ديجيبت).

وكان بونابرت لا يتقاعد مطلقًا عن إجراء كل ما فيهِ راحة جيشهِ ورفاهية البلاد. فسكنت الأحوال مدة شهرين تمكن الفرنساويون أثناءَها من إجراء بعض الإصلاحات في المدينة فردموا ما جاور بركة الأزبكية والأماكن المجاورة لمسكن بونابرت فجعلوها رحبة واسعة. وجددوا قنطرة المغربي وبنوا جسرًا ممهدًّا ممتدًّا من الأزبكية إلى بولاق حيث ينقسم إلى فرعين يسير أحدهما إلى طريق أبي العلا والآخر إلى جهة التبانة وضفة النيل. وجعلوا إلى جانبي ذلك الجسر خندقين وغرسوا على جانبيهِ أشجارًا وسيسبانًا. وأحدثوا طريقًا آخر فيما بين باب الحديد وباب العدوي عند المكان المعروف بالشيخ شعيب، ومهَّدوا جسرًا آخر ممتدًّا من هناك إلى خارج الحسينية، وأزالوا ما يتخلل ذلك من الأبنية وهدموا الأبنية التي بين باب الحديد والرحبة التي بظاهر جامع المقس ومهَّدوا الأرض بينهما. وفعلوا كل ذلك دون أن يسخروا أحدًا بل كانوا يدفعون الأجور زيادة عن الاستحقاق. وجعلوا جامع الظاهر خارج الحسينية على طريق العباسية قلعةً ومنارتهُ برجًا فصار يعرف بقلعة الظاهر. وبنوا أماكن للأرصاد الفلكية والرياضيات والنقش والرسم والتصوير في حارة الناصرية حيث الدرب الجديد فإنهم رمَّموا ما فيهِ من بيوت الأمراء واستخدموها لتلك الغاية، وجعلوا بيت حسن كاشف جركس في تلك الخطة مكتبة للمطالعة يحضرها من يريد المطالعة منهم في أوقات معينة من النهار، وإذا دخلها أحد الوطنيين كانوا يتأهلون بهِ وإذا أراد التفرُّج أطلعوهُ على ما أراد أو المطالعة سلموهُ ما أراد من الكتب ولا سيما التي تبهج البسطاءَ بما فيها من الرسوم البديعة وفي جملتها رسمٌ للنبي () ورسوم أخرى للخلفاء الراشدين وغيرهم من الأئمة والأماكن المهمة. وكان في مكتبتهم هذه كتب كثيرة عربية. وأفردوا لكل علم من العلوم دارًا مخصوصةً ولا سيما علم الكيمياء فإنهم جعلوا لهُ معملًا كبيرًا للتقطير والتصعيد واستحضار الخلاصات وسائر الأعمال العقارية، وكانوا يجرون أمام الأهالي بعض التجارب الكيماوية التي كانوا ينبهرون لها، وقد ذكر المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي بعض تلك التجارب وأظهر انذهالهُ منها. وأفردوا أيضًا أماكن للتجارة والصناعة وطواحين هوائية واستخدموا العربات. وقرروا إطلاق مدفع كل يوم عند الزوال.

وفي ١٦ رجب سنة ١٢١٣هـ (٢٥ دسمبر/كانون أول، سنة ١٧٩٨م) أمر بونابرت بترتيب الديوان على نظام جديد فانتخب ستين رجلًا يتألف منهم الديوان العمومي وانتقى منهم أربعة عشر يتألف منهم الديوان الخصوصي أو الديوان الدائِم لأنهُ كان يجتمع كل يوم، أما الديوان العمومي فيجتمع عند اللزوم. وهذهِ أسماء أعضاء الديوان الخصوصي. من المشايخ: الشرقاوي والمهدي والصاوي والبكري والفيومي. ومن التجار: المحروقي وأحمد بن محرم. ومن القبط: لطف الله المصري. ومن السوريين: يوسف فرحات ومخائيل كحيل وواحد إنكليزي وآخر يدعى أبا ديف وواحد فرنساوي يدعى موسى كافور وجعل معهم وكلاء ومباشرين فرنساويين وتراجمة. أما الديوان العمومي فجعل فيهِ من مشايخ الحرف وغيرهم، وكتب بذلك منشورًا أرسلهُ إلى الأعيان ولصق منهُ نسخًا في الأسواق ونصهُ:

«من بونابرت أمير الجيوش الفرنساوية خطابًا إلى جميع أهل مصر الخاص والعام. نعلمكم أن بعض الناس الضالين العقول الخالين من المعرفة وإدراك العواقب أوقعوا الفتنة سابقًا بين أهل مصر فأهلكهم الله بسبب فعلهم ونيتهم القبيحة، والباري سبحانهُ وتعالى أمرني بالشفقة والرحمة للعباد فامتثلت أمرهُ وصرت رحيمًا بكم شفوقًا عليكم. ولكن كان حصل عندي غيظ وغم شديد بسبب تحريك هذه الفتنة بينكم، ولأجل ذلك أبطلت الديوان الذي كنت رتبتهُ لنظام البلد وإصلاح أحوالكم من مدة شهرين، والآن توجه خاطرنا إلى ترتيب الديوان كما كان لأن حسن أحوالكم ومعاملتكم في المدة المذكورة أنسانا ذنوب الأشرار وأهل الفتنة التي وقعت سابقًا.

فيا أيها العلماءُ والأشراف أعلموا أمتكم ومعاشر رعيتكم بأن الذي يعاديني ويخاصمني إنما خصامهُ من ضلال عقلهِ وفساد فكرهِ، فلا يجد مخلصًا ولا ملجأ ينجيهِ مني في هذا العالم ولا ينجو من يد الله لمعارضتهِ مقاديرهُ سبحانهُ وتعالى. والعاقل يعرف أن ما فعلناهُ بتقدير الله تعالى وإرادتهِ وقضائهِ ومن يشك في ذلك فهو أحمق وأعمى البصيرة. وأعلموا أيضًا أمتكم أن الله قدَّر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي. وقدَّر في الأزل أن أَجيء من أرض المغرب إلى أرض مصر لإهلاك الذين ظلموا فيها وإجراء الأمر الذي أُمرت بهِ. ولا يشك العاقل أن هذا كلهُ بتقدير الله وإرادتهِ وقضائهِ. وأعلموا أيضًا أمتكم أن القرآن العظيم صرَّح في آيات كثيرة بوقوع الذي حصل وأشار في آيات أخرى إلى أمور أخرى تقع في المستقبل، وكلام الله في كتابهِ صدق وحق لا يختلف. وإذا تقرر هذا وثبتت هذه المقالات في آذانكم فلترجع أمتكم جميعًا إلى صفاءِ النية وإخلاص الطوية فإن منهم من يمتنع من لعني وإظهار عداوتي خوفًا من سلاحي وشدة سطوتي. ولم يعلم أن الله مطلع على السرائر يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والذي يفعل ذلك يكون معارضًا لأحكام الله ومنافقًا وعليهِ اللعنة والنقمة من الله علام الغيوب. واعلموا أيضًا أني قادر على إظهار ما في نفس كل منكم لأنني أعرف أحوال الشخص وما انطوى عليهِ بمجرَّد نظري إليه وإن كنت لا أتكلم ولا أنطق بالذي عندهُ ولكن يأتي وقت ويوم يظهر لكم عيانًا ويتضح أن ما فعلتهُ وحكمت بهِ هو حكم إلهي لا يرد. وأن اجتهاد الإنسان بغاية جهدهِ لا يمنعهُ عن قضاء الله الذي قدَّرهُ وأجراهُ على يدي فطوبى للذين يسارعون في اتحادهم وهمتهم مع صفاء النية وإخلاص السريرة، والسلام.»

ورتب لأرباب الديوان الدائم راتبًا يدفع لهم نظير تقييدهم بمصالح العَّامة والدعاوي.

وفي ذلك اليوم (١٦ رجب) بارح بونابرت القاهرة في سرب من رجال معيتهِ وبعض المهندسين قاصدًا برزخ السويس لاستطلاع آثار الترعة التي كانت قد حفرت قديمًا بين البحر المتوسط والنيل فوصل السويس في ١٨ منهُ، وفي ٢١ منهُ قطع البحر الأحمر حتى أتى آبار موسى فجعل يتأمل ويتذكر ما قيل عنها من المعجزات، وفي اليوم عينهِ عاد بمن معهُ قاصدًا السويس خوضًا في البحر على مثل ما فعل موسى، فأخطئُوا الطريق حتى كادت المياه تغمر خيولهم، وبعد المشقة وصلوا السويس في أوائل الليل، وفي الصباح التالي أتمَّ بونابرت استطلاعاتهِ ثم بارح السويس قاصدًا القاهرة فمر ببلبيس فاستولى عليها وسار منها حتى أتى القاهرة في ٢٥ منهُ (في ٣ يناير سنة ١٧٩٩).

وفي يوم وصولهِ لاقاهُ الجنرال كليبر قادمًا من الإسكندرية ومعهُ تحارير وجرائد واردة من فرنسا وغيرها تنبئ بتغيير خاطر الباب العالي على الجمهورية الفرنساوية لافتتاحها مصر واستقلالها بأحكامها. فلندع بونابرت يطالع تحاريرهُ وجرائدهُ ولنلتفت إلى الجنرال ديزه وحملتهِ إلى الصعيد بعد واقعة إمبابة.

لما عدَّى الجيش الفرنساوي إلى البر الشرقي ودخل القاهرة بعد واقعة إمبابة عهد بونابرت إلى الجنرال ديزه أن يسير في حملة لتعقب المماليك وإخضاع الصعيد. فسار في ١٦ محرَّم سنة ١٢١٣هـ حتى أتى بني سويف فلاقاهُ مراد بك برجالهِ وطال الحرب بينهما وكثر الأخذ والرد وانتهت المواقع بتقهقر المماليك وإمعانهم في داخلية الصعيد.

