الفصل الخامس

الدولة المحمدية العلوية

(١) ولاية محمد علي باشا (من سنة ١٢٢٠–١٢٦٤هـ أو من ١٨٠٥–١٨٤٨م)

ولد هذا الرجل العظيم في مدينة قواله١ من أعمال الروملي سنة ١١٨٢هـ (١٧٦٨ أو ١٧٦٩م) من أبٍ يدعى إبراهيم أغا وكان من ضباط تلك المدينة وفي عهدتهِ رئاسة غفر الشوارع. ويقال إن والدة الصبي رأت رؤية وهي حامل بهِ فاستفسرت المفسرين فبشَّروها بعظم الذي هي حامل. ثم توفي إبراهيم أغا ومحمد علي لم يتجاوز الرابعة من عمرهِ ولم يبق لهُ إلَّا عمٌّ كان يدعى طوسون أغا متسلم قواله قُتل بأمر الباب العالي بعد ذلك بيسير فأصبح يتيمًا قاصرًا فرباهُ جربتجي براوسطا أحد أصدقاء والدهِ وجعلهُ بمنزلة أولادهَ. ولكن محمد علي كان يشعر بحالة من اليتم الذي يقود إلى الذل وضعة النفس. ومما يروى عنهُ بعد أن ارتقى ذروة المجد أنهُ كان يحدث أخصاءَهُ عما قاساهُ في صبوتهِ من الذلّ إلى أن يقول: «ولد لأبي سبعة عشر ولدًا لم يعش منهم سواي فكان يحبُّني كثيرًا ولا تغفل عينهُ عن حراستي كيفما توجهت، ثم توفاهُ الله فأصبحت يتيمًا قاصرًا وأبدل عزي بذل وكثيرًا ما كنت أسمع عشراي يكررون هذه العبارة التي لا أنساها عمري وهي: «ماذا عسى أن يكون مصير هذا الولد التعيس بعد أن فقد والديهِ؟!» فكنت إذا سمعتهم يقولون ذلك أجعل نفسي غافلًا عنهُ ولكني كنت أشعر بإحساس غريب يحركني إلى النهوض من تحت هذا الذل، فأجهد نفسي بكل عمل يمكني معاطاتهُ بهمة غريبة حتى كان يمرُّ عليَّ أحيانًا يومان ساعيًا لا آكل ولا أنام إلَّا شيئًا يسيرًا. ومن جملة ما قاسيت أني كنت مسافرًا على مركب فطلع النوء فكسرهُ وكنت صغيرًا، فتركني أرفاقي وطلعوا إلى جزيرة هناك على قارب كان معنا، أما أنا فجعلت أجاهد بالماء وأسعى تقذفني الأمواج وتستقبلني الصخور حتى تجرحت يداي وكانتا لا تزالان يانعتين وقد قدرني الله ووصلت الجزيرة سالمًا وقد أصبحت هذهِ الجزيرة الآن قسمًا من مملكتي.»

وكان في قواله عائلة فرنساوية من مرسيليا كبيرها يدعى الموسيو ليون وكان من الوجهاء وأصحاب الثروة والمحبين للفضيلة، واتفق لهُ أنهُ عرف هذا الغلام فكان يظهر لهُ المحبة والحنو لما رأى فيهِ من الذكاء والنباهة الطبيعيتين، وهذا أصل وثوق محمد علي بعد ذلك بالشعب الفرنساوي واستخدامهِ إياهُ في مصالح البلاد. ويقال إن محمد علي بعد أن استوى على ولاية مصر بعث إلى الموسيو ليون سنة ١٢٣٥هـ أو ١٨٢٠م يدعوهُ إلى مصر ليصرف زمنًا في ضيافتهِ، فأجاب دعوتهُ لكنهُ توفي في اليوم المعَّين لقدومهِ. فلما علم محمد علي بذلك أسف أسفًا شديدًا وبعث إلى أخت الفقيد هدية تساوي عشرة آلاف فرنك.

فلما ترعرع محمد علي انتظم في سلك الجهادية وأظهر على صغر سنهُ نباهة وبسالة عجيبتين وكان يرسلهُ مربيهِ في مأموريات مهمة لجمع الضرائب ويعتمد عليهِ بأمور كثيرة، حتى إذا بلغ الثامنة عشرة من العمر رقاهُ إلى رتبة بلوك باشي وأزوجهُ إحدى قريباتهِ فولدت لهُ خمسة أولاد منهم ثلاثة ذكور وهم إبراهيم وطوسون وإسماعيل. وكانت امرأة محمد علي على جانب من الثروة فتعاطى التجارة وعلى الخصوص في صنف الدخان لأنهُ أكثر أصناف التجارة في بلادهِ وبرع فيها كثيرًا حتى إنهُ مع قلة معارفهِ العلمية اكتسب شهرة عظيمة بين التجار.

فلما كانت الحملة الفرنساوية أرسل الباب العالى يطلب من مكدونية نجدة عسكرية فوردت الأوامر إلى جربتجى براوسطا أن يجمع ثلاث مئة مقاتل ففعل وجعل عليهم ابنهُ علي أغا قائدًا ومحمد علي مساعدًا. فسارت تلك الكتيبة المكدونية برفقة العمارة العثمانية تحت قيادة حسين قبطان باشا إلى أبي قير وكان الفوز بتلك المحاربة للفرنساويين على ما مرَّ بك. فترك علي أغا كتيبتهُ بعد أن عهد قيادتها لمحمد علي وعاد إلى بلادهِ فارتقى محمد علي إلى رتبة بيكباشي. ثم كانت محاربة العمارة الإنكليزية وتقدمها إلى القاهرة في النيل والعساكر العثمانية تحت قيادة الصدر الأعظم في البر من جهة الشرق كما تقدم.

فلما انسحبت الجيوش الفرنساوية ثم تبعتها الجيوش الإنكليزية احتلَّت مصر الجيوش العثمانية وكانت مؤلفةٌ من أربعة آلاف من الألبانيين (الأرناءوط) الأشداءِ وكان المماليك لا يزالون يحاولون الاستقلال في الملك، ولم يتقرَّر لديهم إذا كانوا ينالون هذهِ البغية أو أن مصر ستعود بعد الحملة الفرنساوية لتحت سلطة الباب العالى كما كانت قبلها. أما الباب العالى فكان يرغب أن تكون حكومة مصر بيد من يرسلهُ إليها من وزراء الدولة فنهى عن إعطاء المماليك القوة العسكرية.

وكان المماليك من الجهة الثانية منقسمين فيما بينهم تحت رئاسة اثنين من أمرائهم كلٌّ منهما يحاول الاستقلال بنفسهِ كما قد علمت. فلما تولى محمد خسرو باشا على مصر كان مرفوقًا بأوامر سريةٍ مآلها إبادة كل من بقي في مصر من المماليك بأي وسيلة كانت، وكان مخلصًا للدولة وفيهِ عزيمة ونشاط إلَّا أنهُ لم يحسن التصرف بما خول لهُ بما يتعلق بالأوامر السرية فضلًا عما كان بينهُ وبين محمد علي من المناظرة منذ بضع سنين. إلَّا أن هذا لم ينفك عن العمل حتي ارتقى في الجيش إلى رتبة قبي بلوك باشي أي رئيس حرس السراي، وأخيرًا نال من محمد خسرو باشا رتبة سرششمه فأصبح قائدًا لثلاثة أو أربعة آلاف من الألبانيين. فجعل من ذلك الحين يظهر ما كان كامنًا فيهِ من المواهب العظيمة فامتلك قلوب رجالهِ امتلاكًا غريبًا واكتسب ثقة كل من عرفهُ.

فاتفق أثناء ذلك أن المماليك ثاروا على الدولة فأنفذ إليهم خسروا باشا حملة من الجنود العثمانية لقهرهم وفي جملتها فرقة محمد علي. فقدرَّ الله انقلاب جنود خسرو باشا قبل وصول رجال محمد علي إلى الموقعة، فرأَى قائد تلك الحملة أن ينسب انكسار رجالهِ لتأخر محمد علي ورجالهِ في الطريق، فقدَّم تقريرًا بهذا المعنى إلى خسرو باشا فسرَّ بهذه الشكاية وأقرَّ عليها لأول وهلة وحكم على محمد علي بالإعدام سرًّا تخلصًا منهُ، فكتب إليه أن يقابلهُ في منتصف الليل للمخابرة معهُ بشئون مهمة. فأوجس محمد علي خيفة من تلك الدعوة فأخذ يفكر فيماذا يفعل لينجو من هذه المكيدة مع علمهِ أنهُ إذا امتنع عن الحضور يعدُّ عاصيًا فتكون البلية الثانية أشر من الأولى.

واتفق إذ ذاك تمرد القوة العسكرية لتأخر مرتباتهم. ثم كان انهزام محمد خسرو باشا إلى دمياط وتولية طاهر باشا. ثم قتل طاهر باشا كما مر بكَ فنهض أحمد باشا والي الشرطة يطلب أن يولوهُ على مصر بدلًا من محمد خسرو باشا وساعدهُ الانكشارية. وكان محمد علي قد ملك القلعة ومعهُ رجالهُ الأرناءوط وكانوا لا يريدون ولاية أحمد باشا وإنما خافوا أن لا يستطيعوا مناهضتةُ. فلاح لمحمد علي أن يستجلب حزب المماليك إليه فكاتبهم إلى الصعيد وجهات أخرى فأتوا المدينة وفيهم الأميران عثمان البرديسي وإبراهيم بك وغيرهما، فتعاهد معهم على إخراج أحمد باشا من المدينة فكتب إليه إبراهيم بك أن يخرج من القاهرة حالًا واذا بقي فيها لبعد الساعة الحادية عشرة من ذلك النهار لا يلومن إلا نفسهُ فخرج أحمد باشا من المدينة رغمًا عنهُ. ثم طهروا القاهرة من الانكشارية والبشناق والسجمان ولم يبق فيها إلَّا المماليك ومحمد علي ومعهُ الأرناءوط. ثم اتفق محمد علي مع عثمان البرديسي على استئثار محمد خسرو باشا فسار عثمان إلى دمياط وحاربهُ هناك حتى أسرهُ في ١٤ ربيع أول سنة ١٢١٨هـ وأتى بهِ إلى القاهرة وسلمهُ لإبراهيم بك في غاية ربيع أول منها. ثم نقل بعد ذلك إلى القلعة.

فلما وصلت هذه الحوادث إلى الأستانة أرسل الباب العالى علي باشا الجزائرلي (الطرابلسي) ليقوم مقام خسرو باشا ويقتص من الجانين، فلم يصل القاهرة إلا بعد شق الأنفس ولما جاءها علم بعدم استطاعتهِ القيام بهذه المهمة بالقوة فعمد إلى المكيدة فعادت العائدة عليهِ فوقع في أيدي أعدائهِ فقتلوهُ فانتعش المماليك لهذا الانتصار.

وفي خلال ذلك عاد رئيسهم الثاني محمد الألفي من إنكلترا وكان قد ذهب إليها يطلب مساعدة دولتها فنزل في أبي قير، فلما علم البرديسي بعودتهِ أوجس شرًّا خيفة أن يطلب مقاسمتهُ فيما نالهُ بسعيهِ. فأصبح كل منهما يترصد الآخر فكانت هذهِ الفرصة ثمينة لمحمد علي ونظرًا لما كان لهُ من التسلط على أفكار البرديسي جعل يثير فيهِ عوامل الحسد لزميلهِ الألفي وما زال حتى حملهُ على الكيد بهِ. فأعد البرديسي مكيدة لزميلهِ الألفي إلَّا أنهُ لم يتمكن من نوال مرغوبهِ لأن الألفي فرَّ طالبًا الصعيد، فخلا الجو للبرديسي فظن نفسهُ قد تخلص من مناظرة ولكنهُ لم يعلم أن هنالك مناظرًا أصعب مراسًا من ذاك. وذلك أن الألبانيين لما رأوا انقسام رؤسائهم بعضهم على بعض خافوا على حقوقهم من الضياع فقاموا بصوت واحد يطلبون مرتباتهم لمدة ثمانية أشهر، وأصروا أنهم إذا لم ينالوا مطلوبهم يقلبون البلاد رأسًا على عقب فخاف البرديسي من ذلك، وإجابة لطلبهم ضرب على أهل القاهرة ضرائب فوق العادة ليدفع المبلغ المطلوب، غير أن ذلك لم يكن إلا لزيادة الطين بلة لأن أهالي القاهرة أنفسهم أنفوا من تلك المعاملة فثاروا على الحكومة واتحدوا مع القوة العسكرية واضطهدوا البرديسي في سرايتهِ يريدون قتلهُ، لكنهُ لحسن حظهِ تمكن من الفرار فترك القاهرة ولم يعد يدخلها فيما بعد وكان ذلك سنة ١٢١٩هـ (سنة ١٨٠٤م).

وكان الباب العالي عندما بلغهُ استبداد البرديسي ورفاقهِ في الأهالي وضرب الضرائب الفاحشة مع ما سبق من قتلهم لعلي باشا الجزائرلي قد أمر بإعداد أسطول يأتي مصر في البحر. وبعث إلى أحمد باشا الجزَّار أن يسير بحملة في البر وأن تتحد القوَّتان على أولئك المستبدين ويقتصوا منهم، فلما بلغهُ خبر الثورة العسكرية وما آل إليه أمر المماليك عدل عن عزمهِ اكتفاءً بما حصل.

وكان لمحمد علي باع طولى في كل هذه الحوادث. فلما فرَّ الأميران لم يعد في القاهرة سواه وكانت جميع القوة العسكرية والملكية يدًا واحدة معهُ فاستدعى إليه العلماءَ والمشايخ وتفاوض معهم بشأن إخلاء سبيل خسرو باشا وتوليتهِ على مصر وبعد المفاوضة أقروا على ذلك، وبعد تنصيبهِ بيوم ونصف أقرُّوا على إرسالهِ إلى رشيد تحت الحفظ ومنها يرسل إلى الأستانة وهكذا فعلوا. فقد رأيت كيف تمكن محمد علي بحسن سياستهِ وبعيد نظرهِ في الأمور من إضعاف سلطة الأمراء المماليك ولولا ذلك لم يبلغ ما بلغهُ بما بلغهُ. فلما كانت هذهِ الأحوال في مصر وقد أصبحت بغير نائب عثماني يؤيد سلطة جلالة السلطان عليها صرَّح أن مصر لا تمتثل إلَّا لحاكم عثماني يأتيها من لدن الباب العالي، وأشار بتولية خورشيد باشا حاكم الإسكندرية لهذا المنصب. فوافقهُ العلماءُ والفقهاء وأعيان البلاد والأجناد وطلبوا إليه أن يكون هو عليهم بصفة قائمقام وأرسلوا إلى الباب العالي يخبرونهُ بهذا التعيين فأقر عليهِ. فاستدعوا خورشيد باشا من الإسكندرية وأقاموهُ على القاهرة وجعلوا محمد علي قائمقامًا لهُ وذلك في ذي القعدة سنة ١٢١٨هـ (فبراير/شباط، سنة ١٨٠٤م) فورد الفرمان بتثبيت خورشيد باشا في ٢٢ محرَّم ونصهُ:

«إننا كنا صفحنا ورضينا عن الأمراء المصرلية (المماليك) على موجب الشروط التي شرطناها عليهم بشفاعة علي باشا والصدر الأعظم، فخانوا العهود ونقضوا الشروط وطغوا وبغوا وظلموا وقتلوا الحجاج وغدروا علي باشا المولَّى عليهم (يريد علي باشا الجزائرلي) وقتلوهُ ونهبوا أموالهُ ومتاعهُ فوجهنا عليهم العساكر في ثمانين مركبًا حربية وكذلك أحمد باشا الجزَّار بعساكر برية للانتقام منهم ومن العسكر الموالين لهم، فورد الخبر بقيام العساكر عليهم ومحاربتهم لهم وقتلهم وإخراجهم، فعند ذلك رضينا عن العسكر لجبرهم ما وقع منهم من الخلل الأول وصفحنا عنهم صفحًا كليًّا وأطلقنا لهم السفر والإقامة متى شاءوا وأينما أرادوا من غير حرج عليهم وولينا حضرة أحمد باشا خورشيد كامل الديار المصرية لما علمنا فيهِ من حسن التدبير والسياسة ووفور العقل إلخ …»

ثم حصلت بعد ذلك مواقع كثيرة بين محمد علي والمماليك في أماكن مختلفة من القطر فأصبحوا بعد ما قاسوهُ من الحروب المتواترة مدة سنين لم يعودوا فيما كانوا عليهِ من النفوذ عن ذي قبل، وأصبحت قوتهم لا تزيد عن خمسة أو ستة آلاف من الفرسان أما ماليتهم فكانت آخذة في الانحطاط.

وكانت العساكر مؤلفة من الألبانيين (الأرناءوط) وهؤلاء قضوا تحت قيادة محمد علي مدة طويلة وكانوا يحبونهُ ويعتبرونهُ، فشق ذلك على خورشيد باشا وصار يخاف هؤلاء الألبانيين فاستقدم إليه جندًا من الدلاة (المغاربة) فوصلوا مصر في أول سنة ١٢٢٠هـ وكان محمد علي يوم وصولهم في جهات الصعيد يحارب المماليك، فبلغهُ أن أحمد باشا خورشيد استقدم هؤلاء الدلاة يستعين بهم على الأرناءوط فعاد إلى القاهرة برجالهِ مظهرًا طلب العلوفة، ولولا ذلك لمنعهُ الدلاة من الدخول إليها، أما خورشيد فأوجس خيفة من قدومهِ فجعل يراقب حركاتهِ. أما الدلاة فانتشروا في البلد ينهبون ويقتلون ويصادرون الناس ويأخذون أموالهم، فاشتكوا إلى خورشيد باشا أولًا وثانيًا وثالثًا وهو يعدهم بكف هؤلاء ثم يخلف ولا تزيد الأحوال إلا اضطرابًا، فشق ذلك خصوصًا على علماءِ البلاد ومشايخها وكرهوا خورشيد باشا كرهًا شديدًا وصاروا يتوقعون تخلصهم منهُ وعلم هو بذلك فلم يزدد إلَّا فجورًا.

وفي ٢ صفر سنة ١٢٢٠هـ ورد الخط الشريف بتولية محمد علي ولاية جدة فبعث إليه خورشيد باشا وقلدهُ الولاية وألبسهُ الفروة والقاووق المختصين بهذهِ الرتبة، فخرج يريد الركوب فثارت العساكر وطالبوهُ بالعلوفة فقال لهم: هذا هو الباشا عندكم فطالبوهُ. وسار قاصدًا بيتهُ بالأزبكية وصار ينثر الذهب على الناس طول الطريق فازدادوا لهُ حبًّا واعتبارًا ولخورشيد باشا كرهًا واحتقارا.

وفي ٦ منهُ ملَّ أهالي البلاد من معاملة خورشيد باشا فسار علماؤهم ومشايخهم وأئمتهم ورؤَساء الجند إلى محمد علي وقالوا لهُ: نحن لا نريد هذا الباشا حاكمًا علينا قال: ومن تريدون إذن؟ قالوا: لا نرضى إلا بكَ تكون واليًا علينا لما نتوسمهُ فيك من العدالة والخير. فامتنع أولًا ثم رضي وأحضروا لهُ كركًا وعليهِ قفطان وقام إليه السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساهُ ثم بعثوا إلى خورشيد باشا بذلك فقال: «إني مولَّى من طرف السلطان فلا أعزل بأمر الفلاحين ولا أنزل من القلعة إلَّا بأمر من السلطنة.» فحاصروهُ فيها وقد انحازت جميع القوات العسكرية من الأرناءوط والدلاة لمحمد علي إلَّا قليلًاٌ. وكتبوا بالاشتراك مع العلماء والمشايخ إلي الباب العالي يطلبون تنصيب محمد علي عليهم وأصروا وما زالوا حتى صدرت الإرادة السنية بفرمان ينقلهُ القابجي باشي فوصل القاهرة في ١١ ربيع آخر سنة ١٢٢٠هـ (٩ يوليو/تموز، سنة ١٨٠٥م) فقرءُوا الفرمان في بيت محمد علي بحضور كل الأعيان والمشايخ ومضمونهُ الخطاب لمحمد علي باشا والي جدة سابقًا ووالي مصر حالًا، من ابتداء ٢٠ ربيع أول حيث رضي بذلك العلماء والرعية، وأن أحمد خورشيد باشا معزول عن مصر وأن يتوجهَّ إلى الإسكندرية بالإعزاز والإكرام حتى يأتيه الأمر بالتوجه إلى بعض الولايات، إلَّا أنهُ لم يخرج من القلعة إلَّا في ١٥ جمادى الأولى من تلك السنة بعد أن جاءهُ مندوب مخصوص من الأستانة بشأن ذلك.

وكان المماليك لا يزالون منتشرين في جهات القطر يحكمون ويستبدون. وكان الألفي مقيمًا في الصعيد وقد التفَّ حولهُ جمهور من المماليك وعندما علم بتولية محمد علي باشا نزل بفرسانهِ طالبًا خلعهُ وتخابر مع خورشيد باشا ليساعدهُ في غرضهِ، وتعهد أنهُ إذا فعل ذلك يعيد الأحكام ليدهِ ويكون بعد ذلك خاضعًا لأوامر الدولة العثمانية ضاربًا بسيفها هذا إذا كانت تخلع محمد علي باشا، وخابر من الجهة الثانية دولة إنكلترا ووعدها أنها إذا عضددت مشروعهُ هذا يكون مستعدًّا أن يسلمها أبواب القطر المصري حالًا. فعلم بذلك قنصل فرنسا فعرقل مسعاهُ فعكف إلى مصالحة محمد علي باشا على شيء يرضى بهِ الاثنان فحصلت المخابرات فلم يتفقا، فعاد الألفي إلى مسعاهُ ثانيةً بواسطة سفير إنكلترا في مصر فطلب هذا إلى الباب العالي بالنيابة عن دولتهِ إرجاع سلطة المماليك إلى البلاد وتعهد بأمانة الألفي وخضوعهِ لأوامر الدولة. فقبل الباب العالى بذلك فأصدر عفوًا عامًا عن المماليك باسم أميرهم الكبير الألفي فوصلهُ في غرة ربيع آخر سنة ١٢٢١هـ. وفي ١٤ الشهر المذكور وصل القاهرة خبر قدوم عمارة عثمانية تقلُّ موسى باشا مرسلًا من قبل الباب العالي واليًا على مصر ومعهُ عدة من العساكر المنظمة على النظام الجديد وخطًّا شريفًا إلى محمد علي باشا أن ينتقل إلى ولاية سلانيك، وأن يرجع المماليك المصرية إلى مراكزهم في الإمارات والأحكام، فخاف محمد علي من حبوط المسعى، فأخذ الأمر بالحزم والحكمة فرأَى أن أحزاب المشايخ والعلماء جميعها معهُ وانضم إليهم بعض المماليك الذين كانوا في الأصل من الجيش الفرنساوي وبقوا في مصر بعد سفر الحملة لعدم إمكانهم مرافقتها واعتنقوا الديانة الإسلامية وانضموا إلى المماليك، فاستكتبهم كتابًا إلى الباب العالي يطلبون فيهِ استبقاء محمد علي باشا وإرجاع موسى باشا ويبينون الأسباب الموجبة لذلك، فكتبوهُ وأمضوهُ وأرسلوا منهُ نسخة إلى الأستانة وأخرى إلى قبطان باشا قبطان العمارة التي أتت بموسى باشا فأجابهم القبطان أن ما قدموهُ من الأعذار غير مقبول، ولا بد من خروج محمد علي باشا من مصر حالًا، وكان لسفير فرنسا في الأستانة رغبة شديدة في بقاء محمد علي باشا على مصر لما علم من عزم الألفي على تسليم البلاد للدولة الإنكليزية، فسعى جهدهُ مع قبطان باشا على بقاء محمد علي باشا. ثم علم قبطان باشا بعد ذلك أن المماليك لم ينفكوا منذ وجودهم في مصر عثرة في سبيل حقوق الدولة وأنهم منقسمون فيما بينهم لا يتفقون على أمرًٍ فرأى أصوبية طلب البلاد، فكتب إليهم أن يعيدوا طلبهم وأن يبعثوا الطلب مع ابن محمد علي باشا فكتبوهُ وأرسلوهُ مع ابنهِ إبراهيم بك على يد قبطان باشا. وفي ٥ شعبان سنة ١٢٢١ بارحت العمارة العثمانية الإسكندرية وعليها قبطان باشا وموسى باشا وإبراهيم بك.

وفي أواخر شعبان (نوفمبر/تشرين الثاني، سنة ١٨٠٦م) وردت الأوامر الشاهانية بتثبيت محمد علي باشا علي ولاية مصر مع الإيعاز إليه أن لا يتعرض للمماليك بعد ذلك لصدور العفو عنهم قبلًا. وفي الشهر التالي مات عثمان البرديسي. وفي ١٩ ذي القعدة سنة ١٢٢١هـ (يناير/ كانون الثاني، سنة ١٨٠٧م) توفي محمد الألفي وهما زعيما أحزاب المماليك فولُّوا عليهم شاهين بك رئيسًا إلَّا أنهم مع ذلك لم تعد تقوم لهم قائمة وقد خلا الجو لمحمد علي باشا.

ثم إن الحكومة الإنكليزية اعتبرت تثبيت محمد علي مخلًّا بنفوذها ومضرًّا بصوالحها، فجردت حملة من ثمانية آلاف مقاتل تحت قيادة الجنرال فريزر لإرجاع سلطة المماليك وكانوا قد تبعثروا في البلاد، فوصل الإنكليز الإسكندرية في ٩ محرم سنة ١٢٢٢هـ (١٩ مارس/آذار، سنة ١٨٠٧م) مظهرين حماية القطر من الفرنساوية فاستولوا على المدينة في ٢١ محرم وبقوا فيها ستة أشهر لا يستطيعون انتقالًا إلى ما وراءها، وكانوا قد أرسلوا فرقة منهم إلى رشيد فمزقتها سيوف الأرناءوط كل ممزق. وفي يوم الخميس ٥ جمادى الآخرة سنة ١٢٢٣هـ استقال السلطان مصطفى وسنُّهُ ٢٣ سنة فبويع السلطان محمود بن عبد الحميد (محمود الثاني).

وفي ١٣ رجب سنة ١٢٢٢هـ (١٦ سبتمبر/أيلول، سنة ١٨٠٧م) انسحبت الجيوش الإنكليزية من الإسكندرية باتفاق صلح مع القطر، فاستتبت القوة لمحمد علي باشا وقد رضي جلالة السلطان عنهُ ودخلت الإسكندرية في ولايتهِ، ثم سعى بعضهم إلى المصالحة بينهُ وبين المماليك فتمَّت بقدوم شاهين بك إلى مصر بالهدايا الثمينة، فأكرمهُ محمد علي وبنى لهُ قصرًا نفيسًا لسكناهُ في الجيزة ثم تبادلوا الزيارات وكل علائق المودَّة وهكذا فعل كل المماليك.

فلما رسخت قدم محمد علي باشا في مصر أخذ في تسليم مصالح حكومتهِ لمن يثق بهم من ذوي قرباهُ لأنهُ كان من شديدي المحبة لعائلتهِ ولا شك أن أزرهُ اشتد بهم. ثم نظر إلى أمر الأراضي ومكوسها فأبطل مسموح المشايخ والفقهاء ومعافى البلاد التي التزموها لأنهُ لما ابتدع المغارم والشهريات والفرض التي فرضها على القرى ومظالم الكشوفية جعل ذلك عامَّا على جميع الالتزامات والحصص التي بأيدي جميع الناس حتى أكابر العسكر وأصاغرهم، ما عدا البلاد والحصص التي للمشايخ فإنهُ أخرجها من ذلك فلا يؤخذ منها نصف الفائظ ولا ثلثهُ ولا ربعهُ وكذلك من ينتسب لهم أو يحتمي فيهم، وكانوا يأخذون الجعالات والهدايا من أصحابها ومن فلاحيهم نظير صيانة حقوقهم. فآل ذلك الامتياز إلى تطرف أولئك بأنواع المعيشة وزيادة الترف فرأى محمد على باشا أبطال ذلك الامتياز فأبطلهُ رحمة بالرعية.

ثم استفحل أمر الوهابيين في شبه جزيرة العرب فأرسل السلطان محمود خان يعهد إلى محمد علي باشا أمر إخضاعهم وتخليص البلاد من أيديهم.

والوهابيون فئةٌ من المسلمين ذهبوا إلى إغفال كل الكتب الدينية الإسلامية إلاَّ القرآن الشريف فهم بمنزلة الطائفة الإنجيلية عند المسيحيين. زعيمها الأول يدعى محمد عبد الوهَّاب ولد سنة (١١١٠هـ (سنة ١٦٩٦م) ولما شبَّ تفقَّه وحج ثم أظهر دعوتهُ فالتفَّت عليهِ أحزاب كثيرة فافتتح نجد فالحجاز فالحرمين، وما زال يفتح في بلاد العرب حتى توفي سنة ١٢٠٥هـ (سنة ١٧٨٩م) وسنُّهُ ٩٥ سنة فاستمرَّ أحزابهُ في أعمالهم حتى سنة ١٢٢٤هـ (سنة ١٨٠٩م) تحت قيادة الأمير سعود وقد أصبحت حدود مملكتهم من الشمال صحراءَ سوريا، ومن الجنوب بحر العرب ومن الشرق خليج العجم ومن الغرب البحر الأحمر فنهبوا الكعبة وقد استفحل أمرهم ولم يرَ الباب العالي بدًّا من تكليف بطل مصر على ما تقدم.

فأجاب محمد علي باشا طائعًا وجعل يجمع القوات اللازمة لتلك الحملة، لكنهُ فكر في أمر المماليك فخشي إذا سارت الحملة أن لا تكون البلاد في مأمن منهم فيجمعون كلمتهم ويعودون إلى ما كانوا عليهِ من القلاقل، فعمد إلى إهلاكهم قبل مسير الحملة لكنهُ في الوقت نفسهِ عمل على إعداد مواد الحملة فأمر بتجنيد أربعة آلاف مقاتل تحت قيادة ابنهِ طوسون باشا، ثم طلب إلى الباب العالي أن يبعث إلى السويس بالأخشاب لبناء المراكب اللازمة لنقل الجند ومعدات الحرب فأرسل لهُ ما طلب، فابتنى ثمانية عشر مركبًا وأعدَّها عند السويس في انتظار الحملة. أما المماليك فكانوا قد يئسوا من الاستقلال بالأحكام لما رأوا ما حل بسلفائهم وما عليهِ محمد علي باشا من العزيمة، فكفوا عن مطامعهم واكتفوا بالتمتع بأرزاقهم وممتلكاتهم في حالة سلمية فقطن بعضهم الصعيد وبعضهم القاهرة وتشتتوا في أنحاء القطر. وكان شاهين بك وهو الذي تولى رئاستهم بعد وفاة الألفي قد أذعن لمحمد علي باشا كما تقدم فأقطعهُ أرضًا بين الجيزة وبني سويف والفيوم فأَوى إليها. وفي محرم سنة ١٢٢٦هـ (فبراير/ شباط، سنة ١٨١١م) سار قواد الحملة من القاهرة وعسكروا في قبة العزب في الصحراء ينتظرون باقي الحملة ومعها طوسون باشا. وتعيَّن يوم الجمعة لوداع طوسون والاحتفال بخروجهِ ورجالهِ إلى قبة العزب، فأُعلن ذلك في المدينة ودعي كل الأعيان لحضور ذلك الاحتفال في الوقت المعين وفي جملتهم المماليك وطُلب إليهم أن يكونوا بالملابس الرسمية.

ففي يوم الجمعة ٥ صفر سنة ١٢٢٦هـ (أول مارس/آذار، سنة ١٨١١م) احتشد الناس إلى القلعة وجاء شاهين بك في رجالهِ فاستقبلهم الباشا في سرايتهِ بكل ترحاب ثم قدمت لهم القهوة وغيرها، ولما تكامل الجمع وجاءَت الساعة أمر محمد علي بالمسير فسار الموكب وكلٌّ في مكانهِ منهُ جاعلين المماليك إلى الوراء يكتنفهم الفرسان والمشاة حتى إذا اقتربوا من باب العزب من أبواب القلعة في مضيقٍ بين هذا الباب والحوش العالي أمر محمد علي فانغلقت الأبواب، وأشار إلى الألبانيين (الأرناءوط) فهجموا على المماليك بغتة فانذعر أولئك وحاولوا الفرار تسلُّقًا على الصخور، ولكنهم لم يفوزوا لأن الألبانيين كانوا أكثر تعودًا على تسلقها. واقتحم المشاةُ المماليكَ من ورائهم بالرصاص فطلب المماليك الفرار بخيولهم من طرق أخرى فلم يستطيعوا لصعوبة المسلك على الخيول، ولما ضويق عليهم ترجًّل بعضهم وفرُّوا ساعين على أقدامهم والسيوف في أيديهم فتداركتهم الجنود بالبنادق من الشبابيك فقتل شاهين بك أمام ديوان صلاح الدين وحاول بعضهم الالتجاء إلى الحريم أو طوسون باشا بدون فائدة. ثم نودي في المدينة أن كل من يظفر بأحد المماليك في أي محل كان يأتي بهِ إلى كخيا بك فكانوا يقبضون عليهم ويأتون بهم إليه أفواجًا وهو يقتلهم.

وكان عدد المماليك المدعوين إلى الوليمة أربعمائة فلم ينج منهم إلا اثنان أحدهم أحمد بك زوج عديلة هانم بنت إبراهيم بك الكبير كان غائبًا بناحية بوش والثاني أمين بك كان قد أتى إلى القلعة متأخرًا فرأى الموكب سائرًا نحو باب العزب فوقف خارج الباب ينتظر الموكب. ثم لما قفلت الأبواب بغتة وسمع طلق النار علم المكيدة فهمز جوادهُ وطلب الصحراء قاصدًا سوريا. والمتبادر إلى الألسنة أن أمين بك هذا كان داخل القلعة فعندما حصلت المعركة همز جوادهُ فوثب بهِ من فوق السور لجهة الميدان فقتل جوادهُ وسلم هو، والأقرب للحقيقة أن هذه الإشاعة مختلقة أو مبالغ فيها. ثم نودي في الأسواق أن شاهين بك زعيم المماليك قد قُتل فخافت الناس ثم طافت العساكر في المدينة ينهبون بيوت المماليك ويأخذون حريمهم وجواريهم وعلا الصياح.

وفي اليوم التالي نزل الباشا وابنهُ من القلعة وطافا المدينة فأمر الباشا بإيقاف النهب وقتل كل من حاول ذلك، ولكنهُ حرَّض على قبض من يظفرون بهِ من المماليك في سائر أنحاء القطر، فكانوا يأتون بهم أفواجًا يسوقونهم كالغنم إلى الذبح فبلغ عدد من قتل من البكوات ٢٣ بيكًا. وفي اليوم التالي نزل طوسون باشا إلى الأسواق في فرقة من الجند لتسكين القلوب وإيقاف النهب. أما الجثث التي كانت في القلعة فاحتفروا لها حفرًا جعلوا فوقها التراب وصرح محمد علي باشا بحماية جميع نساء المماليك ولم يسمح بتزويجهن إلَّا لرجالهِ.

ولما استتبت الراحة وخلت البلاد من المماليك انعكف محمد علي إلى المهام الأخرى وأخصها الوهابيون، فكتب إلى غالب شريف مكة يخبرهُ باستعدادهِ إلى حملة تنقذهُ من فئة الوهابيين فتفتح طريق الحرمين لجميع المسلمين وطلب إليه أن يمهد لهُ السبيل فأجابهُ شاكرًا ووعد بالمساعدة.

