خطاب من فتاة صهيونية

في الأسبوع الماضي تلقيت خطابًا من «نورا زونشتين»، وكان خطابًا مضحكًا؛ فالمظروف كان مكتوبًا عليه اسمي وكلمة القاهرة فقط، ولا أعرف بأي ذكاء خارق استطاعت إدارة البريد أن تعرف عنواني وتوصله؟ ولكن ما أعلمه هو أني فوجئت حقيقةً بالخطاب، وفوجئت أكثر بمحتوياته؛ إذ لم يكن فيه كلام كثير؛ خلاصة ما فيه أن «نورا زونشتين» هذه تقول: يبدو أنني قد أصبحت من رأيك وأنك كنت على حق.

والخطاب أوقعني في حيرة شديدة: فقطعًا صاحبته تعرفني ولكن أين ومتى وكيف عرفتها أو عرفتني؟ فتلك هي المشكلة. وأخيرًا جدًّا استطعت أن أتذكَّر؛ فلا بد أن نورا هذه هي الفتاة الصهيونية التي قابلتها في العام الماضي وأنا في طريقي إلى بروكسل. وطبعًا لم أكن أعرف حين قابلتها أنها صهيونية أو خطر لي شيء من هذا القبيل. كل ما حدث أن الطائرة كانت تستعد للإقلاع من مطار أثينا بعد ثلاثة أرباع الساعة التي قضيناها في المطار، وقبل أن تتحرك الطائرة بقليل فوجئنا نحن الركاب بفتاة تدخل من الباب متأخرة، تدخل في ضجيجٍ وحقيبةٌ في يدها، وحقيبة تحت إبطها، وحقيبة بين هذه وتلك، وابتسامات لا عدد لها توزعها على المضيفة، حين رمقت الأحمال الكثيرة من الحقائب باشمئناط؛ إذ المفروض ألَّا يحمل الراكب معه إلا حقيبة يد خفيفة واحدة. ابتسامات توزعها على المضيفة والمضيف الرجل وعلى الركاب جميعًا وبنوع خاص على أي راكب يحدث أن تدوس على أقدامه وهي مارَّة مُهروِلة بموكبها الصاخب في طريقها إلى مؤخرة الطائرة حيث المقاعد الخالية.

ولا أعرف لماذا اختارت أن تجلس بجواري أنا بالذات. وحين كانت تضع حقائبها الكثيرة فوق الرف سقطت منها حقيبة ثقيلة على ساقي، آلَمَني سقوطها حقيقة، وبين عشرات اعتذاراتها وابتساماتها عاونتها في إعادة الحقيبة إلى الرف، وقبِلَت المعونة شاكرة مبتسمة؛ ابتسامات أكثر من اللازم. كانت قصيرة القامة عصبية كثيرة الحركة حمراء اللون، وكأن وجهها قد قُشر عنه جِلده، وشعرها كان خشنًا أصفر أبيض، حتى رموشها كانت صفراء بيضاء، ولا أعرف لماذا لم يعجبني شعرها الأصفر فوق بشرتها الحمراء المسلوخة هذه. وكانت غلطةً، ما في ذلك شك، إني ساعدتها في وضع حقائبها؛ إذ ما كدنا نعود إلى أماكننا وتذهب الضجة التي أَحدَثها قدومها ويعود الهدوء، حتى ابتسمت لي قائلة: هل يمكنني أن أجلس بجوار النافذة؟