وفي ١٣ جمادى الآخرة بارح الجنرال ديزه بني سويف فأتى المنيا في ١٨ منهُ وتربَّص هناك ينتظر الدوارع القادمة على النيل لمعاضدتهِ فتأخر وصولها بسبب الريح المعاكسة لسيرها. ثم سار من المنيا وما زال يتعقَّب مراد بك وأتباعهُ حتى أتى أسوان في البر الغربي فعسكر هناك. وكان كلَّما مرَّ بأثر من الآثار المصرية القديمة حفر عليهِ اسمهُ وأسماءَ المدن التي افتتحها. وقد شاهدتُ مثل هذه الكتابة على جانبي باب من أبواب هيكل الكرنك بجوار الأقصر. واستطلع ديزه أخبار العدو في أسوان فعلم أنهُ معسكر فوق الشلال الأول بمسافة قصيرة فاحتل جزيرة فيلوي وحصّن أسوان لدفاع المماليك إذا قدموا إليها لأنهُ لم يرَ فائدة من تتبعهم إلى وراء ذلك، وقد حفر على صخر فوق الشلال جميع فتوحاتهِ على مثل ما تقدم. وهناك آخر ما وصلهُ الفرنساويون في حملة بونابرت. ولم يكد يتم ديزه تحصين أسوان حتى سمع باحتلال ألفي بك جهات طيبة فسار إليه وما زال حتى هزمهُ. فأذعنت بلاد الصعيد وهدأت أحوالها.

أما بونابرت فإنهُ علم من مطالعة تلك الجرائد ومن قرائن أخرى أن الدولة العلية سعت إلى استرجاع مصر من الفرنساويين، فبعثت بمنشورات رسمية إلى سائر بلادها طعنًا بالجمهورية الفرنساوية وبعثت إلى أحمد باشا الجزار والى عكا أن يبعث جيشًا لاحتلال العريش ففعل، فبعث إليه بونابرت أن يخلي تلك المدينة لأنها من حدود مصر فلم يطعهُ، فأمر بإعداد حملة يسير بها ليس للمدافعة عن مصر فقط وإنما لافتتاح سوريا أيضًا. فأعدَّ حملةً من اثني عشر ألفًا بينها ألف ومائتان من الطبجية وسار قاصدًا سوريا بعد أن عهد قيادة القاهرة إلى الجنرال دوغا وقيادة الصعيد إلى الجنرال ديزه وقيادة الإسكندرية إلى الجنرال مرمون وأمر بتحصين دمياط. وجعل في تلك الحملة بعضًا من مشايخ القاهرة وفي ٢١ شعبان أصدر منشورًا مطبوعًا فرقهُ في الأهالي وهاك نصهُ بالحرف الواحد:

«الحمد لله وحدهُ. هذا خطاب إلى جميع أهل مصر من خاص وعام من محفل الديوان الخصوصي من عقلاء الأنام وعلماءِ الإسلام والوجاقات والتجار الفخام.

نعلمكم معاشر أهل مصر أن حضرة صاري عسكر الكبير بونابرت أمير الجيوش الفرنساوية صفح الصفح الكامل عن كل الناس والرعية بسبب ما حصل من أراذل الناس من أهل البلد والجعيدية من الفتنة والشر مع العساكر الفرنساوية وعفا عفوًا شاملًا، وأعاد الديوان الخصوصي في بيت قائد أغا بالأزبكية ورتبهُ من الأربعة عشر شخصًا أصحاب معرفة وإتقان انتخبوا بالقرعة من ٦٠ رجلًا حصل انتخابهم بموجب فرمان، وذلك لأجل قضاءِ مصالح الرعايا وحصول الراحة لأهل مصر من خاص وعام وتنظيمها على أكمل نظام وإحكام. كل ذلك من كمال عقلهِ وحسن تدبيرهِ ومزيد حبهِ لمصر وشفقتهِ على سكانها من صغير القوم حتى كبيرهم، ورتبهم بالمنزل المذكور كل يوم لأجل خلاص المظلوم من الظالم، وقد اقتصَّ من عسكرهِ الذين أساءوا بمنزل الشيخ محمد الجوهري وقتل منهم اثنين في قرة ميدان، وأنزل طائفة منهم عن مقامهم العالي إلى أدنى مقام لأن الخيانة ليست من عادة الفرنساويين خصوصًا مع النساء والأرامل فإن ذلك قبيحٌ عندهم لا يفعلهُ إلا كل خسيس. وقبض بالقلعة على رجلِ نصراني مكَّاس لأنهُ بلغهُ أنهُ زاد المظالم في الجمرك بمصر القديمة على الناس، ففعل ذلك بحسن تدبيرهِ ليمتنع غيرهُ من المظالم ومرادهُ رفع الظلم عن كامل الخلق، ودائمًا يفكر في فتح الخليج الموصل من بحر النيل إلى بحر السويس لتخف أجرة الحمل من مصر إلى قطر الحجاز وتحفظ البضائع من اللصوص وقطَّاع الطرق وتكثر عليهم أسباب التجارة من الهند واليمن وكل فجٍ عميق. فاشتغلوا في أمر دينكم وأسباب دنياكم واتركوا الفتنة والشرور ولا تطيعوا شيطانكم وهواكم، وعليكم بالرضى بقضاءِ الله وحسن الاستقامة لأجل خلاصكم من أسباب العطب والوقوع في الندامة، رزقنا الله وإياكم التوفيق والتسليم. ومن كان لهُ حاجة فليأت الديوان بقلب سليم، إلا من كان لهُ دعوى شرعية فيتوجه إلى قاضي العسكر المتولي بمصر المحميَّة بخط السكرية، والسلام على أفضل الرسل إلى الدوام.»

وفي ٢٥ شعبان (أول فبراير/شباط، سنة ١٧٩٩م) سار الجنرال كليبر والجنرال رينر في مقدمة الحملة نحو العريش وفي ٥ رمضان أو ١٠ فبراير (شباط) سافر بونابرت بمن بقي منها. وكان على العريش قاسم بك من قبل الجزار وقد عسكر خارج المدينة. ففي صباح ٨ منهُ كانت مقدمة الفرنساويين على مقربة من معسكر قاسم وفي المساء هاجموهُ بغتة فقتلوهُ وشتتوا جيشهُ واستولوا على جميع الذخائر والمهمات وساروا نحو المدينة. أما بونابرت فوصل الصالحية في ٧ منهُ وفي ١١ منهُ وصل المسعودية فطلعت ريح شديدة كانت تنسف عليهِ وعلى رجالهِ الرمال أحمالًا، وكانت المياهُ قليلة فعطشت العساكر عطشًا عظيمًا فعسكر هناك وبعث الخبراءَ يستطلعون خطوات كليبر وجهة مسيره فعادوا وأخبروهُ فنهض وما زال حتى أتى العريش في ١٢ رمضان، فإذا بكليبر قد حاصرها وامتنع عليهِ فتحها لقلة الطبجية ونفاد المؤن. فلما وصل بونابرت أرسل إلى حامية العريش كتابًا يطلب إليهم التسليم ويتهددهم فسلموا بعد بضعة أيام فدخل الفرنساويون العريش وأمّنُوا أهلها على حياتهم وقبضوا على خمسة كشاف كانوا هناك من قبل المماليك وأرسلوهم إلى القاهرة تحت الحجز، ثم جعلوا في العريش حامية وساروا إلى غزة فاستولوا عليها بغير قتال وجعلوا فيها حامية وديوانًا وطنيًّا لتنظيم الأحوال.

وفي ٢٣ رمضان سنة ١٢١٣هـ (٢٨ فبراير/شباط، سنة ١٧٩٩م) ساروا إلى يافا فلما وصلوها أمر بونابرت الجنرال كليبر أن يتقدم في فرقتهِ إلى عكا ففعل. وكانت حامية يافا أخلاطًا منها الأتراك والمغاربة والأرناءوط والأكراد فلم يرَ بونابرت محاصرتها، فأمر بالهجوم عليها في ٢٧ منهُ ٤(مارس/آذار) فهجم الفرنساويون عليها وما زالوا حتى خرقوا الأسوار ودخلوها ففرَّت الحامية فتتبعوها وقد تحصَّنت في بعض الخانات الكبيرة فألحُّوا عليها، فقال الأرناوط ومنهم تتألف معظم الحامية: «نحن نسلم لكم أنفسنا إذا أمنتمونا على حياتنا.» وكان على قيادة الهاجمين من الفرنساويين أحد أركان حرب بونابرت فوعدهم بالأمان فسلموا فقادهم موثقين وعددهم نحو أربعة آلاف حتى أتى بهم المعسكر الفرنساوي، فلما رآهم بونابرت قال للقادم إليه: ما هذهِ الجماهير؟ قال: هي حامية هذه المدينة قد سلمت وجئنا بها اليك. قال: «وماذا تريدون أن أفعل بهذا العدد؟ أعندكم زاد يكفيهم أو مراكب تنقلهم إلى مصر أو فرنسا؟ وإذا ارسلناهم في البر فمن يتولى غفارتهم.» فأجابهُ قائلًا: «إننا قد قبلنا استئثارهم حجبًا للدماء.» فقال بونابرت: «نعم يجب أن تفعلوا ذلك ولكن مع الأطفال والنساء والشيوخ وليس مع مثل هذا القدر من الرجال الأشداء المجندين.» ثم أمرهم بالجلوس مكتوفي الأيدي أمام المعسكر. وفي اليوم التالي فرقوا فيهم شيئًا من البقسماط الجاف والماءِ.

ثم عقد بونابرت مجلسًا في خيمتهِ للمفاوضة فيماذا يجب أن يفعل بهؤلاءِ الأسرى وبعد الاجتماع عدةَّ جلسات لم يقروُّا على شيء، فانزعج بونابرت لكثرة التردد في الأمر وبعد الافتكار والتأمل رأَى أنهُ لا يستطيع استبقاءَهم معهُ لعدم وجود ما يكفيهم من الزاد ولا إرسالهم إلى مصر لعدم استغنائهِ عن رجال يسيرون لغفارتهم ولا إطلاق سبيلهم لئلا يرتدون عليهِ فأقر على إعدامهم. وفي ٤ شوال (١٠ مارس/آذار، سنة ٩٩) بعد الظهيرة قادوهم مكتوفين إلى صحراء رملية خارج يافا ثم جعلوهم فرقًا قادوا كلًّا منها إلى ناحية وقتلوا الجميع بالرصاص قتلًا ما أنزل الله بهِ من سلطان، فلما بلغت هذه الفعلة مسامع الجزَّار ورجالهِ في عكا أصرُّوا على الدفاع إلى آخر نسمة من حياتهم لئلا يصيبهم إذا سلموا ما أصاب أولئك.

