المُعجِّل الجديد

لو قُدِّر لرجلٍ ما أن يعثر على جُنيهٍ ذهبي بينما يبحث عن دبوس فلا شك أنه صديقي العزيز البروفيسور جيبرن. سمعتُ من قبلُ عن باحثين حققوا منجَزات تفوق توقعاتهم، لكن لم يصل أيٌّ منهم مطلقًا إلى ذلك الحد الذي بلغه البروفيسور. لقد توصل بالفعل، هذه المرة على الأقل، إلى شيء سيؤدي، دون أدنى مبالغة، إلى ثورة في الحياة البشرية. حدث ذلك بينما كان يسعى فحسبُ إلى إيجاد منشِّط عصبي شامل يُعزز نشاط الضعفاء والمنهَكين، ويساعدهم على مجابهة ضغوط ذلك الزمان المُترَع بالطموحات والتحديات. لقد جرَّبتُ العقَّار الذي اخترعه عدة مرات حتى الآن، ولا يسعُني إلا أن أصف تأثيره عليَّ. في تلك القصة الكثير من الخبرات والأحداث المذهلة التي تنتظر كل من يبحثون عن التشويق والإثارة، وسُرعانَ ما سيتضح هذا جليًّا.

البروفيسور جيبرن، كما يعلم كثيرون، هو جاري في فولكستون، وإن لم تخنِّي ذاكرتي، فقد ظهرت صورته في مراحل عمرية مختلفة في مجلة «ذا ستراند»، في نهاية عام ١٨٩٩، حسبما أظن؛ غير أنني لا أستطيع العثور عليها لأنني أقرضتُ ذلك العدد لشخص ما ولم يُعِدْه إليَّ قط. لذا، فقد يتذكر القارئ تلك الجبهة العريضة وهذين الحاجبين الطويلين بلونهما الأسود وشكلهما المميز اللذين يضفيان لمحة شيطانية على وجهه. يقطن البروفيسور جيبرن أحد تلك المنازل الصغيرة اللطيفة المنعزلة ذات الطراز المختلط، والتي تجعل الطرَف الغربي من طريق ساندجيت العُلوي مِنطقة ممتعة للغاية. يتميز منزله بالجَمَلونات الفلمنكية والرواق المورسكي، وفي تلك الغرفة الصغيرة التي تبرز منها نافذة ذات أعمدة يعمل البروفيسور حين يكون موجودًا بالمنزل، وكثيرًا ما أمضينا داخلَها أمسيات في الحديث والتدخين. يتمتع البروفيسور بحس فكاهي رهيب، لكنه يحب أيضًا الحديث معي عن عمله. وهكذا استطعت متابعة مفهوم المُعَجِّل الجديد منذ مرحلة مبكرة جدًّا. لم يُجرِ البروفيسور القسط الأكبر من تجارِبه في فولكستون بالطبع، بل في شارع جاور، في المختبر الجديد الأنيق المجاور للمستشفى، ويُعد البروفيسور أول من استخدمه.

كما يعلم الجميع، أو على الأقل النُّبهاء منهم، فإن التخصص الذي حاز فيه جيبرن سُمعته العظيمة والمستحَقة بين الفيسيولوجيين هو تأثير العقاقير على الجهاز العصبي، وقد نما إلى علمي أنه لا نظير للبروفيسور جيبرن في إلمامه بتأثير المنوِّمات والمهدئات والموادِّ المخدِّرة، وهو — إلى جانب كل ما سبق — كيميائي لا يُشق له غُبار، وأحسب أن وسط غابة الأحاجي الدقيقة والمعقدة التي تتمحور حول الخلية العُقَدية ولِيفة المحور، ثَمة أمور دقيقة قد اكتشفها، وزوايا خفية أماط اللثام عنها، وستظل تلك المنجَزات طيَّ الكتمان إلى أن يأتيَ الوقت الذي يرى فيه البروفيسور أن من المناسب الكشف عن نتائجه. شهدت السنوات القليلة الأخيرة اهتمامًا دَءوبًا من البروفيسور بمسألة المنشطات العصبية على وجه الخصوص، وأحرز بالفعل نجاحات كبيرة في دراستها، وذلك قبل توصله إلى المُعجِّل الجديد، والطب في الواقع مَدِين له بالشكر لاختراعه ما لا يقل عن ثلاثة منشِّطات متميزة وآمنة تمامًا وذات قيمة منقطعة النظير بالنسبة إلى من يمارسون أعمالًا شاقَّة، وأحسب أن المستحضر المعروف باسم الشراب «بي» لعلاج حالات الإعياء قد أنقذ حياة عدد من الأشخاص يفوق من أنقذهم أيُّ قارب نجاة على طول الساحل.

أسرَّ إليَّ البروفيسور منذ عام تقريبًا قائلًا: «غير أن أيًّا من تلك العقاقير البسيطة لم يقنعْني، فهي إما أن تَزيد الطاقة المركزية دون تأثير على الأعصاب أو أنها تَزيد فقط من الطاقة المتاحة عن طريق خفض التوصيل العصبي، وجميعها تتسم بفاعلية متفاوتة وتأثير موضعي محدود. فأحدها عقَّار يُنعش القلب والأحشاء تاركًا المخ خاملًا، بينما يُنشط آخر المخ ولا يفيد الضَّفيرة الشمسية بشيء، أما ما أريده — وما أنوي تحقيقه، إن كان ممكنًا من الناحية العملية — فهو اختراع منشِّط قادر على تنشيط الجسم بأكمله، منشِّط يجعلك يقِظًا لفترة ما من قمة رأسك إلى أخمَص قدمك، بحيث يَعدِل نشاطك نشاط رجلين أو ثلاثة. أفهمتَني؟ هذا هو هدفي الذي أسعى إليه.»

فأجبته: «لكن عقَّارًا كهذا من شأنه أن يُجهد الإنسان.»

