مقدمة الفصل الثالث

تتشابه القيود التي يفرضها الدين على النظام الغذائي مع القيود التي تفرضها عليه الهيئاتُ العسكرية والاجتماعية؛ فهذه القيودُ تبدو وكأنها تعبير عن ضمِّ صفوف المؤمنين وتوفر حسًّا من الترابُط والانتماء للجماعة أكثر من أي شيء تجمعه أدنى صلة بالمعتقدات الجوهرية والفلسفة الأساسية. ومع ذلك، فهي تكتسب — بوصفها رموزًا للدين — دلالةَ مغزًى يتعدَّى حدودَ ما قد يبدو أنه ضروري أو منطقي؛ فربما يكون من الأسهل أن يُظهِر المرء تقواه بطُرُق ظاهرة مثل تجنُّب الطعامِ غير الموافِق للشريعة اليهودية، أو الطعامِ غير الموافِق للشريعة الإسلامية، أو مثل الامتناع عن تناوُل اللحم أثناء الصوم الكبير قُبَيْل عيد الفصح، وذلك مقارَنةً بالالتزام بالنصوص المقدسة التي تتحدث عن الإخاء بين البشر أو الامتناع عن ردِّ الإساءة بمثلها؛ فعامِلُ الجذب القائم على الإظهار الجماعي للاتحاد والأخوَّة في مواجَهة الغرباء هو الاحتمال الأرجح.

وعادةً ما يُنصَح بالامتناع — مثل الصوم كجزءٍ من نظام غذائي معيَّن يهدف إلى كبح شهوات الجسد — وتكون الأهدافُ المبتغاة من وراء ذلك تهذيب النفس وضبط النفس. وليس من الصعب ملاحظة أن ذلك يمثِّل عامِلَ جذْبٍ للمجتمعات التي تعتمد على القوة العسكرية أو المهتمة بأن تكون لها هُوِيَّة مستقلة؛ إذ نادرًا ما تتعارض اهتماماتُ الإله واهتماماتُ الدولة.

ونجد أن أتباع فيثاغورس يلتزمون بهذه القواعد؛ إذ يجمع بينهم تجنُّب اللحم، بل الأغرب أيضًا تجنُّب البقوليات. ومع ذلك، يشترك أسلوب الحياة النباتي مع البوذية — وللأسباب نفسها — في فكرةِ أن الحياة مقدَّسةٌ في حدِّ ذاتها أكثر من كونها خاضعةً للاحتياجات العليا للدولة أو المجتمع. ولعل هذا الأسلوب النباتي كان سيثير الجدلَ أكثر من أيِّ نظامٍ غذائي آخَر، كما أن تقديم أيِّ قربانٍ بخلاف الحيوانات عند مذبح الآلهة كان سيُعتبَر قربانًا وضيعًا وسخيفًا؛ ففي أوقات الخطر لن يكون لحزمةٍ من الكرفس أبدًا نفس تأثيرِ جَدْيٍ مذبوح.

وكان ذَبْحُ الحيوانات في إطارٍ شعائري وطَهْيُها وتوزيعُها في اليونان من الشعائر الوثيقة الصلة بالطقوس الدينية، ومن المفترض أنها أيضًا تعبيرٌ عن تعزيزِ النظام الاجتماعي أكثر من أي شيءٍ يتصل بفنِّ تذوُّق الطعام. وتكاد المسيحية تخلو من الأطعمة المطلوب تناوُلها وليس الأطعمة المطلوب تجنُّبها. وخبز القربان المُقدَّس — وهو كِسْرة الخبز التي ترمز لجسد المسيح — هو الاستثناء الأساسي، ولا يُقدَّم إلا إلى المؤمنين المخلصين ممَّن هيَّئوا أنفسهم بالتوبة لتلقِّيه. ومع ذلك، فإن تكريسَ فترةٍ من النَّهَم أو الإفراط في الانغماس في الطيبات للآلهة ليس أمرًا جديدًا.

وغالبًا ما يأتي موسم إقامة الولائم عقب الصوم، فعيد الفصح يأتي عقب الصوم الكبير، وعيد الفطر يأتي عقب شهر رمضان. وربما لم يتبَقَّ من عيد الميلاد (الكريسماس) إلا نذرٌ يسير يربطه بميلاد المسيح، ولكن هذا هو العُذْرُ الذي يبرِّر الإفراطَ في الطعام واحتساء الخمور على مدى ثلاثة أسابيع في عددٍ كبيرٍ من البلدان الغنية، ومن الصعب ألَّا نفترض أن الأمور كانت دائمًا على هذا المنوال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