ولما استلم بونابرت يافا أمر بترميم حصونها وبعث إلى الإسكندرية يأمر العمارة الباقية هناك أن توافيهِ إلى يافا. ثم فشا الطاعون في يافا وضواحيها لفساد الهواء من الجثث التي ملأَّت تلك الجهات. ثم كتب بونابرت إلى جند بيت المقدس يطلب إليهم التسليم فأجابوا أنهم تابعون لولاية عكا وحالما تسلم عكا يسلمون. ثم كتب إلى القاهرة منشورًا باستيلائهِ على يافا وكان قد أرسل مثل هذا المنشور عندما استولى على العريش وغزَّة ولنذكر هنا منشورهُ من يافا فقط على سبيل النموذج وفيهِ تفصيل ماتقدم عن فتح يافا وهاك نصُّهُ بالحرف الواحد:

«بسم الله الرحمن الرحيم سبحان مالك الملك يفعل في ملكهِ ما يريد. هذهِ صورة تمليك الله سبحانهُ وتعالى جمهور الفرنساويين لبندر يافا من الأقطار الشامية. نعرف أهل مصر وأقاليمها أن العساكر الفرنساوية انتقلوا من غزة ثالث وعشرين شهر رمضان ووصلوا الرملة في ٢٥ منهُ في أمن واطمئنان وشاهدوا عسكر أحمد باشا الجزَّار هاربين بسرعة قائلين الفرار الفرار، ووجدوا في الرملة ومدينة اللد مقدارًا كبيرًا من مخازن البقسماط والشعير، ووجدوا أيضًا ١٥٠٠ قربة مجهزة جهزها الجزَّار ليسير بها إلى إقليم مصر مسكن الفقراءِ والمساكين ومرادهُ التوجه إليها مع العربان الأشرار من سفح الجبل، ولكن تقادير الله تفسد المكر والحيل وما كان قصدهُ سوى سفك الدماء مثل عادتهِ في أهل الشام وناهيكم ما هو مشهورٌ عنهُ من التجبر والظلم والجور فإنهُ تربية المماليك الظلمة المصريين وفاتهُ أن الأمر لله وكل شيء بقضائهِ وتدبيرهِ.

وفي السادس والعشرين حلَّت طلائع الفرنساويين ببندر يافا من الأراضي الشامية وأحاطوا بها وحاصروها من الجهة الشرقية والغربية وأرسلوا إلى حاكمها وكيل الجزَّار أن يسلمهم القلعة قبل أن يحل بهم وبعسكرهم الدمار، ولكنهً لخشونة عقلهِ وفساد رأيهِ وسوءِ تدبيرهِ لم يرد وفي ذلك اليوم أي ٢٦ من شهر رمضان تكامل العسكر الفرنساوي على محاصرة يافا وانقسم ثلاث فرق توجَّهت فرقة منهنَّ على طريق عكا على مسافة أربع ساعات من يافا وفي ٢٧ أمر حضرة صاري عسكر الكبير بحفر خنادق حول السور لعمل متاريس متينة واستحكامات حصينة إذ عرف أن سور يافا ملآن بالمدافع الكثيرة مشحون بعساكر الجزًّار الوفيرة.

وفي ٢٩ ناهز حفر الخنادق النهاية وصار على مسافة ١٥٠ خطوة في السور فأمر صاري عسكر أن تنصب المدافع على المتاريس وأن توضع أهوان القنابر بإحكام وتأسيس، وأمر بنصب مدافع أخرى بجانب البحر لمنع الصلة بين عسكر البرّ والمراكب التي أعدهَّها عسكر الجزًّار في المينا للهرب والفرار. ولما رأى عسكر الجزَّار المحاصرون في القلعة أن عديد الفرنساويين قليل غرَّهم الطمع فخرجوا إليهم من القلعة مسرعين ظنَّا منهم أنهم يغلبون على الفرنساويين، فهجم عليهم الفرنسيون وقتلوا منهم كثيرين وأجبروهم على الدخول إلى القلعة ثانية.

وفي يوم الخميس غاية شهر رمضان أشفق حضرة صاري عسكر وخاف على أهل يافا إذا دخلت عساكرهُ بالقهر والقوة، فأرسل إليهم مع رسول خطابًا وهذا مضمونهُ «لا اله إلا الله وحدهُ ولا شريك لهُ. بسم الله الرحمن الرحيم. من حضرة صاري عسكر برتبة كتخدا العسكر الفرنساوي إلى حضرة حاكم يافا. نخبركم أن حضرة صاري عسكر الكبير بونابرت أمرنا أن نعرفكم في هذا الكتاب أن سبب مجيئهِ إلى هذا الطرف هو إخراج عسكر الجزَّار فقط من هذا البلد لأنهُ تعدَّى بإرسال عسكرهِ إلى العريش ومرابطتهِ فيها، والحال أنها من إقليم مصر التي أنعم الله بها علينا، فلا تجوز لهُ الإقامة بالعريش لأنها ليست من أرضهِ فقد تعدَّى على ملك غيرهِ، ونعرفكم يا أهل يافا أننا حصرنا بندركم من جميع أطرافهِ وجهاتهِ وضيقنا عليهِ بآلات الحرب والحصار والمدافع الكثيرة والكلل والقنابر وفي برهة ساعتين يخرب سوركم وتبطل آلات حربكم، ونخبركم أن حضرة صاري عسكر لمزيد رحمتهِ وحنوهِ خاف عليكم من سطوة عساكرهِ المحاربين فإنهم إذا دخلوا عليكم بالقوة والقهر أهلكوكم جميعًا، ولذلك أمرنا أن نرسل إليكم هذا الخطاب تأمينًا لأهل البلد ولا سيما الضعفاء والفقراء والغرباء وأن نؤخر ضرب المدافع وإطلاق القنابر ساعة واحدة، وإني لكم لمن الناصحين وهذا آخر خطاب بيننا.» فجعلوا جوابنا حبس الرسول مخالفين بذلك الشريعة المطهرة المحمدية والقوانين الحربية. فتميز صاري عسكر من الغيظ وهاج واشتد غضبهُ وأمر بإطلاق المدافع والقنابر. ولم يمضِ إلَّا اليسير حتى خرست مدافع يافا وانقلب عسكر الجزَّار في وبال وخسران وعند الظهر انخرق سور يافا وارتج لهُ القوم ونقب من الجهة التي ضربت منها المدافع ولا مرد لقضاء الله ولا مدافع. وفي الحال أمر حضرة صاري عسكر بالهجوم وفي أقل من ساعة ملكت العساكر الفرنساوية جميع البندر والأبراج ودار السيف في المحاربين وحمي الوطيس وكثر القتل.

وفي يوم الجمعة غرة شوال وقع الصفح الجميل من حضرة صاري عسكر الكبير ورقَّ قلبهُ لا سيما على من كان في يافا من أهل مصر، فأعطاهم الأمان وأمرهم بالعود إلى الأوطان، وكذلك أمر أهل دمشق وحلب بالرجوع إلى بلادهم ليعرفوا مقدار رحمتهِ ومزيد رأفتهِ. وقتل في هذه الوقعة أكثر من ٤٠٠٠ من عسكر الجزار بالسيف. أما الفرنساويون فلم يقتل منهم إلَّا القليل وسبب ذلك أن سلوكهم إلى القلعة كان في طريقة أمينة خافية عن العيون وأخذوا ذخائر كثيرة وأموالًا غزيرة واستولوا على المراكب التي في المينا ووجدوا في القلعة نيفًا وثمانين مدفعًا، وقد فات الجزار وعساكرهِ أن الآت الحرب لا تدفع مقادير الله. فاستقيموا عبادهُ وارضوا بقضاء الله ولا تعترضوا على أحكام الله وعليكم بتقوى الله واعلموا أن الملك لله يؤْتيهِ من يشاء، والسلام عليكم ورحمة الله.»

ثم سار بونابرت برجالهِ قاصدًا عكا تاركًا في يافا حامية كافية فقابلهُ في الطريق بعض العصاة من المماليك فحصلت بينهما مناوشة شفَّت عن فرار المماليك، فواصل السير حتى أتى سفح الكرمل وإذا بعكا قد تحصنت تحصنًا منيعًا بهمة واليها أحمد باشا الجزار وهو الرجل الوحيد الذي كان يعتمد عليهِ الباب العالي في حماية سوريا. فعبروا النهر وعسكروا في البر الآخر. وفي ٢ شوال صعد بونابرت إلى رابية وجعل يتأمل حصون عكا مستعينًا بالنظارة المكبرة، ثم أمر أن يسير بعض العساكر إلى المدينة وكانت فيها عمارة إنكليزية تحت قيادة السير سدني سميث قد زادت الجزار تمسكًا بالدفاع. ففي اليوم التالي استطلعوا الحصون واستكشفوا قوات العدو. وفي ١٤ شوال (أو ٢٠ مارس/آذار) بدءُوا بالمحاربة وكانت الدوارع الإنكليزية تساعد الجزار في البحر وقد أظهر هذا الرجل بسالة عظيمة، لكنهُ اضطر أخيرًا إلى استنجاد قوات صيدا ودمشق وحلب.

أما بونابرت فأبقى الحصار على عكا وحوَّل شكيمة فتوحاتهِ نحو أماكن أخرى من سوريا، فأرسل فرقًا استولت على صفد وصور وطبريا وأماكن أخرى وأتوا منها بمؤن كثيرة. وبعد يسير وصلت الدوارع الفرنساوية من الإسكندرية ومعها المدافع والمؤن. وفي ٤ ذي القعدة سنة ١٢١٣هـ (٩ أبريل/نيسان، سنة ١٧٩٩م) قتل الجنرال كافارلي.