«لا شك في ذلك، كما أنك ستأكل كَمية من الطعام تفوق تلك التي يأكلها الشخص العاديُّ مرتين أو ثلاث مرات، وإلى غير ذلك من تغيرات، لكن فكِّر فيما يَعنيه عقَّار كهذا. تخيل أنك تملك قارورة كهذه.» ورفع قِنينة صغيرة ذات زجاج أخضر وتابع حديثه مستخدمًا القنينة وسيلة لإيضاح فكرته: «وفي داخل تلك القارورة الثمينة القدرة على التفكير بسرعة مضاعفة، والحركة بسرعة مضاعفة، وأداء ضعف المهام المطلوبة منك في وقت محدد.»

«لكن أهذا ممكن؟»

«أعتقد ذلك، وإلا فقد أهدرتُ وقتي طيلةَ عام كامل. إن هذه المستحضرات المتنوعة من الهايبوفوسفيتات، على سبيل المثال، تُظهر مفعولًا من هذا القبيل … حتى لو لم يزد سرعة المرء سوى مرة ونصف.»

فقلت: «سيكون ذلك كافيًا.»

«لو أنك، مثلًا، سياسي في مأزق وتعاني من ضيق الوقت وأمامَك مهام ملحَّة عليك أداؤها، ها؟»

رددت قائلًا: «يمكنك إعطاء جرعة منه إلى سكرتيرك الخاص.»

«تستطيع من ثَمَّ توفير ضِعف الوقت. وتخيل لو أنك تريد، مثلًا، إنهاء كتاب ما.»

فقلت: «عادةً ما أتمنى لو أنني لم أبدأه مطلقًا.»

«أو طبيب في غاية الانشغال ويريد الجلوس لدراسة حالة مرَضية بتمعُّن، أو محامٍ أو طالب يحاول حشو عقله بالمعلومات على عجل استعدادًا لاختبار ما.»

فأضفت: «لا شك أن نقطة من عقَّار كهذا تساوي جُنيهًا كاملًا، بل وأكثر لمن هم في تلك الظروف.»

فقال جيبرن مستفيضًا: «وفي النِّزال أيضًا، حيث يتوقف الأمر برُمَّته على سرعة جذبك للزناد.»

فأضفت مؤيدًا: «أو في المبارزات.»

التفت البروفيسور جيبرن إليَّ قائلًا: «كما ترى، إذا نجحت في اختراع عقَّار شامل كهذا، فلن يضرك مطلقًا — باستثناء أنه ربما سيعجِّل من شيخوختك بدرجة متناهية في الضآلة — فسوف تكون قد عشتَ ضعف ما عاشه الآخرون.»

قلت متأملًا: «هبْ أن ذلك في معركة، هل سيكون منصِفًا؟»

فرد قائلًا: «إن ذلك السؤال يوجَّه إلى مساعِدَيَّ المتعاركَين.»

فعدت إلى سؤالي السابق: «وهل تعتقد حقًّا أنه من الممكن إنتاج عقَّار كهذا؟»

فأجاب: «من الممكن.» ثم رمق شيئًا مر هادرًا بجوار النافذة وقال: «تمامًا مثلما أن حافلة الركاب ممكنة، في الواقع …»

سكت وابتسم لي ابتسامة عميقة، ونقر ببطء على طرَف مكتبه بقارورته الخضراء، ثم هتف: «أظن أنني توصلت إلى العقَّار … لقد شارفتُ على الانتهاء من شيء ما.» كانت الابتسامة المتوترة على مُحيَّاه تَشي بخطورة كشفه وأهميته. نادرًا ما كان البروفيسور جيبرن يتحدث عن تجارِبه الفعلية إلا إذا كانت في مراحلها النهائية. «وربما، ربما — ولا يثير ذلك استغرابي — ربما يعجِّل ذلك بوقوع الأشياء بسرعة تفوق الضعف.»

فقلت مخمنًا: «سيكون شيئًا جللًا إلى حد ما.»

«سيكون، حسبما أظن، شيئًا جللًا إلى حد ما.»

لكنني لا أظن أنه كان يعلم على وجه الدقة مدى خطورته.

أذكر أنه قد جمعتنا لاحقًا عدة حوارات بشأن العقَّار الذي أُطلق عليه اسم «المعجِّل الجديد»، وكانت لهجته تزداد ثقة في كل مرة. كان يتحدث أحيانًا بعصبية عن آثار فسيولوجية غير متوقعة قد يُحدثها هذا العقَّار، ثم يكسوه قليل من الحزن بعدها، وفي أحيان أخرى كان يتسم بمادية صريحة. ودارت بيننا مناقشات طويلة متلهفة تطلَّعنا فيها إلى استخدام المستحضر كمادة للمكاسب التِّجارية، وقال لي البروفيسور حينَها: «إنه شيء عظيم. أدرك أنني أقدِّم للعالم شيئًا هائلًا، وأعتقد أنه ليس على سبيل المبالغة أن نتوقع من العالم أن يدفع المقابل. لا شك أن كرامة العلم وشرفه أمران لهما احترامهما، لكنني أعتقد أنه ينبغي على نحو ما أن أحتكر إنتاج هذا العقَّار لمدة عشر سنوات مثلًا. لا أدري لماذا يجب أن تكون كل ملذَّات الحياة ومُتَعها من نصيب تجار اللحوم فقط.»