أما سعود أمير الوهابيين فأنبأَتهُ الجواسيس بما نواهُ محمد علي فأمر فاجتمع حولهُ خمسة عشر ألفًا ليدفع بهم جنود مصر. أما محمد علي فسير حملة من ثمانية آلاف مقاتل تحت قيادة طوسون باشا فركبت البحر من السويس حتى أتت جنبوا على الساحل الشرقي للبحر الأحمر ومنها يتصل إلى المدينة. فتملكوا جنبوا وساروا منها إلى صفر وفيها معسكر الوهابيين، وقد تأهبوا للدفاع فهجم طوسون باشا فتقهقر سعود ورجالهُ أولًا ثم ارتدوا على الجيوش المصرية فانهزموا تاركين كل مؤنهم وذخائرهم وجمالهم وعادوا إلى جنبوا. فأُنبئ محمد علي باشا بذلك فجنَّد جندًا كبيرًا وبعث بهِ مددًا لابنهِ فاشتد أزر طوسون وجمع إليه القوتين وسار حتى أتى المدينة فأطلق عليها النار فهدم بعض السور ثم دخلها وأثخن في حاميتها حتى سلمت فكف السيف عنها. فانتشر خبر افتتاح المدينة في سائر الحجاز فخاف الوهابيون وفرح أعداؤهم ولا سيما الشريف غالب. وقد كان في جدة لا يدري ماذا يكون من أمر تلك الحملة، فلما علم بانتصارها كاد يطير من الفرح. وأخلى الوهابيون مكة خوفًا من أهلها فجاءَها طوسون واحتلها وكتب إلى أبيهِ ففرح فرحًا لا مزيد عليهِ لما أتاهُ الله من النصر على يد ابنهِ نصرًا لم يتأتَّ لغيرهِ من القواد العثمانيين، وجئء إليه بقائد حامية المدينة من الوهابيين فأرسلهُ في غفر إلى الأستانة فقتلوهُ حال وصولهِ إليها. أما من بقي من دعاة الوهابيين فكانوا لا يزالون في مأمن من خارج مكة تحت قيادة كبيرهم سعود.

فلما جاءَ صيف سنة ١٨١٣ (سنة ١٢٢٨هـ) علموا أن جنود طوسون لا يحتملون حر تلك البلاد وأنهم إذا ناهضوهم إذ ذاك يتغلبون عليهم، فجندوا وساروا إلى طراباي شرقي مكة فحاربوها واستولوا عليها ثم ساروا إلى المدينة وتهددوها بعد أن استولوا علي كل ما بين هاتين المدينتين من القرى والمدن، فاتصل الخبر بمحمد علي فلم يرَ بدًّا من ذهابهِ بنفسهِ لنصرة الجنود المصرية وقد أصبحت مصر في مأمن من المماليك وغيرهم فسار في جند عظيم حتى أتى جدة فنزلها في ٣٠ شعبان سنة ١٢٢٨هـ (٢٨ أغسطس/آب، سنة ١٨١٣م) فلاقاهُ الشيخ غالب شريف مكة وترحب بهِ، وبعد أن أدى فروض الحج رأى أن الشريف غالب ليس ممن يعتمد عليهم في الدفاع فعمد إلى خلعهِ بطريقة تضمن حقن الدماء ففاز، ثم وضع يدهُ على ممتلكاتهِ وبعث بهِ وبعائلتهِ إلى القاهرة ومنها إلى سالونيك فعاش فيها أربع سنوات ومات. أما الوهابيون فمات قائدهم سعود في دراية في ٢٦ ربيع آخر سنة ١٢٢٩هـ (١٧ أبريل/نيسان، سنة ١٨١٤م) فانحطت سطوتهم فأقاموا عليهم ابنهُ عبد الله ولم يكن كفئًا لرعاية الجند. وحصلت بينهُ وبين الجنود المصرية مناوشات كثيرة لم تأت بنتيجة. وفي ٢٨ محرم سنة ١٢٣٠هـ (١٠ يناير/ كانون الثاني، سنة ١٨١٥م) حصلت موقعة كبيرة بين جنود محمد علي والوهابيين تحت قيادة فيصل أخي عبد الله شفت عن انتصار المصريين فتقدم طوسون إلى نجد، إلَّا أنهُ اضطر أخيرًا إلى التوقف لقلة المؤن وهو لم يبلغ دراية.

ثم اقتضت الأحوال عود محمد علي إلى مصر فعاد وقد فتح طريق الحرمين ولكنهُ لم يُبِد جميع الوهابيين فوصل القاهرة في ٤ رجب سنة ١٢٣٠هـ (يونيو/ حزيران، سنة ١٨١٥م) فاهتم بتدريب الجند على نظام جند أوروبا وكان أوَّل من فعل ذلك في مصر فأصدر أمرًا عاليًا في شعبان سنة ١٢٣٠هـ (يوليو/تموز، سنة ١٨١٥م) مؤداهُ أن الجنود المصرية ستدرَّب علي النظام الحديث وهو النظام الفرنساوي الذي كان متبعًا إذ ذاك في سائر أوروبا، فعظم على الجهادية ولا سيما الأرناوط الامتثال إلى هذهِ الأوامر لأنهم اعتبروها بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ولما أصرَّ عليهم إلا أن يتبعوها ثاروا وتجمهروا إلى القلعة يطلبون الرفق بهم وإنقاذهم من الجور، فرأَى من الدراية والحزم أن يعاملهم بالحسنى فأجابهم إلى ما أرادوا على نية أن يدخل هذا النظام أولًا بين الجنود الوطنية لأنهم أقرب إلى الطاعة من هولاءِ الألبانيين ومن كان على شاكلتهم.

وفي أثناءِ ذلك عاد طوسون باشا من الحجاز إلى القاهرة فخرج الناس لملاقاتهِ بالاحتفال والإكرام، ثم نزل إلى الإسكندرية حيث كان أبوهُ مقيمًا فوجد امرأتهُ قد وضعت أثناءَ غيابهِ غلامًا زكيًّا دعتهُ عباسًا. وبعد يسير أصيب طوسون بألم شديد في رأسهِ لم يعش بعدهُ إلَّا بضع ساعات. وكان محمد علي باشا قد توجه إلى القاهرة. ولما اتصل بهِ الخبر كان على ضفة النيل الغربية بجوار أهرام الجيزة. فقالوا لهُ إن طوسون مريض فأسرع إلى الإسكندرية لمشاهدتهِ فلما دنا من المكان علم بوفاتهِ فوقف مبغوتًا لا يبدي حراكًا وبقي على مثل تلك الحال ثلاثة أيام متوالية ونقلت جثة طوسون باشا إلى القاهرة ودُفنت قرب مسجد الإمام الشافعي وراء جبل المقطَّم حيث مدفن العائلة الخديوية اليوم.

وبعد قليل عاد محمد علي إلى روعهِ فأخذ يهتم بأمر الوهابيين خشية أن يعودوا إلى ما كانوا عليهِ، فكتب إلى عبد الله بن سعود أن يأتي إليه بالأموال التي استخرجها الوهابيون من الكعبة وأن يتأهب متى قدم ليسير إلى الأستانة. فأجابهُ يعتذر عن عدم إمكانهِ الشخوص وقال إن تلك الأموال قد تفرقت على عهد أبيهِ وأرسل لهُ هدايا فاخرة فأرجع إليه محمد علي تلك الهدايا وأوسعهُ تهديدًا. ثم جرَّد إليه حملة عهد قيادتها إلى ابنهِ إبراهيم باشا (جد سمو الخديوي الحالي) وكان باسلًا شجاعًا مقدامًا لا يهاب الموت شديد الغضب سريعهُ ولكنهُ كان سليم القلب حرَّ الضمير ولذلك كانت أحكامهُ عادلة صارمة. وفي ١٠ شوال سنة ١٢٣١هـ (٣ سبتمبر/أيلول، سنة ١٨١٦م) سار إبراهيم باشا بحملتهِ من القاهرة في النيل إلى قنا ومنها في الصحراء إلى القصير على شواطئ البحر الأحمر ومنها بحرًا إلى جنبو ثم إلى المدينة، وتربَّص هناك بجميع قواتهِ يستعد إلى هجوم شديد امتثالًا لمشورة أبيهِ. فالتفَّ حولهُ عصبة جديدة من القبائل المتحابة ولما تكاملت قوَّاتهُ أقام الحرب سجالًا وما زال بين هجوم ودفاع حتى فاز وقبض على زعيم الوهابيين عبد الله فأرسلهُ إلى أبيهِ فوصل القاهرة في ١٨ محرَّم سنة ١٢٣٤هـ (١٧ نوفمبر/تشرين الثاني، سنة ١٨١٨م) فأُذن لهُ بالمثول بين يدي الباشا وتقبيل يديهِ فترحب بهِ كثيرًا لأنهُ كان يعجب من جسارة الوهابيين ثم سألهُ ما ظنهُ بإبراهيم فأجابهُ قائلًا: «إنهُ قد قام بواجباتهِ ونحن قمنا بواجبنا وهكذا أراد الله.» وفي٢٠ محرَّم أُرسل إلى الأستانة فطافوا بهِ في أسواقها ثلاثة أيام ثم قتلوهُ. وخلع جلالة السلطان على إبراهيم باشا خلعة شرف مكافأةً لهُ وسماهُ واليًا على مكة. فاتصلت هذهِ الأخبار بدراية فخاف أهلها فهدموا المدينة وفرُّوا من وجه الموت فاحتلتها الجنود الظافرة. أما محمد علي باشا فإنهُ نال من إنعام أمير المؤمنين لقب خان مكافأَة لإخلاصهِ وبسالتهِ وهو لقب لم يمنح لأحد من وزراء الدولة إلَّا حاكم القرم.

ولما أنهى هذا الرجل الخطير محارباتهِ في بلاد العرب فكر في افتتاح السودان على أمل أن يصادف فيها الكنوز الثمينة من معادن الذهب بجوار البحر الأزرق، ناهيك عما هنالك من المحصولات والواردات العجيبة من الصمغ والريش والعاج والرقيق وغير ذلك. فجنَّد خمسة آلاف من الجند النظامي وبعض العربان وثمانية مدافع وجعل الجميع تحت قيادة إسماعيل باشا أحد أولادهِ، فسارت الحملة من القاهرة في شعبان سنة ١٢٣٥ (يونيو/ حزيران، سنة ١٨٢٠م) في النيل فقطعت الشلال الأول فالثاني فالثالث حتى السادس فأتت شندي والمتمة وقد أخضعت كل ما مرَّت بهِ من القرى والبلدان بدون مقاومة. ومن شندي سارت إلى سنَّار على البحر الأزرق وراء الخرطوم. ولم يكن من القبائل التي يعتدُّ بها هناك إلَّا الشائقية فقاوموا قليلًا ثم سلموا، ودخلت سنار عاصمة كردوفان في أملاك مصر فسار إسماعيل باشا في جنودهِ إلى فزقل وهناك ظن أنهُ اكتشف معادن الذهب. ثم فشا في رجالهِ الوباءُ فمات منهم كثيرون ثم أتتهُ نجدة من ثلاثة آلاف رجل تحت قيادة صهرهِ أحمد بك الدفتردار فاشتد أزرهُ فأقام صهرهُ هذا على كردفان، وسار في جيش إلى المتمة على البر الغربي من النيل ثم عبر إلى شندي في البر الشرقي لجباية المال وجمع الرجال فاستدعى إليه ملكها واسمهُ نمر وقال لهُ: «أريد منك أن تأتي إليَّ قبل خمسة أيام بملءْ قاربي هذا من الذهب وألفين من العساكر.» فجعل ذلك الملك يستعطف إسماعيل باشا ليتنازل عن ذلك القدر فقبل منهُ أخيرًا عوضًا عن الذهب مبلغ عشرين ألف ريال من الفضة فأجابهُ إلى ما أراد، ولكنهُ لم يستطع جمعها في تلك المدة فطلب منهُ تطويل الأجل فضربهُ إسماعيل بالشبق (الغليون) على وجههِ قائلًا: «لا إن كنت لا تدفع المبلغ فورًا ليس لك غير الخازوق جزاءً.» فسكت نمر وقد أضمر لهُ الشرَّ وصمم على الانتقام فطيَّب خاطرهُ ووعدهُ بإتمام ما يريد وفي تلك الليلة جعل يرسل من التبن الجاف أحمالًا إلى معسكر إسماعيل باشا علفًا للجمال، وإنما جعلهُ حول المعسكر كأنهُ يريد إشعالهُ. وفي المساء أتى إلى إسماعيل في سرب من الأهالي ينفخون بالمزمار ويرقصون رقصة خاصة بهم فطرب إسماعيل وضباطهُ بذلك ثم أخذ عدد المتفرجين من الوطنيين يتزايد شيئًا فشيئًا حتى أصبح كل أهل المدينة هناك. فلما تكامل العدد أمرهم ملكهم نمر بالهجوم فهجموا بغتةً على إسماعيل ورجالهِ ثم داروا بالنيران على التبن فأشعلوهُ فمات إسماعيل باشا وكثير ممن كان معهُ بين قتل وحرق. وفي اليوم التالي أتموا على الباقين وساقوا سلبهم إلى المدينة.

فاتصل الخبر بأحمد بك الدفتردار فاشتعل غيظًا وأقسم أنهُ لا يقبل أقل من عشرين ألف رأس انتقامًا لإسماعيل، فنزل بجيشهِ القليل وحارب الملك نمر وتغلب عليهِ ولم ينفك حتى أنفذ قسمهُ فقتل ذلك العدد من الرجال متفننًا في طرق قتلهم على أساليب مختلفة فهدأت الأحوال بعد ذلك وهكذا تم افتتاح السودان. وما زال أحمد بك على حكومة سنار وكردفان إلى سنة ١٢٤٠هـ (سنة ١٨٢٤م) ثم أُبدل برستم بك.

أما محمد علي باشا فعاد إلى ما كان فيهِ من تدريب الجند على النظام الحديث وكانت قد تمهدت لهُ السبل، فأسَّس مدرسة عسكرية في الخانكاه كانت تعلَّم فيها اللغات والحركات العسكرية وجعل سراية مراد بك في الجيزة مدرسة للفرسان وأقام فيها أساتذة من الإفرنج. وأنشا مدرسة للطبجية وجعل في القاهرة معامل لسكب المدافع ولاصطناع جميع حاجيات الجند تحت مناظرة عملة من الإفرنج. والفضل في إدخال النظام الجديد في الجيش المصرى لأحد رجال الفرنساويين اسمهُ الحقيقي «ساف» لكنهُ لم يذعن لهُ الجند حتى أسلم ودعا نفسهُ سليمان باشا. ثم عكف محمد علي إلى تنشيط الخارجية بحرًا فوجه انتباههُ إلى ثغر الإسكندرية. وجعل فيهِ ترسخانة أتى إليها بالسفن والدوارع من مرسيليا وفينيسيا ثم أقام فيها مدرسة أتى إليها بالأساتذة الماهرين من فرنسا وإنكلترا وبنى حول الإسكندرية حصنًا منيعًا قد هدم الآن القسم الأعظم منهُ توسيعًا لمساحة المدينة.

ثم حول انتباههُ إلى محصولات البلاد فرأى أرضها خصبة وقد علم ممن عالجها في الأزمنة الخالية أنها كثيرة النتاج، فجاءَ إليها بالقطن من البذار (التقاوي) الأمريكاني، وجاءَ بنبات النيلة من جهات الهند، وجاءَ بمن يحسن زرعهُ منهم ومثل ذلك فعل بالأفيون فإنهُ أتى بهِ وبمن يزرعهُ من آسيا الصغرى. ثم أكثر من غرس الأشجار الكبيرة إلى ما يشبهُ الأحراش تلطيفًا لحرارة الهواء واستزادة للغيث. وغرس في جزيرة الروضة بين القاهرة والأهرام حديقة فيها أنواع الأشجار والرياحين أتى بها من أقصاءِ العالم وغرس مغارس الليمون في شبرا.

ومن أعمالهِ من هذا القبيل غرس حديقة الأزبكية وقد كانت أثناء الحملة الفرنساوية بركة من الماء كبيرة تتصل إليها مياه النيل أيام الفيضان، وكان الناس يأتون إليها في المواسم والأعياد في قوارب عليها الأنوار المتعددة الألوان ومعهم آلات الطرب. فاحتفر محمد علي حولها ترعة تنصرف إليها المياهُ فظهرت أرض البركة فجعل حول هذه الترعة صفوفًا من الأشجار تحيط ببقعة كلها غرس طيب. فلما كانت ولاية محمد سعيد باشا أصبحت هذه الحديقة مجموع قهاوي ومحلات لهو على النسق الأوروبي، حتى إذا كانت ولاية إسماعيل باشا الخديوي السابق أحيطت بسور عليهِ شبك حديد بعد أن ردمت الترعة وجعل في وسط الحديقة بركة يأتيها الماءُ بقناة متصلة بترعة الإسماعيلية ولا يزال هذا شأنها إلى اليوم.

وبعد أن أكثر محصولات البلاد أخذ في تمهيد سبل التجارة فنظر في أمر إنشاء مينا أمينة تأوي إليها السفن التجارية فلم تعجبهُ رشيد ولا دمياط لخشونة مرساهما فاختار الإسكندرية، فاحتفر الترعة الموصلة بينها وبين النيل ودعاها المحمودية نسبة إلى السلطان محمود الثاني. وكان افتتاح تلك الترعة في ٤ ربيع ثاني سنة ١٢٣٥هـ (٢٠ يناير/كانون الثاني، سنة ١٨٢٠م) وكانت كثيرة الاستعمال لنقل البضائع الواردة بحرًا إلى الدلتا فاكتسبت الإسكندرية بذلك أهمية كبرى، فتقاطر إليها التجار من أماكن مختلفة من أوروبا وغيرها وأقيمت فيها البنايات الكبيرة على النمط الإفرنجي ووجدت فيها الفنادق والنزل للغرباء والمسافرين. وأصلح مرفأ بولاق. ثم عاد إلى الصناعة فرأَى أن ينشئ معامل لمعالجة القطن والنيلة وغيرهما من محصولات البلاد، فأنشأ معامل كثيرة في أماكن مختلفة لم ينجح منها إلَّا معمل الطرابيش الحمراء التونسية لكثرة طلاب هذه البضاعة في الشرق عمومًا، أما حبوط باقي المعامل فلعدم وجود معادن الفحم والحديد في القطر.

ثم جاءَ إلى الإصلاحات الصحية وقد كانت البلاد في غاية الاحتياج إليها لانتشار التدجيل والتطبيب بالكتابة والحجابة وما شاكل. والفضل في إيجاد المدارس الطبية والمستشفيات في القطر المصري للدكتور كلوت (ثم صار بعد ذلك كلوت بك واليهِ ينسب شارع كلوت بك في القاهرة) فإنهُ أدى من الخدامات ما استوجب عليهِ ثناء محمد على وحبهُ، فقد تأسست بمساعي هذا الدكتور مستشفيات عديدة في سائر القطر المصري وأنشئت مدرسة طبية وصيدلية مع مستشفي أبي زعبل وراء الخانكاه ومدرسة أخرى في فن القوابل في القاهرة. وأجاز محمد علي باشا لسوريا أن ترسل من أبنائها عددًا معلومًا يتعلمون الطب مجانًا. ثم اهتمَّ بالحالة العلمية فشكل مجلسًا للمعارف العمومية وقصد بهِ تعليم خدمة الحكومة الملكيين والجهاديين ما يؤهلهم للقيام بمهام أعمالهم. وفتح مدارس كثيرة لتعليم شبان القطر وكان يرسل بعضًا منهم إلى أوروبا لتتميم دروسهم على مثال الإرساليات العلمية في هذه الأيام.

وقسم القطر المصري إلى أقاليم أو مديريات جعل على كلٍّ منها مديرًا وقسم المديرية إلى أقسام على الواحد منها مأمور مع بعض القوة العسكرية أو الشرطة لمساعدتهِ في جمع الضرائب (الفردة) وكانوا يستخدمون الكرباج في تحصيلها. ومما أتاهُ من الإصلاح الداخلي تنظيم الضابطة فأمن الناس من غائلات السبل، ولا سيما الأوربيون، فإنهم كانوا يقاسون أثناء تجولهم في القطر إهانات ومشاق شديدة، أما بعد تنظيم الضابطة فأصبحت السبل في مأمن وتسهلَّت الصلات التجارية، وعلى الخصوص بين إنكلترا والهند عن طريق البحر الأحمر، فاستعاضوا بها عن طريق رأس الرجاء الصالح في أمور كثيرة.

ومن مشروعاتهِ الخطيرة القناطر الخيرية على رأس الدلتا وتفصيل ذلك: أن محمد علي باشا رأَى أن النيل إذا وصل إلى رأس الدلتا ينفصل إلى فرعين هما فرعا رشيد ودمياط أو الفرع الغربي والفرع الشرقي، فالغربي يصب عند رشيد وهو أكبرهما ويمرُّ في أراضٍ معظمها لا يصلح للزراعة فيذهب معظم مياههِ هدرًا، والشرقي بالعكس فإنهُ يخترق أراضي واسعة الأرجاء حسنة التربة. فإذا كانت أيام التحاريق لا يعود هناك مياه كافية للري فارتأى أن يتخذ وسيلة يتيسر لهُ بها الانتفاع بما يزيد من مياه الفرع الغربي بإضافتهِ إلى الشرقي، ورأَى أيضًا أن النيل إذا كانت أيام فيضانهِ يذهب جانب عظيم من مائهِ هدرًا فإذا كانت أيام التحاريق تحتاج الأرض إلى الري ولا سيما في الصعيد على أن أرض الصعيد لا ترتوي كلها إلا إذا كان الفيضان وافيًا. فأقر على ابتناءِ قناطر على عرض الفرعين عند أوَّل تكونهما في رأس الدلتا، وأن يجعل لهذه القناطر أبوابًا من الحديد تغلق وتفتح عند الاقتضاء بحيث يمكنهُ سد القناطر وفتحها متى أراد، فإذا سدَّ قناطر الفرع الواحد وفتح قناطر الآخر انصرفت المياه إلى الفرع المفتوح. وبهذه الواسطة يمكنهُ صرف المياه إلى حيث شاء، وإذا كان الفيضان غير وافٍ تسد القناطر كلها فترتفع المياه في الصعيد وتسقي أراضيهِ ثم لا يصرف منها إلَّا ما يلزم لري الوجه البحري. فإذا كانت أيام التحاريق تفتح القناطر فتفيض الماء والأرض في احتياج إليها. فأقرَّ رأيهُ على مباشرة العمل فوضع الحجر الأول لتلك القناطر سنة ١٢٥١هـ (سنة ١٨٣٥م) ودعيت القناطر الخيرية أو البراج وهي الآن تامة البناء. غير أن ذلك المشروع لم يأتِ بالفائدة المطلوبة تمامًا لأن الماء في الصعيد لم يرتفع إلى القدر المطلوب فضلًا عن أن البناء لم يكن متينًا كاللازم، فاهتمت نظارة الأشغال مؤخرًا في سدَّ هذا الخلل. ومن آثارهِ أيضًا مطبعة بولاق الأميرية وقد زاد فيها من جاء بعده من الولاة وهي لا تزال إلى الآن عامرة عاملة تزيد تحسنًا كل يوم وتنفق عليها الحكومة المصرية الآن ٢٢٤٠٠ جنيهً وهي تابعة لنظارة المالية.

ولما أتم محمد علي تلك الإصلاحات العمومية فكر في أمر راحتهِ الخصوصية فابتنى القصور والسرايات لإقامتهِ في القاهرة والإسكندرية وشاد لهُ بيتًا في القلعة لسكناه في فصل الشتاء. وأنشأ جنائن في شبرا بجوار القاهرة للنزهة وابتنى في الإسكندرية أبنية للمصيف.

وقد باشر محمد علي باشا هذه الإصلاحات وأتمها والمشاغل السياسية تنتابهُ من كل ناحية وتتخلل مشروعاتهِ، فكان لا يلبث أن يباشر عملًا حتى يحدث من القلاقل أو المشاغل ما يستدعي اهتمامهُ فيهتم بهِ حتى يصرفهُ فيعود إلى مشروعاتهِ، كل ذلك مما يدلنا دلالة صريحة على عزيمة ونشاط هذا الرجل العظيم.

وفي سنة ١٢٣٩هـ أو سنة ١٨٢٥م أرسل محمد علي باشا بأمر الباب العالي حملة مصرية تحت قيادة ابنهِ إبراهيم باشا لمحاربة المورا، فسار وحارب وعاد ظافرًا بعد أن بذل في سبيل ذلك عشرين مليون فرنك وثلاثين ألف مقاتل. ثم ثارت حكام سوريا على الباب العالي وفي جملتهم عبد الله باشا حاكم عكا فجرَّد محمد علي باشا سنة ١٢٤٧هـ (سنة ١٨٣١م) حملة في البر والبحر فأرسل البيادة والطبجية عن طريق العريش برًّا وسار إبراهيم باشا في بطانتهِ بحرًا. أما حملة البر فاستولت على غزة ويافا بغير شديد مقاومة ثم وصل إبراهيم باشا إلى يافا وسار في جيشهِ إلى عكا فوصلها في ٢١ جمادى الأولى سنة ١٢٤٧هـ ١٧ أكتوبر/تشرين الأول، سنة ١٨٣١م) فحاصرها برًّا وبحرًا إلى ٢٦ ذي القعدة منها (٢٧ مايو/آيار، سنة ١٨٣٢م) فهجم عليها هجمة نهائية شفَّت عن تسليمها. ثم سار قاصدًا دمشق فأخضعها ولم تدافع إلا يسيرًا وبارحها إلى حمص حيث كانت تنتظرهُ الجنود العثمانية تحت قيادة محمد باشا والي طرابلس فوصلها في ٩ ربيع أول سنة ١٢٤٨هـ ٦ أغسطس/آب، سنة ١٨٣٢م) فعسكر فهجم عليهِ محمد باشا وبعد الأخذ والرد استولى إبراهيم باشا على حمص فخافت سوريا سطوة هذا القائد العظيم فسلمت لهُ حلب وغيرها من مدن سوريا. فتغير وجهُ المسألة باعتبار الباب العالي فبعث حسين باشا السر عسكر بجيش عثماني لإيقاف إبراهيم باشا عند حدهِ، فجاءَ وعسكر في إسكندرونة فلاقاهُ إبراهيم باشا وحاربهُ وانتصر عليهِ ولم يعد يلاقي بعد ذلك مقاومات تستحق الذكر. ثم تقدم في آسيا الصغرى تاركًا طورس وراءَهُ. وكان الباب العالي قد أرسل رشيد باشا في جيش لملاقاتهِ فجنَّد إبراهيم باشا جندًا كبيرًا من البلاد التي افتتحها وسار نحو الأستانة لملاقاة رشيد باشا، فالتقى الجيشان في دسمبر/كانون أول سنة ١٨٣٢م في كونيه جنوبي آسيا الصغرى فتقهقر رشيد باشا برجالهِ واخترق إبراهيم باشا آسيا حتى تهدَّد الأستانة.

فتداخلت الدول وفي مقدمتهنَّ الدولة الروسية فأنفذت إلى مصر البرنس مورافيف لمخاطبة محمد علي باشا بذلك وتهديدهِ فبعث إلى إبراهيم باشا أن يتوقف عن المسير. ثم عقدت بمساعي الدول معاهدة من مقتضاها أن تكون سوريا قسمًا من مملكة مصر وإبراهيم باشا حاكمًا عليها وجابيًا لخراج أدنة، وقد تم ذلك الوفاق في ٢٤ ذي القعدة سنة ١٢٤٨هـ (١٤ مايو/أيار، سنة ١٨٣٣م) وهو المدعو وفاق كوتاهيا. فعاد إبراهيم باشا إلى سوريا واهتم بتدبير أحكامها وجعل مقامهُ في أنطاكية وابتنى فيها سراية وقشلاقات وولى إسمعيل بك على حلب وأحمد منكلي باشا على أدنه وطرسوس، أما الإجراءات العسكرية فلم يكن يسوغ لأحد أن يتداخل فيها إلا هو.

وكان إبراهيم باشا سائرًا بالأحكام بكل دراية وحكمة خشية سوء العقبي إلا أنهُ مع ذلك لم ينجُ من ثورة ظهرت في نواحي السلط والكرك في أواخر سنة ١٢٤٩هـ (منتصف سنة ١٨٣٤م) وامتدت إلي أورشليم وبعد الأخذ والرد اضطرَّ إبراهيم إلى المحاصرة في أورشليم لأنها ذات أسوار منيعة ثم امتدَّت الثورة إلى السامرة وجبال نابلس.

وفي ١٦ يونيو/حزيران منها هجم المسلمون على صفد وفيها جماهير من اليهود فهدموا منازلهم وقتلوا رجالهم وفتكوا بنسائهم وأصبحت تلك المدينة في حوزتهم، ثم أجروا مثل هذه التعديات على المسيحيين في الناصرة وبيت لحم وأورشليم، ولكنهم لم يتمكنوا مما تمكنوهُ بصفد، ويقال بالجملة إن سوريا أصبحت بسبب ذلك شعلة ثورية فاتصل الخبر بمحمد علي باشا فبارح الإسكندرية إلى يافا فتقربت منهُ وجهاءُ البلاد وسراتها ثم عمدت الجيوش المصرية إلى قمع الثائرين فتشتت العصاة إلَّا النابلسيون فإنهم قاوموا طويلًا لكنهم أذعنوا أخيرًا، ثم هاجم المصريون السلط والكرك وهدموهما وبعد قليل عادت الثورة إلى جبال النصيرية، فاعترض أهلها فرقة من الجند كانت سائرة من اللاذقية إلى حلب وأعادوها من حيث أتت. فأرسل المصريون سبعة آلاف مقاتل اتحدوا بثمانية آلاف من الدروز والمارونيين تحت قيادة الأمير خليل بن الأمير بشير أمير لبنان، وسار الجميع إلى النصيرية وأخضعوهم، ثم سعى إبراهيم باشا إلى تجريد السوريين من السلاح خوفًا من عودهم إلى الثورة ففعل لكنهُ لم يستطع تجريد اللبنانيين. وكان الأمير بشير وإبراهيم باشا على وفاق تام وكأنهما خلقا ليتَّحدا ولا يخفى أن إبراهيم باشا قد استفاد من ذلك الاتحاد وكذلك الأمير بشير لأنهُ كان آخذًا جانب المسيحيين لاعتناقهِ الديانة المسيحية حديثًا. وكان يودُّ اتحادهُ مع من يؤمن يد سلطتهُ ويساعدهُ على أعدائهِ الدروز.

وبعد أن أتم إبراهيم باشا جمع سلاح السوريين بمساعدة الأمير بشير جاءَ إلى بعلبك فوصلها في ١٨ جمادى الآخرة سنة ١٢٥٢هـ (٣ أكتوبر/تشرين الأول، سنة ١٨٣٦م) وفي تلك الليلة أعد رجالهُ لمهاجمة الشوف في لبنان (مركز قوات الدروز) في ثلاث فرق وجاءَت فرقة رابعة من بيروت تحت قيادة سليمان باشا لمحاصرة بيت الدين فوصل الجميع في وقت واحد. فانذهل الدروز لهذه المباغتة واضطروا إلى التسليم. وثار أهالي المتن ثم سلموا. وفي ٢٤ جمادى الآخرة (أو ٩ أكتوبر/تشرين الأول) أتم إبراهيم تجريد الدروز من سلاحهم وأرسل الأمير بشير بعض الضابطة إلى بيوت المسيحيين وهم في الكنيسة فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الأسلحة، وحملوا كل ما جمعوهُ منها إلى عكا وكانوا يصطنعون منها نعالًا لخيولهم. فاستتبت الراحة في سوريا وأذعنت البلاد حتى أصبحت أطوع من الظل، إلَّا أن محمد علي باشا لم يقف عند هذا الحد فأحب استخدامها لتوسيع دائرة حكمهِ، فجعل يجمع منها الرجال والخيل بطرق زجرية فشق ذلك على الباب العالي فعقد مجلسًا في ١٥ ذي القعدة سنة ١٢٥٣هـ (٢٢ يناير/ كانون الثاني، سنة ١٨٣٩م) للنظر في مقاصد المصريين فأقر المجلس على تجريد حملة من ثمانين ألف مقاتل منهم ٢٥ ألفًا من الباشوزق طبقًا لإرادة جلالة السلطان محمود خان وأن تكون تحت قيادة حافظ باشا وأن تسير لمحاربة المصريين.

وكان محمد علي باشا قد سار إلى السودان تاركًا القاهرة تحت عناية حفيدهِ عباس باشا، فلما عاد إليها أول سنة ١٢٥٤هـ علم بإعدادات الباب العالى فانذعر لها فكتب إلى ابنهِ يستحثهُ، فأخذ إبراهيم في الاستعداد للدفاع فحشد جيوشهُ في حلب لدفع الجنود العثمانية القادمة برًّا. ثم علم أن معظم الأهالي راغبون في دولتهم الأصلية ومستعدون للتسليم وعلى الخصوص الدروز تحت قيادة شبلي العريان أحد أبطالهم المعدودين. فحصلت مواقع شديدة بين الجيوش العثمانية والجيوش المصرية في نزيب انتهت بانهزام الأولى إلى مرعش. واتفق في أثناء ذلك وفاة ساكن الجنان السلطان محمود خان في ٢٦ ربيع الآخر سنة ١٢٥٤هـ (أو ١٨ يوليو/ تموز، سنة ١٨٣٩م) قبل بلوغهِ خبر المواقع فتولى الخلافة السلطان عبد المجيد.

fig33
شكل ٥-١: نقود السلطان محمود الثاني.
وترى في شكل ٥-١ صورة نقود السلطان محمود الثاني مضروبة في مصر وعليها من الأسفل تاريخ سنة ١٢٢٣هـ وهي سنة توليتهِ، ومن الأعلى تاريخ ٢٣ أي السنة الثالثة والعشرين من حكمهِ فتكون هذهِ القطعة من المعاملة مضروبة سنة ١٢٤٦هـ. وعليها من الوجه الآخر الطغراء باسم السلطان المشار إليه.

وكان السلطان محمود قد أرسل عمارة بحرية لمحاربة المصريين فجاءَت الإسكندرية فأصابها ما أصاب الحملة البرية.

ثم توالت الحوادث إلى ٢٤ جمادى الأولى سنة ١٢٥٥هـ (أو ١٥ يوليو/تموز، سنة ١٨٤٠م) فانعقدت معاهدة لندرا قاضية باعتبار محمد علي باشا من تابعي الدولة العثمانية، إلَّا أن ذلك لم يكن ليوقفهُ عن مقاصدهِ ولديهِ إذ ذاك نحو ١٤٦ ألفًا من الجنود النظامية و٢٢ ألفًا من الباشبوزق منها ١٣٠ تحت قيادة ابنهِ إبراهيم في سوريا والباقون متفرقون في الحجاز وسنار وجزيرة كندي ومصر، لكنهُ علم بعد ذلك أن هذهِ القوات قليلة في جانب ما يلزمهُ لإتمام مشروعاتهِ فجعل يضم إليها كل تلامذة المدارس حتى استخدم المرضى والجرحى. ثم عمد إلى إنشاءِ غفر وطني احتياطًا ولكنهُ لم ينجح بهِ كل النجاح على أنهُ مع ذلك لما عرضت عليهِ معاهدة لندرا لم يصادق عليها، فعُرض عليهِ أن يأخذ ولاية عكا ترضيةًُ لهُ ويضمها إلى مصر وينسحب من سوريا فرفض أيضًا.