وفي ٥ ذي الحجة (٩ مايو/أيار) وهو اليوم الخمسون لحصار عكا أقرَّ بونابرت على الهجوم النهائي فهجموا عليها هجمة اليأس بقلوب لا تهاب الموت، ولم تكن عكا لتقف في طريقهم لولا العمارة الإنكليزية فإنها هي التي أخرت الفتح بدفاعها عنها بالبر والبحر. ثم جاءَتهم نجدة من الأستانة تحت قيادة حسن بك فازداد المدافعون قوَّة ومضى ذلك اليوم ولم ينل الفرنساويون شيئًا. وفي اليوم التالي هجموا هجمة أخرى لم ينبهم منها إلًّا التقهقر لأنهم صادفوا مقاومة قوية قتل فيها الجنرال بون. فيئس بونابرت من حبوط مساعيهِ وفشل حملتهِ السورية على أنهُ كان يتعزَّى بما سبق استيلاؤهُ عليهِ من المدن والقرى السورية، إلا ان تلك الأماكن حالما سمعت بما ألمَّ بجيشهِ من الفشل انحازت إلى الباب العالي هربًا من العقاب. وزد على ذلك أن السير سدني سميث كتب منشورات وزعها على المشايخ والأمراء في لبنان يدعوهم إلى الاتحاد مع الباب العالي، وأرسل إلى سراة المسيحيين أيضًا صورة منشور بونابرت الذي يقول فيهِ إنهُ هدَّ أركان الديانة المسيحية فامتنع اللبنانيون عن توريد الخمر والبارود للفرنساويين، فأصبح بونابرت في حالة اليأس الشديد لا يدري ماذا يصنع وقد خابت آمالهُ. فكتب إلى ديوان مصر أنهُ قد هدم أسوار عكا وأخرب بيوتها بالقنابل وجرح واليها الجزار، وأنهُ سيبارحها بعد ثلاثة أيام عائدًا إلى مصر، ومتى جائها يقتصَّ من الباغين. ثم استقدم حاميات صفد وطبرية وغيرها.

وفي ٢١ ذي الحجة (٢٣ مايو/آيار) أمر بالمسير إلى مصر بكل رجالهِ وفيهم الجرحى فقاسوا عذابًا مرًّا من العطش وفشا فيهم الوباء فزادهم عناءً، فأمر بونابرت أن يسير الرجال الأصحاء على أقدامهم وأن تعطى الخيول والجمال إلى المرضى والجرحى، ومما زادهم شقاءً أن العمارة الإنكليزية كانت تتعقبهم في البحر والعربان يتعرضون لهم في البر والجنود العثمانية تسوقهم من ورائهم، أما هم فكانوا يخربون كل ما مروا بهِ من المدن والقرى. وفي ٢ ذي الحجة (٢يونيو/حزيران) وصلوا العريش فأمر بونابرت بتحصينها تحصينًا منيعًا واشتد عليهم القيظ، وكان الماء الذي يشربونهُ ملآنًا علقًا يمتص الدم فكان يلتصق بحلقهم عند الشرب فيعذبهم عذابً أليمًا.

ثم واصلوا المسير إلى القاهرة رغمًا عن الحر والوباء حتى وصلوها فخرج المشايخ والأعيان لاستقبالهم فدخلوها ولم يصدقوا أنهم تخلصوا من حملة سوريا ومما مروا بهِ من الصحاري الحارة. فأخذ بونابرت في تنظيم العساكر وتطبيب الجرحى وإعادة النظام واكتساب ثقة الأهالي، إلَّا أنهُ لم يكد يفعل حتى بلغهُ تقدم المماليك من جهة الصعيد، وسبب ذلك أن مراد بك كان في أعلى الصعيد فبلغهُ قدوم حملة عثمانية لإخراج الفرنساويين من مصر فجمع إليه رجالهُ وسار ببعضهم على الضفة الغربية للنيل وأرسل البعض الآخر على الضفة الشرقية للاتحاد مع إبراهيم بك القادم من جهة سوريا، فعلم بونابرت بذلك فأنفذ جندًا على كل من الضفتين لمحاربة الفرقتين فالتقى جند الضفة الشرقية بفرقة إبراهيم بك وراء المقطم فشتتتها وأخذت أمتعتها. والتقى جند الضفة الغربية وفيهِ بونابرت بمراد بك في الجيزة فانتشبت الحرب فانكسر المماليك وتشتت شملهم فعادت الجنود الفرنساوية ظافرة.

وفي ١٦ محرم سنة ١٢١٤هـ ٢٠ يونيو/حزيران، سنة ١٧٩٩م) وردت لبونابرت رسالة من الجنرال مرمون في الإسكندرية تنبئهُ بمجيء الحملة العثمانية ونزولها في أبي قير في ١١ الجاري، فانزعج بونابرت من هذا الخبر فأمر بإعداد حملة تسير إلى الإسكندرية وبعث إلى الحصون في رشيد ودمياط أن تكون في يقظة واستعداد.

وسبب قدوم الحملة العثمانية أن الباب العالي بعث إلى الفرنساويين مرارًا يقيم الحجة على استقلالهم بأحكام مصر ويطلب إليهم الانسحاب منها ولم يكن الجواب إلَّا المحاولة، وكانت إنكلترا في الوقت عينهِ تنشط الباب العالي في هذه المطاليب حتى إنها أخيرًا اتفقت معهُ أن يرسل كل منهما عمارة إلى أبي قير وهناك تتحد العمارتان وتخرجان الفرنساويين من مصر بالقوة. فسارت العمارة العثمانية تحت أميرالية باترونا بك وعليها ثمانية آلاف من الجنود البرية تحت قيادة مصطفى باشا سر عسكر ومعهم حسن بك ورجالهُ، وسارت العمارة الإنكليزية تحت أميرالية السير سدني سميث المتقدم ذكرهُ والتقت العمارتان في أبي قير واتحدتا فأسرع الجنرال مرمون إلى إعلام بونابرت كما رأَيت.

فبارح بونابرت القاهرة برًّا ثاني يوم وصول الرسالة صباحًا فسار من الجيزة إلى الرحمانية ومن هناك كتب إلى القاهرة «أن بين الذين قدموا للمحاربة رجالًا روسيين لا يؤمنون بإله واحد وإنما يعبدون آلهة ثلاثة» ثم بارح الرحمانية فوصل الإسكندرية في ٢٤ محرم (٢٣ يوليو/تموز) فلاقاهُ مرمون فعنفهُ لغفلتهِ عن حصن أبي قير حتى احتلَّهُ العثمانيون، وفي اليوم التالي استكشف استحكامات العدو ثم سار برجالهِ نحو أبي قير فإذا بالجنود العثمانية تحت قيادة مصطفى باشا على مسافة ميل ونصف وراء أبي قير ومنهم نحو ألف رجل في حصن على رابية من الرمال إلى اليمين بجوار الشاطئ وجماعة آخرون إلى اليسار في حصن على رابية أخرى، وهاتان الرابيتان بمثابة جناحي الجيش. فهاجم بونابرت أولًا الرابية اليمنى ففرَّ من كان فيها إلى قرية وراء قلب الجيش فأرسل سرية من الفرسان لملاقاة الفاريين ومثل ذلك فعل بالرابية اليسرى، ثم هجم على قلب الجيش فتقهقرت الجنود إلى طابية كانوا قد جعلوها وراءَهم فتشجَّع الفرنساويون وتعقبوا الهاربين لكنهم لم يسيروا يسيرًا حتى سمعوا دوي المدافع الإنكليزية وأزيز قنابلها فارتدوا إلى الوراء. فارتد العثمانيون وتبعوهم حتى كادوا يظفرون بهم لكنهم انشغلوا بتقطيع رؤوس القتلى، فاغتنم أحد قواد الفرنساويين فرصة تغافلهم وسار في فرقتهِ من على اليسار قاصدًا الطابية الخلفية وسار قائدٌ آخر من اليمين فدخلا الطابية وقطعا على العثمانيين خط الرجوع، وأسرع أحدهما (الجنرال موارت) بنفسهِ للقبض على مصطفى باشا في خيمتهِ فأطلق عليهِ الباشا عيارًُا ناريًّا فلم يعبأ موارت بذلك لكنهُ هجم عليهِ بسيفهِ فقطع أصبعيهِ وأمر اثنين من رجالهِ فأوثقاهُ وأرسلاهُ إلى معسكر الفرنساويين. وأخذت العساكر الفرنساوية بالنهب فلم يغادروا في معسكر العثمانيين شيئًا من المؤن والذخائر وفرَّ من بقي من العثمانيين إلى البحر في قوارب أرسلها لهم السير سدني، إلَّا بعض الحامية في حصن أقاموهُ هناك، فهجم عليهِ الفرنساويون وبعد دفاع سبعة أيام هدموهُ وأسروا من كان فيهِ فشاع خبر انتصار الفرنساويين في القطر المصري فعظموا في عيون الأهالي.

ثم ورد لبونابرت من فرنسا رسائل منبئة باضطرابهم هناك وبثقل اليد عليهم وفيهِ إلحاح كلي عليهِ أن يسير حالًا إلى فرنسا بعد أن يجعل في مصر حاميةً منتظمةً، فكتم الأمر ولم يكاشف بهِ أحدًا إلا الأميرال غانتوم لأنهُ لم يرَ بدًّا من مكاشفتهِ لكي يعد لهُ دارعتين تنقلانهِ إلى فرنسا. ولكي لا يجعل للمصريين شبهة بمقاصدهِ عاد إلى القاهرة بما يلزم من احتفال النصر فوصلها في ١٣ صفر فخرج الأعيان لملاقاتهِ بالموسيقى.

وبعد قليل نزل إلى الإسكندرية مظهرًا التجول في الوجه البحري فلما وصل الإسكندرية كتب إلى الجنرال كليبر وكان على مديرية الغربية يوليهِ القيادة العامة على مصر ويبين لهُ وجوب المحافظة على الاحتلال لئلا تأتي دولة أخرى تحتل هذا القطر بعد أن بذلوا فيهِ ما بذلوهُ من المال والرجال، ووعدهُ بنجدة يبعث بها لهُ حال وصولهِ إلى فرنسا، وأخبرهُ أخيرًا عن الداعي الذي حملهُ على هذهِ السرعة. وكتب كتابًا آخر إلى عساكرهِ يشجعهم على الثبات والصبر وكتابًا آخر إلى علماء مصر ومشايخها يطلب إليهم أن يعتبروا الجنرال كليبر في مكانهِ جاعلًا السبب في سفرهِ أنهً ذاهب لقهر من بقي من أعدائهِ في أوروبا لأنهُ إن لم يفعل ذلك لا يطمئن بالهُ على مصر، ويعدهم أنهُ لا يغيب عنهم أكثر من ثلاثة أشهر، وأرسل كلًّا من هذهِ التحارير معًا إلى كليبر وأوصاهُ أن يطلع أصحابها عليها في الوقت المناسب.