إن اهتمامي الشخصي بالعقَّار القادم لم يفتُر بالتأكيد مع مرور الوقت. دائمًا ما كنت أحمل داخلي مَيلًا ضئيلًا غريبًا نحو الميتافيزيقا، وشغفًا بالمفارقات المرتبطة بالزمن والمكان، وبدا لي أن المادة التي يحضِّرها جيبرن لن تكون في الحقيقة أقل من مستحضر يؤدي إلى التعجيل المطلق للحياة. هبْ أن رجلًا تناول جرعات متكررة من هذا العقَّار؛ إنه سيعيش بالفعل حياة نشطة مثالية، لكنه سيصير بالغًا في سن الحادية عشرة، وكهلًا في سن الخامسة والعشرين، وحين يبلغ الثلاثين من عمره، سيكون في طريقه إلى خَرف الشيخوخة. بدا لي أن عقَّار جيبرن سيَصنع بأيِّ شخص يتناوله تمامًا كما صنعت الطبيعة باليهود والآسيويين، الذين يصيرون رجالًا في سنوات مراهقتهم ومسنِّين في سن الخمسين، ودائمًا ما يكونون أسرع منا في تفكيرهم وتصرفاتهم. دائمًا ما نظرتُ بعين الإعجاب إلى معجزة العقاقير؛ فبإمكانك أن تسوق شخصًا إلى الجنون وتهدئ من روع آخر، وأن تجعل رجلًا في غاية القوة واليقظة أو تجعله لا حول له ولا قوة، وأن تشحذ هذا الشغف وتُضعف ذاك، كل ذلك باستخدام العقاقير، وها هي معجزة أخرى تضاف إلى تلك الترسانة العجيبة من قوارير الأطباء! بَيد أن جيبرن كان منشغلًا للغاية بالنقاط الفنية بحيث لم يتحمس كثيرًا لرؤية المسألة من منظوري الشخصي.

كنا في اليوم السابع أو الثامن من شهر أغسطس حين أخبرني البروفيسور أن عملية التقطير، التي ستقرر نجاحه أو فشله إلى حين، تمضي قُدمًا بينما كنا نتحدث، وأن يوم العاشر من أغسطس سيشهد انتهاءه من التجرِبة وسيصبح المعجِّل الجديد حقيقة ملموسة على أرض الواقع. ثم لقيتُه بينما كنت أصعد ساندجيت هيل متجهًا إلى فولكستون — أظنني كنت ذاهبًا إلى الحلاق حين أقبل مسرعًا لمقابلتي — وأعتقد أنه كان قادمًا إلى منزلي لإبلاغي بنجاحه على الفور. أذكر أن عينيه كانتا لامعتين على غير العادة ووجهه متوردًا، بل ولاحظت حينها خفة خطوته وسرعتها.

هتف قائلًا: «لقد انتهيت.» ثم جذب يدي وقال متلهفًا: «لقد انتهيت منه تمامًا. تعالَ إلى منزلي لترى بنفسك.»

«حقًّا؟»

فصاح: «حقًّا! إنه أمر لا يُصدَّق! تعالَ وشاهد بنفسك.»

«وهل يضاعِف السرعة مرتين؟»

«أكثر، أكثر بكثير. إنه يفزعني. أقبِلْ وشاهد العقَّار. تذوقْه! جرِّبْه! إنه أروع عقَّار على وجه الأرض.» جذب ذراعي وراح يتحدث صائحًا بينما يصعد معي ساندجيت هيل، وقد سار بسرعة فاضطرني إلى الهرولة. ومرت بنا عربة محملة بالركاب الذين التفتوا إلينا جميعًا محدقين في ذات اللحظة، تمامًا كما يفعل عادةً ركاب تلك العربات. كان يومًا من الأيام الحارة الصافية التي تشهد فولكستون كثيرًا منها، وكانت ألوان الأشياء ساطعة، وأشكالها واضحة ومحددة على نحو مذهل. كان هناك بعض النسيم بالطبع، لكنه لم يكن كافيًا في ظل هذه الظروف لأبقى منتعشًا وجافًّا. رحت ألهث راجيًا الرحمة.

صاح جيبرن وقد أبطأ عَدْوه ليكون سيرًا حثيثًا: «لا أسير بسرعة، أليس كذلك؟»

أجبتُه وقد انقطعتْ أنفاسي: «أكنتَ تتناول بعضًا من العقَّار؟»

فرد قائلًا: «لا، لم يَزد الأمر عن نقطة ماء تعلقتْ في جدار كأس زجاجية في المختبر بعد أن كنت غسلته مما تبقى من آثار العقَّار. تناولت بعضًا منه البارحة، لكن ذلك أمر فات أوانه الآن.»

«وهل يضاعف السرعة مرتين؟» قلتها وأنا أتصبب عرقًا، وقد انفرجت أساريري بعد أن دنوت من مدخل منزله.

فهتف جيبرن هُتافًا مؤثرًا، وهو يدفع بوابة منزله المصنوعة من خشب البَلُّوط المنقوش ذي الطراز الإنجليزي القديم: «إنه يضاعفها ألف مرة، عدة آلاف من المرات.»

هتفت منهكًا: «أوف!» وتبعتُه إلى باب المنزل.

قال البروفيسور جيبرن وهو يُمسك بمِفتاح المِزلاج: «لا أدري كم ضِعفًا على وجه الدقة.»

«وأنت …»

«إنه يلقي ضوءًا كاشفًا على خفايا علم الفسيولوجيا العصبية، ويرسم ملامح جديدة تمامًا لنظرية الإبصار! … الله وحدَه يعلم كم ألف ضعف. سنجرب كل ذلك بعد … المهم أن نجرب العقَّار الآن.»

هتفت ونحن نجتاز الممر: «نجرب العقَّار؟»

أجاب جيبرن وهو يلتفت إليَّ وقد دخلنا غرفة مكتبه: «بالتأكيد. ها هو ذا في تلك القارورة الخضراء! إلا إذا كنت خائفًا؟»

أنا بطبيعتي شخص حذر، ولست مغامرًا إلا على المستوى النظري. كنت خائفًا، لكن كبريائي غلبني.