طلب غريب من إنسانة غريبة، فلم يتعود الناس في الطائرات أن يطلبوا من جيرانهم أن يتنازلوا لهم عن مقاعدهم المفضلة بجوار النوافذ بسهولة، حتى لو كان التنازل لسيدات أو آنسات. ويبدو أنها أحسَّت مني ترددًا، فقالت: سامحني ولكن دُوَار الطائرة يصيبني إذا لم أجلس بجوار النافذة. ومع أني كنت أعرف أن الدوار يصيب الجالسين قرب النوافذ أكثر، إلا أن طلبها هذا وبطريقة مباشرة أخجلني، فقبلت وتبادلت معها مكانها. والحقيقة أنَّ أمر الفتاة كان قد بدأ يحيرني؛ فقد كانت تخاطبني بالإنجليزية وباللكنة الأمريكية المعهودة، وكان واضحًا أنها أمريكية، ولكن إحدى حقائبها كان يبدو أنها هدية من شركة طيران، وكان اسم الشركة مكتوبًا على أحد جوانب الحقيبة بحروف غريبة لم تكن لاتينية أو صينية أو حتى أردية أو أرمنية. وحين عاونتها في وضع الحقيبة في مكانها أتيح لي أن أرى الناحية الأخرى. وإذا بي أجد مكتوبًا عليها بحروف لاتينية: «إيلال»، وحاولت أن أجد للكلمة معنى أو أحدد لها جنسية فلم أستطع.

ولكن ربما من اسم الشركة، ربما من شكل الفتاة التي كانت ملامحها تكاد تنطق وتقول: إنها يهودية، وربما من أشياء أخرى بدأت أشك أن الفتاة قد تكون أمريكية صحيح ولكن لا بد أن تكون لها علاقة بإسرائيل. ولعل هذا الشك هو الذي دفعني لأن أتنازل لها عن مقعدي المفضَّل؛ فعلى الأقل هذه الخطوة مني ستفتح باب الحديث؛ وإذا تحدثنا فقد أستطيع أن أعرف منها كُنْه تلك العلاقة. أما باب الحديث فقد فُتِحَ فعلًا، حين ارتفعت الطائرة واستقامت وفككنا الأحزمة وأبيح لنا التدخين؛ قدمت لها سيجارة، وقبل أن أحاول إشعالها لها كانت قد فتحت حقيبة يد مكتظة بعشرات الأشياء وأخرجت منها علبة ثقاب غريبة وأشعلت السيجارة بنفسها، ونفثت دخانها برَوِيَّة من فمها وأنفها كما يفعل كبار المدخنين، وحركت رموشها البيضاء قبل أن تسألني: إيطالي؟

وطبعًا لم أكن إيطاليًّا، ولكني لم أشأ أن أجيبها إجابة محددة؛ إذ كنت في شغف لأن أعرف عنها أشياء كثيرة؛ أهمها علاقة فتاة مثلها بإسرائيل؛ وعلى هذا تجاهلت سؤالها وبدأت أنا أسألها. قالت: إنها أمريكية فعلًا، وإنها طالبة في السنوات النهائية لإحدى كليات الطب في ولاية ماسوشيتش، وإن أباها أستاذ جراحة الأعصاب في تلك الكلية، وإنها عائدة إلى أمريكا بعد رحلة صيفية قضتها في الشرق.

قالت: في الشرق، وسكتت؛ إذ في ذلك الوقت كانت المضيفة قد عادت بكروت البوستال التي طلبتها، وكانت هي قد انهمكت في كتابة العناوين عليها.

وكدت أُعيد النظر في رأيي في الفتاة وأكاد أُعجب بها، فتاة لم تتجاوز العشرين تدرس الطب وتسافر في الإجازات وتجوب العالم وحدها مستكشفةً دارسة؛ ليس هذا فقط بل تتصرف أثناء سفرها وغربتها بطريقة أكثر جرأة وتحرُّرًا من الرجال الكبار، وتحمل أضعاف ما يحملون من متاع، وتستفيد بكل ما تقع عليه عيناها أو يداها، حتى حبوب النعناع التي تُوَزَّع قبل قيام الطائرة تأخذ منها أكثر من واحدة وتحتفظ بها؛ وتحاول دائمًا أن تحظى بأحسن الأوضاع والفرص «فتستكرد» شابًّا مثلي وتجلس مكانه وتأخذ سجائره أيضًا؛ ثم بكل جراءة تطلب من المضيفة كروت بوستال وتكتب العناوين على عشرة منها؛ ثم بكل جرأة أيضًا تناولها المضيفة طالبة منها أن تلقيها في صندوق الخطابات الخاص بالطائرة لتُرسَل على حساب شركة الطيران، والمضيفة تقول: إن الراكب الواحد غير مسموح له إلا بثلاث بطاقات فقط فتدَّعي أنها سَهَت، ثم ترجو وتُلِحُّ وترضى المضيفة.