وبعد ذلك بيسير جاءَت الجيوش الإنكليزية إلى صيدا وفرَّ إبراهيم إلى الجبل. وكان الكومودور نابير في عمارة بحرية إنكليزية لمحاصرة بيروت وكانت تحت قيادة سليمان باشا وقد حصنَّها تحصينًا منيعًا ومعهُ فرقتان من الجند، وإنما لسوء الحظ جاءَتهُ الأنباء أن إبراهيم قتل وتشتتت رجالهُ، فخاف سليمان ورأَى أن لا بد لهُ من تأكيد حقيقة ذلك الخبر، حتى إذا تحقق موت إبراهيم يضم إليه ما بقي من الجيوش للمدافعة، فبارح بيروت بعد أن جعل عليها صادق بك أحد أميرالايات الفرقتين، أما هذا فلما رأَى نفسهُ منفردًا في بيروت خاف فترك المدينة وفرَّ فاستولى عليها الإنكليز، ثم اتصل بهِ من سليمان أن إبراهيم باشا لا يزال حيًّا ويأمرهُ بالثبات أمام العدو لبينما يحضر، فخاف صادق بك الوقوع في شر أعمالهِ فانضم إلى الإنكليز هو ورجالهُ. ثم سار نابير من بيروت إلى عكا وحاصرها ففر إسماعيل بك ومن فيها من الرجال وسلمت المدينة.

ثم سار إلى الإسكندرية بست سفن وعرض على محمد علي باشا الصلح فقبل وعقدوا معاهدة وقَّع عليها الطرفان، وعندما أرادوا تثبيتها مانعت الدول في ذلك وبقيت الأشياء على حالها حتى دارت المخابرات بين الباب العالي ومحمد علي باشا، فأراد جلالة السلطان مكافأة محمد علي فأعطاهُ أن تكون ولاية مصر وراثية لنسلهِ بشرط أن يكون لجلالة السلطان الحق المطلق أن يختار من عائلة محمد علي من يريد لتوليتها فتردد محمد علي في بادئ الرأي. ثم أمر جيوشهُ أن تنسحب من سوريا وكان عددها عند ذهابها إليها مائة وثلاثين ألفًا فلم يرجع منها إلا خمسون ألفًا، وقد أخذ التعب منهم مأخذًا عظيمًا فلم يرَ بدًّا من قبول إنعام جلالة السلطان. فبعث إلى الباب العالي بذلك فأرسل إليه خطًّا شريفًّا بتاريخ ٢١ ذي الحجة سنة ١٢٥٦هـ (أو ١٣ فبراير/شباط، سنة ١٨٤١م) بتثبيتهِ على مصر مع حقوق الوراثة لأعقابهِ، وأن يكون لجلالة السلطان أن يختار منهم من يريد لهذا المنصب وغير ذلك. ثم صدر فرمان آخر يثبت ولايتهٌ على نوبيا ودارفور وكردفان وسنار فأصبحت حكومتهُ بعد ذينك الفرمانين محصورة في مصر والسودان. وبمقتضى الخط الشريف تنازل محمد علي باشا عن عشرة آلاف من جنود سوريا فلم يبق عندهُ إلَّا ثمانية عشر ألفًا بين مشاة وفرسان وغيرهم، فاضطر إذ ذاك إلى الاقتصاد لإصلاح مالية البلاد، فأوقف كثيرًا من المدارس العمومية التي كان قد خصص مبالغ معلومة للنفقة عليها ومن ضمنها مدرسة شبرا الزراعية وأبدل الأساتذة الأوروبيين لما بقي من المدارس بأساتذة أتراك أو وطنيين، وسار من ذلك الحين في خطة الإصلاح قانعًا بما قسم لهُ من البلدان وعمل على إرضاء جلالةِ السلطان فأنفذ إلى جلالتهِ ابنهُ سعيد باشا لتقديم واجب العبودية.

فعادت العلاقات الودية واستتبت الراحة وقد أنف محمد علي من الحروب وانعكف إلى استرجاع ثروة البلاد ورغدها، فاهتم بالزراعة على نوع خاص، ولما رأى أن الفلاح لا يستطيع من نفسهِ أمرًا كافلًا إخراجهُ مما هو فيهِ من الضيق، ورأَى أنهُ لم يعد من حاجة لبقاء ضباط الجهادية منقطعين إلى وظائفهم العسكرية مع بقاء رواتبهم جارية عليهم في حالة السلم، وأن ليس من التدبير والحكمة أن يتناولوا معيناتهم وهم عطل من الأعمال، ورأى من الجهة الثانية أن الفلاح يحتاج إلى مرشد يهديهِ إلى الطرق اللازمة لاستقامة أمرهِ ووازع يدفعهُ إلى النهوض بواجباتهِ، وعلم أيضًا أن المرء مهما كان صادقًا في خدمة الحكومة يشتغل لنفسهِ أكثر مما يشتغل لغيرهِ، ارتأى أن يعهد بأمر البلاد إلى أولئك الأمراء مفوضًا لهم تعميرها وإصلاحها بأنفسهم ففعل، ولم يحرم الفلاح مع ذلك من ثمرة أتعابهِ، بل جعل لهذه الطريقة التي اعتمدها أصولًا وقوانين تقضي بأن لا تعطى الأطيان للمتعهد ما دامت رائجة ومقتدرة على أداء ما عليها من الأموال في أوقاتها. أما الأطيان غير الرائجة فتحال إلى عهدتهِ باختيار أربابها وهو يتعهد بأداء المال المطلوب للحكومة، وبهذه الواسطة نشطت الزراعة وتحسَّنت تحسُّنًا عظيمًا وما زالت الأراضي المصرية في يد المتعهدين إلى أيام المغفور لهُ عباس باشا وهو الذي استردها من المتعهدين وأعادها إلى أربابها. وفي جمادى الآخرة سنة ١٢٥٧هـ (أو سبتمبر/أيلول، سنة ١٨٤٢م) أنعم جلالة السلطان على محمد علي باشا برتبة صدر أعظم مكافأة لمثل هذه الإجراءات النافعة.

وأصيبت مصر هذه السنة بضربات وبائية في مواشيها وفي السنة التالية سطا عليها الجراد فأهلك مزروعاتها، فتضايقت البلاد حتى كثرت مهاجرة الناس سنة ١٢٥٩هـ (أو ١٨٤٤م) لتعذر دفع الرسوم المطلوبة منهم وإلحاح الحكومة في طلبها بكل واسطة، وكانوا إذا خلت قرية من أهلها أضافوا رسومها على القرية التي بجانبها فكثر اللغط في البلاد. كل ذلك من سوء تصرف العمال ومحمد علي باشا غير عالم بشيء لأنهم لم يكونوا يطلعونهُ على حقيقة الأمر خوفًا من تأثير الغضب عليهِ لأنهُ كان قد طعن في السن وملَّ معاطاة الأحكام. فرأَى ابنهُ إبراهيم باشا أن إخفاء تلك الأحوال عن أبيهِ ربما يألو إلى خراب البلاد فأخذ على نفسهِ القيام بتبليغ ذلك إليه، فكلَّف شقيقتهُ في ٢٥ يونيو أن تبلغ أباها بطريقة غير رسمية ما وصلت إليه البلاد من العسر وما نتج عن ذلك من التشكيات والتظلمات المتواترة. فاشتعل محمد علي غيظًا وحمل هذا البلاغ على مكيدة أعدُّوها لهُ فبارح سرايتهُ في الإسكندرية وسار توًّا إلى قرية صهرهِ محرم بك بجانب الترعة المحمودية، وجعل يغلظ في القول على مسمع ممن كان حاضرًا هناك مصرحًا أنهُ محاط بقوم خائنين ولذلك فهو مستعد للتخلي عن الحكومة والذهاب إلى مكة. فحاول ابناهُ إبراهيم باشا وسعيد باشا مخاطبتهُ واستعطافهُ فلم يصغَِ فجاءَ سامي باشا وكان من أعز أصدقائهِ وخاطبهُ فلم يقتنع إلَّا بما سبق إليه فهمهُ وأن ذلك لم يحصل إلا عن يد خائنة تدس السم في الدسم، فاستنتج الحضور من تلك الأعمال أنه أُصيب بتغير في عقلهِ. ثم ترك محمد علي القرية وسار في بعض حاشيتهِ وطبيبهِ قاصدًا القاهرة فتحدَّث الناس في الإسكندرية وعرضوا على ابنهِ إبراهيم باشا أن يتولى مكانهُ فأجاب أنهُ لا يقبل ذلك طالما كان أبوهُ حيًّا.

ولما جاء محمد علي القاهرة كان قد عاد إلى روعهِ وفطن لنفسهِ، فجمع إليه رجال ماليتهِ ووبخهَّم لإخفائهم تظلمات الإهالي عنهُ ثم تداخل إبراهيم باشا في الأمر وصرف المشكل. وكان على ديوان المالية شريف باشا حاكم سوريا سابقًا وعلى ديوان المدارس أدهم بك.

وفي صيف سنة ١٨٤٥م (١٢٦٠هـ) أصيب إبراهيم باشا بانحراف في صحتهِ فسار إلى أوروبا ترويحًا للنفس، فأصاب ترحابًا عظيمًا في سائر الممالك الأوروبية ولا سيما فرنسا وإنكلترا وعاد إلى مصر في أواخر صيف سنة ١٨٤٦م (١٢٦١هـ) وكان والدهُ قد توجه قبل وصولهِ بيسير إلى الأستانة بدعوة رسمية ليقدم عبوديتهُ لجلالة السلطان فوصلها في ١٩ يوليو/تموز سنة ١٨٤٦م (١٢٦٢هـ) ونزل في سراي رضا باشا ثم تشرف بالمثول بين يدي أمير المؤمنين فترحب بهِ، ولما أراد تقبيل الأعتاب الشاهانية أمسكهُ وأجلسهُ بجانبهِ ومكث معهُ ساعة يتحادثان ثم انصرف شاكرًا وزار عدوَّهُ القديم خسرو باشا وتصافيا. وفي ١٧ أغسطس من تلك السنة بارح الأستانة قاصدًا قوالة مسقط رأسهِ، فأقام فيها عدة أبنية لتعليم الفقراء وإعانة الضعفاء والمساكين ثم بارحها إلى الإسكندرية فقوبل بالأنوار، وسار منها إلى القاهرة فتقاطر إليه المهنئون من الأصدقاء أفواجًا فكان يستقبلهم وعلى صدرهِ الطغراء الشاهانية تتلألأ كالشمس.

(٢) ولاية إبراهيم باشا بن محمد علي

وفي منتصف سنة ١٢٦٤هـ (سنة ١٨٤٨م) توعك مزاج محمد علي باشا وازدادت فيهِ ظواهر الخرف فلم يعد ثم بدٌّ من تولية إبراهيم باشا، فتوجه هذا إلى الأستانة في أغسطس/آب من تلك السنة لأجل تثبيتهِ على ولاية مصر خلفًا لأبيهِ فثبَّتهُ السلطان بنفسهِ فعاد لمعاطاة الأحكام، وكان مهيبًا أكثر مما كان محبوبًا بخلاف والدهِ الذي كان مهيبًا ومحبوبًا معًا. ثم راجعهُ العياء واشتد عليهِ بغتةَّ ففارق هذا العالم في ١٠ نوفمبر/تشرين الثاني سنة ١٨٤٨م وبعد وفاتهِ بإحدى عشرة ساعة دفن في مدفن العائلة الخديوية بجوار الإمام الشافعي جنوبي القاهرة.

وكان عباس باشا غائبًا في مكة فاستُقدم حالًا لاستلام زمام الأحكام، فوصل القاهرة في ٢٤ ديسمبر/كانون الأول بعد أن قضى فروض الحج، وبما أنهُ أكبر أبناء العائلة لم يكن ثم اعتراض على توليتهِ، فجاءَ الفرمان الشاهاني من الأستانة مؤذنًا بذلك فتولَّى الأمور.

كل ذلك ومحمد علي باشا في الإسكندرية وقد أخذ منهُ العياءُ مأخذًا عظيمًا، وما زال يهزل جسدًا وعقلًا حتى ٢ أغسطس/آب سنة ١٨٤٩م فتوفي ولم يستغرب الناس ذلك لأنهُ مكث في حالة النزاع مدة طويلة. وفي ٣ منهُ تقاطر الناس من الأعيان والقناصل إلي سراي رأس التين في الإسكندرية لحضور مشهد ذلك الرجل العظيم، فإذا بهِ في قاعة الاستقبال موضوعًا في محمل تغطيهِ شيلان الكشمير وعلى صدرهِ سيفهُ والقرآن الكريم وعلى رأسهِ طربوشهُ الجهادي أحمر تونسي وحولهُ ٢٢ من العلماء في الملابس الرسمية يتلون القرآن بأنغام محزنة. وكان سعيد باشا أكبر من وجد في الإسكندرية من عائلة الفقيد فكانت توجه نحوهُ خطابات التعزية. ثم نقلهُ سعيد باشا إلى القاهرة ودفنهُ في جامعهِ في القلعة ولم يكن الجامع تام البناء بعد ولا يزال هناك إلى هذه الغاية.

صفات محمد علي باشا الشخصيَّة في آخر أيامهِ

كان محمد علي متوسط القامة عالي الجبهة أصلعها بارز القوس الحاجبي أسود العينين غايرهما صغير الفم باسمهُ كبير الأنف متناسب الملامح مع هيبة ووداعة. أبيض اللحية كثيفها مع استدارة وسعة جميل اليدين منتصب القامة جميل الهيئة ثابت الخطوات منتظمها سريع الحركة. إذا مشى يجعل يديهِ متصالبتين وراء ظهرهِ غالبًا وعلى الخصوص إذا مشى في دارهِ متفكرًا في أمر «وكذلك كان يفعل بونابرت». وقلما كان يتفاخر باللباس فكان لباسهُ غالبًا على زيّ المماليك وعلى رأسهِ الطربوش الجهادي ثم أبدلهُ بالعمامة فزادتهُ هيبةً ووقارًا وأبدل اللباس العسكري بلباس واسع بسيط لا يمتاز بهِ عن بعض أتباعهِ.

وكان يكره التفاخر بالحاشية فلم يكن على بابهِ إلَّا رجل واحد يخفرهُ. واذا استوى في مجلسهِ لا يتقلد السلاح إنما يجلس وفي يدهِ حقة العاطوس والمسبحة يتلاهى بها وكان يحب ألعاب البليارد والداما ولا يأنف من مجالسة صغار الضباط، وأما جلساؤُهُ العاديُّون فالقناصل وكبار السواح وكانوا يحبونهُ ويعتبرونهُ جدًّا ويلقبونهُ أحيانًا بمبيد المماليك أو مصلح الديار المصرية. وكان سليم القلب سريع التأثر لا يعرف الكظم فكثيرًا ما كان ينقاد بدسائس المفسدين وكان كريم النفس سخي العطاء وفي بعض الأحوال مسرفًا. وكان يتفاخر بعصاميَّتهِ ويرتاح للتكلم عن سابق حياتهِ. وكان محبًّا للاطلاع ولا سيما على الأخبار السياسية وكان يعتبر الجرائد وتأْثيرها في الهيئة الاجتماعية فكانوا يترجمونها لهُ فيطالعها بتمعن.

أما هواجسهُ السياسية فكانت تقلق راحتهُ فلا ينام إلَّا يسيرًا وقلما يرتاح في نومهِ ولا ينفك متقلبًا من جانب إلى آخر فكان يجعل عند فراشهِ اثنين من خدمتهِ يتناوبان اليقظة لتغطيتهِ إذا انكشف عنهُ الغطاء من التقلب. ويقال إن من جملة دواعي أرقهِ الشهقة المرتجفة التي كانت تتردد إليه كثيرًا وكان قد أصيب بها في حملتهِ على الوهابيين على إثر رعب شديد. على أن ذلك الأرق لم يكن ليضعف شيئًا من سرعة حركتهِ فكان يستيقظ نحو الساعة الرابعة من الصباح ويقضي نهارهُ في المشاغل المختلفة بين مفاوضة مع ذوي شوراه أو مراقبة استعراضات العساكر واستطلاع أمور أخرى تتعلق بصوالح الأمة. وكان بارعًا في الحساب بغير تعلم لأنهُ شرع بتعلم القراءة والكتابة وهو في الخامسة والأربعين من عمره ويقال إنهُ ابتدأَ بتعلم أحرف الهجاء على أحد خدمهِ حريمهِ والكتابة على أحد المشايخ وهذا مما يزيدهُ شرفًا وفخرًا ويبين على ما فطر عليهِ من قوة الإدراك والحذاقة والمقدرة على المهام السياسية. وكان صارم المعاملة مع لين ورقَّة وحسن الأسلوب. وكان متمسكًا بالإسلام مع احترام التعاليم الأخرى ولا سيما التعاليم المسيحية فكان يقرب أصحابها منهُ ويعهد إليهم أهمَّ أعمالهِ.

ويقال بالإجمال إنهُ كان لرعيتهِ أبًا حنونًا وصديقًا مخلصًا ولذوي قرباهُ نصيرًا مسعفًا ولأولادهُ أبًا حقيقيًّا ولذلك تراهُ بعد أن أصيب بفقد أكثرهم غلب عليهِ الحزن حتى أثر في صحتهِ تأثيرًا رافقهُ إلى اللحد. أما حبَُّهُ للرعية فلا يحتاج إلى دليل فهذه الديار المصرية عمومًا إذا قصرت السنة أهلها عن تعداد فضائلهِ ينطق جمادها بمزيد فضلهِ، هذه الترع والجسور والبنايات والشوارع والجنائن، هذه المطابع والمدارس، هذه النظامات الجهادية والملكية والقضائية، هذه الزراعة والفلاحة، هذه شبه جزيرة العرب تردِّد ما لاقتهُ من نجدتهِ. وقد كان معتبرًا ليس فقط من رعيتهِ أو ذويهِ بل من الأجانب البعيدين منهُ وطنًا ودينًا ومشربًا وكثيرًا ما تقربوا إليه بالنياشين والهدايا إقرارًا بفضلهِ على العالم عمومًا بتمهيد سبل التجارة بين أوروبا والهند على الخصوص.

(٣) ولاية عباس باشا (من سنة ١٢٦٥–١٢٧٠هـ أو من ١٨٤٨–١٨٥٤م)

هو عباس باشا بن طوسون باشا بن محمد علي باشا ولد سنة ١٢٢٨هـ (أو ١٨١٣م) وربي أحسن تربية وكان محبًّا لركوب الخيل فرافق عمهُ إبراهيم باشا في حملتهِ إلى الديار الشامية وشهد أكثر المواقع. وفي ربيع آخر سنة ١٢٦٥ (أو ديسمبر/كانون الأول، سنة ١٨٤٨م) تولى زمام الأحكام على الديار المصرية واتبع خطوات سابقيهِ وكان على جانب من العلم والمعرفة لأن المرحوم جدهُ كان يحبهُ كثيرًا فاعتنى بتعليمهِ في مدرسة الخانكاه.

ومن مشروعاتهِ المهمة الشروع في إنشاء الخط الحديدي بين مصر والإسكندرية وتأسيس المدارس الحربية في العباسية ومد الخطوط التلغرافية لتسهيل سبل التجارة وغير ذلك.

وكان لهُ غلام يدعى البرنس إبراهيم إلهامي وكان على جانب عظيم من الجمال والذكاء واللطف والمعرفة والعلم زار الأستانة سنة ١٢٧٠هـ وتشرف بمقابلة جلالة السلطان عبد المجيد، فأحبَّهُ وزوَّجهُ بابنتهِ وغمرهُ بنعمهِ فرجع إلى مصر شاكرًا حامدًا والمرحوم إلهامي باشا هو والد ذات العفاف والعصمة حرم سمو الخديوي الحالي توفيق الأول.

وعباس باشا هو الذي وضع الحجر الأول لمسجد السيدة زينب بيدهِ وقد كان لذلك احتفال عظيم حضرهُ كثير من الأعيان ورجال الدولة وذبحت فيهِ الذبائح وفرقت الصدقات على الفقراء كميات كبيرة.

وفي أيامهِ كانت بين الدولة العلية والروسيين حروب فبعث لنجدة الدولة حملة كبيرة سارت عن طريق بولاق في البحر وسار هو بنفسهِ لوداعها هناك وقبل ركوبها النيل نهض لوداعها فألقى في الجمهور خطابًا بليغًا منشطًا.

وتوفي عباس باشا في شوال سنة ١٢٧٠ (أو يوليو/تموز، سنة ١٨٥٤م) في سرايتهِ في مدينة بنها العسل ثم نقل ودفن في مدفن العائلة الخديوية في القاهرة.

(٤) ولاية سعيد باشا (من سنة ١٢٧٠–١٢٧٩هـ أو من ١٨٥٤–١٨٦٣م)

هو ابن ساكن الجنان محمد علي باشا ولد في الإسكندرية سنة ١٢٣٧هـ (١٨٢٢م) وكان محبًّا للعلم بارعًا فيهِ وعلى الخصوص في اللغات الشرقية والعلوم الرياضية وسلك الأبجر والرسم وكان يتكلم الفرنساوية جيدًا. تولًَّى زمام الأحكام سنة ١٢٧٠هـ أو ١٨٥٤م بعد وفاة عباس باشا ابن أخيهِ وكان محبًّا للعدل والفضيلة مهتمًّا بالإصلاح الاداري. ومن أعمالهِ المبرورة إتمام الخطوط الحديدية والتلغرافية بين الإسكندرية ومصر والشروع في مد غيرها وتنظيم لوائح الأطيان واسترجاعها من المتعهدين إلى أربابها. وقد عدل الضرائب فجعلها عادلة ورفع كثيرًا من الضرائب التي كان يتظلم منها الرعايا ونزح ترعة المحمودية، وفي أيامهِ تمت معاهدة ترعة السويس وقد نشطها تنشيطًا كبيرًا وأقام على طرفها الشمالي مدينة حديثة دُعيت باسمهِ وهي بورت سعيد وغرس الأشجار في طريق المنشية.

وفي السنة الثانية من توليهِ على مصر وضع الحجر الأول لأساس القلعة السعيدية عند رأس الدلتا فيما بين القناطر الخيرية تداعت أركانها الآن، وقد عثرت على قطعة فضية مستديرة قطرها قيراطان ونصف على أحد وجهيها رسم النيل عند تفرعهِ والقناطر الخيرية يليها على الجانبين برجا القناطر وبينهما عند رأس الدلتا القلعة السعيدية، وكل ذلك في أجمل ما يكون من الرسم وعلى الوجه الآخر كتابة تركية تفيد أن المغفور لهُ محمد سعيد باشا بن محمد علي باشا المشهور قد وضع أساس القلعة السعيدية وما يليها من الاستحكامات بيدهِ في يوم الأحد ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٢٧١هـ لأجل حماية الديار المصرية. وهاك نص ما هو مكتوب هناك بالحرف الواحد بلغتهِ الأصلية:

«قواله لى مشهور محمد علي صلبندن بيك ايكييوزاوتوزيدي سنه هجريه سنده إسكندريه ده دنيايه كلوب يتمش سنه سي شوال المكرمنده خطه جسيمه مصره حكمي جاري أولان محمد سعيد محافظه ام دنيا ايجون اشبواستحكامات قويه به بيك ايكييوز يتمش بر سه سي جمادى الثانينك يكرمي اوجنجي دوشنبه كوني ومولودينك اوتوز دردنجي سنه سي كندي يديله وضع اساس ابتمشدر».

وفي أيامهِ ثارت مديرية الفيوم على الحكومة فبعث إليها وأخمد الثورة فهدأت الأحوال. ولما اختتن نجلهُ طوسون بك أطلق كل من كان في السجون من المجرمين حتى القاتلين. وقد زار محمد سعيد باشا الحرمين وأدَّى فروض الحج ولذلك يلقبونهُ بالحاج محمد سعيد باشا. وفي أيامهِ أعطيت بلاد السودان بعض الامتيازات وتولَّى عليها البرنس حليم باشا حكمدار. وفي سنة ١٢٧٦هـ (أو ١٨٥٩م) توجه لزيارة سوريا فمكث في بيروت مدة ثلاثة أيام ونزل ضيفًا كريمًا على وجهاء المدينة وكان أثناء مرورهِ في الطرقات ينثر الذهب على الناس.

وفي سنة ١٢٧٨هـ (أو ١٨٦١م) توفي المغفور لهُ السلطان عبد المجيد وتولى الخلافة بعدهُ السلطان عبد العزيز. وفي يوم السبت ٢٦ رجب سنة ١٢٧٩هـ (أو ١٧ يناير/كانون الثاني، ١٨٦٣م) توفي سعيد باشا في الإسكندرية ثم نقل إلى مدفن العائلة في مصر.

(٥) ولاية إسماعيل باشا خديوي مصر الأول (من سنة ١٢٧٩–١٢٩٦هـ أو من ١٨٦٣–١٨٧٩م)

هو ثاني أبناء المرحوم إبراهيم باشا بن محمد علي باشا ولد سنة ١٢٤٦هـ أو ١٨٣٠م وتربي أحسن تربية وتثقفت قواه العاقلة بالعلم والمعرفة فأتقن فن الهندسة وبرع على الخصوص في التخطيط والرسم ثم جال في أوروبا واختبر أحوالها وعوائدها. وفي ٢٧ رجب سنة ١٢٧٩هـ (أو ١٨ يناير/كانون ثاني، ١٨٦٣م) تولَّى زمام الأحكام في الديار المصرية بعد وفاة عمِّهِ سعيد وفي سنة توليتهِ شرف هذه الديار بحلول أعتابهِ الشريفة جلالة المغفور لهُ السلطان عبد العزيز خان فلاقى ترحابًا لم يسبق لهُ مثيل. وكان إسماعيل باشا كثير الميل إلى تحسين المدن إلى ما يقربها من زي مدن أوروبا فشرع في ذلك، وكان شديد الرغبة فيهِ إلى ما يفوق التصديق فتسهلت سبل التجارة في أيامهِ وتقاطر إلى الديار المصرية الأجانب أفواجًا أفواجًا. وفي سنة ١٢٨٢هـ (أو ١٨٦٦م) نال من الباب العالي خطًّا شريفًا مؤذنًا بالإرث الصريح في عائلتهِ وسيأتي شرح ذلك، وفي السنة التالية نال من إنعام جلالة السلطان لقب خديوي وهو أول من نال هذا اللقب الذي هو أرفع رتب وزراء الدولة.

وفي ١٤ شعبان سنة ١٢٨٦هـ (أو ١٩ نوفمبر/تشرين الثاني، ١٨٦٩م) كان الاحتفال بافتتاح ترعة السويس وبالنظر لعظم أهمية هذا العمل وفائدتهِ لعالم التجارة في سائر العالم رأَيت أن أفرد فصلًا مخصوصًا أشرح فيهِ تاريخ الوسائل التي اتخذت منذ القديم لإيصال البحر المتوسط بالبحر الأحمر فأقول:

fig34
شكل ٥-٢: إسماعيل باشا الخديوي السابق.

(٦) في ملخص تاريخ الوسائل التي اتخذت لإيصال البحر المتوسط بالبحر الأحمر

ما برح ملوك مصر من عهد الفراعنة يسعون إلى إيجاد مثل هذا الاتصال وقد اتخذوا لذلك سبلًا عديدة تعود إلى ثلاثة:
  • (١)

    بواسطة النيل وفروعهِ.

  • (٢)

    بواسطة النيل والصحراء.

  • (٣)

    بواسطة ترعة مالحة.

وقبل شرح كلٍّ من هذه الوسائط نأتي على شيء من جغرافية مصر القديمة نعني بها الخارطة التي رسمت في عهد اليونان وهي تمتاز عن الخارطات الحديثة على الخصوص بتعداد فروع النيل ومواقعها وامتداد البحر الأحمر وبحيرات أخرى (انظر خارطة مصر في أيام الفراعنة).

فالنيل الآن بعد أن ينقسم بالقرب من القاهرة إلى فرعيهِ الكبيرين يسيران شمالًا فيمر الشرقي منهما ببنها فميت غمر فسمنود فالمنصورة وينتهي إلى البحر المتوسط بالقرب من دمياط. والغربي يمرُّ بمنوف فكفر الزيات فدسوق إلى أن يصب في ذلك البحر بالقرب من رشيد. وهذان الفرعان هما الفرعان الوحيدان للنيل الآن وقلما يتفرع منهما غير الترع الاصطناعية. أما في الأزمنة الخالية فكانت لهما فروع أخرى كبيرة أكبرها متفرع من الفرع الشرقي. وكيفية ذلك أن هذا الفرع بعد أن يصل إلى قرب بنها يسير منهُ فرع غربي ينقسم إلى عدة فروع تنتهي إلى البحر المتوسط بثلاثة تصب عند بحيرتَيَ المنزلة والبرلس. وكيفية ذلك أنهُ إذا تجاوز أتريب (أتريبس) قليلًا تفرع منُه فرعٌ كبير شرقٌّي يقال لهُ فرع بلوسيوم يسير إلى الشمال الشرقي فيمرُّ ببوباستس (تل بسطة) فالصالحية فدفنة إلى أن يصب في البحر المتوسط بالقرب من بلوسيوم (طينة) شمالي الفرما ويتفرع ما بقي إلى فرعين أو أكثر، قد أغفلنا ذكرها لاستغنائنا عنها فيما نحن في صددهِ. أما بحر القلزم أو البحر الأحمر فكان متصلًا بالبحيرة المرة الكبرى بمضيق صالح لسير السفن وكانت هذه البحيرة خليجًا يدعى خليج هيروبوليس نسبة إلى مدينة كانت قائمة على مسافة قصيرة من رأسهِ بالقرب من فيثوم (تل المسخوطة). وإذ قد تمهد ذلك نقول.

(٦-١) الاتصال بواسطة النيل وفروعهِ

قد مرَّ بك في الكلام عن العائلة التاسعة عشرة الملكية في فذلكة تاريخ مصر القديم من هذا الكتاب أن الملك سيتي الأول هو أول من سعى إلى إيصال النيل بالبحيرة المرة الكبرى، ويظن ارستوتل وسترابو وبلينيوس أن سيزوستريس (رعمسيس الثاني أو الأكبر) هو أول من فعل ذلك في الجيل الرابع عشر قبل الميلاد، وربما كان ظنهم هذا مبنيًّا على أن هذا الملك هو الذي أسس مدينة فيثوم المتقدم ذكرها فرجحوا أنهُ احتفر إليها ترعة من النيل لريها وهذه الترعة توصل بين النيل وخليج هيروبوليس فيتم الاتصال المطلوب. أما المعول عليهِ بالإسناد إلى المصادر التاريخية الوثيقة أن أول من أخرج ذلك إلى عالم الفعل إنما هو الملك نخاو الثاني من العائلة السادسة والعشرين (سنة ٦١٠ق.م) فاحتفر ترعة تنشأ من فرع بلوسيوم عند بوباستس بالقرب من الزقازيق وتسير فيما يدعى الآن وادي القنال حتى هيروبوليس ويقال إن امتداد هذه الترعة كان ٦٢ ميلًا من الأميال الرومانية (نحو ٥٧ ميلًا إنكليزيًّا).

فلما استولى الفرس على مصر أتمَّهَّا الملك داريوس (دارا) بن هستاسبس سنة ٥٢٠ق.م، وكان المضيق بين هيروبوليس والبحر الأحمر قد كاد يمتلئُ من الرواسب فأمر بجرفهِ وتوسيعهِ وكان طولهُ نحو عشرة أميال ولا تزال آثارهُ باقية إلى هذا العهد بالقرب من شالوف عند الطرف الجنوبي للبحيرة الكبرى وترعة الإسماعيلية، ويشاهد هناك بعض الآثار الفارسية الدالة على صحة ذلك. وكان المعروف إذ ذاك أن البحر الأحمر أعلى من النيل فلم يجسر نخاو ولا داريوس على إيصال ترعتهما هذه إلى الخليج تمامًا خشية أن يختلط الماءان أو يطوف المالح على العذب. فتمت المواصلة إذ ذاك على هذه الصورة. تسير السفن من البحر المتوسط في فرع بلوسيوم إلى بوباستس ومنها في تلك الترعة إلى هيروبوليس ومن هذه كانوا ينقلون المحمولات إلى مراكب البحر الأحمر على الدواب أو غيرها فكانوا يقاسون في ذلك بعض المشقة. فلما تولَّى بطليموس فيلادلفوس وجَّه اهتمامهُ إلى إصلاح ذلك الخلل سنة ٢٨٥ق.م فاحتفر ترعة موصلة بين هيروبوليس ورأس البحر الأحمر وترعة أخرى من هيروبوليس إلى خليج هيروبوليس ووسع المضيق فأصبح هناك ترعتان وكلاهما متصلتان بالبحر الأحمر، واتخذ حواجز واحتياطات أخرى لمنع طغو المياه المالحة على العذبة بحيث يمكن للسفن أن تمرَّ إلى الخليج وإلى البحر الأحمر مع توقِّى الطغيان. وابتنى عند مصب الخليج في البحر الأحمر مدينة دعاها ارسينوا جعلها محطة بحرية تنتهي إليها المراكب القادمة عن طريق النيل وتقلع منها السائرة في البحر الأحمر وبالعكس.

ثم أخذ ماءُ النيل يتحول عن فرع بلوسيوم شيئًا فشيئًا حتى نضح ماؤُهُ فبطلت تلك الترعة. حتى إذا كان الإسلام وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص كما مرَّ بكَ أمرهُ الخليفة بإنشاء ترعة يسهل نقل المؤن عليها إلى الحجاز، فاحتفر ترعة دعاها خليج أمير المؤمنين فابتدأَ بها عند مصر القديمة حيث يبتدئُ خليج مصر اليوم فسار بها في ظاهر الفسطاط حتى القاهرة اليوم ومنها إلى المطرية ومنها إلى بوباستس حيث تبتدئُ الترعة القديمة ومن بوباستس إلى البحر الأحمر. وما زالت تسير السفن في خليج أمير المؤمنين من الفسطاط وإليها مدة ١٣٤ سنة حتى أيام الخليفة المنصور أبي جعفر ثاني الخلفاء العباسيين ومؤسس مدينة بغداد فأمر بردمهِ منعًا لإمداد العلويين الذين ثاروا في المدينة وما زال مردومًا إلى الآن، ويقال إن الملك الحاكم بأمر الله الفاطمي أمر بحفرهِ سنة ١٠٠٠ للميلاد لتسير فيهِ السفن الصغيرة ثم أهمل فطمرتهُ الرمال. ولم يبقَ من آثارهِ الآن إلاَّ الخليج الذي يقطع القاهرة من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي وهو المعروف بخليج مصر. ينشأ من فم الخليج عند مصر القديمة ويسير نحو الشمال الشرقي وقبل أن يبلغ نظارة المالية ينعطف نحو الشرق الجنوبي حتى جامع السيدة زينب، فيعود إلى سيرهِ نحو الشمال الشرقي فيمر بجانب بركة الفيل ثم سراي درب الجماميز فتَكيَّة الحبانية ثم يقطع شارع محمد علي، فيمر بجانب سراي منصور باشا إلى أن يقطع السكة الجديدة قرب اتصالها بشارع الموسكي فيمر تاركًا كنيسة اللاتينيين وكنيسة السريان إلى يسارهِ وكنيسة الأرمن وكنيسة القبط إلى يمينهِ إلى أن يصل إلى بداية سكة مرجوش فيتركها إلى يمينهِ، ثم يقطع سور القاهرة عند باب الشعرية ويسير خارج القاهرة إلى شارع الظاهر فيمر تاركًا جامع الظاهر إلي يمينه حتى يلتقي بترعة الإسماعيلية وهناك ينتهي. أما فائدة هذا الخليج الآن فمقصورة على ري المدينة وبعض ضواحيها وهو الخليج الذي يحتفلون بفتحهِ سنويًّا عند وفاء النيل بين الخامس والسادس عشر من أغسطس/آب.