قلت مساومًا: «حسنًا. تقول إنك جربتَه؟»

فأجاب: «جربتُه ولا يبدو أنه ألحق بي ضررًا، أليس كذلك؟ لا أبدو حتى منفعلًا أو متوعكًا وأشعر …»

جلست وخاطبتُه قائلًا: «ناوِلني العقَّار. في أسوأ الأحوال، سوف يرفع عن كاهلي عبء قص شعري، وأعتقد أن هذا من أبغض الواجبات إلى قلب أيِّ رجل متحضر. كيف تتناول المزيج؟»

أجابني وهو يضع دورق الماء بقوة على المنضدة: «مع الماء.»

وقف البروفيسور أمام مكتبه وتطلَّع إليَّ وأنا جالس في مقعده الوثير؛ وصارت طريقته فجأة متأثرة بعض الشيء بأسلوب الأطباء، لا سيما وهو يقول: «إنه عقَّار غريب، كما تعلم.»

أشرت بيدي.

«ينبغي أن أحذِّرك في البداية أنه بمجرد ابتلاعك العقَّار عليك أن تُغمض عينيك ثم تفتحهما بحذر شديد خلال دقيقة تقريبًا. ستظل ترى، فحاسة الإبصار تعتمد على طول الاهتزازات لا كثرة التأثيرات؛ لكن لو ظلت العينان مفتوحتين فسوف تتعرض شبكية العين في حينها فقط لما يشبه الصدمة، في هيئة تشوش بغيض يُسبب الدوار؛ لذلك أغمضهما.»

فأجبت: «أغمضهما. أحسنت!»

«ثانيًا، ابقَ ثابتًا. لا تبدأ في البطش بما حولك؛ لأنك قد توجه لشيء ما ضربة خطرة. تذكر أن سرعتك ستتضاعف عدة آلاف من المرات مقارنة بما كانت عليه سابقًا، قلبك، ورئتاك، وعضلاتك، ومخك — كل شيء — ستشتد ضرباتك دون أن تدري. لن تدرك ذلك. ستشعر بما تشعر به الآن تمامًا، الشيء الوحيد الذي سيصبح مختلفًا هو أن كل ما يُحيط بك سيبدو كأنه أبطأ عدة آلاف من المرات، وهو ما يجعل الأمر غريبًا إلى أقصى حد.»

قلت معلقًا: «يا إلهي! وأنت تعني أن …»

فقاطعني قائلًا: «سترى.» ثم التقط مقياسًا صغيرًا، وألقى نظرة سريعة على الأشياء الموجودة على مكتبه وقال: «أكواب زجاجية، وماء. كل شيء جاهز. ينبغي ألا تتناول كَمية كبيرة في التجرِبة الأولى.»

انسابت المحتويات الثمينة مترقرقة من القارورة الصغيرة.

قال البروفيسور مذكرًا وهو يصبُّ محتويات المقياس في كوب زجاجي، تمامًا مثلما يقيس نادلٌ إيطالي كَمية النبيذ: «لا تنسَ ما قلتُه لك. اجلس في ثبات تام لمدة دقيقتين مُغمضًا عينيك بإحكام. ثم ستسمعني وأنا أتحدث.»

أضاف البروفيسور جيبرن مقدار بوصة من الماء تقريبًا إلى الجرعة الصغيرة في كل كوب.

ثم أضاف: «بالمناسبة، لا تضع كوبك على المكتب. أبقه في يدك وضعها على ركبتك. أجل، هكذا. والآن …»

رفع البروفيسور كوبه.

فقلت: «المعجِّل الجديد.»

فأجاب قائلًا: «المعجِّل الجديد.» ثم قرعنا كأسَينا وشربنا، وأغمضت عينيَّ على الفور.

أتعرف ذلك العدم المطلق الذي يهوي فيه المرء حين يستنشق مخدِّرًا. هكذا بدا لي الحال لفترة لا أملك تحديدها، سمعت بعدَها صوت جيبرن يطلب مني الاستيقاظ، فتحركت وفتحت عينيَّ، فرأيته واقفًا حيث كان ولم يزل الكوب في يده، لكنه كان فارغًا، وكان هذا الاختلاف الوحيد.

قلت: «حسنًا؟»

«لا شيء غير معتاد؟»

«لا شيء. ربما شعور طفيف بالانتشاء، ليس إلا.»

«وماذا عن الأصوات؟»

قلت: «الأشياء ساكنة. يا إلهي! أجل! أقسم أنها ساكنة، باستثناء ما يشبه النقرات الخفيفة كالتي تُصدرها حبات المطر المتساقطة. ما هذا؟»

«وحدات صوتية مفككة.» هكذا كان رده حسبما أظن، لكنني لست متأكدًا. رمق البروفيسور النافذة ثم توجه إليَّ سائلًا: «أرأيت من قبلُ ستارًا مثبتًا هكذا أمام نافذة؟»

تتبعتُ مرمى بصره فلاحظت طرَف الستار وبدا كأنه قد تجمد أعلى الزاوية بينما كان من المفترض أن يرفرف بخفة مع نسمات الهواء.

أجبت قائلًا: «لا، ذلك أمر غريب.»

فقال: «وها هنا.» ثم بسط كفه التي كانت تحمل الكوب، فأجفلت بطبيعة الحال، متوقعًا أن يتهشم، وهو ما لم يحدث. لم يتهشم الكوب، بل لم يتحرك حتى من مكانه؛ لقد ظل معلقًا في الهواء، دون أدنى حركة.