ولأول مرة أعرف أنا الرجل أن من الممكن إرسال كروت بوستال على حساب شركة الطيران، وأول مرة أعرف أن في الطائرات صناديق خطابات.

أقول: كدت أُعْجَب بالفتاة لولا أنني سألتها بعدما انتهت: ما معنى كلمة إيلال المكتوبة على حقيبتك؟

قالت باندهاش: ألا تعرفها؟ إنها شركة الطيران الإسرائيلية.

قلت: هل كنتِ في إسرائيل؟

قالت بكل بساطة: كنت أعمل هناك في الإجازة.

– تعملين؟

– أجل متطوعة في أحد مستشفيات حيفا.

وتملَّكني في الحال عاملان؛ العامل الأول هو إحساسي الغريزي بوجوب الامتناع عن محادثتها والمبادرة بالانتقال من جوارها، والعامل الثاني كان أن أتصرف بطريقة أكثر نضجًا، وأحاول أن أعرف منها كل ما يمكنني معرفته على الأقل طبقًا للحكمة القائلة: اعرف عدوك.

والشيء الذي كنت أريد أن أعرفه هو: ماذا يدفع فتاة أمريكية مثل تلك حتى لو كانت يهودية إلى أن تتحمس لإسرائيل لدرجة أن تذهب في الإجازة قاطعةً آلاف الأميال لتعمل متطوعة في مستشفياتها؟ وحماس ترومان أو أيزنهاور أو تشرشل لإسرائيل حماس من الممكن أن نعرف أسبابه؛ أما أن تتحمس فتاة عادية، أما أن يتحمس أناس عاديون لإسرائيل؛ فالأمر لا بد وراءه دعوة ضخمة منظمة؛ فأنا أعلم أن الإنسان لا يمكن أن يتحمس لشيء إلا حين يؤمن إيمانًا كاملًا مطلقًا بأنه حق وصدق. فما هي النظرية أو الشعار الذي استطاعت الصهيونية والاستعمار العالمي أن يُقنِعا به أناسًا عاديين — كهذه الفتاة — أن يهبُّوا لمساعدة إسرائيل؟ ذلك كان هدفي من مواصلة الحديث مع الفتاة.

وكانت الطريقة الطبيعية لكي أعرف هذا أن أستفزَّها، قلت: ولماذا تعملين متطوعة في أحد المستشفيات الإسرائيلية؟

– لكي أساعدها.

– ولماذا تحتاج دولة كإسرائيل لمساعدة فتاة مثلك؟

هنا اندفعت الفتاة تحدِّثني وكأنها تريد أن تقنعني. وبدأت أَلمَح من حديثها معالم العقيدة الجديدة التي تبشِّر بها الصهيونية العالمية وتحاول تجنيد أكبر عدد ممكن من الناس في الشرق والغرب للإيمان بها. اندفعت الفتاة تقول: إن قضية إسرائيل هي قضية الحق والعدالة والحرية في هذا العصر، وإن العرب يريدون ذبح سكان إسرائيل المساكين المُسالمين الوادعين الذين كل جريمتهم أنهم أقاموا دولة لهم في محيط يعجُّ بالعرب من جميع الجهات. وإن العداء تقليدي بين بني إسرائيل والمصريين؛ فرعون أَسَرَهم وجعلهم يبنون أهراماته وتماثيله وقتَلهم، ضحَّى بهم؛ عرفت بعد ذلك أن هناك كتبًا صهيونية أُلِّفَت لتُثبِت هذا.