(٦-٢) الاتصال بواسطة النيل والصحراء

أوجد هذا الاتصال مريرع أحد ملوك العائلة السادسة ثم أتمهُ حنُّو في أيام العائلة الحادية عشرة كما مرَّ بكَ، غير أن بعض المتأخرين يزعم أن بطليموس فيلادلفوس المتقدم ذكرهُ هو الذي أوجد هذا الاتصال ولعلَّ الصواب أنهُ أعادهُ بعد إهمالهِ.

والاتصال المذكور يتم بطريق في الصحراء بين برنيس على البحر الأحمر وقفط على النيل بقرب قوص بمصر العليا، فكانت المنقولات تحمل على الجمال أو ما شاكل من برنيس إلى قفط ومن هناك تنقل على مراكب نيلية إلى البحر المتوسط عن طريق دمياط أو رشيد، وما زالت هذهِ الطريق عظيمة الأهمية حتى اكتشف رأس الرجاءِ الصالح جنوبي أفريقيا سنة ١٤٩٧م فانحطت أهميتها. ولما فتح خليج السويس كادت تهمل كلية لكنا نرى أنها لا تزال تستعمل في بعض الأحوال، وقد أصبح الاتصال الآن بين القصير على البحر الأحمر وقنا على النيل عوضًا من برنيس وقفط وقد يكون إلى قفط ولا تستعمل إلَّا إذا كان المقصود المواصلة بين البحر الأحمر ومصر العليا رأسًا.

(٦-٣) الاتصال بواسطة ترعة مالحة (ترعة السويس)

كانت التجارة بين أوروبا والمشرق في الأجيال الأخيرة محصورة على نوع ما في فينيسيا (البندقية) وكان الفينيسيون أبرع الناس فيها وأكثرهم اشتغالًا بالأسفار بين البحرين عن طريق مصر، فلما اكتُشف رأس الرجاء الصالح تحولت التجارة إلى يد البرتغاليين فشق ذلك على الفينيسيين فاهتموا في أمر إنشاء ترعة توصل بين البحرين فخابروا سلطان مصر إذ ذاك (قنسو الغوري) وما زالت المخابرات بهذا الشأن دائرة حتى الفتح العثماني سنة ١٥١٧م فبطلت وأهمل المشروع. فلما كانت الحملة الفرنساوية اهتم نابليون بونابرت بذلك الاتصال بواسطة برزخ السويس فاستكشف البرزخ ومعهُ المهندس الشهير موسيو لابير سنه ١٢١٣هـ (أو ١٧٩٨م) وتفحصاهُ تفحُّصًا مدققًا فاكتشف لابير أن البحر الأحمر يعلو المتوسط ٣٠ قدمًا ولذلك رأُى عدم مناسبة فتح ترعة موصلة بين البحرين رأسًا فقدم التقرير الآتي وهو يتضمن أفضل ما رآه من الطرق:
  • (١)

    المواصلة بين النيل وفروعهِ وذلك بترعة من الإسكندرية إلى الرحمانية على فرع رشيد. وفي النيل من هناك إلى القاهرة وبخليج أمير المؤمنين من القاهرة إلى البحيرة المرَّة حيث يقام حواجز ومن هناك إلى السويس بترعة مالحة.

  • (٢)

    المواصلة بين البحرين رأسًا وكيفية ذلك أن تحفر ترعة بين السويس والبحيرة المرة وترعة أخرى بين البحيرة المرة وبلوسيوم.

إلاَّ أن هذا التقرير لم يباشر تنفيذهُ قبل أن قضي على تلك الحملة بالانسحاب من مصر.

وفي سنة ١٢٥٥هـ (أو ١٨٣٧م) أقامت شركة البواخر الشرقية خطًّا للمواصلة بين الهند وإنكلترا عن طريق برزخ السويس بكيفية أن تأتي المنقولات في البحر المتوسط إلى أول البرزخ فتنقل في البر إلى السويس ومنها في البحر الأحمر إلى الهند وغيرها.

وفي سنة ١٢٦٤هـ (أو ١٨٤٦م) تعينت لجنة مختلطة للنظر في تقرير لابير فقررت أن الفرق بالارتفاع بين البحرين لا يعبأ بهِ إلَّا أنها انحلت ولم تصل إلى نتيجة تاركة ذلك إلى أحد أعضائها الموسيو تالابوت، فكان من رأْيهِ تتبع الترعة القديمة من السويس إلى تل بسطة (قرب الزقازيق) رأسًا واحتفار ترعة من هناك إلى رأس الدلتا حيث القناطر الخيرية الآن، فتقام لها قناطر تسير عليها مياه تلك الترعة إلى البر الغربي ومن هناك تتم الترعة إلى الإسكندرية، فكأَنهُ يريد إيصال البحرين بترعة تمرُّ بين السويس والإسكندرية وتقطع الدلتا عند رأْسهِ فلم يصادف مشروعهُ استحسانًا لما كان يحول دون ذلك من المشاق. ثم تقدم تقرير آخر من الخواجات بارولت من مقتضاهُ أن يوصل البحر الأحمر ببحيرة المنزلة إلى دمياط ثم يقطع النيل هناك وتتم الترعة إلى رشيد فيقطع فرع رشيد أيضًا وتوصل الترعة إلى الإسكندرية، فلم يصادف هذا نجاحًا أيضًا لمشابهتهِ بمشروع تالابوت.

وفي سنة ١٢٧١هـ (أو ١٨٥٥م) اهتم لينان بك وموجل بك تحت إدارة الموسيو دلسبس في أمر هذه المواصلة بعد أن حصل هذا الأخير على البراءَة في ذلك من سعيد باشا والي مصر إذ ذاك، فأقروا على وجوب فتح ترعة في خط مستقيم بين السويس وبلوسيوم مارة في البحيرات المرة فبحيرة التمساح فالمنزلة، وأن تصل هذه الترعة من طرفيها بحواجز عند التقائها بالبحرين وأقروا أيضًا على احتفار ترعة عذبة من بولاق مصر إلى منتصف البرزخ ومن هناك إلى السويس لأجل حمل المياه اللازمة للشرب والري وترعة توصل المياه إلى بلوسيوم. فعمل الموسيو دليسبس تقريرًا في ذلك وعرضهُ سنة ١٢٧٢هـ (أو ١٨٥٦م) على لجنة دولية مؤلفة من نواب دول أوستريا وإنكلترا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبروسيا وإسبانيا فأدخلت فيهِ تحويرات من مقتضاها أن تنتهي تلك الترعة من طرفها الشمالي في نقطة على مسافة ٢/١ ١٧ ميلًا إلى الغرب من بلوسيوم حيث بورت سعيد الآن، وسبب ذلك أن مياه البحر المتوسط هناك عمقها بين ٢٥ و٣٠ قدمًا على مسافة ميلين من الشاطئ، أما عند بلوسيوم فلا تبلغ هذا العمق إلا على مسافة خمسة أميال. وأن تغفل الحواجز عند طرفي الترعة وتحويرات أخرى.

ثم تم القرار على ذلك وباشر الموسيو ديليسبس حفر الترعة الذي كان انتهاؤهُ في ١٤ شعبان سنة ١٢٨٦هـ (١٧ نوفمبر (تشرين ثاني) ١٨٦٩م) في أيام إسماعيل باشا الخديوي السابق واحتفل الخديوي المشار إليه في ذلك اليوم احتفالًا عظيمًا بافتتاحها حضرهُ سائر ملوك أوروبا أو مندوبوهم وكانت رسوم المرور في تلك الترعة بموجب نص البراءة عشرة فرنكات على التونولاتو ونحو ذلك على الراكب فضلًا عن نفقات أخرى.

عودٌ

وفي سنة ١٢٨٩هـ (أو ١٨٧٢م) تعدَّى أهل الحبشة على الحدود المصرية مما يلي بلادهم وأسروا عددًا وافرًا من الأهالي فبعثت الحكومة الخديوية تطلب استرجاعهم وتستفهم عما اقتضى تلك المعاملة. ثم اقتضت الأحوال فجردت الحكومة المصرية على الحبشة لكنها لم تنجح بتلك التجريدة.

ثم باشر إسماعيل باشا بناء مرفأ الإسكندرية وأرصفتهُ. وفي سنة ١٢٩٠هـ (أو ١٨٧٣م) زار إسماعيل باشا الأستانة فقوبل بالترحاب ونال التفاتًا عظيمًا من لدن الحضرة الشاهانية. وفي هذهِ السنة أيضًا احتفل بزواج أنجالهِ الكرام وهم سمو الخديوي الحالي محمد توفيق باشا والبرنس حسين باشا والمرحوم البرنس حسن باشا وكان اقترانهم جميعًا في شهر واحد ومنحوا أيضًا في الوقت نفسهِ الوزارة معًا.

وفي ١٢ جمادى الأولى سنة ١٢٩٠هـ (٨ يوليو/تموز، ١٨٧٣م) جاءَهُ الفرمان الشاهاني يخولهُ كل الحقوق المعطاة لرتبة الخديوية وهي حقوق الوراثة لأول أبنائهِ والاستقلال بالأحكام الإدارية وإقامة المعاهدات مع الدول الأجنبية واستقراض القروض والجزية التي تدفع للدولة العلية (١٥٠٠٠٠ كيس). وهاك تعريب الفرمان السلطاني الذي ورد بهذا الشأن بعد الديباجة.

«قد نظرنا بعين الاهتمام إلى طلبك بإصدار خط سلطاني يجمع بالتفصيل والتغيير اللازم جميع الخطوط الصادرة بعد الفرمان المانح المرحوم الوالي محمد علي باشا الحكومة الإرثية سواء كانت تلك الفرامين متعلقة بكيفية الخلافة أو بالحقوق والامتيازات الجديدة الممنوحة مراعاة لحال الخديوية وسكانها. فهذا الفرمان من شأنهِ أن ينسخ في المستقبل حكم تلك الفرامين جميعها بما يتضمنهُ مما سيأتي بعد ويكون دائمًا نافذًا مرعي الإجراء.

إن كيفية وراثة الحكومة المصرية المقررة في فرماننا الصادر ثاني ربيع الآخر سنة ١٢٧٥هـ قد غيَّرت على وجه أن تنتقل الخديوية من متبَّوئي كرسيها إلى كبير أبنائهِ ومن هذا إلى بكر أبنائهِ أيضًا وهلمَّ جرًّا، علمًا بأن ذلك أدنى إلى المصلحة وأشد ملاءمة لأحوال البلاد المصرية. واختصاصًا لك بانعطافي الذي صرت لهُ أهلًا بحسن سعيك واستقامتك واجتهادك وأمانتك وإثباتًا لذلك أجعل قانون الوراثة لخديوية مصر ومتعلقاتها وما يتبعها من البلاد وقائمقامية سواكن ومصوَّع وتوابعهما كما تقدم بيانهُ بحيث تكون الولاية لبكر أبنائك ثم لبكر أبنائهِ من بعده. فإذا لم يرزق من وُلِيَ الخديوية ولدًا ذكرًا كانت الولاية من بعدهِ لأكبر أخواتهِ أو لأكبر بني أخيهِ الأكبر كما تقرر ولا تكون هذه الوراثة لأبناءِ البنات. ولأجل تأييد هذه الأحكام ينبغي أن تكون الوصاية في حال كون الوارث قاصرًا على الصورة الآتية وهي:

إذا توفي الخديوي وكان كبير ولدهِ قاصرًا أي غير بالغ من العمر ثماني عشرة سنة يكون هذا القاصر بالحقيقة خديويًّا بحق الوراثة فيصدر إليه فرمانًنا بوجه السرعة، وإذا كان الخديوي المتوفى قد نظم قبل وفاتهِ أسلوبًا للوصاية وعين كيفيتها وذوي إدارتها بصك مثبت بشهادة اثنين من رؤساء حكومتهِ فأولئك الأوصياء يقبضون إذ ذاك على أزمة الأعمال عقب وفاة الخديوي. ثم ينهون بذلك إلى الباب يثبتهم في مناصبهم، ولكن إذا توفي الخديوي بغير وصية وكان ابنهُ قاصرًا فمجلس الوصاية عند ذلك يؤلف من متوليي إدارة الداخلية والحربية والمالية والخارجية والحقانية وقائد العسكر ومفتش المديريات، فيجتمع هؤلاءِ الذوات وينتخبون للخديوي وصيًّا بإجماع الرأي أو بأغلبيتهِ فإذا تساوت الآراء لاثنين من المنتخبين كانت الوصاية لأرفعهما رتبةً باعتبار الترتيب السابق من الداخلية فما بعدها، ويشكل مجلس الوصاية من الباقين فيباشرون جميعًا أمور الخديوية ويعرضون ذلك لسلطنتنا السنية ليصدق عليهِ بالفرمان الشريف. وكما أنهُ لا يجوز تبديل الوصي وتغيير هيأَة الوصاية قبل انتهاء مدتها في الصورة الأولى أي فيما إذا كان تنظيمها بحكم وصية الخديوي المتوفى فكذلك لا تغير في الصورة الثانية، وإما إذا توفي الوصي أو أحد أعضاء مجلس الوصاية في خلال تلك المدة فينتخب بدل الأول أحد أعضاء المجلس وبدل الثاني أحد ذوات المملكة، وبمجرد بلوغ الخديوي القاصر ثماني عشرة سنة يكون راشدًا فيباشر إدارة أمور الخديوية وذلك مما تقرر لدينا واقتضتهُ إرادتنا السلطانية.

ولما كان تزايد عمارة الخديوية المصرية وسعادة حالها ورفاهة سكانها من أهم الأمور لدينا وكانت إدارة المملكة المالية ومنافعها المادية المتوقف عليها تكامل وسائل الراحة وتوفر أسباب السعادة عائدة على الحكومة المصرية، رأينا أن نذكر كيفية تعديل الامتيازات وتوضيحها على شرط بقاء جميع الامتيازات الممنوحة سابقًا للحكومة المصرية. وذلك أنهُ لما كانت إدارة المملكة الملكية والمالية بجميع فروعها وأحوالها ومنافعها عائدة بالحصر على الحكومة ومتعلقة بها، وكان من المعلوم أن إدارة أي مملكة وحسن انتظامها وتزايد عمرانها وسعادة سكانها مما لا يتم إلَّا بالتوفيق والتطبيق بين الإدارة العمومية والأحوال والموقع وأمزجة السكان وطبائعهم، فقد منحناكم الرخصة المطلقة في وضع القوانين والنظامات الداخلية حسب الحاجة واللزوم. ولأجل تسهيل تسوية المعاملات سواء كانت من قبل الرعية أو من قبل الحكومة مع الأجانب، ولتوسيع نطاق الصنائع والحرف وتوفير أسباب التجارة منحناكم أيضًا الرخصة التامة في عقد المشاركات وتجديد المقاولات مع مأموري الدول الأجنبية في أمور الجمارك والتجارة وسائر المعاملات الجارية مع الأجانب في أمور المملكة الداخلية وغيرها، على شرط أن لا يكون موجبًا للإخلال بمعاهدات الدولة السياسية.

ولكون خديوي مصر حائزًا لحق التصرف المطلق في الأمور المالية قد أعطيت لهُ الرخصة في عقد القروض من الخارج بغير استئذان عندما يجد لذلك لزومًا، على شرط أن يكون القرض باسم الحكومة المصرية. وبما أن أمر المحافظة على المملكة وصيانتها من الطوارق (وهو أهم الأمور وأحوجها إلى العناية) من أقدم الوظائف المختصة بخديوي مصر قد منحناهُ الإذن المطلق بتدارك أسباب المحافظة وتنسيبها على مقتضى ضرورات الزمان والحال وبتكثير أو تقليل عدد العساكر المصرية الشاهانية على حسب اللزوم بغير تقييد ولا تحديد. وأبقينا كذلك لخديوي مصر امتيازهُ القديم بمنح الرتب العسكرية إلى رتبة ميرالاي والملكية إلى الرتبة الثانية على شرط أن تكون المسكوكات المضروبة في مصر باسمنا الشاهاني وتكون أعلام العساكر البرية والبحرية في القطر المصري كأعلام عساكرنا السلطانية بلا فرق أو تمييز، ولا يجوز لخديوي مصر أن ينشئ البوارج المدرعة بغير استئذان أما سائر السفن والبوارج ففي استطاعتهِ أن ينشئها متى شاءَ.

ولأجل إعلان الأحكام السابق بيانها وتأييدها أصدرنا إليكم هذا الفرمان الجليل القدر من ديواننا الهمايوني وأعطي لكم متممًا ومعدلًا وشارحًا للخطوط الشريفة والأوامر المنيفة الصادرة إلى هذا التاريخ، سواء كانت في وراثة الحكومة المصرية وفي كيفية الوصاية أو في إدارة الأمور الملكية والعسكرية والمالية والمنافع العمومية وسائر المهمات، على شرط أن تكون أحكام هذا الفرمان الجديدة نافذة مرعية الإجراء على مر الزمان قائمة مقام أحكام الفرمانات السالفة على ما اقتضتهُ إرادتنا السلطانية. فينبغي أن تعلموا قدر لطف عنايتنا وتؤدوا الشكر لها وتصرفوا الهمة إلى تنظيم الإدارة على محور الاستقامة وإلى الأخذ بأسباب وقاية الرعية وإصلاح شئونها وتأييد راحتها على حسب ما فطرتم عليهِ من الغيرة والاستقامة وحسن الأخلاق، وما وقفتم عليهِ من أحوال تلك الجهات، وأن تراعوا أحكام الشروط الواردة في هذا الفرمان الجديد مع تأدية المائة وخمسين ألف كيس المضروبة على الديار المصرية خراجًا سنويًّا في أوقاتها المعينة إلى خزينتنا العامرة السلطانية على القوانين والقواعد المرعية.»

فكان ذلك الفرمان منشطًا لهمة إسماعيل باشا فأخذ في إتمام مشروعاتهِ في الإصلاح وعلى الخصوص فيما يتعلق بتنظيم البلاد وإنشاء البنايات والشوارع والحدائق، فتمهدت سبل التجارة فازداد في أيامهِ تقاطر الأوروبيين إلى القطر المصري وكان يكرم وفادتهم ويحبب إليهم الإقامة في القطر لما كانوا يتمتعون بهِ من الأرباح والرغد. وفي سنة ١٢٩٢هـ (سنة ١٨٧٥م) ابتاعت الحكومة الإنكليزية من أسهم ترعة السويس ما يساوي أربعة ملايين من الجنيهات الإنكليزية فكان ذلك حاملًا على تداخلها في المالية المصرية بعد ذلك.

وفي سنة ١٢٩٣هـ (أو ١٨٧٦م) توفي المغفور لهُ السلطان عبد العزيز وتولى بعدهُ السلطان مراد الخامس مدة قصيرة ثم اعتلى أريكة السلطنة جلالة السلطان عبد الحميد خان ولا يزال على أريكتها إلى الآن أيَّد الله سلطانهُ وعزَّز أنصارهُ واعوانهُ.

fig35
شكل ٥-٣: نقود السلطان عبد العزيز.
وترى في شكل ٥-٣ صورة النقود المضروبة على عهد السلطان عبد العزيز بتاريخ ١٢٧٧هـ وهي سنة توليتهِ السلطنة وهذه القطعة من النقود يقال لها (عشرين خردا) وقد كانت تساوي في أول أمرها نصف غرش أي عشرين بارة ثم انحطت منذ بضع سنوات إلى بارتين ثم بعد أن ضربت النقود الحديثة الآتي ذكرها لم تعد لها قيمة معلومة.

ومن المشروعات المهمة التي أُتمت أو بوشرت في أيام إسماعيل باشا أنهُ أنشأ المتحف المصري في بولاق والكتبخانة الخديوية المشهورة في درب الجماميز بمصر وأصلح الطرق وشيد الأبنية العمومية منها الأوبرا الخديوية بقرب الأزبكية في القاهرة. والذي يشاهد هذا المرسح الجميل يندهش لما فيهِ من الإتقان وحسن الذوق ولا سيما في النقوش على الستائر مع إتقان الملابس اللازمة للتشخيص، ويزيد اندهاشهُ عندما يعلم أنها بنيت وتمت معداتها في مدة خمسة أشهر فقط، وسبب ذلك أن الخديوي كان قد أعدَّ سنة ١٢٨٦هـ (أو ١٨٦٩م) احتفالًا عظيمًا دعا إليه أكثر ملوك الأرض لحضور افتتاح ترعة السويس كما مرَّ بك، فأمر ببناء هذا المرسح في القاهرة لإحياء أوقات للعب فيهِ ولم يكن لديهِ إلا مدة خمسة أشهر الصيف، فأكثر من العملة البارعين ولا تسل عما أنفق في سبيل ذلك من النقود. ومن أعمالهِ أنهُ ابتنى أيضًا مرسح زيزينيا في الإسكندرية وسرايات أخرى عجيبة وجرَّ الماء إلى العاصمة ووزعهُ في البيوت، وعمم زرع الأشجار على الطرق ونوَّر القاهرة بالغاز وتدارك ما ينجم عن الحريق باستجلاب الآلات لإطفاء النيران وفتح المدارس وعمم المعارف وحسَّن مطبعة بولاق الأميرية، وأمر بترجمة الكتب المفيدة إلى العربية وطبعها وأسَّس معمل الورق وغيرهُ من المعامل، ونظَّم المجالس وأصلح ترع النيل ومجاريها وأوصل الخطوط التلغرافية والسكك الحديدية إلى نوبيا ونظم البوسطة وبنى مدينة الإسماعيلية وزينها بالحدائق والقصور، وأنشأ المنارات في البحر وأبطل تجارة الرقيق وسعى لاكتشاف ما غمض من قارَّة أفريقيا بمدد أصحاب الخبرة، وزين حديقة الأزبكية بغرس أشجارها وتسويرها وترتيب الموسيقى فيها على ما هي عليهِ الآن. وغير ذلك من الأعمال الكثيرة التي تفوق الحصر. وابتنى عدة بنايات بالقرب من طره على طريق حلوان لأجل معامل البارود والأسلحة الصغيرة وأنفق على بنائها مبالغ فاحشة ولكنهُ لم يستعملها.

وكان إسماعيل باشا لشدة رغبتهِ في التنظيم والتزيين لا ينظر إلى نسبة النفقات التي تقتضيها تلك المشروعات إلى دخل البلاد، فتراكمت الديون على القطر إلى حدٍّ أوجب قلق الدول التي لها يد في تلك الديون، فآل الأمر إلى تعيين لجنة مالية مختلطة لمراقبة دخل ونفقة الحكومة المصرية وذلك في ٢٦ ربيع أول سنة ١٢٩٥هـ (٣٠ مارس/آذار، ١٨٧٨م) فرأَت عجزًا مقدارهُ مليون ومائتا ألف جنيه، فتنازل إسماعيل باشا عن أملاكهِ الخاصة وأملاك عائلتهِ ملافاة لما تدارك البلاد من الديون الكثيرة وهي التي تعرف الآن بأملاك الدومين. ثم صادق على تعيين ناظر إنكليزي للمالية يقال لهُ المستر ريفرس ويلسون وآخر فرنساوي لنظارة الأشغال العمومية يقال لهُ الموسيو بلينير. وكانت إجراءات الحكومة المصرية راجعة إلى الخديوي رأسًا فأجراها إسماعيل باشا بواسطة مجلس النظار كما هي الحال الآن.

وفي تلك السنة تقرر استقراض مبلغ ثمانية ملايين ونصف من الجنيهات فاستدانوها وجعلوا عليها أملاك الدومين رهنًا. وهذا هو الدين المعروف بدين روتشيلد. ثم رأَى مجلس النظار وجوب توفير شيء من نفقات الجيش فرفت عددًا كبيرًا من العساكر والضباط. وفي ٢٥ صفر سنة ١٢٩٦هـ (١٨ فبراير/شباط، ١٨٧٩م) ثار المرفوتون وجاءَ نحوٌ من ألفي نفر وأربعمائة ضابط منهم إلى نظارة المالية وأمسكوا بنوبار باشا والمستر ويلسون وطلبوا اليهما ما كان متأخرًا لهم من الرواتب، ثم علت الغوغاء ولم ينكف الناس حتى أشرف إسماعيل باشا فلما رأَوهُ بهتوا رعبة وكأنهُ أثر عليهم تأثيرًا سحريًّا فكلمهم وطَّيب خاطرهم ووعدهم بإجراء مطلوبهم فانصرفوا. ثم استقال الوزيران رياض باشا ونوبار باشا تخلصًا من المسئولية في حكومة لا يعرف لها رأس. فولَّى إسماعيل باشا ابنهُ البرنس توفيق باشا (وهو الآن سمو الخديوي الحالي) رئاسة مجلس النظار.

وفي ١٤ ربيع آخر سنة ١٢٩٦هـ (٧ أبريل/نيسان، ١٨٧٩م) قلب إسماعيل باشا هيئة مجلس النظار وعزل كل من كان فيهِ من الأجانب، وجعل في أماكنهم نظارًا وطنيين تحت رئاسة المرحوم شريف باشا وأمر أن تزاد القوة العسكرية إلى ستين ألفًا فشقَّ ذلك على دولتي إنكلترا وفرنسا لأنهما اعتبرتا عزلهُ للناظرين الإنكليزي والفرنساوي لغير علَّة من الأعمال العدوانية، فسعيا إلى الانتقام بكل ما لديهما من السبُل. وفي ٦ رجب سنة ١٢٩٦هـ (٢٥ يونيو/حزيران، ١٨٧٩م) أُقيل إسماعيل باشا من خديوية مصر وولِّي ابنهُ محمد توفيق باشا الخديوي الحالي مكانهُ.

(٧) ولاية محمد توفيق باشا الخديوي الحالي (من سنة ١٢٩٦هـ أو ١٨٧٩م ولا تزال)

تولَّى سمو محمد توفيق باشا خديوية مصر يوم الخميس الواقع في ٧ رجب سنة ١٢٩٦هـ (٢٦ يونيو/حزيران، ١٨٧٩م) واعتلى أريكتها بين أمور مختلَّة وأحوال مرتبكة بسبب المصاعب التي طرأت على أحوال القطر المصري قبل توليتهِ. ومن أهم أسباب الاختلال إذ ذاك عسر المالية وعدم انتظام الجندية ونحو ذلك مما نشأَ عن تداخل الأجانب في أمور البلاد على عهد الوزارة المختلطة واشتداد وطأتهم على العسكرية وطموح أبصارهم إلى ما أوجب يومئذٍ استحكام الضغائن في صدور الجهادية. ففي الساعة ٢/٤١ من نهار الخميس المذكور ورد إلى مصر تلغراف من الباب العالي مشعرًا بتولية سموه وتعريبهُ:

«بناءً على أن الخطة المصرية هي من الأجزاء المتمة لجسم مالك السلطة السنية وأن غاية حضرة صاحب الشوكة والاقتدار إنما هي تأمين أسباب الترقي وحفظ الأمن والعمارة في الممالك وبناءً على أن الامتيازات والشرائط المخصوصة الممنوحة للخديوية المصرية مبنية على ما للحضرة الشاهانية من المقاصد المذكورة الخيرية وبناءً على تزايد أهمية ما حصل في القطر المصري ناشئًا عما وقع فيهِ من المشكلات الداخلية والخارجية الفائقة العادة، وجب تنازل والد جنابكم العالي إسماعيل باشا. ثم إنهُ بناءً على ما اتصف بهِ ذاتكم السامية الآصفية من الرشد وحسن الروية وعلى ما ثبت لدى ملحاءِ الخلافة الأسمى من أن جنابكم الداوري ستوفقون إلى استحصال الأسباب الأمنية والرفاهية لصنوف الأهالي وإلى إدارة أمور المملكة على وفاق إرادة الحضرة الشاهانية الملوكانية، توجهت الإرادة العلية بتوجيه الخديوية الجليلة إلى عهدة استئهال آصفانيتكم وبناءً على الفرمان العلي الشأن الذي سيصدر حسب العادة على مقتضى الإرادة السنية السلطانية التي صار شرف صدورها، وبناءً على ما كتب في التلغراف إلى حضرة المشار إليه إسماعيل باشا من تخليهِ عن النظر في أمور الحكومة وتفرغهِ منها بصورة وقوع انفصالهِ، قد تحرر تلغراف هذا العاجز لكي يعلن حال وصولهِ للعلماء والأمراء والأعيان وأهل المملكة جميعًا وتباشر من بعدهِ أمور الحكومة، وهذا من التوجيهات الوجيهة إلى أثر استحقاق آصفانيتكم لتجري التنظيمات والترقيات مبدأ ومقدمة ويصير تكرير الدعاء بتوفيق الذات الجليلة الفخيمة السلطانية، ولذلك صارت المبادرة إلى إيفاء لوازم التهنئة لحضرتكم أيها الخديوي المعظم والأمر والفرمان على كل حال لمن لهُ الأمر أفندم.»

الإمضاء
خير الدين
fig36
شكل ٥-٤: محمد توفيق باشا الخديوي الحالي.

فصدرت الأوامر بإعداد ما يلزم للاحتفال بذلك وجلس سموهُ في القلعة يستقبل المهنين من الوزراء والعلماء يتقدمهم نقيب الأشراف ثم القاضي ثم شيخ الجامع الأزهر ثم جاء القناصل، وبعد ذلك دخل الذوات وأمراء العسكرية والملكية ثم رجال الحقانية ثم النواب ووجهاء البلاد ثم أرباب الجرائد ثم الموظفون والمستخدمون وغيرهم. ومن جملة من وفد للتهنئة وفد ماسوني جاء بالنيابة عن الشرق الأعظم المصري فقدم عبوديتهُ فنال من سموه عواطف الرضاء عنهم وعن أعمالهم ووعدهم رعاية محافلهم وحمايتها فانصرفوا شاكرين. وبعد ذلك أرسل الجناب الخديوي تلغرافيًّا إلى الباب العالي جوابًا على التلغراف المؤذن بارتقائهِ إلى كرسي الخديوية.

وفي ١١ رجب سنة ١٢٩٦هـ (٣٠ يونيو/حزيران، ١٨٧٩م) سافر الخديوي السابق من القاهرة إلى الإسكندرية ومنها ركب وسافر على الباخرة (المحروسة) إلى أوروبا وكان لوداعهِ على المحطة في القاهرة ازدحام وفي مقدمة المودعين سمو نجلهِ الخديوي الحالي، فكلم إسماعيل باشا الجمهور مودعًا ثم خاطب نجلهُ قائلًا:
«لقد اقتضت إرادة سلطاننا المعظم أن تكون يا أعز البنين خديوي مصر فأوصيك بإخوتك وسائر الآل برًّا واعلم أني مسافر وبودي لو استطعت قبل ذلك أن أزيل بعض المصاعب التي أخاف أن توجب لك الارتباك، على أني واثق بحزمك وعزمك فاتَّبع رأي ذوي شوراك وكن أسعد حالًا من أبيك.»٢

ثم عين مجلس النظار رواتب العائلة الخديوية فتنازل سمو الخديوي عن عشرين الف جنيه من راتبهِ الخصوصي على أن يضمها لراتب والدهِ. ثم استعفت الوزارة جريًا على المعتاد فنظمها الأمير الجديد تحت رئاسة شريف باشا وكتب إليه رقيمًا بذلك وبعث أيضًا إلى هيئة النظار منشورًا بتاريخ ١٤ رجب سنة ١٢٩٦هـ يظهر فيهِ أفكارهُ وآراءَهُ ومستقبل سياستهِ وإجراءات حكمهِ.

ومضت مدة بعد ورود تلغراف الباب العالي المؤذن بولاية توفيق باشا ولم يرد الفرمان السلطاني المؤيد لذلك فاختلفت أقوال الناس وظنونهم في أسباب تأخر الباب العالي عن إصدارهِ. وفي أثناء ذلك صدر الأمر للجهادية بصرف عشرة آلاف من الجند المجتمعين تحت السلاح وجعل الجيش اثنى عشر ألفًا واهتمت الوزارة بتسوية الدين السائر وغيرهُ. وفي ٢٦ شعبان سنة ١٢٩٦هـ (١٤ أغسطس/آب، سنة ١٨٧٩م) ورد الفرمان الشاهاني الآمر بتولية سموّ محمد توفيق باشا خديوية مصر وتعريبهُ:

فرمان تولية توفيق باشا المعظم

«الدستور الأكرم والمعظم الخديوي الأفخم المحترم نظام العالم وناظم مناظم الأمم، مدبر أمور الجمهور بالفكر الثاقب، متمم مهام الأنام بالرأي الصائب، ممهد بنيان الدولة والإقبال، مشيد أركان السعادة والإجلال، مرتب مراتب الخلافة الكبرى، مكمل ناموس السلطنة العظمى المحفوف بصنوف عواطف الملك الأعلى خديوي مصر، الحائز لرتبة الصدارة الجليلة فعلًا الحامل لنيشاننا الهمايوني المرصع العثماني ولنيشاننا المرصع المجيدي وزيري، سمير المعالي توفيق باشا أدام الله تعالى إجلالهُ وضاعف بالتأييد اقتدارهُ وإقبالهُ.

إنهُ لدى وصول توقيعنا الهمايوني الرفيع يكون معلومًا لكم أنهُ بناءً على انفصال إسماعيل باشا خديوي مصر في اليوم السادس من شهر رجب سنة ١٢٩٦هـ وحسن خدامتكم وصداقتكم واستقامتكم لذاتنا الشاهانية ولمنافع دولتنا العلية، ولما هو معلوم لدينا من أن لكم وقوفًا ومعلومات تامة بخصوص الأحوال المصرية وأنكم كفء لتسوية بعض الأحوال غير المرضية التي ظهرت بمصر منذ مدة وإصلاحها، وجَّهنا إلى عهدتكم الخديوية المحدودة بالحدود القديمة المعلومة مع الأراضي المنضمَّة إليها المعطاة إلى إدارة مصر توفيقًا للقاعدة المتخذة بالفرمان العالي الصادر في ١٢ محرم سنة ١٢٨٣هـ المتضمن توجيه الخديوية المصرية إلى أكبر الأولاد، وحيث إنكم أكبر أولاد الباشا المشار إليه قد وجهت إلى عهدتكم الخديوية المصرية. ولما كان تزايد عمران الخديوية المصرية وسعادتها وتأمين راحة كافة أهاليها وسكانها ورفاهيتهم هي من المواد المهمة لدينا ومن أجل مرغوبنا ومطلوبنا، وقد ظهر أن بعض أحكام الفرمان العلي الشأن المبني على تسهيل هذه المقاصد الخيرية المبين فيهِ الامتيازات الحائزة لها الخديوية المصرية قديمًا نشأت عنها الأحوال المشكلة الحاضرة المعلومة، فلذلك صار تثبيت المواد التي لا يلزم تعديلها من هذه الامتيازات وتأكيدها وصار تبديل المواد المقتضى تبديلها وتعديلها وإصلاحها فما تقرر إجراؤهُ الآن هو المواد الآتية وهي:

إن كافة واردات الخطة المذكورة يكون تحصيلها واستيفاؤها باسمنا الشاهاني. وحيث إن أهالي مصر أيضًا من تبعة دولتنا العلية وأن الخديوية المصرية ملزومة بإدارة أمور المملكة والمالية والعدلية بشرط أن لا يقع في حقهم أدنى ظلم ولا تعدٍّ في وقت من الأوقات، فخديوي مصر يكون مأذونًا بوضع النظامات اللازمة للداخلية المتعلقة بهم وتأسيسها بصورة عادلة. وأيضًا يكون خديوي مصر مأْذونًا بعقد وتجديد المشارطات مع مأموري الدول الأجنبية بخصوص الجمرك والتجارة وكافة أمور المملكة الداخلية لأجل ترقي الحرف والصنائع والتجارة واتساعها ولأجل تسوية المعاملات السائرة التي بين الحكومة والأجانب أو بين الأهالي والأجانب، بشرط عدم وقوع خلل بمعاهدات دولتنا العلية البولوتيقية وفي حقوق متبوعية مصر إليها، وإنما قبل إعلان الخديوية المشارطات التي تعقد مع الأجانب بهذه الصورة يصير تقديمها إلى بابنا العالي. وأيضًا يكون حائزًا للتصرفات الكاملة في أمور المالية لكنهُ لا يكون مأذونًا بعقد استقراض من الآن فصاعدًا بوجه من الوجوه، وإنما يكون مأذونًا بعقد استقراض بالاتفاق مع المدائنين الحاضرين أو وكلائهم الذين يتعينون رسميًّا. وهذا الاستقراض يكون منحصرًا في تسوية أحوال المالية الحاضرة ومخصوصًا بها، وحيث إن الامتيازات التي أُعطيت إلى مصر هي جزءٌ من حقوق دولتنا العلية الطبيعية التي خصًّت بها الخديوية وأودعت لديها لا يجوز لأي سبب أو وسيلة ترك هذه الامتيازات جميعها أو بعضها أو ترك قطعة أرض من الأراضي المصرية إلى الغير مطلقًا، ويلزم تأدية مبلغ ٧٥٠ ألف ليرة عثمانية الذي هو الويركو المقرر دفعهُ في كل سنة في أوانهِ، وكذلك جميع النقود التي تضرب في مصر تكون باسمنا الشاهاني ولا يجوز جمع عساكر زيادة عن ثمانية عشر ألفًا لأن هذا القدر كاف لحفظ أمنية إيالة مصر الداخلية في وقت الصلح. وإنما حيث إن قوة مصر البرية والبحرية مرتبة من أجل دولتنا يجوز أن يزداد مقدار العساكر بالصورة التي تستتب فيها حالة دولتنا العلية محاربة، وتكون رايات العساكر البرية والبحرية والعلامات المميزة لرتب ضباطهم كرايات عساكرنا الشاهانية ونياشينهم، ويباح لخديوي مصر أن يعطي الضباط البرية والبحرية إلى غاية رتبة أميرالاي والملكية إلى الرتبة الثانية، ولا يرخص لخديوي مصر أن ينشئ سفنًا مدرعة إلَّا بعد الإذن وحصول رخصة صريحة قطعية إليه من دولتنا العلية. ومن اللزوم وقاية كافة الشروط السالفة الذكر واجتناب وقوع حركة تخالفها، وحيث صدرت إرادتنا السنية بإجراء المواد السابق ذكرها قد أصدرنا أمرنا هذا الجليل القدر الموشح أعلاهُ بخطنا الهمايوني وهو مرسل صحبة افتخار الأعالي والأعاظم ومختار الأكابر والأفاخم علي فواد بك باشكاتب المابين الهمايوني، ومن أعاظم دولتنا العلية الحائز والحامل للنياشين العثمانية والمجيدية ذات الشأن والشرف.