قال جيبرن: «بوجه تقريبي، تسقط الأشياء من تلك الارتفاعات بسرعة ١٦ قَدمًا في الثانية الأولى، وهذا الكوب يسقط الآن بسرعة ١٦ قدمًا في الثانية، لكن ما تراه هو كوب لم يسقط بعدُ لجزء من مِائة من الثانية. إن ذلك يعطيك فكرة ما عن سرعة معجِّلي الجديد.» راح جيبرن يلوِّح بيده في حركة دائرية، فوق الكوب المتهاوي ببطء وتحته، ثم أمسك به من قاعدته وجذبه إلى أسفل، ووضعه بحذرٍ شديدٍ فوق المنضدة، ثم تطلع إليَّ وقال مبتسمًا: «أليس كذلك؟»

أجبته قائلًا: «يبدو ذلك صحيحًا.» وبدأت في النهوض بحذر شديد من مقعدي. شعرت أنني في حالة ممتازة، وأحسست بخفة وراحة شديدتين وثقة تامة داخلي. كنت أتحرك بسرعة في كل مكان، وكان قلبي، على سبيل المثال، يخفق بمعدل ألف دقة في الثانية، لكن ذلك لم يزعجني البتة. نظرت إلى الخارج عبر النافذة فلمحت قائد دراجة بخارية ساكنًا في مكانه ومُطرقًا، وخلفه سحابة متجمدة من الغبار، ويبدو أنه كان يُهرَع بدراجته للَّحاق بعربة ركاب مسرعة لا تتحرك. وقفت في ذهول، محدقًا وفاغرًا فاهي، أمام هذا المشهد المدهش. هتفت قائلًا: «جيبرن، إلى متى سيدوم مفعول هذا العقَّار اللعين؟»

فأجاب قائلًا: «الله أعلم! آخر مرة تناولته فيها أويت إلى الفراش ونمت حتى زال مفعوله. كنت خائفًا بالطبع. لا شك أن مفعوله استمر لدقائق معدودة — حسبما أظن — غير أنها بدت كساعات. لكنني أعتقد أن مفعوله قد تضاءل بعد قليل على نحو مفاجئ بعض الشيء.»

لاحظت أنني لم أكن خائفًا — ربما لأننا كنا معًا — وكان ذلك من دواعي فخري. سألت البروفيسور مقترحًا: «لِمَ لا نخرج؟»

«لِمَ لا؟»

«سوف يرَوْننا.»

«لا، لن يرَوْنا. يا إلهي، لا! لماذا، لأننا سنمضي بسرعة تفوق أسرع الحيل السحرية ألف مرة. هيا أسرع! في أيِّ اتجاه سنذهب؟ النافذة أم الباب؟»

وخرجنا من ناحية النافذة.

مما لا شك فيه أنه من بين كل التجارِب الغريبة التي مررتُ بها في حياتي، أو تخيلتُها، أو قرأتُ أن آخرين مروا بها أو تخيلوها، كانت زيارتي القصيرة مع جيبرن إلى مروج فولكستون تحت تأثير المعجِّل الجديد هي أغرب تلك التجارِب وأشدها جنونًا. خرجنا من بوابته متجهَين إلى الطريق، وأجرينا هناك فحصًا دقيقًا لحركة المرور الساكنة سكون التماثيل. كانت الأجزاء العليا من العجلات وبعض من سنابك الخيول الجارَّة لتلك العربة، وطرَف السوط، والفك السفلي للمحصِّل — الذي بدأ لتوِّه في التثاؤب — كل ذلك كان من الواضح أنه يتحرك، أما ما عدا ذلك من باقي وسائل الانتقال المتثاقلة فبدت جامدة تمامًا، ودون أدنى ضوضاء باستثناء صوت حشرجة صادر من حنجرة أحدهم! وكان هذا المشهد الهامد يتكون من سائق، ومحصِّل، وأحد عشر شخصًا! حين مررنا بهذا المنظر، كان تأثيره علينا في بدايته عجيبًا بشدة، وفي نهايته مزعجًا وبغيضًا؛ لقد كانوا أناسًا مثلنا لكنهم ليسوا مثلنا، متجمدين في أوضاع عشوائية، ورهائن حركات غير مكتملة. فهناك رجل وفتاة يتبادلان الابتسامات، ابتسامات مختلسة شبِقة تنذر بالاستمرار إلى ما لا نهاية، وتلك سيدة ذات قبعة لدنة تريح ذراعها على قضيب العربة محدقة في منزل جيبرن في نظرة أبدية شاخصة لا تقطعها طَرْفة عين، وذلك رجل يتحسس شاربه كتمثال من الشمع، وآخر يمد يدًا متيبسة منهكة مبسوطة الأصابع نحو قبعته المهلهلة. أطلنا النظر إليهم، وسخرنا منهم، وصنعنا بوجهَينا تعبيرات مضحكة تهكمًا عليهم، ثم أصابنا ما يشبه النفور منهم، فأعرضنا عنهم ومررنا أمام قائد الدراجة متجهَين إلى المروج.

صاح جيبرن فجأة: «يا إلهي! انظر هناك!»

وأشار بإصبعه، فلمحت عند أنملته شيئًا يدفع الهواء بأجنحة تخفق ببطء يماثل بطء حلزون غاية في الخمول والكسل، كان هذا الشيء نحلة.