ثم بعث يستقدم الجنرال مينو إليه فجاءَهُ حالًا وهو على أهبَّة السفر في ٢٥ صفر (٢٢ أغسطس/آب) فعهد إليه قيادة الإسكندرية ورشيد والبحيرة وسلَّمهُ تحارير كليبر وأوصاهُ أن يوصلها لهُ حالًا. ثم ركب جوادهُ وسار مساءً بمن معهُ إلى جهة مرابوت أو العجمي، وكان الأميرال غانتوم ودارعتاهُ بانتظارهِ هناك وفي الساعة العاشرة من تلك الليلة نزل بمن معهُ إلى البحر وفي صباح اليوم التالي ودعوا سواحل الدلتا وأقلعوا قاصدين فرنسا.

أما أهالي الإسكندرية ولا سيما الغفر خارج المدينة فإنهم شاهدوا في ذلك الصباح غبارًا عجاجًا بجهة حصن العجمي فخافوا أن تكون كتيبة من العربان قادمة على المدينة، ثم تبيَّن لهم أنها خيول مسروجة ولا راكب عليها، فسألوا لمن هذه الخيول فقيل لهم إنها الخيول التي نقلت بونابرت ومعيتهُ إلى البحر وقد سافر إلى فرنسا، فانذعر القوم لتلك الأخبار البغتية وكادوا لا يصدقونها حتى بلَّغهم مينو رسميًّا ما عهد إليه بونابرت قبل ذهابهِ.

ثم أرسل مينو الأوامر والتحارير التي بيدهِ إلى كليبر فوصلتهُ وهو في رشيد قادمًا لمقابلة بونابرت. فذهب إلى القاهرة وبلغ المشايخ والعلماء بما أمرهُ بهِ بونابرت، وتلا عليهم كتاب بونابرت إليهم وهؤلاء بلغوا الأهالي وهكذا ذاع خبر بونابرت في سائر القطر. وكان كليبر بالحقيقة أولى من جميع قواد تلك الحملة بذلك المنصب لأنهُ كان أفضلهم حزمًا وعقلًا وهيبةً وأنفة وبسالة.

فقد ظهر لك مما تقدم أن الحملة الفرنساوية لم يكن القصد منها إلَّا الاحتلال الدائِم. ذلك كان قصد بونابرت، أما كليبر فلم يكن ذلك رأيهُ وإنما كان ينظر إلى مصر نظرهُ إلى بلاد لا تصلح لسكنى الفرنساويين لما بينها وبين بلادهم من اختلاف المناخ والعوائد والأخلاق، فضلًا عن أنهُ لم يكن يرى إمكان استمرار الحال على ما تركها بونابرت، ولذلك بادر عند استلامهِ أزمَّة القيادة إلى إطلاع فرنسا على حالة مصر عند مبارحة بونابرت فقال:

«قد سافر بونابرت إلى فرنسا في الفروكتيدور السادس بدون أن يعلن أحدًا لكنهُ أرسل لي تحريرًا وآخر للصدر الأعظم إلى الأستانة وقد كان في علمهِ أنهُ وصل إلى دمشق. أما أعداؤنا الآن فليسوا المماليك فقط وإنما هم ثلاث دول عظمى الباب العالي وإنكلترا والروسية. أما جنودنا فقد أصبحوا نصف ما كانوا يوم قدومهم إلى مصر مفرقين في أنحاء القطر من العريش والإسكندرية إلى أسوان. أما معداتهم فغير كافية لهم لأن معامل الأسلحة والبارود معطلة ومثل ذلك الألبسة فقد أصبحت رجالنا لاحتياجهم إلى الألبسة معرضين لأوبئة البلاد، وزد على ذلك أننا خسرنا ١٢ مليونًا من الفرنكات بسبب تضمين الضرائب غير الاعتيادية بأمر بونابرت. قد تشتت المماليك لكنهم لم يبيدوا هذا مراد بك ما انفك في مصر العليا في كثرة من الرجال يمكنهُ بهم إشغال قسم من جنودنا لمدة طويلة. وهذا الصدر الأعظم قد جاءَ بحملة عثمانية لمناهضتنا وقد سار من دمشق إلى عكا. أما حصوننا واستحكاماتنا فلا تزيدنا قوة؛ فهذا حصن العريش لا يدفع مهاجمًا، وهذه الإسكندرية أشبه بمعسكر محاط بزريبة. فأفضل ما يمكنني إجراؤه والحالة هذه المخابرة مع الباب العالي لعلنا نصل إلى وفاق فيهِ خيرٌ لنا. وقد علمت الآن أن عمارة عثمانية رست أمام دمياط.»

إلا أن كليبر مع ذلك لم يتقاعد عن تنظيم الأحوال واكتساب ثقة الأهلين وجمع العوائد والمكوس لدفع مرتبات الجند، على حين أنهُ لم يكن ممن يريدون احتلال مصر أو استعمارها، ولكنهُ كان يفضل الانسحاب منها على أسلوب لا يكون فيهِ عارٌ على دولتهِ، غير أن الأحوال لم تعطهِ ما نواهُ لأن الدولة العلية عادت إلى استخراج هذا القطر السعيد من أيدي الفرنساويين بالقوة، فأرسلت الصدر الأعظم يوسف باشا بنفسهِ إلى دمشق يجنَِّد جندًا عظيمًا يسير بهِ عن طريق البرّ إلى القاهرة وجندًا آخر يسير بحرًا في عمارة السير سدني سميث بوفاق مع إنكلترا لمطاولة الفرنساويين من جهة البحر ليسهل علي حملة البرّ المسير في داخلية القطر. فسار جند البحر إلى دمياط ونزل في قلعة قديمة شرقي البوغاز. فأخرجتهم منها الجنود الفرنساوية. أما الصدر الأعظم يوسف باشا فقدم يافا بحملتهِ ثم جعل يتخابر مع كليبر في أمر وفاق ينتهون إليه، فانتهت المخابرة بمؤتمر عقد في العريش مؤلف من الصدر الأعظم من العثمانيين والجنرال ديزه والموسيو بوسيلك من الفرنساويين أقرَّ على معاهدة صلح أُمضيت في ١٢ جمادى الآخرة سنة ١٢١٤هـ (١٠ نوفمبر/تشرين الثاني، سنة ١٧٩٩م).

غير أن هذه المعاهدة لم يطل بقاؤُها لأن العثمانيين خرقوها بمهاجمتهم العريش في ٢ رجب (نوفمبر/تشرين الثاني) وكانت تحت قيادة الكولونيل كازال وكان من البسالة على جانب عظيم، فأحب الأهالي التسليم فأبى وأصرَّ على الدفاع إلى آخر نسمة من حياتهِ، ولم يكن العريش من المناعة على شيء فدخلها العثمانيون واستولوا عليها، فاتصل ذلك بالجنرال كليبر فاغتاظ جدًّا وكتب إلى السير سدني يعنفهُ مع علمهِ ببراءَتهِ، فعادت المخابرات وعقد مؤتمر ثانٍ في ٤ شعبان سنة ١٢١٤ (٣١ ديسمبر/كانون الأول، سنة ١٨٠٠م) في العريش مؤلف من ديزه وبوسيلك من الفرنساويين واثنين من العثمانيين وأقرُّوا على معاهدة عرفت بمعاهدة العريش، من مقتضاها انسحاب الفرنساويين بمؤنهم وذخائرهم عن طريق رشيد والإسكندرية وأبي قير إلى فرنسا انسحابًا قانونيَّا بكل ما لديهم.

فسرَّ كليبر لتلك المعاهدة لاعتقادهِ أن انسحابهُ على هذه الصورة لا يمسُّ شرف دولتهِ. ولما شاع خبر تلك المعاهدة بمصر فرح الأهالي عمومًا وكذلك الجنود الفرنساوية. لأنهم لم يكونوا راضين بالمقام في بلد تخالف بلادهم هواءً وأخلاقًا ومعيشةً فضلًا عما كانوا يقاسونهُ من عصيان الأهالي وسفك الدماء. فضرب كليبر على الأهالي ضريبة غير اعتيادية مقدارها ثلاثة آلاف كيس لنفقات الجيش في نقل المهمات وصدرت الأوامر بالتأهب للرحيل، فباع الفرنساويون كل ما يصعب حملهُ من متاعهم. وبعث كليبر إلى الجنود المتفرقة في جهات الصعيد بالقدوم إلى مصر. واطمأن المماليك الذين كانوا قد فرُّوا من وجه الفرنساويين فعادوا إلى القاهرة بنسائهم وأولادهم. ثم إن الصدر الأعظم نهض بجيشهِ نحو القاهرة حتى إذا أتى بلبيس سار علماءُ مصر ومشايخها بإذن من كليبر لملاقاتهِ وتقديم واجب العبودية لجلالة السلطان فسرَّ الصدر بهم وخلع عليهم.

وبينما الحال كذلك ورد للجنرال كليبر كتاب من السير سدني مآلهُ نقض معاهدة العريش وتعريبهُ ملخصًا:

«سيدي. أعلم حضرتكم أني قد تشرفت بأوامر شاهانية تمنع عقد أي معاهدة مع الجيوش الفرنساوية التي هي تحت قيادتكم في مصر وسوريا إلَّا إذا سلموا أنفسهم وسلاحهم كما يفعل أسراء الحرب مع التخلي عن كل المراكب والمؤن التي لهم في الإسكندرية.»

على أن السير سدني نفسهُ لم يكن يرى إلاَّ البقاء على المعاهدة أما دولتهُ فما انفكت حتى حملت الباب العالي على إصدار هذه الأوامر، وقد كتب السير سدني إلى دولتهِ يظهر رأيهُ ويبين أوجه الخطأ التى أتتها بذلك النقض ولم تحصل نتيجة. أما كليبر فاستشاط غضبًا لذلك ولم يكن جوابهُ إلا الحرب، فأسرع إلى احتلال الطوابي على الروابي خارج القاهرة وتعزيزها بما يلزم من العدة والرجال. وكان يوسف باشا قد أصبح على مقربة من القاهرة ومعه الجيوش العثمانية فكتب إلى المشايخ والعلماء يستحثهم على إخراج الفرنساويين من بلادهم.