وكظمت غيظي وأنا أستمع، ولكني كنت أريد أن أعرف منها كل ما تريد الصهيونية أن تملأ به عقول السُّذَّج البُسَطاء. كظمت غيظي ومضيت أستمع. وقالت الفتاة إنها زارت معظم البلاد العربية ورأت الاستعدادات الهستيرية لذبح اليهود. وكردٍّ على اعتراضي كيف سُمِحَ لها بدخول البلاد العربية وفي جواز سفرها تأشيرة إسرائيل؛ ابتسمت بخبث وقالت: إن إسرائيل لا تعطي تأشيرة الدخول إليها في الباسبور، بل تعطيها لمن يشاء على ورقة منفصلة حتى يمكنه دخول البلاد العربية ورؤية أعداء إسرائيل عن قرب. ومن كلامها المنصبِّ في حماسٍ وحقدٍ غريبَين بدأت المسألة تتجسد أمامي. الصهيونية كانت مجرد فكرة قليلة الأنصار بين جماهير اليهود في العالم، وكان هدفها حين أتت ألَّا تجند لأهدافها كل يهود العالم فقط، ولكن أن تجعل من قضيتهم قضية بالغة العدالة، جديرة بأن يعطف عليها ملايين الناس من غير اليهود؛ وعلى هذا فهي بالنسبة إلى اليهود تحاول أن تربط بين أطماعها وبين اليهودية كدِينٍ له تاريخ وكأفراد. تحاول أن تُراجع الدِّين اليهودي وتُعيد صياغته من وجهة نظرها الخبيثة، وتحاول أن تُظهر موسى نبي الله وكأنه حين خاصم فرعوه وعاداه وخرج من مصر ووجهته فلسطين كان الداعي الأول من دعاة الصهيونية. باختصار: تحاول أن تُقنِع كلَّ يهودي أن الصهيونية هي اليهودية، في أتم صورِها هي اليهودية الحقيقية ذات الجذور التاريخية التي بدأت حتى قبل أن يُبْعَثَ موسى نبيًّا، وبهذا لا يبقى أمام اليهودي الذي يريد لدينه البقاء إلا أن يصبح صهيونيًّا أو على الأقل يؤيد الصهيونية بكل قواه. أما بالنسبة لغير اليهودي فالصهيونية تقترب من الموضوع بطريقة أخرى، إنها تحاول أن تستغل العطف البشري على أي مضطهد، فتصوِّر سكان إسرائيل على أنهم قوم مظلومون مضطهَدون محاطون من كل الجهات بالعرب الوحوش؛ تحاول أن تُجنِّد النزعة الإنسانية في كل إنسان شريف لكي تستغلها لمناصرة إسرائيل وحماية إسرائيل وتقوية إسرائيل. تلك هي خطة الصهيونية الاستعمارية، تطالب أولًا بإنشاء وطنٍ قومي لليهود، وتسلك في سبيل هذا الغرض كل ما تستطيعه من وسائل حتى إذا تمَّ يصبح الشعار هو تقوية تلك الدولة لكي تستطيع الدفاع عن نفسها، وتحت هذا الشعار البرَّاق تقوى إسرائيل لا لكي تدافع عن نفسها ولكن لكي تصبح إصبع الاستعمار المرابط في البلاد العربية الذي كل عمله هو لعب دور البلطجي بالنسبة لأي قُطْرٍ عربي يفكر في معاداة الاستعمار العالمي أو الوقوف في وجه طغيانه.

ويبدو أن الدعايات الصهيونية الخبيثة قد أثمرت — إلى حدٍّ ما — على الأقل إلى حد أن فتاة كهذه تردِّد كلامًا كهذا لغريبٍ مثلي بالكاد لا تعرفه.

وقلت لها: وما رأيك في اللاجئين العرب، أولئك الذين اغتصبت إسرائيل ديارهم وأرضهم ورفعت رايتها فوق بيوتهم وقالت: هنا إسرائيل؟ هل جاء في التوراة هذا أيضًا؟

قالت: إسرائيل لم يكن لها خِيار في هذا، كان لا بد أن تقوم إسرائيل.