وهكذا شارفنا المروج، وهناك بدا الأمر أشد جنونًا من كل ما سبق. كانت هناك فرقة موسيقية تعزف أنغامها في المِنصة العليا، بَيد أن كل موسيقاهم بدت لنا كصلصلة خافتة لها أزيز، وكأنها زفرة موت ممتدة، وكانت تتحول أحيانًا إلى صوت يشبه دقات بطيئة مكتومة تصدرها ساعة عملاقة. أشخاص واقفون منتصبون في جمود تام، وكأنهم دمًى صامتة، غريبة الأطوار، تبدو وكأنها واعية، لكن جميعها متوقفة في منتصف خطواتها على نحو غير مستقر، وكأنها خرجت للتنزه فوق العشب. مررت بالقرب من كلب بودل صغير معلق في وضع القفز، وتابعت الحركة البطيئة لقدميه وهو يهبط على الأرض. هتف جيبرن صائحًا: «يا إلهي! انظر هنا!» توقفنا برهة أمام شخص بَهيِّ الهيئة، مهيب المظهر، يرتدي سروالًا صوفيًّا أبيض ذا خطوط باهتة، وحذاءً أبيض، وقبعة، وقد استدار ليغمز لسيدتين ترتديان ثيابًا زاهية كان قد تجاوزهما. بدت الغمزة، في ظل مثل هذه الدراسة المتأنية التي نجحنا في إجرائها، شيئًا غير جذاب يفتقد أيَّ سمة من سمات المرح والحيوية. يلاحظ المرء أن العين الغامزة لا تنغلق بالكلية، بل يظهر من تحت جَفنها المتهدل الطرَف السفلي من حدقتها وخط رفيع من بياضها. لم أتمالك نفسي فهتفت: «يا إلهي ذكِّرني لكيلا أغمز ثانيةً أبدًا.»

فأضاف جيبرن، وقد لمح السيدة ترد بابتسامة: «أو أبتسم.»

قلت: «إنني أشعر بحر شديد، بطريقة ما. لنُهدئ من سرعتنا.»

فرد جيبرن قائلًا: «أوه، هيا أسرع!»

تحسسنا طريقنا وسط الكراسيِّ ذات العجلات. بدا كثير من الجالسين في تلك المقاعد شبه عاديين في أوضاعهم الساكنة، إلا أن رؤية ملابس أعضاء الفرقة ذات اللون القرمزي وهي تنثني لم يكن مريحًا. شاهدنا شابًّا أرجواني الوجه متسمرًا في خِضمِّ صراع عنيف مع الرياح من أجل طيِّ صحيفته؛ كان ثَمة كثير من الدلائل تشي بأن كل هؤلاء البِطاء كانوا تحت تأثير نَسيم محسوس، لكن لم يكن له وجود بحسب ما استشعرَتْه حواسُّنا. خرجنا من بين هذا الجمع وسرنا لمسافة قصيرة بعيدًا عنه، ثم استدرنا وأبصرناه من بعيد. إن رؤية كل هذا الحشد، وقد تحوَّل إلى لوحة جامدة متيبسة أبطالها تماثيل شمع لكنها حقيقية، كانت أمرًا مذهلًا إلى حد لا يُصدَّق. لا شك أن المشهد كان عبثيًّا؛ لكنه ملأني بشعور جذل غير منطقي بالتفوق. فكر في روعة هذا! كل ما قلته، وفكرت فيه، وعملته منذ أن بدأ مفعول العقَّار يسري في عروقي قد حدث في لمح البصر بالنسبة إلى أولئك الأشخاص، وبالنسبة إلى هذا العالم بصفة عامة. بادرت قائلًا: «إن المعجِّل الجديد …» لكن جيبرن قاطعني بقوله: «ها هي تلك العجوز اللعينة!»

«أيُّ عجوز؟»

فرد جيبرن: «التي تعيش في المنزل المجاور لي. لديها كلب صغير مدلل له نُباح مزعج. يا إلهي! يا له من إغراء قوي!»

أحيانًا ما تصدر عن جيبرن أفعال صبيانية متهورة. قبل أن أبدأ في الاعتراض وجدته قد اندفع متقدمًا وانتزع الكلب البائس بسرعة فائقة، وهُرع به نحو جُرف المُروج. كان مشهدًا غاية في الغرابة؛ فالكلب الصغير لم ينبح أو يحاول التخلص من قبضته أو حتى يحرك ساكنًا؛ بل ظل متسمرًا تمامًا في وضع الرقاد الناعس بينما جيبرن يحمله من رقبته. كان الأمر أشبه بالركض بكلب خشبي. صرخت قائلًا: «جيبرن، اتركه!» ثم هتفت مضيفًا: «إذا ركضت هكذا يا جيبرن فسوف تَضطرِم النيران في ثيابك. إن سروالك الكَتَّاني يتحول إلى اللون البُني بالفعل!»

ضرب جيبرن فخذه بكفه ووقف مترددًا فوق شفا الجُرف. تقدمت وواصلت صياحي: «ضعه على الأرض، إن هذه الحرارة مرتفعة أكثر من اللازم! إنه ركْضنا إذن! مِيلان أو ثلاثة في الثانية! الاحتكاك بالهواء!»

رد جيبرن وهو يرمق الكلب: «ماذا؟»

فصحت لأُسمِعه: «الاحتكاك بالهواء، الاحتكاك بالهواء، التحرك بسرعة شديدة، كالنيازك وما شابه، حرارة شديدة، و… جيبرن! جيبرن! أشعر بالوخز في كل أجزاء جسدي وما يشبه التعرق. يمكنك أن ترى الناس حولَنا يتحركون قليلًا. أعتقد أن مفعول العقَّار ينتهي الآن! اترك هذا الكلب.»

فما كان منه إلا أن قال: «ها؟»

فقلت مكررًا: «إن مفعوله ينتهي الآن. نحن نشعر بحرارة شديدة والعقَّار يبطل مفعوله الآن! إنني أتصبب عرقًا.»

حدق جيبرن فيَّ، ثم في الفرقة الموسيقية، فلم يكن ثمة شك أن أزيز صلصلتهم تسارع إيقاعُه؛ فأسرع جيبرن ومد ذراعه في حركة هائلة وطوَّح بالكلب بعيدًا عنه فراح يدور صاعدًا، دون أن يحرك أيًّا من أعضائه، حتى استقر به المطاف معلقًا في الهواء فوق مجموعة من المِظلات تحتَها جماعة من الناس يتجاذبون أطراف الحديث. تشبث جيبرن بمرفقي صائحًا: «يا إلهي! أعتقد أنه … كذلك! شيء كالوخز الساخن و… أجل. ذلك الرجل يحرك مِنديل جيبه! إنه أمر واضح. يجب أن نغادر هذا المكان في الوقت المناسب تمامًا.»