فعقد الجنرال كليبر مؤتمرًا حربيًّا قال فيهِ: «إن الدولة العثمانية قد سهلت أمر انسحابنا فوقف الإنكليز في طريقنا فعلينا محاربتهم.» ثم بعث إلى الصدر الاعظم بعزمهِ على الحرب وحشد جيشهُ خارج القاهرة، وكانت مقدمة الجنود العثمانية تحت قيادة ناصيف باشا أحد قواد الحملة معسكرة في المطرية، النيل إلى يمينها والصحراء إلى يسارها وإلى ورائها الخانكاه، وفيها باقي الجيش تحت قيادة يوسف باشا وعددهم جميعًا نحو من أربعين ألفًا أو تزيد، وانضم إليها الانكشارية والمماليك تحت قيادة إبراهيم بك. فالتقى كليبر بمقدمة العثمانيين فتقهقرت بعد الدفاع الحسن وفر ناصيف باشا وبعض المماليك لجهة القاهرة فتقدم كليبر برجالهِ فظهر لهُ عن بعد غبارٌ عجاج في سهل بين قريتين وهما سرياقوس إلى اليسار والمرج إلى اليمين، ثم انقشع الغبار عن الجنود العثمانية قادمة من الخانكاه لملاقاة الفرنساويين، فالتقى الفريقان وانتشبت الحرب فدافعت الجنود العثمانية دفاعًُا شديدًا معهودًا بالرجال العثمانيين، إلَّا أنهم اضطروا أخيرًا إلى التقهقر نحو الخانكاه فتبعهم الفرنساويون فخرجوا منها وما زالوا حتي تجاوزوا الصالحية فوصلها كليبر فإذا بها خالية فاستولى على ما كان فيها.

أما أهالى القاهرة فلما علموا بمسير كليبر إلى المطرية ثاروا على من بقي في مصر من الفرنساويين وبعد الظهيرة أتاهم ناصيف باشا ومعهُ جماعة من المماليك المتقدم ذكرهم، وقالوا إنهم غلبوا الفرنساويين وجاءوا لاستلام المدينة باسم جلالة السلطان. فأمر ناصيف باشا أن يقتلوا من بقي في مصر من المسيحيين رغم عن كونهم من رعايا الدولة العلية. أما العساكر الفرنساويون الباقون في القاهرة فكانوا يدافعون بالأمر الممكن. وطالت المذبحة في أحياء المسيحيين من الأقباط والسوريين والإفرنج إلى أن جاءَ عثمان بك أحد ضبَّاط العثمانيين إلى ناصيف الباشا قائلاَ: «ليس من العدالة أن تهرقوا دماء رعايا الدولة العلية فإن ذلك مخالف للإرادة السنية.» ثم بثَّ رجالهُ في المدينة لإيقاف القتل.

ثم تمكن الفرنساويون من احتلال القلعة وباقي الطوابي ولبثوا ينتظرون ما يكون من ناصيف باشا. فهجم عليهم فأطلقوا عليهِ وعلى رجالهِ نارًا أرجعتهم إلى أماكنهم حتى لم يبقَ منهم في الأزبكية نفر واحد، واستمر إطلاق النار على المدينة من القلعة وباقي الطوابي حتى منتصف الليل فوقع الرعب في قلوب الأهلين وهم المشايخ بالفرار فأمسكتهم الرعية رغمًا عنهم. وكان في بعض بيوت المدينة مدافع فأخرجها الأهالي ورتبوها على هيئة بطارية أحاطوها بطابية وحظر على الناس الخروج من تلك الطابية، ولم يكن عندهم قنابل فاستخدموا عيار الموازين عوضًا عنها. وبعد مضى يومين على تلك الحال أُنبئَ ناصيف باشا بقدوم جند فرنساوي من جهة المطرية لنجدة حامية القاهرة فبعث إليهم سربًا من الفرسان فلم ينالوا منهم ظفرًا، فوصل الفرنساويون منادين بانتصارهم في مواقعهم مع العثمانيين. وكانت المدينة برمتها في يد الوطنيين فعجز الفرنساويون عن الدخول إليها ثم جاءَت نجدة أخرى ولم يستطيعوا إخماد الثورة. ثم جاءَ الجنرال كليبر وقد كادت مؤن جيوشهِ في القاهرة تنفد وخرج جميع المسيحيين من الأقباط والسوريين فارين من على السور طالبين الالتجاء إلى معسكر الفرنساويين ثم تضايق الأهالي لقلة الماء لأن الفرنساويين قطعوهُ عنهم.

وفي ٢٧ شوال ٢٣ مارس/آذار، ١٨٠٠) طلب كليبر إلى أهالي بولاق أن يسلموا فأجابوا أنهم تابعون للمدينة بما يلحق بها فأطلق عليهم قنابل لا تزال بعض آثارها باقية إلى هذه الغاية، فسقطت البيوت ودخل الفرنساويون بولاق ولم يبقوا عليها نهبًا وقتلًا. فلما تأتَّى ذلك لكليبر عرَّج نحو المدينة بالمدافع والحراريق وكانت ليلة ليلاء ممطرة اختلطت فيها أصوات المدافع بقصف الرعد وشرارها بلمع البرق وهجمت العساكر على المدينة خائضين في الأوحال يثبون من حائط إلى آخر بين البيوت التي هدمتها مدافعهم وفي أيديهم خرق مبللَّة بالزيت مشتعلة يرمونها ذات اليمين وذات اليسار لإحراق المدينة فعلا الصياح من النساء والأطفال خوفًا من النيران حتى كانوا يلقون بأنفسهم من على الجدران والسطوح تخلصًا من اللهيب.

فهمَّ ناصيف باشا إلى الفرار فتتبعوهُ فدخل في حيٍّ من ذويهِ واختفى فيهِ، فأمر كليبر أن ينادى في الناس «وما النصر إلَّا من عند الله وهو سبحانهُ وتعالى يأمر الغالبين بالرفق وعليهِ فإن الصاري عسكر يعفو عن أهالي القاهرة وسائر البلاد المصريَّة عمومًا، ولو اتحدوا مع الأتراك فليرجع كلٌّ إلى شأنهِ.» فكف الناس عن القتال وهدأت الأحوال فبعث كليبر أن تنظف الأسواق وترفع الجثث وأمر أن تنوَّر المدينة ثلاثة أيام احتفالًا بالنصر ودعا إليه العلماء والمشايخ وأعد لهم وليمة حافلة، وبعد يومين جمعهم في مجلسهِ وأخذ يعنفهم على ما أتوهُ من الخيانة فأجابهُ شيخ المهدي: «إننا لم نأتِ خيانة أما اتحادنا مع العثمانيين فكان بناءً على أمر منك.» وحجر كليبر على خمسة عشر شيخًا لم يتركهم حتى أخذ منهم غرامةً مقدارها ١٢ مليونًا من الفرنكات. وسكنت بعد ذلك الأحوال واطمأنت القلوب. ثم علم مراد بك بما حلَّ بالمدينة وما كان من نصرة الفرنساويين فأحب الانحياز إلى الجانب الأقوى فجاءَ إلى ضواحي القاهرة وكتب إلى كليبر ثم اجتمع معهُ وتفاوضا فتعاهدا على الاتحاد وتهاديا هدايا فاخرة فولاهُ مصر العليا مكافأة لصداقتهِ.

فاطمأن كليبر من قبيل مصر بعد اتحادهِ مع المماليك وعظم في عين الأهالي وسكن في بيت مراد بك في الجيزة، وأمر بترميم الأماكن التي هدمت بسبب تلك الثورة وفي جملتها ديوان الجيش غربي الأزبكية في أول شارع بولاق إلى اليمين. وفي ١٤يونيو/حزيران، سنة ١٨٠٠م دُعي كليبر إلى غداءٍ عند أركان حربهِ الجنرال داماس في منزلهِ قرب ديوان الجيش. فبعد مناولة الطعام خرج كليبر والموسيو بروتين مهندس الحملة يتمشيان في رواق (ممشى) موصل بين بيت الجنرال داماس والديوان نحو الساعة الثانية بعد الظهر، فبينما كانا يتحادثان وثب رجل من منتهى الرواق عليهِ ثوب خلق وفي يدهِ خنجر طعن بهِ صدر الجنرال كليبر فنادى الحرس وهجم بروتين على الرجل فنال منهُ مثلما نال كليبر فسقط بروتين على الأرض، فتركهُ ذلك الشقي وعاد إلى كليبر وطعنهُ ثانيًا وثالثًا حتى أتم قتلهُ ثم سمع ضجيجًا ففرَّ إلى حديقة بالقرب من ذلك المكان واختبأ وراء الحائط، فلما أتى الخفر لم يروا إلا ذينك الرجلين يخبطان بدمهما فحملاهما إلى البيت وأتوا لهما بالطبيب، فمات كليبر حالًا أما بروتين فبقي تحت المعالجة. ونودي في المدينة بالقبض على ذلك الفاعل حيثما وجد، وكان بروتين قد أفهمه شيئًا عن ملابسهِ وشكلهِ وبعد يسير جيء برجل عليهِ لباس رثٌ وأوقفوهُ أمام بروتين فعرفهُ وقال: هذا هو الجاني. ثم قرر آخرون أنهم رأوهُ منذ بضعة أيام يتردد بين البيوت ويختلط بخدمة الديوان.

وبعد تقريرهِ بسبل مختلفة وجد أن اسمهُ سليمان الحلبي التقى بهِ أحد أغوات الانكشارية في بيت المقدس، وكان قد ذهب إليها هذا الانكشاري للتفتيش على رجل يُقدم على قتل كليبر، فخاطب سليمان الحلبي بذلك فأجاب على شرط أن ينجي أباهُ في حلب من ضرائب غير اعتيادية يطلبها منهُ والي تلك الولاية، فجاء بهِ إلى غزَّة وهناك أتى لهُ بتحارير توصية من أغا غزة لعلماء الأزهر، فبارح سليمان غزة في ٨ مايو فوصل القاهرة في ١٤ فنزل في بيت مصطفي أفندي ليلةً ثم سار إلى العلماء فأبوا مشاركتهُ بالجناية، أما هو فلم ينفك حتى اغتنم تلك الفرصة وفعل ما فعل. فاستدعي المشايخ المتهمين وهم ثلاثة وبالاستفهام منهم أجابوا أنهم لم يروا الرجل ولم يعرفوهُ قبل تلك الساعة. ثم عيَّن الجنرال مينو لجنةً لتحري القضية فحكمت بإعدام المشايخ الثلاثة لأنهم عرفوا عزم القاتل على القتل ولم يخبروا عنهُ، أما القاتل فحكم عليهِ بالإعدام على الخازوق لكنهم أوقفوا تنفيذ الحكم لبعد دفن الفقيد. فشيعوا جنازتهُ بكل احترام واحتفال ولما واروهُ التراب جاءُوا بالجانين وأعدموهم بموجب ذلك الحكم.