حرر في تاسع عشر شهر شعبان المعظم سنة ١٢٩٦ من هجرة صاحب العزة والشرف.»

وفي غاية شعبان (١٧ أغسطس/آب) استعفت وزارة شريف باشا استعفاء غير مبني على سبب ظاهر، فتألفت وزارة جديدة تحت رئاسة الجناب الخديوي. وكان رياض باشا إذ ذاك خارج القطر المصري فأمر الخديوي أن يستقدم تلغرافيًّا. وفي يوم الأربعاء ٣ سبتمبر/أيلول سنة ١٨٧٩م (الموافق ١٧ رمضان سنة ١٢٩٦هـ) وصل رياض باشا الإسكندرية ومعهُ ولدهُ وتوجه توًّا إلى المحروسة. وفي ٢١ منهُ كلفهُ الجناب الخديوي بتشكيل وزارة جديدة تحت رئاستهِ بعد أن قدم الوزراء استعفاءَهم، فلبَّى الطلب ونظم وزارة جديدة ولم تمضِ ٣ أشهر على وزارتهِ حتى أخذت حال البلاد في التحسن وهدأت الأمور.

وفي ١٨ رمضان سنة ١٢٩٦هـ (٤ سبتمبر/أيلول، ١٨٧٩م) وقَّع سمو الخديوي على الأمر الناطق بتعيين الموسيو بارنج والموسيو دي بلينيار بصفة مفتشين ماليَّين. وفي أواخر هذهِ السنة أيضًا قدم نوبار باشا من أوروبا واستعفى غوردون باشا من حكمدارية السودان، وكان قد وليها سنة ١٢٩٠هـ (١٨٧٣م) في عهد الخديوي السابق وتعيَّن رءُوف باشا في مكانهُ وفي أيامهِ ظهر المهدي بدعوتهِ. ثم كلَّفت الوزارة الجناب الخديوي أن يتجوَّل في أنحاءِ القطر جريًا على المألوف في مثل هذهِ الحال أي في حال تولية أمير جديد، فسار سموهُ في ١٠ صفر سنة ١٢٩٧هـ (أو ٢٢ يناير/كانون الثاني، ١٨٨٠م) نحو الصعيد ثم إلى الوجه البحري وعاد إلى المحروسة في ٤ مايو.

وفي ١١ يناير من تلك السنة قرر مجلس النظار تشكيل لجنة خصوصية للنظر في مبادئ أعمال التصفية ومرجع هذهِ اللجنة ينحصر في ناظر المالية وكاتب أسرارهِ الثاني. ولما قدم المفتشان العموميان إلى مصر نظما لائحة فيما يتعلق بتسوية الدين المنظم. وفي ٥ صفر سنة ١٢٩٧هـ (أو ١٧ يناير/ كانون ثاني، ١٨٨٠م) صدر الأمر العالي بإلغاءِ الضرائب الدنيئة والشخصية التي لا يتجاوز مجموعها ستمائة ألف جنيه في السنة وذلك بناءً على تقرير رفعهُ إليه ناظر المالية.

وفي ٩ صفر (أو ٢١ يناير/كانون ثاني) صدر أمر خديوي متعلق بإبطال بون حليم باشا. وفي ٢٥ ربيع آخر (أو ٥ أبريل/نيسان) من هذه السنة تعينت لجنة التصفية مؤلفة من خمسة أعضاء ورئيس أوروبيين وعضو وطني هو بطرس بك غالي (اليوم بطرس باشا) لينوب عن الحكومة المصرية. وفي ١٨ جمادى الأولى (أو ١٧ أبريل/نيسان) عقدت اللجنة جلستها التمهيدية وجرت المخابرات بين المفتشين الماليين ولجنة التصفية فيما يجب تقريرهُ بخصوص المواد الآتية: (١) الدين الممتاز. (٢) الموحد. (٣) التعيينات. (٤) متأخرات كوبونات الموحد. (٥) القروض القريبة الآجال. (٦) بيان إجمال الدين غير المنظم. (٧) لائحة تتضمن مسائل عديدة وديونًا متنوعة. وفي ١٨ جمادى الآخرة (أو ٢٧ مايو/آيار) رفع رياض باشا إلى سموّ الخديوي كتابًا يتضمن بيان احتياج البلاد إلى تعميم المعارف. فأمر سموهُ بتشكيل لجنة للنظر في ما يتعلق بالتعليم العمومي وما يحتاج إليه من التحوير تحت رئاسة علي باشا إبراهيم ناظر المعارف إذ ذاك. وفي ١٦ رجب (أو ٢٣ يونيو/حزيران) تعين الموسيو كولفن مفتشًا ماليًّا بدلًا من المستر بارنج. وفي ١٩ رجب ورد تلغراف من الباب العالي بتوجيه رتبة المشيرية إلى رياض باشا.

وفي ١٠ شعبان (أو ١١ يوليو/تموز) أَتمت لجنة التصفية أعمالها وأنهت قانونها وصادق عليهِ الجناب الخديوي وهاك ملخصهُ:
  • (١)

    إن صافي إيرادات السكك الحديدية والتلغرافات ومينا الإسكندرية يكون مخصَّصًا لتسديد فوائد واستهلاك الدين الممتاز دون غيرهِ، أما فائدتهُ فتبقى ٥ بالمائة على القيمة الاسمية. والقيمة التي تدفع سنويًّا لفائدة واستهلاك هذا الدين تكون ١١٥٧٧٦٨ جنيهًا سنويًّا.

  • (٢)

    إن صافي إيرادات الكمارك وعوائد الدخان الوارد ومديريات الغربية والمنوفية والبحيرة وأسيوط بما فيهِ جميع الرسوم المقررة إلَّا إيراد الملح والدخان البلدي. جميع صافي هذه الإيرادات تبقى مخصصة لتسديد الدين الموحد والفائدة باعتبار أربعة بالمائة.

  • (٣)

    إن أملاك الدائرة السنية وأملاك الدائرة الخاصة المذكورة في الكشوفات والرهونات العقارية المسجلة وغيرها تكون ملكًا للحكومة وهي تكون مخصصة لضمانة دين الدائرة السنية العمومي.

  • (٤)

    تسوية الدين السائر تكون من البواقي من سلفة الأملاك الأميرية ومن النقود الباقية لغاية سنة ١٨٧٩م في خزينة النظارات والمديريات والمصالح التي لم تخصص للدين المنتظم ومن الزائد من دفعات المقابلة وموجود نقدية في صندوق الدين العمومي ومن المبالغ التي يمكن تحصيلها من المتأخرات لغاية ١٨٧٩م من العوائد والرسوم والأموال من أي نوع كانت، ومن العقارات الجائز للحكومة التصرف بها ولم تكن مخصصة وما ينتج من تغيير البونات أو السندات ومن سندات الدين الممتاز التي توجد على مقتضى المدون في البند السادس من قانون التصفية ومن الجزء المخصص لاستهلاك الدين المنتظم حسب المدون في البند ١٥ من القانون، ومن الزيادات التي تظهر في الموازين كما هو مبين في البند السابع من قانون التصفية.

هذه شذرة صغيرة من قانون التصفية ومن أحبَّ التفصيل فليراجع القانون نفسهُ فإنهُ مؤلف من ٩٩ بندًا وبرفقتهِ كشفان عن التسويات التي حصلت وغيرها.

وتكاثر منح الرتب من أنعام الحضرة الخديوية في ذلك الأثناء وكانت الرتب تستلزم زيادة المرتبات كما هي الحال الآن في رتب الجهادية، فملافاة للتثقيل على المالية أصدرت نظارة الداخلية أمرًا مفادهُ أن الرتب الملكية لا توجب زيادة المرتب وإنما تكون لتحلية ذويها بحلية الشرف فقط.

واشتهر سمو الخديوي بميلهُ الخصوصي إلى أبناء البلاد ورفع شأنهم وبث الحرية بين ظهرانيهم، فتألفت قلوبهم واتحدت كلمتهم ووجهوا انتباههم إلى إصلاح شئونهم. وإنما كانت تلك الحرية لدى البعض هبة في غير محلها وقبل أوانها، فجاءَت بأمور آلت إلى الثورة العرابية التي كانت عثرة في سبيل فلاحهم فأوصلت البلاد إلى ما نراها عليهِ الآن.

الحوادث العرابيَّة

ولد أحمد عرابي في سنة ١٢٤٨هـ وقيل سنة ١٢٥٧هـ (أو سنة ١٨٥٩م) في قرية (هرية رزنة) من مديرية الشرقية من عائلة بدوية الأصل وفي سنة ١٢٧٢هـ انتظم في سلك العسكرية في عهد المغفور لهُ محمد سعيد باشا ثم ترقى في أيامهِ إلى رتبة الملازم ثم إلى رتبة اليوزباشي ولم تأتِ سنة ١٢٧٦هـ حتى بلغ رتبة بكباشي. وفي سنة ١٢٧٧هـ نال رتبة القائمقام ثم اعتزل الخدمة ثم عاد إليها في أوائل ولاية إسماعيل باشا سنة ١٢٧٩هـ وما زال حتى وقعت بينهُ وبين خسرو باشا الشركسي مخاصمة أدت إلى إبعاد عرابي من الخدمة العسكرية مدة سنة، وهذا سبب بغضهِ للشراكسة، ثم ألحق بأشغال الدائرة الحلمية واقترن بابنة مرضعة المرحوم إلهامي باشا التي هي شقيقة حرم الخديوي الحالي بالرضاع، فعفا عنهُ الخديوي السابق وأرجعهُ إلى وظيفتهِ في أحد الإلايات سنة ١٢٩٢هـ فأخذ من ذلك الحين في تأليف قلوب الضباط وجمع كلمتهم على ولائهِ بما كان يظهرهُ من الأسف على حرمانهم من الترقيات حال كون غيرهم من الشراكسة والأتراك متمتعين بها إلى غير ذلك.

وما زال في ذلك إلى تولية الخديوي الحالي فارتقى إلى رتبة أميرالاي سنة ١٢٩٦هـ (أو ١٨٧٩م) وكان على نظارة الجهادية عثمان باشا رفقي شارعًا في سن قانون عسكري يؤخذ من فحواه حرمان كل من تحت السلاح من الترقي، فتذمر عرابي ورفاقهُ وحملوا ذلك على الإيقاع بأبناء الوطن وجعلهم أنفارًا تحت سلطة الترك والشراكسة، فاجتمع ثلاثة من زعمائهم وهم علي فهمي (كان علي باشا فهمي) وعبد العال (عبد العال باشا) وأحمد عبد الغفار (أحمد بك عبد الغفار) في منزل عرابي وتآمروا على معاكسة ذلك القانون ومنع صدورهِ فتحالفوا وحثُّوا ضباط الآياتهم على التشيع لهم بعد أن أقنعوهم بنبالة مقصدهم، وأجمع رأيهم على كتابة تقارير ممضية من جميع الضباط مرفوعة إليهم بالتظلم من ناظر الجهادية وطلب تنزيلهِ، فحفظوها عندهم وقدموا تقريرًا منهم رفعوهُ إلى مجلس النظار يطلبون تنزيل ناظر الجهادية فصدر أمر النظار بسجنهم في قصر النيل، فاستُدعوا إليه فساروا بعد أن أمروا الاياتهم بالاستعداد للمقاومة عند أول إشارة. فلما وصلوا إلى القصر جُرِّدوا من سلاحهم وأُدعوا السجن فوصلت الإشارة إلى الاي عابدين فسار إلى قصر النيل وأخرج المسجونين بالعنف وبعثوا الإعلامات إلى الاى العباسية والاي طره بالحضور حالًا إلى سراي عابدين رغمًا عما حاولهُ الجناب الخديوي من منع مجيئهم بواسطة الرسل والتهديد، ولما تمَّ اجتماعهم قام عرابي خطيبًا فيهم فشكرهم على تلك الهمة والغيرة، وكانت ساحة عابدين غاصة بجماهير المتفرجين، ثم تقدم عرابي أمام سمو الخديوي وطلب لهم العفو عما أتوهُ من القحة. وطلب خلع عثمان باشا رفقي ناظر الجهادية. فأجاب سموهُ الطلب وجعل على نظارة الجهادية محمود سامي (كان محمود باشا سامي).

وبعد أن سكنت عوامل هذه الحركة خاف زعماءً الثورة من هذا النجاح السريع واعتبروا إجابة طلبهم هذا مكيدة من الحكومة لتسكين جأشهم ثم تحتال للاغتيال بهم فأكثروا من التحفظ وشرعوا في عقد مجالس سرية ليلية في منزل أحمد عرابي يدعون إليها خواصهم ويتفاوضون في أمر اجتماع كلمتهم والوقاية من الاغتيال، فاقترحوا على ديوان الجهادية اقتراحات عديدة تعزِّز جانبهم فتمكن عرابي بذلك من استمالة قوم العسكرية فطفق يبث أفكارهُ بين الأهالي من مشايخ العربان وعمد البلاد وأعيانها وعلمائها وتجارها استجلابًا لمساعدتهم في مشروعهِ العائد إلى نفعهم على ما زعم وكتب إليهم في ذلك منشورات ثوروية إيقاعًا بالوزارة الرياضية.

وفي ٢١ جمادى الأولى سنة ١٢٩٨هـ (أو ٢٠ أبريل/نيسان، ١٨٨١م) أصدر الجناب الخديوي بناءً على اقتراح رياض باشا رئيس النظار أمرًا عاليًا بشأن زيادة مرتبات الضباط والعساكر وتعديل النظامات والقوانين العسكرية بناءً على طلب محمود سامي ناظر الجهادية، فاحتفل هذا احتفالًا فاخرًا في قصر النيل دعا إليه النظار والمفتشين احتفاءً بصدور ذلك الأمر وخطب فيهِ رياض باشا ومحمود سامي وأحمد عرابي ثناءً طيبًا على المكارم الخديوية لما منحتهُ لجماعة الجهادية من الإنعام.

وفي ٢٨ شعبان (أو ٢٥ يوليو/تموز) كان الجناب الخديوي في مصيفهِ في الإسكندرية فاتفق أن عربة أحد تجار الإسكندرية صدمت جنديًّا من الطبجية صدمة قضت عليهِ فحملهُ رفقاؤُهُ إلى سراي رأس التين وطلبوا إلى الخديوي النظر في أمرهِ فوعدهم فسكن جأشهم. وبعد بضعة أيام تشكل مجلس حربي أصدر حكمهُ على النفر الذي حمل رفقاءَهُ على المسير إلى رأس التين بالأشغال الشاقة طول حياتهِ. أما رفقاؤُهُ وعددهم نحو الثمانية فحكم عليهم بثلاث سنوات في الليمان وبعد ذلك يرسلون إلى السودان أنفارًا للجهادية. فبعث عبد العال أمير الفرقة السودانية إلى ناظر الجهادية محمود سامي يشكو من قسوة ذلك الحكم فرفع سامي تلك الشكوى إلى الخديوي فتكدر، واستدعى في الحال الوزراءَ تلغرافيًّا إلى الإسكندرية فأتوها في ٧ رمضان (أو ٢ أغسطس/آب) وعقدوا برئاستهِ مجلسًا قدم فيهِ ناظر الجهادية استعفاءَهُ فقبل وعين بدلًا منهُ داود باشا يكن واستلم الأعمال وعاد النظار إلى العاصمة وهدأت الأحوال.

وفي شوال (أو سبتمبر/أيلول) بعد عودة الجناب الخديوي من الإسكندرية صدر أمرٌ من نظارة الجهادية إلى الاي القلعة بالتوجه إلى الإسكندرية وأمرٌ آخر إلى الاي الإسكندرية بالمجيء إلى المحروسة، فأوعز عرابي إلى الاي القلعة أن تلك الأوامر لا يقصد بها إلَّا تفريق كلمتهم فصرَّح ذلك الالاي بعدم امتثالهِ لما أُمر بهِ. وفي خلال ذلك كان عرابي يخاطب الألايات بالإشارة أن يستعدوا للحضور إلى ميدان عابدين في أول سبتمبر، ثم أرسل كتابهُ إلى الجناب الخديوي وإلى نظارة الجهادية يخبرهم فيها أن الجيش سيحضر إلى سراي عابدين لإبداء اقتراحات عادلة تتعلق بإصلاح البلاد، وكتب مثل ذلك إلى قناصل الدول مبينًا أن لا خوف من هذه الحركات على أبناءِ تابعيتهم لأنها متصلة الغاية بالأحوال الداخلية. فأرسل الجناب الخديوي وفدًا إلى زعماء الثورة وهم عرابي وعبد العال وأحمد عبد الغفار ينصحهم أن يكفوا عن إجراءاتهم وتوجه سموهُ بنفسهِ إلى الاي عابدين وأخذ ينصحهم فتظاهروا بالانتصاح وتوزعوا في نوافذ السراي وقاية لها، ثم توجه وفي معيتهِ النظار إلى القلعة للغرض عينهِ. فأجابهُ الجيش هناك: «نحن مطيعون لأوامر ولي نعمتنا غير أننا أخبرنا بأن المقصود من تسفيرنا إغراقنا في كوبري كفر الزيات.» فقال سموهُ لمن معهُ: يظهر أن العساكر مغرورون، ثم تركهم وقصد العباسية لإيقاف عرابي فلم يجدهُ وقيل لهُ إنهُ سار في جندهِ إلى عابدين فعاد سموهُ أيضًا إليها.

ولما تكامل اجتماع الألايات في ميدان عابدين في ١٥ شوال سنة ١٢٩٨هـ (٩ سبتمبر/أيلول، ١٨٨١م) كانت الساحة غاصة بجماهير المتفرجين وقناصل الدول داخل السراي فأشرف الجناب الخديوي من السلاملك وأمر بإحضار عرابي، فحضر على جواده مشهرًا سيفهُ وحولهُ ضباط الصواري فأمرهُ بإغماد السيف والترجل وإبعاد الضباط ففعل.

الخديوي : ألم أك سيدك ومولاك؟
عرابي : نعم.
الخديوي : الم أرقك إلى رتبة الميرالاي؟
عرابي : نعم ولكن بعد ترقية نحو الأربعمائة.
الخديوي : وما هي أسباب حضورك بالجند إلى هنا؟
عرابي : لنوال طلبات عادلة.
الخديوي : وما هي هذه الطلبات؟
عرابي : هي إسقاط الوزارة وتشكيل مجلس النواب وزيادة عدد الجيش والتصديق على قانون العسكرية الجديد وعزل شيخ الإسلام.
الخديوي : كل هذه الطلبات ليست من خصائص العسكرية.

فكف عرابي وأشارت القناصل على الخديوي أن ينقلب إلى داخل. ثم قال قنصل إنكلترا إلى عرابي بالنيابة عن الجناب الخديوي: «إن إسقاط الوزارة من خصائص الخديوي، وطلب تشكيل مجلس النواب من متعلقات الأمة، ولا وجه لزيادة الجيش لأن البلاد في طمأنينة فضلًا عن أن مالية البلاد لا تساعد على ذلك، أما التصديق على القانون فسينفذ بعد اطلاع الوزراء عليهِ، أما عزل شيخ الإسلام فلا بد من إسنادهِ على أسباب.»

عرابي : اعلم يا حضرة القنصل أن طلباتي المتعلقة بالأهالي لم أقدم عليها إلَّا لأنهم أنابوني في تنفيذها بواسطة هؤلاء العساكر لأنهم إخوتهم وأولادهم فهم القوة التي ينفَّذ بها كل ما يعود على الوطن بالمنفعة. واعلم أننا لا نتنازل عن هذه الطلبات ولا نبرح من هذا المكان ما لم تنفذ.
القنصل : إذن تريد تنفيذ اقتراحاتك بالقوة الأمر الذي يخشى منهُ ضياع بلادكم.
عرابي : ذلك لا يكون ومن ذا الذي ينازعنا في إصلاح داخليتنا فاعلم أننا نقاومهُ أشد المقاومة إلى أن نفنى عن آخرنا.
القنصل : وأين هذه القوة التي ستقاوم بها؟
عرابي : في وسعي أن احشد في زمن يسير مليونًا من العساكر طوع إرادتي.
القنصل : وماذا تفعل إذا لم تنل ما طلبت؟
عرابي : أقول كلمة ثانية.
القنصل : وما هي؟
عرابي : لا أقولها إلَّا عند القنوط.

ثم انقطعت المخابرات بين الفريقين نحوًا من ثلاث ساعات تداول القناصل والخديوي أثناءَها داخل السراي واستقر الرأي على إجابة طلبات عرابي وإنفاذها تدريجيًّا لأن بعضها يحتاج إلى مخابرة الباب العالي، فأصر عرابي على تنزيل الوزارة قبل انصرافهِ فنزلت، واستدعي شريف باشا وبعد اللتيَّا والتي قبل بأن يشكل وزارة جديدة بشرط أن يتعهد لهُ رؤساء الحزب العسكري بالامتثال لأوامرهِ وأن يقدّم عمد البلاد ضمانة على ذلك، فحصل وتشكلت الوزارة وجعل محمود سامي ناظرًا للجهادية. فأوعز شريف باشا إلى عرابي أن يتوجه بالايهِ إلى رأس الوادي في مديرية الشرقية وإلى عبد العال أن يسير بالايه إلى دمياط فامتثلا وسارا إلى حيث أُمرا باحتفال عظيم، وخطب عبد الله نديم محرر جريدة الطائف وحسن الشمسي محرر جريدة المفيد في المحطة خطبًا هنئوا بها الحزب الوطني على فوزهِ.

ولما استقر عرابي في رأس الوادي جعل يتجول في أنحاء المديرية يبثُّ مبادئهُ في نفوس عمد البلاد ومشايخ العربان، فاستدعتهُ الحكومة إلى العاصمة وعرضت عليهِ رتبة لواء ووظيفة وكيل نظارة الجهادية فقبل الثانية ورفض الأولى ليبقى الالاي في عهدتهِ. ولما استوى على منصبهِ الجديد جعل يعقد المحافل في منزلهِ علانية وتوسط بالعفو عن حسن موسى العقاد أحد تجار المحروسة وكان مبعدًا في السودان فأجابهُ الجناب الخديوي إلى ذلك، ثم سعى إلى عزل الشيخ العباسي من مشيخة الإسلام واستبدالهِ بالشيخ الإمبابي.

وفي ٢٨ شوال سنة ١٢٩٨هـ (٢٢ سبتمبر/أيلول، ١٨٨١م) صدقت الحكومة المصرية على القوانين العسكرية الجديدة وهى من ضمن طلبات الجهادية يوم حادثة عابدين تحتوي على قانون الإجازات العسكرية البرية والبحرية وقانون المستودعين وقانون معاشات الجهادية البرية والبحرية وفروعها وقانون القواعد الأساسية في النظامات العسكرية وقانون الترقي وقانون الضمائِم والامتيازات والإعانة العسكرية. وبعد التصديق عليها جاءَ إلى شريف باشا وفدٌ جهادي وقدموا لهُ الشكر على اعتنائهِ بمطاليبهم وبينوا ارتياحهم إلى وزارتهِ وأكدوا لهُ إخلاصهم.

وفي ١١ ذي القعدة (أو ٤ أكتوبر/تشرين أول) من تلك السنة صدر الأمر العالي باعتماد اللائحة في انتخاب مجلس النواب بناءً علي تقرير رفع إلى شريف باشا مذيلًا بألف وستمائة توقيع يتضمَّن طلب تشكيل المجلس النيابي، ومن مقتضى تلك اللائحة أن يكون النواب واحدًا أو اثنين من كل قسم من أقسام المديرية و٣ من مصر و٢ من الإسكندرية وواحد من دمياط على شروط مذكورة في اللائحة. ووزعت نظارة الداخلية منشورات بشأن ذلك في المديريات.

وفي ١٣ ذي القعدة سنة ١٢٩٨هـ (أو ١٠ أكتوبر/تشرين أول، ١٨٨١م) وصل إلى الإسكندرية وفد عثماني وهو عبارة عن لجنة مخصوصة مبعوثة من الأستانة بأمر الجناب السلطاني مؤلفة من نظامي باشا وراضي باشا وعلي فؤاد بك وصفر أفندي فاستقبلوا في الإسكندرية، وفي يوم وصولهم قدموا العاصمة فأنزلهم الجناب الخديوي في قصر النزهة في شبرا وفي اليوم التالي ساروا لمقابلة سموهِ في سراي الإسماعيلية وبلغوهُ رضى الجناب السلطاني عما توجهت إليه همم الحضرة الخديوية من تحسين الأحوال وحفظ النظام، وإن حضور هذا الوفد إنما هو عنوان ما للذات الملوكية من الاعتماد وشدة الوثوق بحضرة الخديوي المعظم، وإن المقصد الأول من حضورهم إنما هو تأييد نفوذهِ وتعزيز موقعهِ وتثبيت مركزهِ، فشكر سموهُ لتعطفات الحضرة السلطانية وابتهل إلى الله تعالى بدوام بقائها. ثم قاموا وانصرفوا وبعد يسير سار الجناب الخديوي لرد تلك الزيارة. ثم سار علي نظامي باشا لزيارة الاي قصر النيل فاحتفل بهِ محمود سامي احتفالًا عظيمًا وبعد أن لاحظ نظامي باشا حركات الالاي أثنى على أميرهِ. ثم زار شيخ الإسلام ونقيب الأشراف. وأقام رجال الوفد في مصر بضعة عشر يومًا أدبت لهم فيها المآدب وكان الناس يرحبون بهم. ثم ظهر للوفد أن ليس في مصر ما يوجب الاضطراب فعادوا إلى الأستانة راضين مقتنعين عن طريق الإسكندرية في ٢٦ ذي القعدة سنة ١٢٩٨هـ (١٩ أكتوبر/تشرين الأول، ١٨٨١م).

ثم توجَّهت عناية شريف باشا إلى تنظيم المحاكم الأهلية فانصرفت الأنظار إلى مشروع تنظيمها وفي ٢٥ ذي الحجة سنة ١٢٩٨هـ (١٧ نوفمبر/تشرين الثاني، ١٨٨١م) صدر الأمر العالي مؤذنًا بذلك مع لائحة ترتيب المحاكم. وبتاريخهِ أُلغيت جريدتا الحجاز ولجيبت الأولى لأنها طعنت في الأجانب والثانية لخروجها عن الحضرة النبوية. وفيهِ أنفذ الخديوي إلى الأستانة وفدًا مصريًّا ردًّا للوفد العثماني الذي جاءَهُ. وفيهِ أنشئَ صندوق للادخار في ديوان الجهادية يجعل فيهِ من ماهيات الضباط خمسة في المائة يشترى بمجموعها قراطيس مالية وتضم الفائدة إلى الأصل كل عام ويشترى بالجموع قراطيس وهكذا. ومثل ذلك فعل مستخدمو الدائرة السنية.

وفي ١٩ محرم سنة ١٢٩٩هـ (٩ ديسمبر/كانون الأول، ١٨٨١م) صدر الأمر العالي بتولية الشيخ الإمبابي مشيخة الجامع الأزهر بدلًا من الشيخ العباسي، وقد تقدم أن عرابي كان ساعيًا إلى ذلك. وفيهِ طلبت نظارة الجهادية أن يزاد في ميزانيتها مبلغ ١٣٠ ألف جنيه فأجيب طلبها رغمًا عن إمساك المالية عن إجابة مثل هذه الطلبات.

وفي ٥ صفر سنة ١٢٩٩هـ (٢٦ ديسمبر/كانون أول، سنة ١٨٨١م) تم انتخاب أعضاء مجلس النواب بمقتضى اللائحة التي أشير إليها، فكان مؤلَّفًا من اثنين وثمانين عضوًا أُقيم منهم المرحوم سلطان باشا رئيسًا وعبد الله باشا فكري رئيسًا للكتبة، وأُعدَّت قاعة المجلس في ديوان الأشغال لتكون مقرَّ انعقادهِ. وحضر تلك الجلسة الجناب الخديوي وقال المقالة الافتتاحية بيَّن فيها شدة رغبتهِ في تأليف ذلك المجلس وتنشيطه. وقال إنهُ يرجو أن يكون مساعدًا لهُ في نشر العلوم والمعارف بين أفراد الأمة مخلصًا في خدمة المصالح. وحضر تلك الجلسة أيضًا جميع الوزراء ورجال الدولة فتكلم كل منهم حسب مقتضى المقام. ثم نظر المجلس في بعض الأمور الداخلية وارفضت الجلسة. وعكف مجلس شورى النواب على الاهتمام بشئونهِ فرتب أقلامهُ وانتخب رؤساءَها ثم وجه التفاتهُ على الخصوص إلى اللائحة الأساسية الجديدة التي كان موعودًا من مجلس النظار بإرسالها إليه لينظر فيها لأن مجلس النواب افتتح بمقتضى اللائحة الشوروية القديمة.

وفي ١١ صفر سنة ١٢٩٩هـ (٢ يناير/كانون الثاني، ١٨٨٢م) وفد شريف باشا على مجلس النواب لتقديم اللائحة الأساسية الجديدة التي أعدَّها لهُ فقدمها وخطب في ذلك خطابًا أثر في أذهان النواب، وقد جاءَت هذه اللائحة مشتملة على أحكام حرة وحدود مطلقة يكون بمقتضاها للنواب حق النظر في القوانين والمصروفات العمومية، وأن لا ينفذ قانونٌ ولا يُعتبر نظام ما لم يصادق عليهِ في مجلسهم مع الحرية التامة لهم في إبداء آرائهم. فتعينت لجنة من أعضاء المجلس لمراجعة هذه اللائحة. وبعد الاجتماع مرات عديدة قررت أكثر بنود اللائحة ووقع الخلاف بين النواب والنظار في شأن ما يتعلق بالميزانية من تلك اللائحة. وفي ٢٧ صفر من تلك السنة أعاد النواب اللائحة المذكورة إلى النظار بعد أن بينوا ما يريدون تحويرهُ فيها. فرأَى النظار أن يغيروا شيئًا من تحويرات النواب فلم يقبل أولئك وأصروا إلَّا تنفيذ تحويرات لجنتهم. وفي ١١ ربيع الأول سنة ١٢٩٩هـ (٣١ يناير/كانون ثاني، ١٨٨٢م) أعاد النظار اللائحة إلى النواب مرفوقة بإفادة مفادها أن وكيلي الدولتين فرنسا وإنكلترا يريان أن لا حقَّ لمجلس النواب في تقرير الميزانية، ولكنهما مع ذلك يقبلان المخابرة في هذا الشأن بشرط أن يستقر الاتفاق بين النواب والحكومة على سائر بنود اللائحة. وبناءً على ذلك تطلب الحكومة من النواب تصديقهم على اللائحة مع إغفال ما يتعلق بالميزانية لبينما يعطي النواب رأيهم النهائي فيهِ. فنظر النواب في تلك الإفادة عدة ساعات فقرروا إحالتها إلى اللجنة التي كانت مكلفة بتنقيح اللائحة وطلبوا إليها إعادة النظر في التعديلات التي أدخلها مجلس النظار، فصدقت على بعضها ورفضت البعض الآخر وأدخلت على البند المتعلق بالميزانية تعديلًا على مقتضى ما أرادت. وقررت في الوقت نفسهِ عدم قبول تداخل القنصلين في ذلك الأمر.

وفي يوم الخميس ١٣ ربيع أول (٢ فبراير/شباط) سارت لجنة مؤلفة من ١٥ نائبًا إلى الجناب الخديوي يطلبون تنفيذ ما قرروهُ أو استعفاءَ الوزارة فوعدهم سموهُ إلى صباح السبت وانصرفوا، فتقابل مع شريف باشا بحضور القنصلين فأصر شريف باشا على رأْيهِ واستعفى للحال، فاستدعى الجناب الخديوي لجنة النواب وكلفها أن تختار رئيسًا للوزارة فقالوا إن ذلك من حقوق الجناب الخديوي فألح عليهم فامتنعوا، ولكنهم قالوا نريد وزارة تنفذ لائحتنا فاختار لهم محمود سامي وقلَّدهُ منصب الوزارة، وعهد إليه تشكيل وزارة جديدة فشكلها وجعل أحمد عرابي ناظرًا للجهادية. فسر الحزب الوطني بذلك كل السرور ووردت لهم التهاني من سائر القطر من وطنيين وأجانب وأقام النواب احتفالًا لفوزهم. وفي ١٥ ربيع أول (أو ١٤ فبراير/شباط) اجتمع ضباط الجهادية من رتبة الصاغقول أغاسي فما فوق ومثلوا بين يدي الجناب الخديوي للتشكر وإظهار الطاعة، فشكرهم سموهُ وخاطبهم بما شفَّ عن حبهِ لإصلاح البلاد. وفي ١٩ ربيع أول حضر محمود سامي إلى مجلس النظار فقوبل بالتعظيم والتكريم وسُرَّ النواب بنفوذ رأيهم، فخطب فيهم ونشطهم وأقرَّ لهم على اللائحة كما حوروها. فلما علم الناس بالتصديق على لائحة النواب أقاموا الاحتفالًات في مصر والإسكندرية سرورًا بفوز الحزب الوطني وأصبح الجهاديون القوة المتسلطة في البلاد وإليهم يوجه الثناء كأَن تلك المنى قد أُدركت بمساعيهم.