لكننا لم ننجح في مغادرته في الوقت المناسب بالضبط، وربما كان ذلك لحسن حظنا! ربما كنا سنحتاج إلى الركض، ولو ركضنا، لاشتعلتْ فينا النيران، على حد اعتقادي. من شِبه المؤكد أن النيران كانت ستشتعل فينا! في الواقع، لم يفكر أيٌّ منا في أمر كهذا … لكن مفعول العقَّار بطل تمامًا حتى قبل أن نبدأ في الركض. لم يتجاوز الأمر جزءًا دقيقًا من الثانية. لقد تلاشى تأثير المعجِّل الجديد في لمح البصر. تناهى إلى سمعي صوت جيبرن في هلع لا حد له: «اجلس.» فارتميت جالسًا فوق العشب عند حافَة المروج — وقد بدأت النار تنشَب في ملابسي أثناءَ جلوسي. لا تزال هناك رقعة محترقة من العشب حيث جلست. في تلك اللحظة التي انبطحت فيها جالسًا، بدا لي كأن الحياة قد دبت في ذلك المشهد الساكن؛ الأنغام المفككة التي كانت تصدرها الفرقة امتزجت ثم انطلقت معًا كموسيقى صاخبة، وزوار المروج استقرت أقدامهم على الأرض وسلك كل منهم طريقه، الأوراق والأعلام بدأت في الخفقان، والابتسامات انبثقت منها الكلمات، ومن كان يغمز بعينه أنهى غمزته ومضى في طريقه دون أدنى غضاضة، وكل من كانوا جالسين تحركوا متحدثين.

عاد العالم من حولنا إلى الحياة مجددًا ومضى بنفس سرعتنا، أو بالأحرى لم نكن أسرع من بقية العالم. كان الأمر أشبه بالإبطاء عند الوصول إلى محطة القطار وخُيِّل إليَّ أن العالم يدور من حولي لثانية أو اثنتين وعانيت من أقصر شعور بالغثيان في حياتي، وكان ذلك كل ما في الأمر. أما الكلب الصغير الذي بدا معلقًا لوهلة حين نفدت قوة ذراع جيبرن فقد سقط في سرعة خاطفة مخترقًا مِظلة سيدة!

هكذا كانت نجاتنا. كنت سأظن أنه ما من أحد لاحظ ظهورنا المفاجئ وسط الجمع لولا أن عجوزًا بدينًا جالسًا في كرسيٍّ متحرك قد أجفل بالتأكيد لرؤيتنا ثم بدأ يراقبنا بين حين وآخر بعين مرتابة لا تبشر بخير، وانتهى به الحال إلى أن أسرَّ إلى ممرضته بشيء، أعتقد أنه بشأننا. ازدردْتُ ريقي متوجسًا! لا بد أننا ظهرنا بغتة. توقفنا عن الاشتعال على الفور تقريبًا رغم أن العشب تحتي كان ساخنًا على نحو ضايقني. استَرعَتِ انتباهَ الجميع — بما فيهم أعضاء الفرقة الموسيقية الذين نشزت ألحانهم في ذلك الموقف وللمرة الأولى والوحيدة في تاريخهم — تلك الواقعةُ العجيبة، واللغط والجلبة الأشد عجبًا اللذان كان سببهما أن كلبًا بدينًا مهذبًا كان نائمًا في وداعة إلى الشرق من المِنصة التي تقف عليها الفرقة الموسيقية سقط فجأة فوق مِظلة سيدة جالسة في غربها، وعليه آثار احتراق بسيط جرَّاء سرعته الفائقة عبر الهواء. كل ذلك حدث في تلك الأيام العبثية؛ حيث نحاول جميعًا أن نتصف بالروحانية والسخافة والإيمان بالخرافات قدر إمكاننا! نهض الحاضرون مندفعين فداس بعضهم بعضًا، وبُعثِرت الكراسيُّ، وركض شرطي المِنطقة. لا أدري كيف هدأت الأوضاع، لقد كنا في غاية الارتباك والتوتر بحيث لم نتمكن من تخليص أنفسنا من المأزق والتواري عن عينَيْ هذا العجوز القابع في الكرسي المتحرك لدراسة الموقف دراسة متأنية. لكن بمجرد أن هدأنا وتعافينا من أعراض الدوار والغثيان والارتباك بما يمكننا من الخروج من هذه الورطة، نهضنا وسرنا بمحاذاة الجمع عائدَين أدراجنا إلى الطريق الممتد أسفل قلب المدينة متجهَين نحو منزل جيبرن. لكن وسط كل هذا الصخب، سمعت بوضوح شديد ذلك الرجل الجالس إلى جوار السيدة التي تمزقت مِظلتها إثرَ سقوط الكلب وهو يتوعد أحد المسئولين عن تنظيم الكراسيِّ المكتوب على قبعته كلمة «مشرف» قائلًا: «إن لم تكن أنت من ألقيت الكلب، فمن الذي ألقاه؟»

إن العودة المباغتة للحركة والضوضاء المعتادة، بالإضافة إلى قلقنا على أنفسنا (كانت ملابسنا لا تزال شديدة السخونة والجزء العلوي من سروال جيبرن الأبيض تحوَّل إلى لون بني شاحب من أثر الاحتراق) منعتني من الملاحظات الدقيقة التي كنت أود إجراءها لكل هذه الأمور. لم أُجرِ في الواقع أيةَ ملاحظات ذات قيمة علمية في طريق عودتي. اختفت النحلة، بالطبع، وبحثتُ عن قائد الدراجة لكنني لم أرَه حين وصلنا إلى طريق ساندجيت العلوي أو لعل حركة المرور حجَبتْه عن أنظارنا؛ لكنني عثرت على عربة الركاب، وكانت تتقدم في صخب وخفة بمحاذاة الكنيسة القريبة، وقد عاد جميع ركابها إلى الحياة، وصاروا يتحركون في نشاط.