وأقاموا على القيادة العامة بدلًا من كليبر الجنرال مينو وكان ممن يرغبون البقاءَ في مصر، فاعتنق الإسلامية ودعا نفسهُ عبد الله وولد لهُ غلام دعاهُ سليمان. ثم ظهر من تصرفهِ بالأحكام أنهُ ليس على شيء من الهمة والدراية فسخر بهِ الفرنساويون وكرهوهُ. وكان ديوان القاهرة مؤلفًا من طائفتي المسلمين والمسيحيين فجعلهُ من المسلمين فقط، وأخذ جانب المسلمين فقط فعهد إليهم جباية الخراج وقد كانت بيد الأقباط. على أن ذلك كلَّهُ لم يغير شيئًا من كره الوطنيين لتلك الأمة الأعجمية التي جاءَت لامتلاك بلادهم. ومن جملة ما قادهم إلى ذلك أنهُ أعلنَ بحماية فرنسا على مصر وأن مصر قد أصبحت مستعمرة من مستعمرات فرنسا. وشقَّ ذلك على قوَّاد الحملة فجاءُوا إليه بصفة رسمية وبلغوهُ أن الجيش الفرنساوي غير راضٍ عن هذه البدع، وأن الجمهورية الفرنساوية لا تقصد بحملتها على مصر ما قد صرح بهِ هو فلم يجبهم بشيء وإنما وعدهم أنهُ سينظر بما قالوا.

وكانت إنكلترا لا تنفك عن السعي إلى إخراج الفرنساويين من مصر صيانة لصوالحها في الهند على الخصوص. فأعدَّت عمارة بحرية مؤلفة من ١٧٥ مركبًا وخمسة عشر ألفًا من الرجال وأرسلتها إلى مصر تحت قيادة السير رلف إبركرومبي، فسار إليها ودخل جون أبي قير في ٢ مارس/آذار، سنة ١٨٠١م فشاهد آثار العمارة الفرنساوية التي حطمتها عمارة نيلسون، وفي ٧ منهُ نزل السير رلف المذكور في قارب لاستكشاف الشاطئ ليختار محلًا ينزل إليه الجيش. وفي ٩ منهُ شرعت الجنود الإنكليزية بالنزول إلى البر فأُطلق عليهم من الرمل عدة قنابل من طابية قد تحصن فيها حاكم الإسكندرية بألف وخمسمائة رجل. أما الإنكليز فلم يكترثوا بذلك بل استمروا على النزول بسرعةٍ والقنابل تتفرقع حول قواربهم حتى تملكوا البر ولم يلحقهم إلَّا ضرر يسير. ثم ساروا نحو الإسكندرية فلاقاهم الفرنساويون بأربعة آلاف وخمسمائة مقاتل وفيهم حامية الرحمانية. وانتشبت الحرب بين الطرفين طول ذلك النهار ولم يظهر أحدٌ منهما، وكانت خسائر الفرنساويين خمسمائة رجل والإنكليز ألف ومائة. ومما أعاق الإنكليز قلَّة خيالتهم فعسكروا بجوار الإسكندرية وبنوا الطوابي والخنادق وحفروا آبارًا لاستخراج الماء. أما القاهرة فكانت على عهدك بها لفساد سياسة مينو. وفي ٤ مارس وصلتهُ الأخبار بوصول العمارة الإنكليزية إلى أبي قير فبدلًا من الإسراع إلى النجدة جعل يتوهَّم أوهامًا لا طائل تحتها، وبعد اللتيَّا والتي بعث فرقة إلى بلبيس وأخرى إلى دمياط وأخرى إلى أبي قير برًّا وأخرى في النيل.

وفي ١١ منهُ جاءَتهُ الأخبار باحتلال الإنكليز أبا قير وهجومهم على الإسكندرية، فارتبك بأمرهِ فجمع إليه مشايخ الديوان وأعلمهم أنهُ ذاهب إلى السواحل تاركًا الجنرال بيليارد ليقوم مقامهُ مدعيًا أن سبب ذهابهُ قدوم بعض المالطية والإيطاليين إلى أبي قير. ثم استقدم الفرقة التي أرسلها إلى بلبيس وأمر من بقي من الجيش في مصر أن يسير إلى الرحمانية. فبارح مينو القاهرة في ١٢ منهُ لكنهُ لم يصل الإسكندرية إلَّا في ١٩ منهُ وقد تحصن الإنكليز تحصنًا لا يقوى على مقاومتهِ فاستشار قوادهُ فأشاروا عليهِ بالهجوم على حصنهم الأيمن لأنهُ أقوى حصونهم، لكنهُ لم يجسر على ذلك نهارًا فهجم ليلًا فلم ينجح، وفي اليوم التالي في ٢١ مارس/آذار أمر أن تهجم الجيوش كلها دفعة واحدة باكرًا بغير ضرب النفير، أما الإنكليز فكانوا في يقظة تامة ففي الساعة الثالثة بعد نصف الليل سمعوا صوت المدافع من على يسارهم فوجهوا نيرانهم نحوها ثم سمعوا مثلها عن يمينهم فأجابوا بمثلها، وبعد معركة كبيرة تقهقر الفرنساويون مجانبة ففهم إبركرومبي غرضهم من ذلك، فعزَّز ميمنة معسكرهِ واتخذ قيادتها بنفسهِ فأصيب بجرح قتَّال ألقاهُ على الصعيد فقدم السير سدني سميث وأنهضهُ، وما زالت الحرب قائمة حتى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر وقد قتل كثير من الضباط الفرنساويين، فأمر الجنرال مينو بالراحة فعادت رجالهُ وعدد قتلاهم وجرحاهم نحو ألفين، أما خسائر الإنكليز فكانت ٣٤٠ قتيلًا و١٢٥٠ جريحًا من جملتهم السير رلف إبركرومبي فنقلوهُ إلى إحدى الدوارع فعاش بضعة أيام وتوفي فتحولت قيادة العمارة إلى الجنرال هتشنسون.

وفي ٢٥ مارس/آذار جاءَت الإنكليز نجدة عثمانية تحت قيادة حسين قبطان باشا.

فرأَى الجنرال هتشنسون أن يبعث أربعة آلاف من الجنود العثمانية وفرقتين من الإنكليز وثمانية مدافع تحت قيادة الكولونيل سبنسر لاحتلال رشيد. فاتصل ذلك بالجنرال مينو فأرسل أركان حربهِ لاستطلاع قوة تلك التجريدة فقدرها أقلَّ مما هي كثيرًا، فاستخف مينو بها فلم ينجد رشيد. أما الكولونيل سبنسر فما زال سائرًا حتى أتى رشيد فدخلها بسلام ولما استقر بها بعث الطبجية بمدافعهم لضرب حصن جوليان وفيهِ حامية من الفرنساويين فضايقوا عليهم حتى سلموا فأمَّنوهم ثم أخرجوهم من الحصن. فاتصل ذلك بحامية الرحمانية فاستمدَّت الجنرال بيليارد في القاهرة فأجاب معتذرًا بعدم إمكانهِ الاستغناءَ عَّمن لديهِ من الجنود فبعثت إلى مينو في الإسكندرية فأمدَّها بما استطاع.

فأصبحت الجيوش الفرنساوية بذلك أقسامًا متفرقة لا تقوى على دفاع، فكان الجنرال بيليارد بالقاهرة في خمسة آلاف رجل يتأهب لدفاع الجيوش العثمانية القادمة عن طريق الصحراء تحت قيادة الصدر الأعظم يوسف باشا وحامية الرحمانية لما بلغها سقوط رشيد خارت قواها. والجنرال مينو كان محاصرًا في الإسكندرية لا يبدي حراكًا، وقد ضايق عليهِ الإنكليز بقطع الجسر الفاصل بين الملاحة وبحيرة مريوط، وزد على ذلك أنهم قطعوا المياه عن الإسكندرية فلم يبقَ عندهُ إلَّا مياه الصهاريج. أما الجنود العثمانية والإنكليزية فبعد ما احتلوا رشيد صعدوا في النيل في ٨ مايو/آيار حتى أتوا العطف فاستلموها ثم ساروا إلى الرحمانية واستلموها أيضًا ففرَّت الجنود الفرنساوية إلى القاهرة وأعلموا بيليارد بما كان، فأمر بالتئام مجلس حربي للمفاوضة بالدفاع دفاعًا نهائيًّا لأن العدو قد تكاثر عليهم؛ هتشنسون من الجهة الواحدة والصدر الأعظم يوسف باشا من الجهة الأخرى وكان قد استولى على دمياط وسار قاصدًا القاهرة في ثلاثين ألف مقاتل حتى عسكر في بلبيس في ١١ مايو/أيار. أما مراد بك فبعد محالفتهِ مع الفرنساويين على ما تقدم بمدة توفي وتولى مكانهُ على الصعيد عثمان بك البرديسي فلما علم هذا بقدوم العثمانيين والإنكليز نقض المحالفة.

فلما اجتمع المجلس الحربي تفاوضوا في جميع ذلك فرأوا أن جميع الجيوش الفرنساوية الموجودة في القاهرة وفي جملتها حامية الرحمانية لا تزيد عن اثني عشر ألفًا نصفهم جرحى ومرضى وليس لديهم من المال إلَّا شيءٌ يسير. فلم يرَ بيليارد لحل هذا المشكل إلًا وجهين؛ إما أن يسير بما لديهَ من الجند في النيل لملاقاة مينو فيتكاتف معهُ على الدفاع أو أن يسير إلى دمياط. فلم يكن يرى بدًّا على الحالين من إخلاء القاهرة ولكنهُ كان يفضل المسير إلى دمياط لأنها تصلح للحصار إذا طال. وفيها من المحصولات ما يقوم باحتياجات جيشهِ وهو في الحالين عالم بعجزهِ عن مناهضة عدوهِ.