ولما جلس عرابي على مسند نظارة الحربية والبحرية أُحسن عليهِ وعلى عبد العال برتبة لوا «باشا» ثم سعى إلى ترقية كثيرين من رفقائهِ الضباط، وقرر قانون الضمائم والمعاشات بصفة جمعت القلوب على ولائهِ. وتخلصًا من الحزب الشركسي الذي كان لا يزال متخلّلًا الجهادية شكل لجنة لفرز الضباط المستودعين ففرزت نحو الستمائة منهم وأكثرهم من الأتراك والشراكسة فأصبحت الجهادية وطنية محضة. وذكرت جرائد أوروبا إذ ذاك أن الحزب الوطني وفي مقدمتهِ عرابي كان يتهدد مجلس النواب ويتوعدهُ بالسوء إذا لم يسر على غرضهِ، فنشر رئيس المجلس المذكور في الجريدة الرسمية ما ينفي تلك التهمة. ثم تخصصت جريدة الطائف لنشر محاضر مجلس النواب والتكلم بأفكار أعضائهِ والدفاع عنهم. وفي أواسط ربيع آخر (أو مارس/آذار) استعفى بلينيار أحد المراقبين الماليين فعين بدلًا منهُ الموسيو بريديف. وفي ٦ جمادى الأولى سنة ١٢٩٩هـ (أو مارس/آذار، سنة ١٨٨٢م) انفض مجلس النواب من أعمالهِ لتلك السنة وقد قرر فيها: (١) القانون الأساسي. (٢) لائحة الداخلية. (٣) لائحة الانتخاب. (٤) أمورًا أخرى مهمة. وقد تقرر في لائحة الانتخاب ثبوت حق الانتخاب والنيابة معًا لأي من كان من رعايا الحكومة سواءً كان مولودًا في القطر المصري أو مقيمًا فيهِ منذ عشر سنين. ولما ودع النواب الجناب الخديوي سلم سموُّهُ كلًّا منهم أمرًا مؤذنًا بتعيينهِ عضوًا في المجلس المشار إليه إلى خمس سنوات.

ثم بلغ عرابي أن بعض ضباط الشراكسة المتأهبين للسفر إلى السودان تكلموا بشأنهِ بما لا يليق وأن في عزمهم الكيد بهِ، فأمر بالقبض عليهم فقبض على أربعين منهم وفي جملتهم عثمان باشا رفقي ناظر الجهادية سابقًا، وأودعهم السجن في قصر النيل وعاملهم بالقسوة والغلظ. ثم تشكل مجلس حربي لمحاكمتهم برئاسة راشد باشا الشركسي فصدر الحكم عليهم بالنفي إلى أقاصي السودان ثم خفف الجناب الخديوي هذا الحكم إلى الإبعاد عن القطر المصري. وبعد صدور ذلك الأمر وقع الخلاف بين الخديوي والنظار في هذا الشأن، فاجتمع النظار في ١١ مايو/آيار اجتماعًا طويلًا حضر أثناءَهُ وكلاء الدول وسألوا النظار عن حال الأوروبيين في القطر المصري وعما إذا كان يتوعدهم خطر فأكدوا لهم أن لا شيء في الأمر من مثل ذلك.

ثم بعث النظار يستقدمون النواب من بلادهم للاجتماع والنظر في أمر ذلك الخلاف، فاجتمعوا وحاولوا إصلاح الخلاف فلم يفوزوا وسار وفدٌ منهم إلى الجناب الخديوي يرجونهُ إجابة سؤالهم فأجابهم آسفًا لعدم إمكانهُ ذلك فعادوا وأخبروا بما كان، فتعينت لجنة ثانية في ٢٥ جمادى الآخرة سنة ١٢٩٩هـ (أو ١٤ مايو/آيار، ١٨٨٢م) لتعرض على سموهِ قبول الاقتراح بشرط أن ينزل رئيس النظار فقط وأن يجعل مكانهُ مصطفى باشا فهمي فتوجهوا وعرضوا ذلك على سموهِ فقبل بعد التردد. فساروا إلى مصطفى باشا فهمي يسألونهُ إذا كان يقبل تلك الرئاسة فأبي، فعادت المسألة إلى مركزها الأول بل زادت تجسُّمًّا فوقفت حركة الأعمال وباتت العيون شاخصة إلى ما سيكون. واجتهد سلطان باشا إلى توفيق ذلك الخلاف بكل طريقة ممكنة وساعدهُ ناظر المعارف وناظر الأوقاف فلم ينجح. وبينما هم في ذلك ورد تلغراف من لندرا منبئ بصدور الأمر إلى الأسطول الإنكليزي الراسي في بحر المانش أن يتأهب ليسافر في ٢٨ مايو إلى البحر المتوسط فأوجس الناس خيفة.

وما زال النواب يسعون إلى حل ذلك المشكل بدون نتيجة فاستدعوا العلماءَ والوجهاءَ لعقد اجتماع عمومي يتخابرون فيهِ ويتشاورون في كيفية حلهِ. فاجتمعوا في ٢٧ جمادى الآخرة (أو ١٥ مايو/آيار) وسارت منهم لجنة إلى الجناب الخديوي وما زالوا يستعطفونهُ حتى وافقهم على ما أرادوا مع استبقاء الوزارة. وفي اليوم التالي سار النظار إلى دواوينهم وبعثوا إلى الجهات يبشرون بزوال الخلاف إلَّا أن الهواجس لم تهدأ تمامًا. ثم كثرت الإشاعات عن قرب وصول الأسطول الإنكليزي وأسطول آخر فرنساوي فازداد الاضطراب وتلونت الأقاويل. ثم ورد تلغراف من أكريت ينبئ بخروج الأسطول الفرنساوي منها قاصدًا ثغر الإسكندرية وأن الإنكليزي باقٍ فيها ينتظر قدوم الأسطول العثماني فيأتي الاثنان في وقت واحد وينضمان إلى الأسطول الفرنساوي.

وفي مساء الجمعة غرة رجب (أو ١٩ مايو/أيار) وفدت على مينا الإسكندرية دارعة إنكليزية وفي الصباح التالي دارعتان أخريان وثلاث دوارع فرنساوية فأطلقت المدافع للسلام كالعادة. ثم جعلت البواخر ترد إلى ذلك الثغر حتى تكامل الأسطولان ولم يكن معهما أسطول عثماني فكثر تقول الناس في سبب قدوم هذه العمارات على هذه الصورة. ثم أشيع أن قدومها كان بوفاق مع الباب العالي وبارتياح الدول عمومًا بشرط أن تسرع بعد إنهاء المشاكل إلى الانسحاب.

وفي ٧ رجب (أو ٢٥ مايو/آيار) قدَّم قنصلا إنكلترا وفرنسا بلاغًا نهائيًّا من دولتيهما تطلبان فيهِ سقوط الوزارة وخروج عرابي من القطر المصري بأن تضمنا لهُ حفظ رتبهِ ورواتبهِ ونياشينهِ، وإبعاد عبد العال حلمي وعلي فهمي إلى الأرياف في جهات لا يخرجان منها مع حفظ رتبهما ورواتبهما ونياشينهما، وأن الدولتين عازمتان على تنفيذ كل ذلك، وهما تكلفان الجناب الخديوي أن يصدر عفوًا عامًّا على جميع الذين لهم دخل في المسألة. فرفض النظار هذا البلاغ ولم يجيبوا عليهِ بدعوى قولهم «أن لا علاقة للدول الأوروبية معنا فإذا شاءا فليخابرن الأستانة أما نحن فإننا مستعدون للمقاومة» فأخذ سلطان باشا يسعى إلى التوفيق فحبط مسعاهُ. وفي ٨ رجب (أو ٢٦ مايو/آيار) استعفت الوزارة محتجة على بلاغ الدولتين وطلباتهما فكُلِّف شريف باشا بتشكيل وزارة جديدة فأبى وأصرَّ على الإباءَة فأطلعهُ قنصل فرنسا على تلغراف وارد إليه من وزارة فرنسا ونصهُ: «الأمل أن يقبل شريف باشا رئاسة الوزارة وأكدوا لهُ أننا نعضدهُ ونؤّيدهُ بكل جهدنا.» فلم يقنعهُ ذلك وأصرَّ على الرفض.

ثم عُقدت جلسة عند الجناب الخديوي حضرها بعض رؤساء الجهادية وفي مقدمتهم طلبة عصمت فقال شريف باشا: إنهُ يقبل أن يشكل وزارة جديدة بشرط أن تنفذ الجهادية مآل طلبات الدولتين. فقال طلبة: «نحن مطيعون إنما يستحيل علينا تنفيذها ولا حق للدولتين بطلب ذلك لأن هذه المسائل من اختصاص الباب العالي.» قال ذلك وخرج فتبعهُ الضباط. وبتاريخهِ ورد تلغراف من رأس التين بالإسكندرية أن العساكر هناك لا يقبلون غير عرابي ناظرًا عليهم، وأنهم إذا مضت ١٢ ساعة ولم يرجع إلى منصبهِ لا يكونون مسئولين عما يحدث مما لا يستحب وقوعهُ، فزاد الإشكال والاضطراب فتمكن شريف باشا وغيرهُ من إصرارهم على رفض تشكيل وزارة جديدة. وعند الغروب اجتمع النواب ورئيسهم وحضر عرابي وجعل يخطب فيهم وخطب أيضًا عبد العال وغيرهُ يطلبون تنازل الخديوي فتفاقم الخطب، فأرسل الجناب الخديوي يخبر الباب العالي أن الجند غير راضين عن استعفاء الوزارة وأنهم أقاموا الحجة على طلب الدولتين. فأجابهُ أن الحضرة السلطانية أمرت بتشكيل لجنة عثمانية تأتي مصر بعد ثلاثة أيام للنظر في هذا الأمر. فأمر الجناب الخديوي أن يرجع عرابي إلى مركزهِ مؤقتًا للتأمين على الأجانب لبينما يصل الوفد العثماني فسرَّ الجند بذلك. وبعث عرابي منشورًا إلى قناصل الدول يضمن لهم تأييد الأمن لجميع سكان القطر المصري من وطنيين وأجانب مسلمين وغير مسلمين وفي الوقت عينهِ اقترح ثلاثة أمور:
  • (١)

    إعادة لائحة الدولتين وانسحاب أسطوليهما.

  • (٢)

    وضع قانون أساسي تبيَّن فيهِ حدود كل من الجناب الخديوي ووزرائهِ.

  • (٣)

    قطع المخابرات والعلاقات توًّا مع الدولتين ومع سائر الدول إلَّاَّ بواسطة الدولة العثمانية.

ثم عمل العرابيون على خلع الخديوي وتولية البرنس حليم باشا وكثيرًا ما كانوا يصرحون بذلك في مجالسهم. ثم صرفوا الهمَّة إلى الأهبة والتحصين كأنهم يتوقعون قتالًا، فصرَّح المستر غلادستون وزير إنكلترا إذ ذاك أن دولتهُ تريد أن تؤيد كلمة الجناب الخديوي توفيق باشا لما أظهر من أدلة الصداقة والإخلاص. وفي ٢٠ رجب (أو ٧ يونيو/حزيران) وصل إلى ثغر الإسكندرية اليخت الشاهاني يقلُّ درويش باشا المعتمد العثماني فسار توًّا إلى العاصمة للنظر فيما هو واقع بين الخديوي وجندهِ.

حادثة ١١ يونيو (حزيران)

وما انقضى شهر مايو حتى بلغ الاضطراب والقلق من ساكني مصر مبلغًا عظيمًا فكثرت الإشاعات وزادت بواعث الإيجاس، فنزع النزلاءُ الأجانب إلى الجلاء والمهاجرة إلى أوروبا خوفًا من أمر يأتي أو فرارًا من بلاء محسوب. فأصبحت الإسكندرية ملجأَ للوافدين من جالية الريف على أمل أن يكونوا فيها آمنين غوائل التعدي لكثرة من فيها من الأجانب أو بالحري احتماءً بجوار الأسطولين الإنكليزي والفرنساوي.

ثم أحسَّ الأجانب فيها أن سفلة الأهالي ومعظمهم الجهاديين قد أغلظوا في معاملاتهم واستبدوا في أمورهم فكانوا يخطرون في الأزقة تيهًا يمتهنون الرفيع ويستعبدون الوضيع، ثم لاح لهم أن أولئك الأجانب يريدون بهم شرًّا فجعلوا يتوقعون منهم ما يتذرعون بهِ إلى الوقيعة بهم توهمًا منهم أن أولئك من ألدّ الأعداء لوطنهم. فعلم الأجانب بتلك المقاصد فجعلوا يتأهبون سرًّا للدفاع بما أمكنهم من اقتناء الأسلحة والرجال وإخفائهم في منازلهم واستشاروا أميري الأسطولين فوافقاهم ثم عرضوا الأمر على القناصل الجنرالية في القاهرة بواسطة مندوب مخصوص فأنكروا عليهم ذلك فلبثوا يتوقعون المقدور.

أما أهل الفتنة فأدركوا تحذر الأجانب منهم فهُّموا بهم في ٢٤ رجب (أو ١١ يونيو) وابتدءوا الفتنة بخصام بين حمّار ومالطي اتصلوا منها إلى الغارة على البيوت والمنازل والفتك بكل من مروا بهِ في السبل، فلم تكن ترى إلَّا أخلاطًا من السفلة بين صعيدي وسوداني وبدوي وفيهم الحمارة والحمالون وأمثالهم يهجمون جماعات على من لقوهُ في طريقهم، فقتلوا نحوًا من ٣٠٠ نفس وقُتل منهم نحو هذا العدد. كل ذلك والأسطولان لم يحركا ساكنًا وتمارض مأمور الضابطة المدعو السيد قنديل ولم ينزل يومئذٍ إلى المدينة، وجرح في هذه الموقعة عدد كبير من كبار الأجانب وفيهم قنصل اليونان والمستر كوكسون قنصل إنكلترا في الإسكندرية وقنصل إيطاليا وفيس قنصلها وقنصل الروسية وكثيرون غيرهم. فأمر محافظ الإسكندرية (عمر باشا لطفي) الأميرالاي سليمان داود أن يبعث الجند لإيقاف الأهالي ومنعهم من ارتكاب تلك الفظائع. فأجاب أنهُ لا يستطيع ذلك إلَّا بعد أن يأتيهُ أمرٌ من عرابي فجاءَهُ الأمر نحو الساعة الخامسة بعد الظهر، فسار الجند والمحافظ أمامهم ساعيًا على قدميهِ يسكنون الخواطر وينادون بإعادة الراحة فرءوا المخازن قد نهبت والأرزاق قد تبعثرت على قارعة الطرق، وعند الغروب هدأت الغوغاء وكف الناس فدخل كلٌّ منزلهُ وانقضى الليل ولم يحدث شيءٌ. وفي اليوم التالي كثر عدد المهاجرين بحرًا حتى خيل للناس أنهُ لم يبق في المدينة أحد من الأجانب، فنزل من المدينة في يوم واحد نحو من عشرة آلاف وتفرقوا في السفن. كل ذلك خوفًا مما كانوا يخشون حدوثهُ من مثل ما قاسوهُ. واتصلت هذهِ الأخبار بالداخلية فانتشر الاضطراب وعمَّت البلوى وتقاطر الناس من سائر الأقطار الداخلية إلى السواحل يطلبون الفرار كما فعل الإسكندرانيون واستمرَّت الحال على ذلك بضعة أيام حتى كاد يخلو القطر من النزلاء، وقد عدَّ بعضهم عدد من هاجر في تلك المدة فبلغ زهاء مائة وخمسين ألفًا. فقفلت الحوانيت وبطلت المعاملات ولم يبق في البلد شغل إلَّا لأرباب العربات وأصحاب الصنادل وإدارات البابورات والسكة الحديدية وما شاكل.

ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالعاصمة اضطرب أهلها وفي صباح ١٢ يونيو خاطب القناصل درويش باشا معتمد الحضرة السلطانية بكلام عنيف وسألوهُ أن يتخذ التدابير الفعالة لصيانة الأوروبيين وأموالهم في جميع أنحاء القطر، فعقد مجلسًا في عابدين حضرهُ الجناب الخديوي ودرويش باشا ومن معهُ وشريف باشا ووكلاء الدول العظمى السياسيون، وبعد المذاكرة أقروا أن تعطى للقناصل ضمانات أكيدة تكفل إعادة الأمن والمحافظة على أرواح الأوروبيين وأموالهم، ومن أخص هذه الضمانات أن يمتثل عرابي لأي الأوامر التي تصدر لهُ من الخديوي فدعي وسئل فأجاب بالقبول وتعهد بإجراء ما يضمن الراحة، وأخذ درويش باشا على نفسهِ تبعة تنفيذ الأوامر الخديوية بمعنى أن يكون مشتركًا مع عرابي ومسئولًا معهُ في تنفيذ تلك الأوامر فرضي وكلاءُ الدول بذلك وانصرفوا، وأخذ عرابي يهتم قيامًا بتعهده فنشر المنشورات بمنع الاجتماعات وإبطال كل ما يوجب الارتياب. وكانت قد تعينت لجنة بأمر الجناب الخديوي للنظر في أمر حادثة الإسكندرية تحت رئاسة عمر باشا لطفي محافظها وفيها مندوبو القناصل فاجتمعت اللجنة في الإسكندرية وباشرت أعمالها وقرَّرَّت ما خيل لها أنها تدابير فعالة لإعادة الأمنية.

وفي ٢٦ رجب (أو ١٣ يونيو/حزيران) وصل سمو الخديوي إلى الإسكندرية يصحبهُ درويش باشا مندوب الحضرة السلطانية فصفَّت لهما الجنود من المحطة إلى سراي رأس التين وأُطلقت المدافع تحية لهما ثم زارهُ قناصل الدول، إلَّا قنصلا إنكلترا وفرنسا فإنهما بقيا في مصر، فأبدى لهم أسفهُ الشديد لما حدث ووعدهم بصرف العناية إلى إخماد الفتنة وخاطبهم درويش باشا أيضًا بمثل ذلك وزاد عليهِ أنهُ واثق الثقة التامة بإخلاص الجهادية. إلَّا أن الخديوي أسرَّ إلى المستر كولفن المراقب العمومي الإنكليزي أنهُ غير واثق باستمرار الأمن والراحة وأنهُ يعتبر مهمَّة درويش باشا كأنها قد انتهت ولم تفلح وأنهُ لم ير بدًّا من مجيء جنود عثمانية لإعادة الراحة. وكان في ثكنات الإسكندرية نحو من ثمانية آلاف من الجند بالأسلحة الكاملة ولديهم من المهمات ما يكفي خمسين ألفًا.

ثم بلغت القناصل رعاياها أن يتخذوا أقرب السبل للنجاة مما ربما يحدث فأوعزت إليهم أن يهاجروا من المدينة فتناقلت الألسن هذه الأخبار، فتأكد الناس أن الساعة آتية لا ريب فيها وعينت كلُّ دولة من الدول الأجنبية سفنًا لنقل رعاياها المهاجرين مجانًا، فتسارع الفقراءُ من كل ناحية متقاطرين من مدن الداخلية والأرياف إلى الإسكندرية وبورت سعيد حيث كانت تلك السفن معدةً لنقلهم إلى بلادهم. وكان المستر مالت وكيل إنكلترا السياسي لا يزال في العاصمة فجاءهُ أمرٌ من لندرا بأن يحضر إلى الإسكندرية ويرافق الخديوي حيثما توجه فأتاها وأتى معهُ المسيو سنكوفينش وكيل فرنسا، فخلت العاصمة من رجال السياسة وخلا جوُّها لعرابي وجماعتهِ واستفحل أمرهم ولا سيما لما بلغهم من انقسام دول أوروبا في المسألة المصرية فظنوا أنهم في مأمن من الاغتيال. ثم حسب القناصل أن تغيير الوزارة يأتي بحل هذه المشكلة فأشاروا على الجناب الخديوي بذلك فشكل وزارة جديدة تحت رئاسة إسماعيل راغب باشا وبقي عرابي ناظرًا للجهادية والبحرية، فكان رأي هذه الوزارة أن الطريقة المثلى لملافاة الأمر أن يصدر عفو عمومي وأن يعلن في الجرائد الرسمية «أن كل من عليهِ مسئولية أو اشتراك بالحوادث الأخيرة فعليهم العفو إلا المشتركين في حادثة الإسكندرية وهم تحت المحاكمة» فوافقها الجناب الخديوي على ذلك. وفي ٥ شعبان سنة ١٢٩٩هـ (أو ٢١ يونيو/حزيران، سنة ١٨٨٢م) بعث الجناب الخديوي منشورًا إلى راغب باشا يطلب إليه التحري الحسن في مسألة حادثة الإسكندرية فأجابهُ بتلبية الطلب.

ثم جاءَت الأخبار بعزم الدول على عقد مؤتمر في الأستانة لأجل البحث في المسألة المصرية وتمنَّع الباب العالي من ذلك، بدعوى أن ليس في مصر ما يوجب الاضطراب اعتمادًا على تقارير درويش باشا المرسلة منهُ، وكان ذلك مما شدَّد عزائِم الحزب الوطني ولا سيما لما رأوا الباب العالي واثقًا بهم يأبي عقد مؤتمر دولي. وكان عرابي يؤكد لأتباعهِ أن وجود هذه الأساطيل في مينا الإسكندرية لا يخشى منهُ البتة لأنها إنما أتت هذا البحر للتنزه كما فعلت مرات عديدة قبل هذه. أما إنكلترا فلم تنفك ساعية إلى عقد المؤتمر بدعوى أنهُ يستحيل إعادة الأمن إلى مصر بغير واسطة فعالة وكان الباب العالي يجيب على ذلك بقولهِ إنهُ بعد تشكيل الوزارة الجديدة صار يرجو استقرار السلام ووافقهُ على رأيهِ هذا دول ألمانيا واوستريا وإيطاليا والروسية، وهذهِ الموافقة كانت مبنية على خوف الدول من مطامع إنكلترا في مصر. فلما علمت هذه بنيَّاتهم أكَّدت لهم أنها تتعهد متى عقد المؤتمر مع سائر الدول أَلَّا تسعى البتة إلى ضم أرضٍ ما إليها أو الاستيلاء على مصر أو قسم منها أو الحصول على امتياز سياسي أو تجاري بدون أن يكون فيهِ نصيب لسائر الدول فوافقها الجميع على عقد المؤتمر أما الدولة العلية فأصرَّت عل عدم لزومهِ.

وفي ٧ شعبان (أو ٢٤ يونيو/حزيران) عقد المؤتمر في الأستانة ولم يكن للدولة العلية معتمد فيهِ فقرر ما يأتي ممضيًا من سائر المعتمدين. «إن الحكومات التي وقَّع وكلاؤها بالنيابة عنها على ذيل هذا البروتوكول تتعهد أنها لا تقصد البتة اغتنام أرض ما ولا الحصول على امتيازات ما ولا أن يكون لرعاياها من الامتيازات المتجرية، ولا يستطيع أن ينالهُ غيرهم من رعايا أي الدول في مصر، وذلك في أي مسألة حصل التوافق عليها بسعيها واشتراكها في المخابرات لتنظيم أمور تلك البلاد.» وقد كانت إنكلترا أثناء سعيها إلى عقد المؤتمر تحشد الجنود استعدادًا للحرب مدَّعية أن تلك الاستعدادات إنما هي من قبيل التهديد لعرابي، وكانت في الوقت عينهِ تلحُّ على سائر الدول أن تساعدها في ذلك. أما دول أوروبا فكانت شديدة الحذر من انفراد إنكلترا في المسألة المصرية لكنها لم تكن تستطيع معارضتها بالعنف.

وجاء في أثناء ذلك إلى عرابي نيشانٌ من لدن الحضرة السلطانية فاتخذهُ الناس ذريعة إلى إثبات رضاء الباب العالي عن أعمالهِ وكان هو يحاول إقناعهم أن جميع الدول تساعدهُ على مقاومة إنكلترا إذا مسَّت الحاجة. وفي ٥ شعبان (أو ٢٢ يونيو/حزيران) تمارض المستر مالت وكيل إنكلترا فأُنزل إلى إحدى السفن وبقي فيها بضعة أيام ثم سافر إلى برندزي. وفي ٢٥ منهُ تنحي المستر كوكسن قنصل إنكلترا في الإسكندرية بدعوى مرضهِ بسبب الجراح التي كان قد أصيب بها أثناء حادثة ١١ يونيو وهكذا فعل قنصل مصر أما باقي القناصل فبقوا في الإسكندرية إلى ٩ يوليو. وكان الخديوي ودرويش باشا مقيمين في سراي رأس التين وعرابي مقيمًا في الترسخانة وتحت أمرهِ في ثغر الإسكندرية تسعة آلاف مقاتل.

وفي جلسة المؤتمر السابعة أقرَّ الدول على كتابة لائحة مشتركة يقدمونها إلى الباب العالي يطلبون منهُ إرسال جنود عثمانية إلى مصر لإخماد الفتنة ففعلوا فأبى، فاتخذت إنكلترا ذلك ذريعة لتداخلها بالقوَّة وكان بهِ نجاح سياستها، فأخذ الأميرال سيمور قومندان العمارة الإنكليزية ينتحل سببًا ولو طفيفًا لمباشرة العدوان فادعى أن الجهادية يحصنون القلاع في الثغر وينقلون أحجارًا ضخمة يلقونها عند فم المضيق وأن القصد بها سد مدخل المينا فيمنع المدد ويحصر الأسطول، وقال إن هذا التحصين مناف لحقوقهِ فكلف الحكومة المصرية أن تكف عن تقوية الاستحكامات حالًا وإلا اضطرتهُ الحال إلى إطلاق مدافعهِ عليها فيدكُّها عن آخرها. فأجابهُ طلبة باشا عصمت أن لا صحة لما يقول وأن الجهادية لم يهتموا قط بتحصين القلاع. وشاع ذلك فخافت الناس وأُوعز إلى الجناب الخديوي بواسطة المستر كولفن أن يتنحَّى صيانة لحياتهِ فأجابهُ: «لا يليق بي أن أترك الكثيرين من رعيتي الأمناء في أوان الشدة ولا يليق بي أيضًا أن أترك البلاد في أوان الحرب.» ثم توسطت قناصل الدول في الإسكندرية بين الأميرال سيمور وبين الجهادية المصرية فلم ينجحوا. فسعى عرابي وسامي إلى كاتب سر مجلس النظار وطلبوا إليه أن يكتب تقريرًا في المسألة مفادهُ «أن الأميرال تجاوز الحدود فيما يطلب وأنهُ لا بدَّ من مقاومتهِ وأن عرابي وقومهُ مفوضون في أمر الدفاع عن البلاد.» وداروا بهِ على منازل النظار وطلبوا التوقيع عليهِ فوقع بعضهم اختيارًا والبعض اضطرارًا ويقال إن الخديوي نفسهُ صدقَّ عليهِ أو ألجئ للتصديق ثم أرسلوهُ إلى الأميرال سيمور. وأرسل عرابي منشورًا إلى المدراءِ يطلب إليهم أن يكونوا مستعدِّين للإمداد بالجند والمال.

وفي مساء ٢٢ شعبان (أو ٩ يوليو/تموز) جاءَ المستر كارترايت إلى الخديوي وأعلنهُ رسميًّا عن عزم الأميرال سيمور على مباشرة القتال صباح الثلاثاء في ١١ تموز وألح عليهِ أن يترك سراي رأس التين ويلجأ إلى سراي الرمل ففعل. ثم حرر رسميًّا إلى درويش باشا يطلب إليه أن يحافظ على حياة الجناب الخديوي وألقى عليهِ التبعة إذا أُصيب بسوء.

وفي ٢٣ شعبان (أو ١٠ يوليو/تموز) أرسل الأميرال سيمور كتابات رسمية إلى كلٍّ من درويش باشا وراغب باشا رئيس الوزارة يعلمها عن خروج رجال الوكالة الإنكليزية من القطر المصري إشارة إلى قطع العلائق الودية وأعلنت خارجية إنكلترا سائر الدول بذلك بدعوى «أنها لم ترَ بدًّا من ذلك غير أنها مع ذلك تصرح أن ليس لها أرب خفي أو نيَّة غير بينة، وإنما عملها هذا من قبيل الدفاع وحرصًا على مصلحة الجناب الشاهاني» وفي مساء ذلك اليوم سافر الأسطول الفرنساوي متقهقرًا تاركًا سفينتين من سفنهِ فقط.

وفي الساعة السابعة من صباح الثلاثاء ٢٢ شعبان سنة ١٢٩٩هـ (أو ١١ يوليو/تموز، ١٨٨٢م) أطلقت العمارة الإنكليزية مدافعها على حصون الإسكندرية وما زالت إلى الساعة واحدة ونصف بعد الظهر فهدمت معظمها وانفجر مستودع البارود في قلعة أَطه. فجاءَ راغب باشا إلى الجناب الخديوي في الرمل وأخبرهُ أن الحصون قاومت أشد المقاومة وأن كثيرًا من سفن الإنكليز قد غرقت، وكان يقول ذلك مسرورًا ولكن قولهُ هذا ما لبث أن نقض بورود الخبر الصحيح. ثم جاءَ عرابي فوقف بين يدي سموّهِ فسألهُ عن حالة الحصون فقال: «لم يعد في وسعنا المقاومة ولا بد لنا من تدابير أخرى أو أن نتساهل مع الأميرال.» وبعد المخابرة تقرر إرسال طلبة عصمت إلى الأميرال وعاد عرابي من حيث أتى. فعاد طلبة باشا من عند الأميرال وأخبر الجناب الخديوي أن الأميرال يطلب احتلال ثلاث قلع وإلاَّ يستأنف القتال الساعة ٢ بعد الظهر. ثم قال: «ولكني قلت لهُ إن هذه المدة لا تكفي لإتمام المخابرة بشأن ذلك فطلبت تطويلها فأبى فأتيت لأعلم سموَّكم ملتمسًا رأيكم.» فعُقد مجلس تقرر فيهِ أنهُ لا يحق للحكومة المصرية الترخيص في احتلال جنود أجنبية بدون مخابرة الباب العالي إلَّا أن الوقت لم يسمح بتبليغ ذلك القرار للأميرال.

ولما رأى رجال الحصون المصرية عدم استطاعتهم مقاومة السفن الإنكليزية رفعوا العلم الأبيض إشارة إلى إيقاف العدوان فانقطعت السفن عن قذف النار وكانت الحصون قد تهدمت، فعلم الثائرون أن ذلك التسليم يعقبهُ احتلال الجيوش الإنكليزية المدينة فوزعوا في غلس ١٢ يوليو/تموز فرسانًا في أحياء المدينة يأمرون الوطنيين بالخروج من الإسكندرية على الفور وكانت هذه الأوامر تصدر من الأميرالاي سليمان داود وأمر أيضًا زمرًا من الرعاع أن تطوف المدينة وتحرقها فابتدءوا من الساعة الأولى بعد الظهر، فكانت الإسكندرية مساء الأربعاء مضطرمة الجوانب منهوبة المخازن لا ترى فيها إلاَّ لهبًا متصاعدة وأناسًا حاملين الأمتعة والمصاغ فارِّين إلى داخلية البلاد.

وكان الخديوي في سراي الرمل وبمعيتهِ عثمان باشا وإسماعيل باشا الشركسيان وزبير باشا السوداني والجنرال ستون باشا وفدريكو بك وطونينو بك ودي مارتينو بك وأباتي بك وتيكران باشا وزهراب بك «اليوم زهراب باشا» وغيرهم لا يزيد عدد الجميع عن الخمسين. وبعد ظهيرة ذلك اليوم جاءَ إلى سراي الرمل نحو أربعمائة فارس وبعض المشاة واحتاطوا بها فسئلوا عن الغاية من مجيئهم فقالوا: «قد أتينا للمحافظة على السراي» والحقيقة أنهم جاءُوا مأمورين بإحراقها وقتل من يخرج منها، وفي الساعة ٧ مساءً بعث عرابي يستدعيهم إليه فساروا وتخلف منهم أحد البكباشية ومعهُ ٢٥٠ فارسًا فمثل بين يدي الجناب الخديوي وأقسم أنهُ يموت بين يديهِ واقتدى رجالهُ بهِ وأخبرهُ أنهُم كانوا قد أتوا يريدون شرًّا. وفي خلال ذلك أرسل الأميرال سيمور ثلاث دوارع من أسطولهِ لترسو بجوار سراي الرمل صيانة لحياة الحضرة الخديوية ويقال إنها هي التي كانت السبب في انسحاب الفرسان العرابيين. ثم جاء المحافظ إلى الخديوي يخبرهُ بما كان من النهب والحرق في أحياء المدينة فأرسل سموهُ كامل باشا الشركسي وبرفقتهِ زبير باشا ليمنعوا الناس من ذلك.

ونحو الساعة ٢/١ ٢ بعد ظهر ٢٦ شعبان (أو ١٣ يوليو/تموز) كانت جنود عرابي قد انجلت عن الإسكندرية. فجاءَ زهراب بك بهذا النبأ إلى الخديوي وأن الأميرال سيمور عازم على إنزال جنود بحرية إلى رأس التين وأنهُ يدعو الحضرة الخديوية إلى سفينتهِ حيث يكون آمنًا، ففضَّل سموهُ التوجه إلى سراي رأس التين فسار وبمعيتهِ درويش باشا حتى جاءَ السراي فوجد هناك الأميرال سيمور وبعضًا من جنودهِ ينتظرونهُ في ساحة القصر. وفي المساء نزل بعض وكلاء الدول وهنئوا سموهُ بسلامتهِ وكان في السراي ٣٠٠ من الحامية الإنكليزية. وفي الصباح التالي أنزل الأميرال فرقًا أخرى من رجالهِ يطوفون الشوارع ومعهم عدد من المدافع تسكينًا لخواطر الباقين فيها.

وقد قدرت الخسائر فبلغت نحو ستمائة من الوطنيين وخمسة من الإنكليز على الدوارع هذا فضلًا عن المذابح التي حصلت في أثناء ذلك في طنطا والمحلة الكبرى وسمنود وجهات أخرى. وبعد انتقال العائلة الخديوية إلى رأس التين استدعى الجناب الخديوي زهراب بك وجعلهُ ترجمانًا بين السراي والضباط الإنكليز وعهد إليه أن يمنع أيًّا كان من الدخول إلى القصر لأن العرابيين كانوا قد عينوا نفرًا من الجواسيس لاستطلاع حالة السراي. أما عرابي وأتباعهُ ففروا إلى كفر الدوار وعسكروا هناك على نية الدفاع.

ولما استتب المقام للإنكليز في الإسكندرية جعلوا ينظرون في تنظيف الأسواق ونقل جثث القتلى ودعوا المهاجرين أن يعودوا إلى منازلهم لإعادة الراحة والطمأنينة واستدعي أثناء ذلك درويش باشا إلى الأستانة فتوجه.

وحرر راغب باشا إلى الأميرال سيمور يخبرهُ أن إجراءات عرابي من الآن فصاعدًا مخالفة لأوامر الخديوي وأنهُ هو وحدهُ (عرابي) المسئول عنها.

ثم كتب الجناب الخديوي إلى أحمد عرابي يأمرهُ بالإمساك عن جمع العساكر وإعداد التجهيزات لأن الحكومة الإنكليزية لا خصومة بينها وبين الحكومة المصرية، وأنها مستعدة لتسليم المدينة متى رأت فيها قوة منتظمة والبلاد في أَمن وأمرهُ أن يأتي إلى سراي رأس التين حالًا.