لكننا لاحظنا أن عتبة النافذة التي وطئناها بأقدامنا عند خروجنا من المنزل عليها آثار حروق طفيفة وأن آثار خطواتنا فوق الحصى الذي يغطي الطريق كانت أعمق من المعتاد.

هكذا كانت تجرِبتي الأولى للمعجِّل الجديد، وخلال تلك التجرِبة كنا نتحرك ونتحدث ونفعل كل شيء في غضون ثانية تقريبًا. لقد عشنا نصف ساعة ربما عزَفت خلالها الفرقة الموسيقية مقطعين، لكننا شعرنا تحت تأثيره كأن العالم قد توقف من أجلنا لنتمكن من معاينته بسهولة. بالنظر إلى كل ما جرى، ولا سيما اندفاعنا النزِق أثناءَ خروجنا من المنزل، فمن المؤكد أن التجرِبة كان يمكن أن تصير أسوأ كثيرًا مما كانت، كما أنها أظهرت أن جيبرن لا يزال أمامه الكثير ليدرسه قبل أن يصير مستحضره عقَّارًا مفيدًا يسهل التعامل مع آثاره، أما بالنسبة إلى فاعليته فقد ثَبَتت على نحو لا مِراء فيه بالطبع.

تمكن جيبرن، منذ تلك المغامرة، من السيطرة على تأثير العقَّار بانتظام، ولطالما تناولتُ منه جرعات محددة ومدروسة تحت إشرافه دون أدنى نتيجة سلبية. بَيد أن عليَّ الإقرار بأنني لم أغامر ثانية بالخروج من المنزل وأنا تحت تأثيره. يَجدُر بي أن أقول مثلًا إنني كتبت هذه القصة التي تقرؤها الآن في جلسة واحدة دون توقف — إلا لأقضم بعض قطع الشوكولاتة — تحت تأثير المعجِّل الجديد. بدأتُ الساعة السادسة والنصف إلا خمس دقائق، وساعتي الآن تكاد تشير إلى الدقيقة الأولى بعد منتصف الساعة. لا شك أن الحصول على فترة عمل طويلة ومتواصلة وسط يوم مترَع بالالتزامات إنما هو ميزة لا مجال لإنكارها. يدرس جيبرن في الوقت الحاليِّ المعالجة الكَمية لمستحضره، مع اهتمام خاص بآثاره المميزة على مختلف أنواع البنى البشرية، ثم إنه يأمل في التوصل إلى «مبطِّئ» يمكن استخدامه في التخفيف من فاعليته الحالية المفرطة نوعًا ما. سيكون لهذا المبطِّئ بالطبع تأثير عكسي يُقابل تأثير المعجِّل؛ في حال استُخدِم هذا المبطِّئ وحدَه فإنه سيمكِّن المريض من أن يطيل الزمن بحيث تمتد الثواني المعدودة لعدة ساعات من الوقت العاديِّ؛ ومن ثمَّ سيشهد المريض حالة متبلدة من اللافعل والبرود تنعدم فيها همَّتُه وسرعته، ولا شك أن لهذا فائدته في محيط مفعَم بالحركة أو بيئة مثيرة للأعصاب. مما لا شك فيه أن العقَّارين معًا سيُحدثان ثورة كاملة في العالم المتحضر؛ إذ يمثلان بداية تحررنا من عباءة الزمن التي تحدَّث عنها كارليْل، ففي حين سيمكِّننا المعجِّل من تركيز جهدنا وتحقيق تأثير هائل في أيَّة لحظة أو مناسبة تتطلب أكبر قدر من إدراكنا وذكائنا ونشاطنا، فإن المبطِّئ سيتيح لنا اجتياز أشد الظروف صعوبة وأكثرها مللًا في هدوء خامل وطمأنينة سلبية. ربما أشعر بقليل من التفاؤل بشأن المبطِّئ الذي لا يزال يتعين اكتشافه في الواقع، أما فيما يخص المعجِّل، فلا مجال للشك في جدواهُ مطلقًا. ستشهد الأشهر القليلة القادمة ظهوره في الأسواق في شكل مناسب، سهل الامتصاص، يمكن التحكم في آثاره. وسيصير في متناول جميع الكيميائيين والصيادلة؛ إذ سيتسنَّى لهم الحصول عليه في زجاجات خضراء صغيرة بثمن مرتفع، لكن بالنظر إلى خواصه الاستثنائية المذهلة، فلا شك أن هذا الثمن مستحق وغير مبالغ فيه البتة. سيحمِل العقَّار اسم «معجِّل جيبرن العصبي»، ويأمل جيبرن أن يتمكن من تقديمه في ثلاثة تركيزات: ٢٠٠ و٩٠٠ و٢٠٠٠ وستتمايز الأنواع الثلاثة بملصقات صفراء وزهرية وبيضاء على التوالي.

لا شك أن استعمال العقَّار سينجم عنه عدد هائل من الآثار غير المعتادة؛ أبرزها بالتأكيد أن الإجراءات الجنائية ربما تنتهي بإفلات المُدانين من العقوبة من خلال اتخاذ الفجوات والثغرات الزمنية منفذًا ومهربًا. وشأن غيره من المستحضرات الفعالة، سيكون المعجِّل عُرضة لإساءة الاستعمال. ولقد ناقشنا تلك المسألة مناقشة مستفيضة، وخلصنا إلى أنها قضية تندرج بالكلية تحت اختصاص القانون الطبي، ولا تقع نهائيًّا في نطاق مسئوليتنا. سوف نصنِّع العقَّار ونعرِضه للبيع، أما فيما يخص التبعات فسنرقُب ما سيحدث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