قلت: وبعد أن قامت ماذا يكون الحل؟

قالت: لماذا لا تتقاسم البلاد العربية التي تدَّعي الحماس للاجئين وقضيتهم، لماذا لا تتقاسمهم البلاد العربية وتحلُّ مشكلتهم؟

قلت: أصحاب الأرض يشتَّتون وتتقاسمهم البلاد العربية، والذين كانوا مشتَّتين في البلاد يغتصبون الأرض ويقيمون عليها دولة! ما رأيك في هذا؟

قالت: ما رأيك أنت؟ ماذا يكون الحل؟

قلت: الحل الوحيد أن تعود الأرض إلى أصحابها.

قالت بعصبية: معنى هذا أن تتقوَّض إسرائيل.

قلت: ولكن هذه أرضهم، وهم أصحابها، والحق يقضي أن يعودوا إليها.

قالت: وإذا رفضت إسرائيل هذا؟

قلت: لا بد أن تقبله.

قالت: بالقوة؟

قلت: وبالنار والحديد أيضًا.

قالت: آه، فهمت، أنت عربي، أنت عربي، اسمك أيضًا عربي.

قلت: أجل، أنا عربي من القاهرة، ولكني لا أدعو إلا إلى الحق.

قالت: أنت لا تدعو إلا لذبح الإسرائيليين.

قلت: إننا لا ندعو لذبح أحد. إننا فقط ندعو لعودة الحق المغتصَب.

قالت: ولكنها أرض إسرائيل!

قلت: منذ الأزل وهذه الأرض أرض العرب، ألأن إسرائيل اغتصبتها لبضع سنوات تصبح حقها؟

ولم أجد فائدة في مناقشتها؛ فأنا لم أحادثها لأناقشها، ثم إنها قد أفرغت كل ما عندها ولم يعد فيما تقوله شيء جديد، ولكني كنت مغفَّلًا، ولا شيء يجعلني أنفعل أكثر من رؤيتي لإنسان غبي متعصب يؤمن أنه على حق والحقائق كلها تشير إلى أنه على باطل. إنسان كهذا لا يصلح معه سوى منطق واحد، وهو المنطق الذي كنت قد قررت أن أتَّبِعه.

فبعد أن كفَّ كلانا عن الكلام غادرت مكانها ذاهبة إلى التواليت، وحين عادت وجدتني أحتل المقعد الذي كانت تجلس فيه، وبدا عليها أنها دُهشت، وقالت: لا بد أن خطأً ما قد حدث، أعتقد أنك جلست في مكاني.

قلت لها: أبدًا، لم يحدث أي خطأ، بالعكس لقد صححت الخطأ الذي ارتكبته.

قالت: ولكن هذا مقعدي، كيف تسمح لنفسك بالجلوس عليه؟!

قلت: كيف تسمحين لنفسك أنتِ أولًا بتسميته مقعدك؟! اسمعي أيتها الصهيونية المتنكِّرة كأمريكية أو الأمريكية المتنكِّرة كصهيونية. لقد جلستِ في هذا المقعد منذ أن بدأت الطائرة رحلتها من القاهرة، وظللت جالسًا فيه عدة ساعات، ثم جئتِ أنت في أثينا واختلقتِ كذبة لتجلسي فيه، وسمحت أنا لكِ بهذا على اعتبار أنك صادقة، ولكن اتَّضح لي أنك لست صادقة، بل أكثر من هذا اتضح لي أنك عدوة فعُدت لاحتلال مقعدي، عليكِ الآن أن تبحثي لنفسك عن مقعدٍ آخر.

واحمرَّ وجهها غضبًا، وقالت: كيف تعاملني بهذه الطريقة؟! هذا توحُّش. نحن لسنا في غابة. قم من مكاني.