فأجاب عرابي «إن مقاومة العمارة الإنكليزية حصل بإقرار مجلس النظار ودرويش باشا وأن النظار هم الذين أعلنوا بإقامة الحرب مع الإنكليز وهكذا حصل، فإذا كان الأميرال الآن قد عدل عن المحاربة إلى المسالمة بعد وقوع الحرب فذلك يعد طلبًا للصلح ولا يجوز أن يكون إنكارًا للحرب» إلى أن قال: «إنهُ يميل إلى الصلح ولكن مع حفظ شرف البلاد والحكومة فإذا كان الأميرال يريد تسليم المدينة فليسلمها ولتبارح مراكبهُ مياه الإسكندرية وأنهُ للمحافظة على شرف الحكومة الوطنية ينبغي الاستمرار على الاستعداد العسكري حتى تفارق المراكب السواحل المصرية وأنهُ يعتبر قول الإنكليز هذا مكيدة لأن الإسكندرية ما برحت محتلة بالإنكليز ولذلك لا يمكنهُ الحضور إليها.» ثم طلب التئام مجلس النظار في مركز الجيش للمداولة في الأمر وبعد ذلك يصرف الجيش ويحضر.

فيظهر أن إصرار عرابي هذا هو السبب في اتساع الخرق لأن الحكومة الإنكليزية لم تكن تطمع باحتلال هذه البلاد على ما يظهر من أقوالها. وحرر عرابي إلى وكيل الجهادية يعقوب سامي في القاهرة إيقاعًا في الحضرة الخديوية واتهمها أنها متحاملة على الجهادية الوطنية وأنها هي التي جلبت كل هذه المتاعب إلى القطر المصري، ويطلب إليه أن يتروى في الأمر وينظر في صلاحية هذا الوالي للتولية عليها أو عدمهِ. فلما وصل تحرير عرابي هذا إلى يعقوب سامي جمع إليه الذوات والأعيان والرؤساءَ الروحانيين في ديوان الحربية في غرة رمضان سنة ١٢٩٩هـ (١٧ يوليو/تموز، ١٨٨٢م) وعقدوا جلسة تحت رئاسة وكيل الداخلية قام فيها عدة خطباء اتهموا الجناب الخديوي ببيع الوطن. واستقر الرأي أخيرًا على لزوم الاستمرار على إعداد التجهيزات الحربية وأن تعيَّن لجنة من ستة أشخاص يتوجهون إلى الإسكندرية لاستدعاءِ النظارة إلى العاصمة للاستعلام منهم عن حقيقة ما حصل. وبناءً على ذلك القرار سار الوفد فمرَّ بكفر الدوار وتداول مع عرابي ورؤساءِ الجند فاختير منهُ اثنان هما علي باشا مبارك وأحمد بك السيوفي للتوجه إلى الإسكندرية للغرض المتقدم ذكرهُ. فوصلا إليها وقابلا الجناب العالي صباح الاثنين في ٢٤ يوليو وعرضا لهُ الحالة فأصدر أمرًا عاليًا يقضي بعزل عرابي عن نظارة الجهادية وأعلن ذلك في البلاد. ثم أرسل إلى الباب العالي يخبرهُ بعصيان عرابي وأن الجند انحاز إليه وهو المسئول عنهُ.

أما عرابي فلم ينفك عن إعداد المعدات والتحصين بمساعدة رفقائهِ فحاول سدَّ ترعة المحمودية بجهة كفر الدوار فلم يفلح وجعل يشيع في البلاد أن الخديوي مشترك مع الإنكليز على إضاعة البلاد إلى غير ذلك إثارة لخواطر الأهلين، ولما وصل الأمر بعزل عرابي إلى العاصمة اجتمع المجلس المتقدم ذكرهُ في نظارة الداخلية وقرروا بقاءَ عرابي للمدافعة عن الوطن وإيقاف أوامر الخديوي بدعوى أنهُ خرج عن قواعد الشرع الشريف.

واستولى العرابيون على الخطوط الحديدية والبرقية فجعل الأميرال سيمور سلكًا تلغرافيًّا بين الإسكندرية وبورت سعيد وأعلن الخديوي ثانية بعصيان عرابي. غير أن جميع هذهِ الأوامر والمنشورات كانت تذهب أدراج الرياح لأن الأهالي أصبحوا منقادين للحزب الوطني انقيادًا أمست البلاد بهِ آلة بيد زعيم الثورة يديرها كيف شاء.

ثم نزل العرابيون نحو الإسكندرية وعسكروا في الرملة فخرجت إليهم فرقة من الإنكليز في ١٥ أغسطس/آب فلم تقوَ عليهم فتقهقرت إلى الإسكندرية ثم عادت إليهم ثانية وقد تشددت، فتقهقر العرابيون وتحصنوا بين أبي قير وخطوط الرملة ثم تقهقروا إلى كفر الدوار فاعتبر الإنكليز من ذلك الحين حالتهم في مصر حالة حربية يحتاجون فيها إلى الإمداد فاستمدوا إنكلترا فأمدَّتهم بقوات كانت تتوارد إليهم عن طريق السويس. أما عرابي فكان في كفر الدوار في أربعة آلايات من المشاة وآلاي من الفرسان وآلاي من الطبجية وبطارية من مدافع الرش وكثير من العربان، وقد قدرت الجنود الإنكليزية التي سارت لمحاربة عرابي فبلغت أربعة عشر ألفًا من المشاة وأربع فرق من الفرسان وألف من الطبجية معهم ٣٦ مدفعًا ونحو ست فرق من المهندسين. ثم انضم إلى هذه القوة بعد ذلك قوة هندية مؤلفة من تسعة آلاف جندي ويقال بالإجمال إن جميع الحاميات الإنكليزية التي كانت في مالطا وقبرص وجبل طارق انضمت إلى حملة مصر.

إلَّاَّ أن كل هذه الإعدادات لم تكن لتثني العرابيين عن عزمهم فإن عرابي حرر إلى المديرين بتاريخ ١٢ أغسطس أن يجمعوا جندًا يبلغ مجموعهُ ٢٥ ألفًا وطلب أن يكون فيهم الخفراءُ لأنهم أقرب الناس إلى الحركات العسكرية تلبية لما تدعوهُ إليه الحالة من السرعة في حشد الجيوش، وفرض أيضًا على المديرين أموالًا يجمعونها من الأهالي إمدادًا للحرب فلا تسل عن الطرق التي كانوا يجمعون بها تلك النقود. وأخذ في تقوية الاستحكامات وتشييد الطوابي فمدَّها فيما بين ما فوق الرملة بأربعة كيلومترات إلى كفر الدوار وأنشأَ في كفر الدوار سدًّا عرضهُ ٣٠ مترًا وخندقًا عرضهُ أربعة أمتار وجعلهُ فاصلًا بين السد وأرض أكثرَ فيها من مواقع الاستحكام، وكان الخط الدفاعي الأول ممتدًّا مما بعد المحلة بمسافة ألف متر على طول الخط الممتد من الرملة إلى البيضة، وجعل ما وراء هذا الخط من المرتفعات والتلال مواقع محصنة إلى كفر الدوار فكانت كلها نحو ٥٠٠ موقع، وأتم مثل هذه الأعمال الدفاعية من كفر الدوار إلى أبي حمص ويوجد بين أبي حمص ودمنهور تل يفضل سائر التلال مساحة وارتفاعًا فاختارهُ عرابي موقعًا يقيه من الإنكليز إذا قضت عليهِ الحال بالتقهقر إلى دمنهور وعزز دمنهور بالمدافع.

وقد قام بين الوطنيين من أفاضلهم من خطب فيهم أو حرر لهم إيضاحًا لما أتوهُ ويأتونهُ من الأغلاط في سيرهم، فلم يفقهوا بل كان يقوم من بينهم من يخطب خطبًا تهييجية مدحًا في عرابي ومشروعاتهِ. وكان عرابي أثناء قيامهِ بالأعمال الحربية معتمدًا على مساعدة الباب العالي في مشروعهِ ولكن خاب أملهُ إثر صدور المنشورات الخديوية واتصال الخبر بهِ أن القوم في دار السعادة عدُّوهُ عاصيًا ولم تمض مدة حتى تحقق ذلك الخبر بمنشور أصدرهُ الباب العالي بعصيان عرابي وأتباعهِ ووجوب الرضوخ لأوامر الجناب الخديوي.

وفي أواسط أغسطس وصل الجنرال السير وولسلي إلى الإسكندرية واستلم قيادة الجيش. ثم أخذت تتوارد القوات الإنكليزية فبلغت في أواخر الشهر المذكور نحو ٢٥ ألفًا وكان قدوم هذا القائد العظيم داعيًا لتيقن الناس بفوز الحملة الإنكليزية نظرًا لما اشتهر بهِ من البسالة والدراية العسكرية. وبعد وصولهِ إلى الإسكندرية نشر إعلانًا مآلهُ أنهُ لم يأتِ إلى مصر إلا لتأييد سلطة الخديوي وهو لا يحارب إلَّا الذين يخالفون أوامر مليك البلاد. ثم أخذت العساكر الإنكليزية تستكشف مراكز العرابيين في كل يوم فكانوا إذا ظفروا بشرذمة من العرابيين ولقوا منها مقاومة قابلوها بقوة السلاح فتولِّي الأدبار تاركة في ساحة القتال من جرح منها فينقلونهُ إلى معسكرهِ أما القتلى فكانوا يدفنونهم.

وفي ٥ شوال سنة ١٢٩٩هـ (أو ٢٠ أغسطس/آب، ١٨٨٢م) حصلت بين الفريقين موقعه في كفر الدوار استمرت ساعتين وكان فيها عدد العرابيين ضعفي عدد الإنكليز وانجلت عن انهزام قسم عظيم من العرابيين وانقلابهم إلى تل الوادي واحتل الإنكليز بعض مواقع العصاة بعد أن قتلوا منهم ١٦٨ وأسروا ٦٢. وحصلت موقعة أخرى في اليوم التالي لم يفز بها أحد الطرفين. أما في اليوم الثالث ٧ شوال فاقتتل الفريقان في كفر الدوار اقتتالًا تعزز فيهِ جانب الإنكليز بنجدة جاءَتهم على قطار مخصوص فتنكص العرابيون وتربصوا تحت إمرة طلبة عصمت في مواقعهم يتوقعون فرصة. وكان العرابيون بعد كل موقعة يكتبون إلى إخوانهم في العاصمة وغيرها أنهم ظافرون. أما عرابي فذهب لتحصين التل الكبير في مديرية الشرقية.

وبعث سير الأحوال وزارة راغب باشا على الاستعفاء فاستقدم الجناب الخديوي رياض باشا من أوروبا حيث كان متغيبًا فقدم في أواسط أغسطس وبعد قدومهِ دعا الخديوي شريف باشا إلى تشكيل وزارة جديدة فلَّبى الدعوة وتعين رياض باشا ناظرًا للداخلية وعمر باشا لطفي ناظرًا للجهادية.

وأرسل الإنكليز فرقًا من جيوشهم عن طريق الإسماعيلية ليقدموا مصر فاشتبكوا في ٩ شوال سنة ١٢٩٩هـ (أو ٢٣ أغسطس سنة ١٨٨٢م) مع العرابيين بين المسخوطة والإسماعيلية وكان الفوز للإنكليز واستولى الإنكليز أيضًا على المحسمة فأصبحوا على عشرة أميال من التل الكبير، وفي ٢٨ أغسطس حصلت موقعة القصاصين بين المحسمة والتل الكبير. وفي ٢٩ شوال (أو ١٢ سبتمبر/أيلول) ورد للجناب الخديوي في الإسكندرية تلغراف من سلطان باشا منبئ باستعداد الإنكليز لمهاجمة التل الكبير حيث تحصَّن العصاة ثم ورد تلغراف آخر من الإسماعيلية يعلن هجوم الإنكليز على التل من كل ناحية وصوب في الساعة الرابعة والدقيقة ٣٠ إفرنجي بعد منتصف الليل وأن العرابيين لم يقفوا أمام الإنكليز إلَّا ٢٠ دقيقة استولى الإنكليز بانقضائها على التل، فغنموا ٤٠ مدفعًا وقتلوا ألفي رجل وأسروا ألفين واستولوا على المؤن والذخائر ثم أخذوا يتعقبون الجند المنهزم.

وتفصيل ذلك أن عرابي كانت قد وصلت إليه نسخة من جريدة الجوائب وفيها منشور جلالة السلطان باعتبارهِ عاصيًا فاغتاظ وكاد يقع في اليأس لأن حجتهُ الكبرى كانت أنهُ مدافع عن حقوق الدولة العلية في مصر فتشاور مع عبد الله نديم وأقرَّ على اخفاء ذلك عن الجند. فلما كانوا في التل الكبير وقد تحصنوا فيهِ بقوَّة ٣٠ ألف مقاتل و٧٠ مدفعًا زحفت الجنود الإنكليزية تحت قيادة الجنرال وولسلي بقوة ١٣ ألفًا و٦٠ مدفعًا وقبل وصولهم إلى معسكر العرابيين أرسلوا جواسيس من المصريين ومعهم نسخًا من الجريدة المشار إليها ففرقوها في الضباط وكبار الجيش. فلما اطلع أولئك عليها خارت قواهم ويئسوا من الفوز لأن معظمهم كان يقاتل لأجل السلطان فعلم عرابي بذلك فجمع إليه الضباط وتشاور معهم فأقرُّوا على استمرار الدفاع محاباةً ورياءً. وفيهِ كتب علي بك يوسف أميرالاي المقدمة إلى عرابي أنهُ قد تحقق أن العدو لا يخرج في هذه الليلة فأصدر عرابي أمرهُ أن يرتاح الجيش، أما العساكر الإنكليزية فسارت من أول الليل لا تفتر لها عزيمة وفي مقدمتها بعض الضباط المصريين الذين كانوا من حزب الجناب العالي وأمامهم عربان الهنادي يرشدونهم إلى الطريق فبلغوا المقدمة في آخر الليل فأخلى لهم علي بك يوسف الطريق ومروا بين العساكر لا راد يردهم، فأطلقوا النار على الاستحكامات وأوقعوا بالجند الراقد فألقت الأجناد أسلحتها وفرَّت فاستيقظ عرابي من نومهِ على دوي المدافع وخرج من خيمتهِ فارتاع لما علم أن العدو قد استولى على الاستحكامات وانهزمت الجنود المصرية فأخذ يناديهم فلم يلبهِ مجيب ثم رأَى خيمتهُ قد أصيبت بقنبلة فطارت، فعلم أنهُ لا ينجيهِ من الموت إلَّا الفرار فركب جوادًا كريمًا وفرَّ وتبعهُ نديم فحاول بعض خيالة الإنكليز إدراكهما فما استطاعوا، وما زالا حتى وصلا محطة أبي حماد فنزلا في القطار وأمرا السائق بالمسير فتعلَّل فهدداهُ فسار حتى وصل القاهرة.

فتوجه عرابي توًّا إلى قصر النيل وعقد مجلسًا من أمراء العسكرية والملكية وأخبرهم بما كان واستشارهم فاختلفت الآراء فنهض البرنس إبراهيم باشا (ابن عم الجناب الخديوي) وخطب في الناس محرضًا علي الدفاع فوافقوهُ بحسب الظاهر واستقرَّ الرأي على إنشاء خط دفاعي في ضواحي المحروسة فسار عرابي في فرقة من المهندسين نحو العباسية يستشيرهم عن أنسب المواقع لبناء ذلك الخط، فقال لهُ أحد الضباط: «إنك بجهلك وسوء تدبيرك قد أحرقت الإسكندرية وتريد الآن أن تحرق مصر فإذا لم يكن لك فيها ما يهمك فاعلم أن لنا فيها نسًاءً وأطفالًا وأملاكًًّا لا نسلم بضياعها تنفيذًا لأغراضك، ألا تدري أنك تعرض مصر للخطر بإنشاءِ الاستحكامات وتجعل منازلها هدفًا لكرات المدافع؟! فنحن لا نوافقك على ذلك، وإني أقول لك ذلك بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن جميع الضباط الحاضرين فلا ترجُ منا مساعدة ويكفي ما قد جرى.»

فانذهل عرابي وارتبك في أمرهِ لا سيما لما رأَى الباقين مستحسنين ما قالهُ رفيقهم، فكرَّ راجعًا على عقبيهِ كئيبًا فاجتمع بأصدقائهِ ودعاهم إلى النظر في الأمر فلم يجدوا أفضل من رفع عريضة إلى الجناب الخديوي يعتذرون بها عن أفعالهم ويقدمون لهُ الخضوع، فحرروا عريضة وأرسلوها مع وفد مؤَلف من بطرس باشا غالي وعلي باشا الروبي ومحمد رءُوف باشا ثم أردفوها بعريضة أخرى أرسلوها مع عبد الله نديم في قطار مخصوص وكان ذلك في غرة ذي القعدة سنة ١٢٩٩هـ (أو ١٤ سبتمبر/أيلول، سنة ١٨٨٢م) فأبى الخديوي قبول العريضة وأمر بالقبض على الروبي وسجنهُ. أما نديم فإنهُ ركب القطار الذي قدم عليهِ وعاد من فورهِ بعد أن وصل كفر الدوار ثم اختفى بعد ذلك ولم يتيسر للحكومة القبض عليهِ إلى الآن.

أما الجنود الإنكليزية فإنها بعد استيلائها على التل الكبير سارت فمرَّت ببلبيس فالزقازيق واستولت عليهما، ثم سارت حتى أتت العباسية خارج القاهرة في مساء الخميس ١٤ منهُ وعسكرت في سفح الجبل المقطم، فأوجس الناس خيفة أن يدخل الإنكليز مصر محاربين، ولكن الأمر جاء بخلاف ما كانوا يتوهمون لأن الجيوش الإنكليزية دخلت العاصمة بحالة سلمية في يوم الجمعة ١٥ سبتمبر طبقًا لما تنبأ بهِ الجنرال وولسلي وألقت القبض على عرابي. وبعد وصول الجنرال وولسلي إلى القاهرة أنفذ السير الجنرال افلن وود إلى كفر الدوار فوصلها في ١٦ منهُ فسلمت فأمر بنسف الطابية التي كان قد بناها العرابيون في قرية أصلان ومثل ذلك سلمت باقي الحصون في بورت سعيد ورشيد وأخيرًا دمياط فإنها لم تسلم إلَّا في ٢١ سبتمبر/أيلول.

وبعد وصول الجنود الإنكليزية إلى القاهرة احتلوا قشلاقات العباسية والقلعة والمقطم وقصر النيل ونزل الجنرال السر وولسلي في سراي عابدين وكان من جملة قواد هذه الحملة البرنس دي كنوت ابن ملكة إنكلترا. وأُودع عرابي ومحمود سامي في سجن العباسية والأسرى من الملكية في سجن الضبطية والجهادية في القلعة.

ثم صدرت الأوامر الخديوية بتعيين حكام المديريات من أهل النزاهة والإخلاص وصدرت أوامر أخرى بتعيين لجنة مخصوصة في الإسكندرية لتحقيق مواد السرقة والقتل والحرق التي وقعت فيها في حادثتي ١١ يونيو و١١ يوليو إلى غاية ١٦ منهُ وتقديم التقارير بما تستطلعهُ. وأوامر أخرى بتعيين مثل هذه اللجنة في طنطا لتحقيق مثل هذه الحوادث التي حدثت خارج الإسكندرية. وأرسلت نظارة الداخلية منشورات إلى المديرين يستقدمون من يجدون ممن وقعت عليهم الشبهة بالاشتراك مع العرابيين. ولا تسل عن التهاني التلغرافية التي وردت للجناب الخديوي وللجنرال وولسلي بما آتاهما الله من النصر المبين. وفي ٢٣ سبتمبر أُلغيت جريدتا الزمان والسفير وفي ٢٥ منهُ أقبل الجناب الخديوي إلى العاصمة وبصحبتهِ شريف باشا وسائر النظار فتواردت الجماهير لملاقاة سموهِ في المحطة، ثم ساروا إلى يسارهِ ابن الملكة وأمامهُ الجنرال وولسلي والمستر مالت حتى أتى سراي الإسماعيلية فنزل وفي اليوم التالي سار إلى سراي الجزيرة لإجراء التشريفات الاعتيادية واستمرت الزينة في القاهرة ثلاث ليال متوالية.

وفي ١٥ ذي القعدة سنة ١٢٩٩هـ (أو ٢٨ سبتمبر/أيلول، سنة ١٨٨٢م) أمر سموهُ بتشكيل لجنة مخصوصة بالقاهرة تحت رئاسة إسماعيل باشا أيوب لتحقيق قضية كل من كان لهُ يدٌ في الحوادث الأخيرة وأن تقدم ما تقررهُ لنظارة الداخلية لتنفذهُ. وأصدر أمرًا آخر بتشكيل محكمة شرعية في القاهرة تحت رئاسة محمد رءوف باشا للحكم بالدعاوي التي تقدم من اللجنة المخصوصة وأن تكون أحكام هذه المحكمة قطعية لا تستأنف. وأصدر أمرًا آخر بتشكيل لجنة عسكرية بالإسكندرية للحكم في الدعاوى التي تقدم لها من اللجنتين المخصوصتين اللتين تشكلتا في الإسكندرية وطنطا وأن تكون أحكامها قطعية تحت رئاسة عثمان نجيب باشا. فشرع كل من هذه اللجان والمحاكم في إجراء ما عهد إليه. وفي ١٨ ذي القعدة سنة ١٢٩٩هـ (أو ٢ أكتوبر/تشرين الأول، سنة ١٨٨٢م) تعين الشيخ محمد العباسي لمشيخة الجامع الأزهر بدلًا من الشيخ الإمبابي. وكافأ الجناب الخديوي سلطان باشا بمبلغ عشرة آلاف جنيه على صداقتهِ التي أبداها أثناء الثورة. ثم أصدر الجناب العالي أمرًا بإلغاء الجيش المصري بقصد صرف العساكر التي جاهرت بالعصيان والاكتفاء بمحاكمة الضباط وكبار قادة الجيش كعرابي وعبد العال وغيرهما ثم أمر بتجديد تنظيمهِ. وفي ١١ ذي الحجة (أو ٢٤ أكتوبر/تشرين الأول) صدر العفو عن الملازمين واليوزباشية الذين كانوا في جيش عرابي مع بعض الاستثناء. وأنعم الجناب الخديوي بالنيشان المجيدي والعثماني من رتب مختلفة على ٥٢ ضابطًا من ضباط الجيش الإنكليزي. وأخذت الحكومة المصرية بمشاركة قناصل الدول تسعى إلى تسكين البال وتوطيد الراحة والقبض على من اشترك بتلك الثورة ومكافأة الذين ساعدوا في إطفائها وبرهنوا على إخلاصهم لمليك البلاد. وعينت في الإسكندرية لجنة للنظر في تعويض الخسائر التي تكبدها أهاليها بسبب الحرق والنهب.

ثم جاءَ اللورد دوفرين معتمدًا من قبل دولة إنكلترا لتسوية المسائل المصرية وتنظيم تقرير بشأنها ولم يكن ذلك برضاء الباب العالي. وأخذ اللورد دوفرين منذ وصولهِ إلى القاهرة يجتمع بالخديوي والوزراء ويتداول معهم في المسائل التي يجب النظر فيها، ذلك بعد أن درس أحوال البلاد وبحث بنفسهِ عن الأمور التي كان عازمًا على وضعها. ثم حرَّر تقريرهُ المشهور وأرسلهُ إلى لندرا في ٦ فبراير سنة ١٨٨٣م بحث فيهِ بحثًا دقيقًا في حالة مصر السياسية والقضائية والمالية وعلى نوع خاص بديون الفلاحين، ثم شرع الإنكليز في إلغاء المراقبة الإنكليزية الفرنساوية بقصد الانفراد بالعمل فكبر ذلك على فرنسا ولكنها لم تستطع أمرًا يمنع إلغاءَها فألغيت، وجعل في مكانها بأمر الحضرة الخديوية مأمور مصريٌّ دعوهُ مستشارًا ماليًّا ولهُ الحق أن يحضر في جلسات مجلس النظار فتعيَّن السير اوكلاند كولفن في هذا المنصب. وكانت الحكومة قد باشرت محاكمة زعماء الثورة العرابية بواسطة اللجان التي سبق ذكرها وكان الفراغ من تلك المحاكمة في ١٩ شوال سنة ١٢٩٩هـ (٣ ديسمبر/كانون الأول، ١٨٨٢م) ثم التأمت اللجنة مرارًا للنظر في تثبيت تلك الأحكام ثم عُرضت على الجناب العالي فتكرَّم بالعفو عمَّن حكم عليهم بالقتل فأصبحت الأحكام بعد ذلك العفو تقضي بتجريدهم من الرتب والألقاب والنياشين ونفيهم وهاك ما صدر بشأن ذلك:
  • (١)

    الحكم الصادر على كلٍّ من أحمد عرابي وطلبة عصمت وعبد العال حلمي ومحمود سامي وعلي فهمي ومحمود فهمي ويعقوب سامي المقتضي جزاؤهم بالقصاص وقع تبديلهُ بالنفي إلى الأبد من الأقطار المصرية وملحقاتها.

  • (٢)

    إن هذا العفو يبطل ويقع إجراء الحكم على المذكورين بالقتل إذا رجعوا إلى الأقطار المصرية أو ملحقاتها.

ثم ارتأى مجلس النظار أن تضبط أملاكهم المنقولة وغير المنقولة وأن يعين لهم في مقابل ذلك راتب سنويٌّ كافٍ لمعيشتهم فصدر بذلك أمر عالٍ في ٢٠ شوال (أو ١٤ ديسمبر/ كانون الأول) من تلك السنة فعينت لجنة لإجراء ذلك ثم صدرت الأحكام المختلفة على من بقي من أتباع عرابي كلٍّ بحسب استحقاقهِ. وكان الأمر بالنفي على ما تقدم يقضي بتسفيرهم حالًا وإنما رأت الحضرة الخديوية إمهالهم إلى ١٦ صفر (أو ٢٧ ديسمبر/ كانون الأول) وعند ذلك ركبوا في قطار مخصوص مع من أرادوا استصحابهُ من ذويهم إلى السويس ومنها إلى جزيرة سيلان محل منفاهم ولا يزالون هناك إلى اليوم. ثم أصدر الجناب الخديوي أمرًا عاليًا بتاريخ ٢٢ صفر سنة ١٣٠٠هـ (الموافق ٢ يناير/كانون ثاني، سنة ١٨٨٣م) بالعفو عن كل أهالي القطر المصري الذين اشتركوا في الثورة العرابية ماعدا الذين سبق صدور الحكم عليهم لغاية تاريخهِ.

ولاحظ رياض باشا بعين الناقد أن نيات الإنكليز منصرفة إلى مساعدة عرابي ورفقائهِ أثناء محاكمتهم فأبت نفسهُ الكظم على ما في ضميرهِ فقدم استعفاءَهُ من نظارة الداخلية فكان ذلك مكدرًُا لعموم الأهالي. وقد خاضت الجرائد بهذا الشأن ولا سيما جريدة الديبا وأبانت ما لهذا الوزير الخطير من المآثر الغراء في التنظيمات الإدارية وحرية التصرف بالأحكام، وقد أجمعت تلك الجرائد على استحسان فعلهِ مؤثرًا الاستعفاء على قبول خدمة لا يستطيع فيها التصرف بالحرية التي تقتضيها مصالح الأمة التي هو أكثر الناس غيرة عليها. فلما قبل استعفاؤهُ عين بدلًا منهُ إسماعيل باشا أيوب ثم توفي هذا بعد يسير فعين بدلًا منهُ خيري باشا.

وفي ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٣٠٠هـ (١ مايو/أيار، ١٨٨٣م) صدر الأمر العالي بتشكيل:
  • مجالس المديريات: مجلس في كل مديرية ويكون لها أن تقرر رسومًا فوق العادة لصرفها في منافع عمومية تتعلق بالمديرية إنما لا تكون قراراتها في هذا الشأن قطعية إلا بعد تصديق الحكومة عليها.
  • مجلس شورى القوانين: وفائدتهُ النظر في القوانين التي تسنّ حديثًا قبل نشرها ولا يجوز إصدار قانون أو أمر يشتمل على لائحة إدارة عمومية ما لم يتقدم ابتداءً إلى هذا المجلس لأخذ رأيهِ فيهِ، وإن لم تعول الحكومة على رأيهِ فعليها أن تعلنهُ بالأسباب التي أوجبت ذلك إنما لا يترتب على إعلانهِ بهذهِ الأسباب جواز مناقشة فيها.
  • الجمعية العمومية: وهذه لا يجوز ربط أموال جديدة أو رسوم على منقولات أو عقارات أو عوائد شخصية في القطر المصري إلَّا بعد مباحثة الجمعية العمومية في ذلك وإقرارها عليهِ.
  • مجلس شورى الحكومة: صدر الأمر بتشكيلهِ وتأجل بيان وظائفهِ.

ثم شرعت الحكومة في تنظيم الجيش المصري الجديد بعد ما أَلغت الجيش القديم على ما تقدم، فانتخبت من الضباط من لم يكن لهُ يدٌ في الحوادث العرابية وأخذت بعد ذلك في تنظيم الجندرمة والبوليس وجعلت السير أفلن وود قائدًا عامًّا للجيش المصري وباكر باشا قائدًا للجندرمة والبوليس فكان عدد الجندرمة ٢٠٠٠ فارس و٣٠٠٠ ماشٍ. ثم تعين الجنرال السير افلن وود سردارًا للجيش المصري ورئيسًا لأركان حربهِ فاختار لمساعدتهِ عددًا من الضباط الإنكليز جعلهم في أركان حربهِ وعهد إليهم قيادة الفرق لتعليمها الحركات العسكرية. ثم نظمت المجالس المحلية ووُضع لها قوانين عادلة وتعين لها رجال يقبضون على أزمتها وقد انصرف إليها هم اللورد دوفرين، فتشكلت لجنة تحت رئاسة فخري باشا لانتقاء اللائقين الذين يجب انتخابهم ليعهد إليهم بالعمل والإدارة. ثم اهتم مجلس النظار في مسألة القضاة الأوروبيين فقررت لجنة التعديل أن يكون في كل مجلس ابتدائي أوروبيان وفي الاستئنافي أربعة. وفي ٨ شعبان سنة ١٣٠٠هـ (١٤ يونيو/ حزيران، ١٨٨٣م) صدر الأمر الخديوي بترتيب هذه المحاكم ولائحة قوانينها. ثم صدر الأمر الكريم بكل من القانون المدني والتجارة البرية والبحرية والمرافعات وتحقيق الجنايات.

وفي صيف سنة ١٨٨٣م ظهر في هذا القطر السعيد الوباء المشئوم المعروف بالكوليرا (الهواء الأصفر) فأقيمت الحجور الصحية واعتنت الحكومة بتنظيف البلاد وبلغ عدد الوفيات بهذا الداء نحوًا من ستين ألف نسمة.

الحوادث السودانيَّة

ظهر في رمضان سنة ١٢٩٨هـ (أوائل أوغسطس/آب، سنة ١٨٨١م) رجلٌ نوبيُّ المنشأ يدعى أحمد محمد بن عبد الله وادَّعى أنهُ المهدي المنتظر وكان مقيمًا في جزيرة آبا من أعمال السودان، فالتفَّ حولهُ عصابة قوية وكان على حكمدارية السودان رءُوف باشا فأنفذ إليه أحد رجال بطانتهِ يطلب حضورهُ إلى الخرطوم عاصمة السودان فأبي فبعث إليه ثلاثمائة مقاتل على باخرتين فعادوا خاسرين، فاستمسك الرجل بمهدويتهِ وكثر أنصارهُ فبعث محمد سعيد باشا مدير كردوفان جيشًا كبيرًا يقتفي أثرهُ وكان قد نزح إلى جبل الغور شمالي فشوده واستنجد بأهلهِ فعاد ولم ينل منهُ وطرًا. ثم جرد إليه راشد بك مدير فشوده وقاتلهُ فشفَّت المقاتلة عن قتل راشد بك وتشتُّت رجالهِ واكتسب المهدي كل ما كان معهم من المؤن والذخائر. وانتشر أتباع المهدي المعروفون بالدراويش بين القبائل السودانية يحثونهم على الجهاد في سبيل الله، وما زالت الفتنة تقوى وتنتشر حتى أوائل سنة ١٨٨٢م حينما استُقدم رءُوف باشا من السودان وأقيم عبد القادر باشا مكانهُ.

وفي ربيع أول سنة ١٢٩٩هـ (أوائل أبريل/نيسان، سنة ١٨٨٢م) تقدم أحد أقارب المهدي في شرذمة من رجالهِ إلى سنار فسارت نجدة من رجال الخرطوم لمساعدة حامية سنار فشُتّت شمل العصاة وأُنقذت سنار. وظهر في ذلك الأثناء رجل يدعى محمد طاها ادعى أنهُ وزير المهدي وجمع إليه عصابة زادت أتباع المهدي قوة لكنهُ ما لبث أن ظهر حتى تبدد شملهُ وشمل رجالهِ.

وفي شوال من تلك السنة نزل المهدي إلى العُبَيد في ستين ألفًا وكانت حاميتها ستة آلاف بالأسلحة التامة و١٢ مدفعًا فحاصرها بعد أن هاجمها دفعتين ولم يفز منها بشيء. فوجه عبد القادر باشا عنايتهُ إلى تحصين الخرطوم خوفًا من الغائلة. وفي أواخر هذهِ السنة أُرسل القائمقام ستيوارت إلى الخرطوم ليرفع للحكومة تقريرًا عن أحوال السودان. وفي أوائل سنة ١٨٨٣م ملَّت حامية العبيد الحصار فسلَّمت فصارت كردوفان ومن فيها أنصارًا للمهدي. ثم استُقدم عبد القادر باشا إلى مصر وأقيم مقامهُ علاء الدين باشا وتولَّى حسين باشا قيادة جيش سنار. ثم توالت الحوادث إلى أوائل فبراير من هذه السنة فأنفذت الحكومة المصرية حملة من ١١ ألف مقاتل تحت قيادة قائد إنكليزي النزعة يقال لهُ هيكس باشا لإنقاذ العُبيد وقمع العصاة المهدويين وما زالت حتى أتت الخرطوم، فمكثت مدة للراحة ونهضت منها قاصدة العبيد فهلكت عن آخرها بمكيدة كانت منصوبة لها في وسط الصحراء وهلك معها قائدها ولم يرجع منها مخبر.

وفي أثناء ذلك كان توفيق بك محافظ سواكن محاصرًا في سنكات لاحتدام نار الثورة في تلك الأقطار تحت قيادة أحد قواد المهدي المدعو عثمان دجنا. واشتد الحصار على توفيق بك ولم يكن لديهِ إلَّا ستون مقاتلًا وأما عدد العصاة فلا يقدر لكثرتهِ فطلب عثمان من توفيق بك أن يسلم وإلا قتلهُ ومن معهُ فطاولهُ حتى تحصَّن فهجم عليهِ عثمان فقتل بعضًا من رجالهِ ولكنهُ لم يفز بهِ. فانتشر سمُّ الثورة في تلك الأنحاءِ وحاصر العصاة طوكار وهي على ٤٥ ميلًا من سواكن ثم تقدموا حتى هاجموا سواكن نفسها وعادوا خائبين. وفي أواخر سنة ١٣٠٠هـ (أو سنة ١٨٨٣م) أَعدت الحكومة المصرية حملة تسير إلى جهات سواكن تحت قيادة باكر باشا لإنقاذ الحاميات ثم تسير إلى بربر وتعيد المواصلات بينها وبين سواكن. فسار أولًا إلى مصوع ليتحالف مع رؤساء القبائل ليعدَّ طريقًا لانسحاب حامية الخرطوم عن طريق كسالا ثم عاد إلى سواكن وأخذ في إعداد ما يلزم لتخليص حاميات طوكار وسنكات وحصلت مواقع كثيرة انتهت باستيلاء العصاة على سنكات وقتل توفيق بك حاميها وبطلها بعد أن أظهر من البسالة وعلو الهمة ما يفتخر التاريخ بذكرهِ، وعاد باكر باشا بجيشهِ إلى سواكن وحصنها ثم أنيطت حكومتها بالأميرال هيوت واستُقدم باكر باشا إلى القاهرة وبقيت طوكار محاصرة.