ثم حدثتهُ نفسهُ أن يلاقي الجنود العثمانية والإنكليزية جميعًا عند اقترابهم من القاهرة. فخرج في خمسة آلاف في ١٦ مايو/أيار متمثلًا بكليبر وعسكر في الخانكاه فوصلت إليه مقدمة جيوش يوسف باشا فلم يستطع الوقوف أمامها فعاد إلى القاهرة.

وفي ٢٣ منهُ وصل هتشنسون إلى طرامة فقطع في ترعة منوف وسار بنفسهِ إلى معسكر يوسف باشا وتفاوض معهُ في الطريقة التي يجب اتخاذها لإتمام مشروعهم فأقرُّوا على طريقهِ. ثم عاد هتشنسون إلى طريقهِ وسار في رجالهِ على فرع النيل الغربي حتى أتى الجيزة في ٣٠ منهُ وواصل يوسف باشا سيرهُ من الجهة الأخرى فانحصر بيليارد في القاهرة لا يستطيع حراكًا، فعقد مجلسًا حربيًّا أقرَّ فيهِ على تسليم المدينة والانسحاب نحو الإسكندرية أو دمياط، فبعث إلى معسكر الإنكليز مندوبًا بشأن ذلك وبعد المخابرة تقرر من الطرفين أن تنسحب الجيوش الفرنساوية الموجودة في القاهرة انسحابًا قانونيًّا بما لديهم من المهمات والأسلحة إلى فرنسا، وأن يكون ذلك على نفقة الإنكليز، وكتب بذلك معاهدة أمضيت في ٢٥ يونيو/ حزيران، سنة ١٨٠١ وتثبتت في ٢٦ منهُ على أن تنفذ بعد ١٥ يومًا.

ففي ١٥ يوليو/تموز (٤ ربيع أول سنة ١٢١٦هـ) بارح بيليارد القاهرة ومعهُ ١٣٧٣٤ من العساكر والضباط قاصدين رشيد على أن يسافروا منها إلى فرنسا، فانذهل هتشنسون لما أوتيهِ من الفوز العظيم وكاد لا يصدق بهِ حتى ٧ أغسطس/آب عندما علم بركوب الجيوش الفرنساوية قاصدين بلادهم.

أما مينو فكان باقيًا في الإسكندرية ومعهُ عشرة آلاف مقاتل فتفاوض مع من كان باقيًا لديهِ من القواد فأصرُّوا على المخابرة، وفي ٢ نوفمبر من تلك السنة عقدوا معاهدة الانسحاب وانسحبوا أثناء ذلك الشهر على مثل انسحاب بيليارد واذا تأملت ترى أنها ومعاهدة العريش التي عقدت في ٢٤ يناير/كانون الثاني سنة ١٨٠٠م شيءٌ واحد ولم تكن نتيجة ذلك التأخير إلا سفك الدماء.

وكانت الحكومة الإنكليزية قد أمرت الجنرال برد أن يسير من الهند في ستة آلاف من الجنود الهندية المنظمة إلى مصر إمدادًا لإبركرومبي في البر فجاءَ إلى القصير على سواحل البحر الأحمر ومنها سار في الصحراء حتى أتى قنا ثم نزل إلى القاهرة فوصلها بعد التوقيع على الانسحاب فنزل إلى الإسكندرية وحضر انسحاب مينو وجماعتهُ.

هذه هي الحملة الفرنساوية فتأمل كيف كانت نهايتها وكيف أنها بعد صرف ثلاث سنوات ونيف كلها حروب ومقاومات عادت بخفَّي حنين.

(٥) من انسحاب الفرنساويين إلى تولية محمد علي باشا (من سنة ١٢١٦–١٢٢٠هـ أو من ١٨٠١–١٨٠٥م)

فبعد انسحاب الفرنساويين استلم يوسف باشا الصدر الأعظم زمام الأحكام في القاهرة باسم جلالة السلطان بمساعدة الجنرال هتشنسون، وكان حسين قبطان باشا أميرال العمارة العثمانية لا يزال في أبي قير والإسكندرية بعد سفر مينو. أما الإنكليز فلم يكن غرضهم إلَّا تثبيت سلطة الباب العالي والانسحاب فجعلوا معسكرهم في مصر القديمة. أما المماليك فكانوا لا يزالون يحاولون التسلط ولم تزل بقية منهم تحت قيادة اثنين من كبارهم وهما عثمان بك البرديسي ومحمد بك الألفي أما معسكرهم فكان في الجيزة.

فأخذ القائدان العثمانيان يوسف وحسين قبطان باشا يدبران مكيدة تذهب بمن بقي من المماليك، فاتفقا على أن يدعو قبطان باشا بعض أمرائهم إلى مكيدة يعدُّها لهم في أبي قير وأن يهجم يوسف باشا على من بقي منهم في الجيزة فيأتيان على إهلاكهم. فبعث قبطان باشا إلى بعض أمراءِ المماليك يدعوهم إلى وليمة قال إنهُ أعدَّها لهم في معسكره بأبي قير وأن غرضهُ من ذلك الاجتماع المفاوضة معهم فيما يجب اتخاذهُ من الوسائل لإصلاح حالة البلاد، فأجابوا دعوتهُ وهم في ريبة من مقاصدهِ على أنهم لم يكونوا يستطيعون رفض الدعوة خيفة أن يجعلوا للقوَّتين العثمانية والإنكليزية بابًا للارتياب بمقاصدهم. فلما وصلوا أبا قير ترحب بهم حسين باشا ودعاهم إلى النزول معهُ في قاربهِ الخصوصي ليسيروا معًا إلى القومندان الإنكليزي على إحدى الدوارع للمفاوضة معهُ ببعض الشئون. فركبوا حتى صاروا على مسافة من البر فالتقوا بقارب آت من جهة الدوارع قال من فيهِ إن لديهم تحارير باسم قبطان باشا ومخابرات أخرى مهمة فوثب القبطان عند ذلك إلى القارب الآخر وأمرهُ أن يسير فسار، وبقي المماليك وحدهم فأوجسوا خيفةً ثم سمعوا إطلاق المدافع عليهم من قارب العثمانيين فتأكدوا أنها مكيدة فحاولوا الرجوع إلى البر ولم يصلوهُ حتى قتل عثمان بك البرديسى واثنان آخران. وفي نحو ذلك الوقت أرسل يوسف باشا في القاهرة فرقة من رجالهِ يهاجمون المماليك في الجيزة فوثبوا عليهم وأحرقوا بيوتهم، فالتجأ كبارهم إلى الإنكليز فحموهم رغمًا عن إصرار يوسف باشا على طلبهم.

ثم انسحبت الجيوش الإنكليزية من مصر بأمر الأميرال كيت وبقيت مصر يتنازعها الجنود العثمانية والمماليك. وكان يوسف باشا في القاهرة بمثابة نائب عن الباب العالي. ولما كان لا بد من تولية والٍ عثماني يقوم بأعباء الولاية سعى يوسف باشا بمساعدة حسين قبطان باشا إلى تولية خسرو باشا كخيا حسين قبطان باشا، فكتبا بذلك إلى الأستانة فأجاب الباب العالي طلبهما وبعث لهما الفرمان المؤذن بذلك.

فتولى خسرو باشا على مصر في ١٢ جمادى الأولى سنة ١٢١٦هـ ولم يكن ينقصهُ لاستتباب الراحة إلَّا إبادة من بقي من المماليك، وكانوا مع ما ألَّم بهم منذ قدوم الفرنساويين لا يزالون قادرين على المقاومة نظرًا لمعرفتهم بأحوال البلاد وأحزابها، وبعد وفاة مراد بك واعتزال إبراهيم بك عن الأعمال أصبحوا تحت قيادة عثمان بك البرديسي ومحمد بك الألفي كما تقدم وقد دانت لهم مصر العليا. فناهضهم خسروا باشا فلم ينجح ولم يكن إذ ذاك في سلطة الباب العالي إلَّا القاهرة والإسكندرية وما بينهما. فلم يستطع خسرو باشا تحصيل ما يقوم بدفع مرتبات العساكر فثاروا في ٢ مايو سنة ١٨٠٣م وأحاطوا بالخزندار وحبسوهُ في بيتهِ. فأمر خسرو باشا أن تطلق عليهم المدافع حتى علت الضوضاء واشتد الخصام فتداخل طاهر باشا أركان حرب خسرو باشا يريد صرف ذلك المشكل فلم يوافقهُ خسرو على قصدهِ واتهمَّهُ باتحادهِ مع العصاة. فاغتاظ طاهر باشا وأخذ جانب العصاة وأمرهم أن يهدموا الأسوار، فخاف الباشا ولم يرَ إلَّا الفرار بحريمهِ وحاشيتهِ على ضفة النيل الشرقية نحو المنصورة. ثم سار منها إلى دمياط وحاصر هناك. فاغتنم طاهر باشا تلك الفرصة وجمع إليه القضاة وأرباب الديوان فأقروهُ على مصر بصفة قائمقام مؤقتًا لبينما ترد الإرادة السنية بتولية من يتولى عوضًا من خسرو باشا.

ففي ٢٥ مايو/آيار سنة ١٨٠٣م لاقى طاهر باشا من القوة العسكرية ما لاقاهُ خسرو باشا وذلك أن اثنين من الأغوات وهما موسى وإسماعيل تشكيا إليه من تأخر الرواتب فانتهرهم فأغلظوا لهُ فاشتد الخصام فجردا سيفيهما وقطعا رأسهُ ورمياهُ من الشباك وانتهى الخصام باحتراق السراية.

فأصبحت مصر بغير والٍ يدبر أعمالها. وفي هذهِ الفرصة تأتى لذلك الرجل العظيم المغفور لهُ محمد علي باشا أرومة العائلة الخديوية إظهار ما اختص بهِ من البسالة والإقدام وما جعلهُ الله فيهِ من الفضائل التي قدَّر لهُ أن يبثها في هذا القطر السعيد.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.