قلت: أرأيت؟ اغتصاب الحق ولو بالكذب والتضليل عدل وتمدين، واستعادة الحق المغتصَب وحشية وتأخر؟! إسرائيل حين تسرق أرض العرب وتشرِّدهم على حق، وحين يحاول العرب استرداد أرضهم يصبحون وحوشًا وجزارين؟! ابحثي لنفسك عن مقعد آخر.

وتشنَّجت وصرخت ودقَّت الأرض بقدمها واستدعت المضيفة، وتجمَّع نفرٌ من الرُّكَّاب وحكت لهم ما حدث، وأخذ معظمهم جانبها على اعتبار أنهم وهي يكوِّنون ذلك المجتمع المتحضِّر الراقي الذي لا يصح فيه أن تعتدي على حقهم في اغتصاب حقك. ولكني لم أُلْقِ لهم أو للفتاة انتباهًا كثيرًا، جلست في المقعد حتى جاء قائد الطائرة بنفسه ليحاول أن يُجلِيني عنه، وحكيت له ما حدث بالضبط، واستمع الرجل بانتباه، وحين انتهيت التفتُّ للفتاة قائلًا: السيد على حق ولا أستطيع إرغامه على ترك مقعده.

– ولكنه مقعدي.

قالتها الفتاة وقد بدأت تبكي وتستعمل سلاح الدموع، ولكني كنت قد صمَّمت أن أعطيها درسًا لا تنساه، وصممت أن أدافع عن حقي في الجلوس على المقعد حتى لو اضطُرِرت للدخول في معركة مع الرُّكَّاب جميعًا، ومع قائدة الطائرة حتى، لو حوَّلته دموع الفتاة عن رأيه.

ولكن يبدو أن الرجل لم تؤثِّر فيه الدموع فلم يُبالِ بصراخ الفتاة أنها ستشكوه حين تصل إلى فيينا، وأنها ضحية ولأنها ضعيفة فهو يعاملها بتلك الطريقة، وأنها حتمًا ستُنشِب أظافرها فيَّ وترفعني عن المقعد بالقوة، كل ما قاله ردًّا على هذا هو: ابحثي لك عن مقعد آخر.

وكل ما فعلته الفتاة أنها بعد وقفة غيظٍ طويلة ما لبثت أن تهالكت على آخر مقعدٍ في الطائرة.

وانتظرت أنا بضع دقائق ثم قمت وقلت لها: الآن وبعد أن ثبت لك مقعد مَنْ هذا، وأن الخداع والكذب والأمر الواقع لا تُضيع حقًّا أبدًا. الآن تستطيعين أن تذهبي وتجلسي على المقعد؛ فنحن لسنا وحوشًا. نحن لنا تقاليد أرسخ أقدامًا من كل تقاليدكم الأوروبية والأمريكية والصهيونية، ومن تقاليدنا أن نعامل أعداءنا بشهامة.

وطبعًا أشاحت بوجهها عني، وكنت أظنها لا يمكن أن تعود للجلوس على المقعد أبدًا، ولكني فوجئت حين وجدتها تتسلل بعد قليل وتجلس عليه.

وقلت لها: هذا حسن. كل ما أرجوه أن تعاودي التفكير في تلك الخزعبلات التي ملئوا بها رأسك، وتُعيدي التفكير فيها وأنتِ جالسة على هذا المقعد بالذات، وإن كنت ضعيف الأمل في هذا.

وحاولتْ أن تردَّ على النقاش، ولكني لم أردَّ عليها بكلمة واحدة. ظللت صامتًا حتى وصلنا فيينا. لم أرَها بعد هذا أبدًا.

•••

والظاهر أني كنت مخطئًا في ظني؛ فها هو ذا خطاب غريب يصلني بعد شهور من الفتاة، وتقول فيه أنها لم تنسَ ما حدث أبدًا، وأن التفكير فيه ظل يعاودها لفترة طويلة، وأنه انتهى بها إلى أن ترى بوضوح في أي جانب يقع الحق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