وفي أثناء ذلك أشارت الحكومة الإنكليزية على الحكومة المصرية أن تخلي السودان وتسحب جيوشها منها فلم يصادف ذلك قبولًا لدى شريف باشا رئيس النظار، فأصر الإنكليز ومن ذهب مذهبهم على الإخلاء واستمسك شريف برأيهِ علمًا منهُ بإمكان إخضاع السودانيين واستبقاء السودان فلما رأَى إصرار الفئة المضادة لرأيهِ استقال من رئاسة النظار في ٥ ربيع أول سنة ١٣٠١هـ (٤ يناير/كانون الثاني، سنة ١٨٨٤م) ورضي نوبار باشا بتشكيل وزارة جديدة قابلًا بما أشار بهِ الإنكليز علي شرط استبقاءِ سواكن، فلم يعد على الحكومة إلَّا سحب حاميتها ورعاياها المقيمين في الأقطار السودانية فدار البحث عن أنسب طريقة لذلك. وفي ٩ ربيع أوَّل (أو ٨ يناير/كانون الثاني) منها انتدبت الحكومة الإنكليزية غوردون باشا أحد رجالها المشهورين ليسير إلى السودان يرفع عنها تقريرًا مفصلًا وعلى الخصوص عن حالتها الحربية والوسائط المناسبة لسلامة من بها من الحاميات والسكان الأوروبيين وعن أحسن طريقة لإخلاء داخليتها وتثبيت حكومة منتظمة على سواحل البحر الأحمر وإبطال تجارة الرقيق التي كانت قد عادت إلى ما كانت عليهِ وأسلم طريقة لانسحاب الجيش المصري. وكان غوردون عالمًا بأحوال السودان لأنهُ تولاها في عهد الخديوي السابق.

فبارح الجنرال غوردون إنكلترا مستصحبًا الكولونيل ستيوارت كاتم أسرارهِ فوصل القاهرة في ٢٥ يناير/كانون الثاني فأخبرهُ السير أفلن بارنج وكيل إنكلترا السياسي في مصر أن الحكومة الإنكليزية قد فوضت إليه إخلاءَ السودان وأنها تطلب إليه إعادة حكم الأمراء الذين كانوا يحكمون فيها عندما فتحها المغفور لهُ محمد علي باشا. وفي اليوم التالي أصدر الجناب الخديوي أمرًا عاليًا بتولية غوردون على الأقطار السودانية وفوَّض إليه أمر إخلائها ثم سافر غوردون فوصل بربر في ١١ ربيع آخر (أو ٩ فبراير/شباط وهناك أباح للأهالي جهارًا الإتجار بالرقيق بدعوى أن السودان أصبحت دولة مستقلة عن مصر وأن المهدي قد أقيم سلطانًا على كردوفان.

وفي ١٨ فبراير/شباط وصل غوردون إلى الخرطوم فتلقاهُ أهلها وحاميتها بالترحاب فقال لهم: «إني أتيت لإنقاذ السودان مما رزئت بهِ ولم آتِ بجيش بل اتكلت على معونة الله فلا أحارب إلَّا بسلاح العدل.» وكانوا يحبونهُ فوقع كلامهُ من قلوبهم موقع الاستحسان واستتبت الراحة في الخرطوم.

ثم رأَى الناس قد عادوا إلى الثورة فحرر إلى إنكلترا مشيرًا بوجوب كسر شوكة المهدي قبل إخلاء السودان لأنهُ يخشى منهُ إذا ملك الخرطوم أن يسير إلى حدود مصر وأشار بترك سواكن ومصوَّع. وأخذ من الجهة الثانية يبشر السودانيين بالسلم وبأنهُ لم يأت إلا مسالمًا فلم تنجح دعواهُ فناهضهم فلم يفز وكان عند وصولهِ قد أرسل إلى المهدي يخبرهُ أنهُ قد عينهُ سلطانًا على كردوفان فرفض تلك العطية وتهددهُ بالقتال والمسير إلى مصر، فأخذ في عدوانهِ وجعل يرسل بواخرهُ إلى البحر الأزرق لمحاربتهِ ولم ينتهِ مارس/آذار من تلك السنة حتى أصبحت الخرطوم في حصار تام فجعل غوردون يستحث الحكومة الإنكليزية على أنهُ لا بد من محاربة المهدي وكسر شوكتهِ وأنهُ يكفي لذلك ٣ آلاف من مشاة الأتراك وبعض خيالتها.

وفي أثناء ذلك بعثت الحكومة الإنكليزية جيشًا من رجالها لإنقاذ طوكار وحاميتها تحت قيادة الجنرال غراهم. ولكن «لم يأتِ الترياق من العراق حتى كان العليل فارق» إلاَ أن الجنرال غراهم ما انفك حتى جاءَ طوكار بعد مقاساة شديدة وأنقذ حاميتها وكانت قد أُسرت واستعبدت ورجع إلى سواكن. ثم عاد ثانية لمحاربة العربان ففتك بهم ولكن لم تكن ثم نتيجة لتلك الغلبات إلا زيادة الرعب للقبائل المسالمة ولا سيما بعد انسحاب غراهم من سواكن في ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٣٠١هـ (أو ٢٥ مارس/آذار، سنة ١٨٨٤م.

وتماهلت الحكومة الإنكليزية في إجابة طلب غوردون فكتب إلى صديق لهُ في لوندرا يدعى السير صموئيل باكر يقول: «ألا يقرضنا أغنياءُ إنكلترا وأمريكا مئتي ألف ليرة إنكليزية فنستأجر بها ألفين أو ثلاثة آلاف من الباشبوزوق التركي ونرسلهم إلى بربر.» ثم كتب إلى السير افلن بارنج في القاهرة يقول: «قد علمت منك أن قصدك أن لا تمدَّنا بنجدة إلى هنا أو إلى بربر فلذلك أراني حرًّا أن أفعل بحسب ما تقتضيهِ الأحوال فسأبقى هنا ما أمكن وسأخمد الثورة إذا استطعت، وإلَّا فإني أرجع إلى خط الاستواء ويبقى العار على الذين أهملوا حامية سنار وكسالا وبربر ودنقلة، عالمًا حق العلم أنهُ لا بدَّ لكم من محاربة المهدي وقهرهِ في ظروف وعرة وأحوال عسرة إذا كان قصدكم حفظ السلام في القطر المصري.»

وقد قال إنهُ سائر إلى خط الاستواء لأنهُ ظنها الطريق الأفضل للنجاة بمن معهُ لأن الأعداء كانوا قد أحاطوا بهِ من كل الجهات وقد سقطت بربر وما جاورها.

الا أن الحكومة الإنكليزية أَقرَّت أخيرًا على إرسال حملة من رجالها دعتها الحملة النيلية لتسير إلى السودان عن طريق النيل لإنقاذ غوردون ومن معهُ جعلتها مؤلفة من سبعة آلاف جندي تحت قيادة الجنرال اللورد وولسلي قائد حملة سنة ١٨٨٢م. فبارح لندرا في ٩ ذي القعدة سنة ١٣٠١هـ (أو ٣١ أغسطس/آب، سنة ١٨٨٤م) وبارح القاهرة في ٢٧ سبتمبر منها. وكان قد سار في مقدمة الجيش الماجور كتشنر (اليوم كتشنر باشا) ليستطلع الأحوال فأُخبر أن الكولونيل ستيوارت كاتب أسرار غوردون بينما كان نازلًا في باخرة مرَّ ببربر فانكسرت بهِ الباخرة وغدر العربان بهِ وبمن معهُ وقتلوهم. أما الحملة النيلية فسارت حتى أتت حلفا عند الشلال الثاني وقاست أشر العذاب في تطليع مراكبها فوق الشلالات وعلى الخصوص الشلالين الأول والثاني ومن حلفا مدُّوا سكة حديدية إلى سرس على مسافة ٣٠ ميلًا منها ومن هناك سار وولسلي حتى أتى دنقلة فلاقاهُ مديرها مصطفى بك ياور (اليوم مصطفى باشا ياور) فسلمهُ لقب ورتبة (سير) من إنعام جلالة ملكة إنكلترا مكافأة على خدامتهِ في محاربة العصاة لأنهُ بثباتهِ مع قلَّة رجالهِ منعهم من التقدم إلى ما وراء بربر.

ثم أخذ اللورد وولسلي رسالة من غوردون باشا بتاريخ ٤ نوفمبر يقول فيها إنهُ لا يمكنهُ حفظ المدينة (الخرطوم) أكثر من أربعين يومًا ويشير عليهِ أن يأتي برجالهِ عن طريق امبوكول فالمتمة عن طريق الصحراء. فرأى وجوب الإسراع فسار إلى كورتي قرب أمبوكول وهناك جعل جيشهُ قسمين أرسل أحدهما تحت قيادة الجنرال إِرل ليسير على النيل حتى أبي حمد وبربر فيقهر العربان الذين قتلوا الجنرال ستيوارت ثم يفتح طريق الصحراء بين أبي حمد وكروسكو لتسهيل نقل المؤن. والقسم الثاني أرسلهُ عن طريق الصحراء إلى المتمة تحت قيادة الجنرال ستيوارت ليفتح طريق الخرطوم ويسرع إلى غوردون فينقذهُ. وبين كورتي والمتمة مسير ١٣ يومًا في أرض رملية قاحلة لا ماء فيها إلا في بعض الآبار التي ماءُ معظمها مجتمع من الأمطار وهي أفضل طريق موصلة إلى الخرطوم من امبوكول. فسار الجنرال ستيوارت في ١٢ ربيع أول سنة ١٣٠٢هـ (أو ٣٠ دسمبر/كانون أول، سنة ١٨٨٤م) في فرقة من الجند لاستكشاف أحوال الآبار فجاءَ أولًا آبار الهوائر ثم آبار جكدول فرأَى فيها ماءً كافيًا لحملتهِ مع الجهد فعاد إلى كورتي.

وفي ٢١ ربيع أوَّل سنة ١٣٠٢هـ أو ٨ يناير «كانون ثاني» ١٨٨٥م عاد قاصدًا المتمة في ألف وستمائة مقاتل ونحو ألفين من الجمال وثلاثمائة من الهجانة المصريين فوصل جكدول في ١٢ يناير وبارحها في ١٤ منهُ بعد أن ترك فيها حامية قليلة وبعد يومين قابل التلال التي تحيط بآبار أبي طليح فأرسل بعض الفرسان لاستطلاع حالة الآبار فعادوا وأخبروا أنها محفوفة بالخيام والأعلام المهدوية ومعظم السواد إلى غربيها. فعسكر ستيوارت في منخفض وسيع وأحاط معسكرهُ بزريبة وباتوا تلك الليلة ساهرين وفي الصباح التالي انتظروا هجوم العدو فلم يهجم أحدٌ منهم، فأمر الجنرال ستيوارت رجالهُ أن يترجلوا تاركين مطيهم في الزريبة وليسيروا على هيئة مربع لامتلاك الآبار لأن الماء لا يلبث أن ينفذ من معسكرهم وترك في الزريبة ١٥٠ جنديًّا لحراسة المتاع وسار نحو العدو فمشى ساعة ثم هجم عليهِ العربان فلاقاهم بعزم ثابت فتقهقروا فتتبعهم المربع حتى تواروا فوصل الآبار واستولى عليها وفي صباح اليوم التالي استقدم من كان باقيًا في الزريبة. وقد قُتل من الإنكليز في هذهِ الموقعة تسعة ضباط وستون جنديًّا وقتل من العربان ثمانمائة.

وفي غاية ربيع أول (أو مساء ١٧ يناير/كانون ثاني) بارح الجنرال ستيوارت آبار أبي طليح تاركًا عندها حامية وسار في ظلام الليل قاصدًا المتمة حيث ينزل على النيل إلى الخرطوم وكان ليلًا حالكًا، وقد أُتيح لي أن أكون من رفقاءِ تلك الحملة في تلك الليلة الليلاء فكنَّا سائرين لا نرى شيئًا من آثار الطريق المؤدي إلى المكان المقصود لشدة الظلام، فاضطررنا إلى الاستدلال عليها بالإبرة المغنطيسية (البُصلة) والنجم القطبي، وكنا تارة نصعد على آكام متلمسين وطورًا تعثر أرجل جمالنا بأعشاب أو أنجم شوكية، ولم نكن نخرج صوتًا ولا نقدح نارًا لئلاَّ يكون بالقرب منا من الأعداء من يستطلع أحوالنا فتحبط مقاصدنا، ولم يأتِ آخر الليل حتى أصبحنا وليس فينا من لم يأخذ منهُ النعس مأخذًا عظيمًا. وكانت تأخذ من أحدنا سنة الوسن وهو على ظهر الجمل فينتبهُ وهو على وشك السقوط فيعتدل.

وعندما أصبح يوم غرة ربيع آخر (أو ١٨ يناير/كانون الثاني) أشرفنا على النيل المبارك عن بعدٍ والمتمة عن يسارنا ولم نكد نقف والغزالة في الضحى حتى خرج الينا من أسوار المدينة (المتمة) جيش جرار من العربان وقفوا على مرمى رصاص منَّا وقد حالوا بيننا وبين النيل وجعلوا يطلقون علينا النار من وراءِ الأشجار والصخور، فأمر الجنرال ستيوارت بالترجل وإنشاء زريبة وما كدنا نفعل حتى احتدمت نيران العدو فأمر الجنرال بتشكيل مربَّع ثم وقف وراء أحد المدافع وبيدهِ المنظر يراقب حركات العدو فأصابتهُ رصاصة في بطنهِ فسقط على الأرض وسقطت قلوبنا معه، وكان بجانبي المستر سانكي هربرت كاتب سر الجنرال فسألتهُ ما ظنُّهُ بحياة الجنرال فأجاب متأسفًا إنهُ لا يرجو لهُ شفاءً. وما أتمَّ كلامهُ حتى أصيب هو برصاصة في رأسهِ فشهق وسقط ميتًا لا حراك بهِ وكان خادمهُ بجانبهِ يخاطبهُ في بعض حاجاتهِ، فلما رآهُ ساقطًا رفع يدهُ مناديًا يا سيدي يا سيدي ولم يتم قولهُ هذا حتى أصيبت يدهُ عند المعصم برصاصة ثقبتها من الجانب الواحد إلى الآخر وكنا نرى كثيرين غيرهُ يسقطون مثل تلك السقطة. فلا تسل عما حل بالجند من اليأس إلَّا أنهم تجلدوا وأقاموا عليهم أكبر ضباطهم قائدًا فأتموا تشكيل المربع بعد أن رفعوا الجنرال جريحًا جرحًا بليغًا لم يعش بعدهُ أكثر من شهر واحد فمات عند انسحاب الحملة ودفن عند آبار جكدول في وسط الصحراء.

فسار المربَّع ونحن داخلهُ قاصدًا النيل فهاجمنا الأعداء ببسالة غريبة ثم ما لبثوا أن اقتربوا من مربعنا حتى تشتًَّت شملهم فسرنا حتى أدركنا النيل عند الظلام بعد مفارقتنا إياهُ نحوًا من أسبوعين فحيَّيناهُ تحية ملتاح وعسكرنا على ضفتهِ للمبيت تلك الليلة. وفي الصباح التالي جاءَت العساكر مع من كان معهم في الزريبة ثم انتقلنا إلى قرية جنوبي المتمة يقال لها القبَّة وقد دعاها بعض الكتبة «جوبات» غلطًا. وهناك التقى الجيش بأربع بواخر كان قد أرسلها غوردون من الخرطوم لملاقاتهم فاستلموها وكان فيها نصحي باشا وخشم الموس بك «اليوم خشم الموس باشا» وكلاهما من المخلصين لغوردون باشا والحكومة المصرية.

وفي ٧ ربيع آخر (أو ٢٤ يناير/كانون الثاني) ركب السير شارلس ولسن رئيس قلم المخابرات في سرية من الجند على باخرتين ومعهُ خشم الموس بك وسار قاصدًا الخرطوم وفي اليوم التالي وصلوا إلى الشلال السادس «شلال السبلوكا» فانكسرت إحدى الباخرتين فاحتشد الجند في الباخرة الباقية ثم ساروا قليلًا فلاقاهم أعرابيٌّ وأخبرهم أن الخرطوم قد سقطت، فلم يصدقوا حتى وصلوا إليها ورأوا الأعلام المهدوية تخفق فوق أسوارها فعادوا وقد يئسوا مما أرادوا. ثم علموا أن سقوطها كان بخيانة فرج باشا أكبر قواد الأسوار وأن غوردون قد قُتل وقتل معهُ كثيرون من الأوروبيين وغيرهم، فعاد السير شارلس بباخرتهِ وعند وصولهِ إلى الشلال المعهود صدمت الباخرة الباقية صخرُا فانكسرت فنزل بمن كان معهُ من الجيش إلى البر فأتاهم أعرابي وفي يدهِ كتاب من المهدي يطلب إليهم التسليم فطاولوهُ إلى أن أتتهم باخرة من المتمة ولم تصلهم إلَّا بعد شق الأنفس لما كان يتهددها من الطوابي القائمة على الضفتين وكانوا قد أرسلوا أحد الضباط لاستجلابها وتبليغ ما كان من الخرطوم وسقوطها. فركبوا الباخرة حتى أتوا القبة وهم لم يصدقوا أنهم نجوا. فأُرسلت هذه الأخبار إلى اللورد وولسلي في كورتي فاستشار حكومتهُ فأمرتهُ بالانسحاب فبعث بتلك الأوامر إلى حملتي المتمة وأبي حمد.

أما حملة أبي حمد التي كانت تحت قيادة الجنرال إِرل فكانت قد حاربت العربان في أماكن متعددة قتل فيها الجنرال ارل وأميرالايان وسبعة عساكر ثم تقدموا إلى أبي حمد فظفروا ببقية باخرة الكولونيل ستيوارت وبعض أوراقهِ ثم أدركتهم أوامر اللورد وولسلي بالانسحاب فانسحبوا إلى كورتي. ومثل ذلك فعلت حملة المتمة فإنها عادت حتى أتت كورتي وفي ٢٢ جمادى الأولى سنة ١٣٠٢هـ (أو ٨ مارس/آذار، سنة ١٨٨٥م) التقت عساكر اللورد وولسلي مرة ثانية في كورتي فأعلنهم أن الحكومة الإنكليزية قد عزمت على سحب كل الحملة في الخريف القادم.

وكان الإنكليز قد أرسلوا حملةً ثانيةً إلى سواكن تحت قيادة الجنرال غراهم لفتح طريق بربر ومد سكة حديدية فمدُّوها إلى عطوة وطنبوك بكل مشقة لما كان يحول دون ذلك من مناوشات العربان وتعدياتهم.

وفي رجب سنة ١٣٠٢هـ (أو أوائل مايو/أيار، سنة ١٨٨٥م) جاءَ اللورد وولسلي إلى سواكن وشاهد تلك الإجراءَات وفي أواخر هذا الشهر اعتمدت الحكومة الإنكليزية على إخلاء السودان من عساكرها لأسباب دعتها إليها سياستها الخارجية، فأخذت الجيوش بالانسحاب وفي شوال (أو يوليو/تموز) شرعوا بالانسحاب من دنقلة على نيَّة أن يتحصنوا في وادي حلفا وكروسكو وأسوان ويتركوا للعصاة ما وراءَ ذلك من البلاد.

أما المهدي فبقي في حصن أم درمان بجوار الخرطوم يحشد جيشًا لافتتاح القطر المصري. وفي ٦ رمضان سنة ١٣٠٢هـ (أو ١٩ يونيو/حزيران، ١٨٨٥م) أصيب بالجدري ومات في مساء اليوم التالي بعد أن استخلف ابن أخيهِ. ولم يُضعف موت المهدي شيئًا من الثورة بل بقيت على ما كانت عليهِ قبل موتهِ وظل العصاة يتجمعون ويتفرقون ويقتفون أثر الإنكليز حتى احتلُّوا دنقلة فصارت تجارة الرقيق إلى ما كانت عليهِ وتكاثر عدد النخاسين.

أما الجيوش الإنكليزية فأصبحت بعد سفر اللورد وولسلي تحت قيادة الجنرال غرانفيل ومعهُ بعض الجيوش المصرية، وقد احتلت الحدود المصرية إلى وادي حلفا فكانت تهاجم الدراويش مرةً ويهاجمونهم أخرى حتى كانت واقعة جنس ثم مواقع أخرى وكان الفوز دائمًا للعساكر الإنكليزية والمصرية إلى أن خمدت، ولم نعد نسمع إلا بمناوشات طفيفة، وقد أصبحت آخر الحدود المصرية الآن وادي حلفا ولا يزال العربان في ما وراء ذلك على نية مقاومة الحكومة المصرية وقاها الله من كل غدر وحرسها بعنايتهِ.

وقد استقلَّ الدراويش المهدويُّون بالأقطار السودانية وتشبَّهوا بالدول الأُخرى فخطبوا لمهديهم وخلفائهِ وضربوا النقود بأمرهم في أزمنة مختلفة؛ فمنها ما هو مضروب في سنة الهجرة وهي هجرة المهدي على ما يزعمون، ومنها ما هو مضروب بعد ذلك. وقد عثرت على قطعة فضية من هذه النقود ترى رسمها في شكل ٥-٥ بحجمها الطبيعي على أحد وجهيها اسم المدينة التي ضربت فيها «أم درمان» بجوار الخرطوم قد اتخذها المهدي عند افتتاح الخرطوم مقرَّا لهُ، وعند أسفل ذلك تاريخ ١٣٠٤هـ وهي سنة استقلالهم بالأقطار السودانية، وإلى أعلاها رقم واحد يقصدون بهِ السنة الأولى من سلطانهم، وعلى الوجه الآخر ما يشبهُ الطغراء يقرأ منها كلمة «مقبول» كأنهم يريدون بها أن هذه النقود مقبولة عند حكومتهم، وعند أسفل الطغراء يقرأُ سنة ٥ ربما يقصدون بها السنة الخامسة من ظهور المهدي أو هجرتهِ.
fig37
شكل ٥-٥: نقود محمد أحمد المهدي.

هذا ملخَّص الحرب السودانية التي انتهت بخروج معظم الأقطار السودانية من حوزة الحكومة المصرية بعد أن هدرت في سبيل ذلك دماء غزيرة وأُنفقت مبالغ جسيمة تفوق ما بذلهُ المغفور لهُ محمد علي باشا على افتتاحها فقد صح فيها قول الشاعر.

ويلاهُ إن نظرت وإن هي أعرضت
وقع السهام ونزعهنَّ أليمُ

عودٌ

أما ما كان من أمر مصر فإن الشائعات تكاثرت بعزم الحكومة الإنكليزية أن تضع حمايتها على هذا البرّ ثم أثبت الزمان كذب تلك الإشاعات. ثم تكاثر القول بقرب انجلاء عسكرها عن مصر. وفي شعبان سنة ١٣٠١هـ (أو يونيو/حزيران، ١٨٨٤م) تشكلَّ مؤتمرٌ دولي من جميع الدول وانعقد في لندرا تحت رئاسة اللورد غرانفيل ناظر خارجية إنكلترا للبحث في أمور كثيرة تتعلق بمصر فقرَّر تحويرات كثيرة انتهت إلى غير نتيجة فلا حاجة إلى ذكرها.

وفي ذي القعدة سنة ١٣٠١هـ (أوائل سبتمبر/أيلول، ١٨٨٤م) وفد على القطر المصري اللورد نورثبروك معتمدًا من إنكلترا للنظر في المسألة المالية وأحوال الإدارة الداخلية مستصحبًا معهُ القاضي الهندي سميع الله خان بناءً على رغبة اللورد في انتخاب قاض مسلم يصحبهُ إلى مصر ويكون شريكًا لهُ في هذه المهمَّة، فتحدثت الناس كثيرًا بسبب قدوم هذا المعتمد أما هو فأخذ في ملاحظة ما أتى من أجلهِ وطاف البلاد شمالًا وجنوبًا، وبعد أن قضى أيامًا طوالًا عاد إلى بلادهِ ونظم تقريرًا رفعهُ إلى حكومتهِ فلم يحُز قبولًا فنسجت عليهِ عناكب النسيان.

ورأت الحكومة المصرية أنها لا تقوى على القيام بالتعهدات وبذل النفقات وكانت الأحوال تستدعي التخفيف عن المالية بقدر الإمكان، فرأَت أن تعمد إلى توقيف استهلاك الدين الموحد بالرغم عمًّا في ذلك من مس قانون التصفية ففعلت. ثم عمدت ملافاةً لعسر المالية أيضًا إلى الاقتصاد وعلى الخصوص في نفقات الدوائر، فأخذت في رفت مستخدميها الذين تراءى لها إمكان استغناء مراكزهم عنهم فرفتت منهم ما يعد بالآلاف ومعظمهم من أصحاب الرواتب القليلة والذين لم يعد يمكنهم معاطاة أشغال أخرى تجارية أو صناعية أو غيرها، فتظلموا على أساليب مختلفة وقد جالت الجرائد المحلية في هذا الشأن وأكثرت من تعنيف الحكومة ولومها على ذلك. وإنما ذلك لم يكن ليسد عوز المالية ويكفي الحكومة مؤنة الرفت فهي رغمًا عن رغبتها في الرحمة بالرعايا لا تزال آخذة بالاقتصاد من باب الرفت وغيرهِ.

وفي أواخر عام ١٨٨٤م أنشأَت الحكومة المصرية المعرض القطني وأصدرت نظارة الداخلية لائحة عمومية في تعيين يوم افتتاحهِ وتنظيمهِ وإدارة أعمالهِ. وفائدتهُ أن تُعرض فيهِ كلِ المحصولات إلا ما كان فيها داخلًا في نطاق الصناعة الداخلية ويُعطى لمن يأتي بأجود المحصولات جائزة. وفي ٨ ربيع الآخر سنة ١٣٠٢هـ (أو ٢٤ يناير/كانون الثاني، ١٨٨٥م) افتُتح هذا المعرض بحضور الجناب الخديوي والنظار والقناصل.

ثم اهتمت الحكومة الخديوية باستبدال النقود المصرية القديمة بنقود جديدة وما زالت المسألة تحت البحث حتى أواخر سنة ١٨٨٥م، فصدر أمر عالٍ بتاريخ ٧ صفر سنة ١٣٠٣هـ (أو ١٤ نوفمبر/تشرين ثاني، ١٨٨٥م) مؤذنٌ بضربها وفي أواخر سنة ١٨٨٧م ظهرت وتداولتها الأيدي وهي مبنية على حساب الكسور العشرية تسهيلًا للمعاملة. وكيفية ذلك أنهم جعلوا الجنيه المصري بقيمة مائة غرش كما كان قبلًا وقسموهُ إلى ألف جزء دعوا الواحد منها مليمًا أي جزء من ألف، فالمليم هو جزءٌ من ألف من الجنيه المصري والغرش عشر مليمات والريال مائتا مليم (عشرون غرش) وهكذا والجنيه وأجزاؤهُ مصنوعة من الذهب والريالات وأجزاؤها من الفضة والمليم ومركباتهُ إلى أبي الخمس مليمات من النكل، وقسموا المليم إلى نصفين يعرف الواحد منهما بنصف عشر الغرش، وقسموا كلًّا من هذين القسمين إلى نصفين يعرف الواحد منها بربع عشر الغرش أي جزء من أربعين من الغرش وهي البارة وجميع أجزاءِ المليم مصنوعة من النحاس.

fig38
شكل ٥-٦: النقود المصرية الجديدة.
وترى في شكل ٥-٦ مثال النقود المضروبة حديثًا وهذه القطعة تعرف بنصف ريال وقيمتها عشرة غروش أو مائة مليم، وترى على أحد وجهيها من الأسفل تاريخ سنة ١٢٩٣هـ وهي السنة التي تولَّى بها جلالة السلطان عبد الحميد خان الخلافة العثمانية، ومن الأعلى رقم عشرة وهي السنة العاشرة من تولية جلالتهِ وفيها ضربت هذه النقود. وترى على الوجه الآخر الطغراء العثمانية باسم جلالتهِ أيضًا وإلى أسفلها رقم عشرة تحتهُ حرف شين للدلالة على قيمة هذه القطعة أي عشرة غروش.
أما قيم النقود الأجنبية بالنسبة للنقود المصرية فعلى الوجه الآتي:
بارة غرش صاغ مليمًا
الليرة الإنكليزية تساوي ٢٠ ٩٧ ٩٧٥
الليرة العثمانية تساوي ٣٠ ٨٧ ٢/١ ٨٧٧
الليرة الفرنساوية (فانتي) ٠٦ ٧٧ ٢/١ ٧٧١

ومتى عرفت قيم الليرات يمكنك استخراج قيم أجزائها.

وفي ١٧ ربيع آخر سنة ١٣٠٤هـ (أو ١٣ يناير/كانون الثاني، سنة ١٨٨٧م) ألحَّ الباب العالي على الحكومة الإنكليزية أن تعين زمن انجلاء جيوشها عن القطر المصري فأجابت أنها لا يمكنها ذلك إلَّا متى استتبَّ النظام فيها، وفي ٣ فبراير/شباط تقرر أن يكون جيش الاحتلال منحصرًا في ثلاثة مراكز فيقيم في القاهرة ألفان وتسع مئة جندي وفي الإسكندرية ٩٠٠ وفي أسوان ٤٠٠٠. وفي ١٥ جمادى الأولى (أو ٩ فبراير) اقترح السير وولف معتمد إنكلترا في الأستانة على الباب العالي الاقتراحات الآتية بما يتعلق بمصر وهي:
  • (١)

    استقلال مصر تحت سيادة جلالة السلطان وإلغاء العهود والامتيازات القنصلية.

  • (٢)

    أن تكون حالة مصر من قبيل الحيادة على مثال حالة بلجيكا.

  • (٣)

    حرية المرور في قنال السويس في زمني الحرب والسلم.

  • (٤)

    إخلاء إنكلترا للقطر المصري بعد أن تجمع الدول على وجوب ذلك.

فتلقى جلالة السلطان هذه الاقتراحات بفتور وطلب أن يتقدم كل ذلك تحديد إنكلترا زمن الانجلاء وبعد النظر في هذه الاقتراحات مدة يومين رفضت.

وفي ٢٥ رجب سنة ١٣٠٤هـ (أو ١٩ أبريل/نيسان، ١٨٨٧م) توفي شريف باشا رئيس مجلس النظار سابقًا بينما كان في أوروبا يسعى إلى ترويح النفس فأسف الجميع على فقدهِ وحملت جثتهِ إلى مصر ودفنت فيها.

وفي ١١ شعبان أو ٥ مايو منها عرضت إنكلترا على الباب العالي أن يكون زمن احتلالها في مصر خمس سنوات فطلب الباب العالي أن يكون ٣ سنوات ولم يتقرر شيء. وفي أوائل يونيو عرض علي الباب العالي وفاق بينهُ وبين إنكلترا بخصوص مصر وهاك نصَّهُ:
  • (١)

    تبقى مصر كما هي حسب نصوص الفرمانات السلطانية.

  • (٢)

    يبقى خليج السويس على الحيادة وتضمن الدول سلامة مصر.

  • (٣)

    تبقى العساكر الإنكليزية في مصر مدة ثلاث سنوات وعند انقضائها يلبث الضباط الإنكليز في رئاسة الجيش المصري سنتين.

  • (٤)

    لا تخرج إنكلترا عساكرها من مصر بعد ختام السنة الثالثة من التوقيع على هذا الوفاق إذا حدث اضطراب جديد في مصر داخليًّا كان أم خارجيًّا.

  • (٥)

    يحق لإنكلترا احتلال مصر بمساعدة العساكر العثمانية إذا وقع اختلال بها أو خشي أن ترسل دولة أجنبية عساكرها إلى مصر.

  • (٦)

    تستدعي الدولة العلية وإنكلترا بقية الدول للتصديق علي هذا الوفاق وتطلبان من الدول إجراءَ بعض التعديلات في المعاهدات الدولية المخولة للأجانب في مصر جملة امتيازات.

وبعد المخابرات الطويلة بشأن هذا الوفاق رفض الباب العالي المصادقة عليهِ.

وفي ١٨ رمضان سنة ١٣٠٤هـ (أو ١٠ يونيو/حزيران، ١٨٨٧م) توفي خيري باشا رئيس الديوان الخديوي. وزاد ارتفاع النيل في هذه السنة فطاف على كثير من الأراضي وخشي الناس فتكهُ. وفي ٢٢ سبتمبر منها طاف الجناب الخديوي في جهات القطر متفقدًا أحوال الأهالي ومعزيًا الذين أصيبوا بطغيان النيل، فسار أولًا إلى الوجه البحري ثم القبلي فاستغرقت السياحة المشار إليها ١٦ يومًا.

وأهم حوادث سنة ١٨٨٨م سقوط الوزارة النوبارية وتشكيل الوزارة الرياضية لأن الناس ما فتئوا منذ اعتزال رياض باشا عن الأعمال بعد حادثة عرابي يشخصون إليه بأبصارهم، وقد أحاطت بهِ آمالهم لما اشتهر بهِ هذا الوزير الخطير من الحب الشديد للشعب المصري ورغبتهِ الفائقة في إصلاح البلاد ولما لهُ من الولع الخاص بالزراعة، وهو مشهور بذلك شهرة تضاهي شهرتهُ في حب العلم وتنشيط ذويهِ. ومن مبادئهِ حرية الضمير والصرامة في اتباع الحق من حيث هو وكثيرًا ما قادهُ ذلك إلى التنحّي عن قبول منصب الوزارة في الأحوال التي كان يخشى معها تقييد أفكاره ومخالفة مبادئهِ. فعندما سقطت الوزارة النوبارية في ٣٠ رمضان سنة ١٣٠٥هـ (أو ٩ يونيو/حزيران، ١٨٨٨م) لم يكن يصدق الناس أن رياض باشا يقبل أن يشكل وزارة جديدة. فلما أنبأهم البرق بجلوسهِ على دستها وتقلُّدهِ أعمال نظارتي الداخلية والمالية كادوا يطيرون على أجنحة الآمال وتطاولت أعناقهم استطلاعًا لما سيكون من أمر هذه الوزارة الجديدة. وقد تحققت بعض الآمال الآن ولا يزال الناس ينتظرون تحقق الباقي مع الزمن.

ومن أعمال الوزارة الرياضية إنشاء المحاكم في جهات الصعيد وهي مأثرة لا تخفى أهميتها على أحد. وقد باشرت أمورًا كثيرة تعود بالخير والفلاح على الأمة المصرية وحكومتها نطلب إلى الله أن يعضدها في مشروعاتها وينفعنا بسعيها ونشاطها تحت ظل الحضرة الخديوية الفخيمة ورعاية جلالة مولانا أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد خان أيد الله سلطانهُ وعزَّز جنودهُ وأعوانهُ.

فائدة:

إذا تأملت بصور النقود المطبوعة في هذا الكتاب وقابلت أشكال خطوطها بعضها ببعض متدرجًا بذلك من قديمها إلى حديثها يتمثل لك كيفية انتقال الخط العربي من الشكل الكوفي إلى ما هو عليهِ الآن.

١  مدينة صغيرة واقعة في مكدونية غربي الروملي بقرب خليج قواله تجاورها مدينة فيليبي وهي علي مسافة ١٢٨ كيلومتر للجهة الشمالية الشرقية من تسالونيكيا و٣٢٠ من الأستانة. حسنة التجارة وفيها نحو من ٨٠٠٠ من السكان معظمهم من المسلمين.
٢  وقال آخرون إنهُ خاطبهُ بذلك في منزلهِ وأنهُ بارح العاصمة في ٢٦ يونيو.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.