لنجرب منح الاتحاد الاشتراكي السلطة

كثيرًا ما أجلس إلى نفسي طويلًا أفكر في مشكلة الاتحاد الاشتراكي، ولا أقول هذا تفاخرًا وإظهارًا؛ لأني بيني وبين نفسي أفكر في مشاكلنا العامة، إنما أقولها لوجه الحقيقة، ولوجه آخر أعتقد أن الإنسان لا بد أن يصل إليه حين يفكر بعمق في مشاكله الخاصة فيجد أنها نابعة بجذورها العميقة من مشاكلنا العامة ومرتدة منعكسة إليها. إني أرقب تجربة الاتحاد الاشتراكي منذ عامين عن كثب شديد، أرقبها في وحدة قريتي، وفي وحدة عملي بجريدة الجمهورية. والغريب أنه مع الفارق الشاسع بين قريتي وبين الجريدة في المشاكل والظروف والمستوى الاقتصادي والثقافي والسياسي للأعضاء المنتخبين أو العاملين هنا وهناك، إلا أن المدهش أن مشاكل الاتحاد الاشتراكي واحدة في الحالتين، وأبرز هذه المشاكل جميعها وأهمها هو انعدام فاعلية لجنة الاتحاد في المجالين، بمعنى أدق عدم إمكانها قيادة المواطنين في المجالين.

فالمفروض أن الاتحاد هو القيادة الحقيقية لشعبنا، من أجل القيادة قام. وإذا حدث وفقد القدرة عليها فمعناه أنه فقد المبرر الأول لوجوده. في قريتنا مثلًا فشل الاتحاد الاشتراكي في جمع النقود اللازمة لإدارة ماكينة النور إلى درجة أنها بقيت شهرين معطَّلة في انتظار بضعة قروش لإصلاحها وتشغيلها، قروش لا تتعدى الجنيهات الثلاثة في الشهر، وأن تفشل قيادة قرية في جمع ثلاثة جنيهات من سبعة آلاف مواطن وثلاثة آلاف صوت انتخابي معناه ببساطة أنها ليست قيادة بالمرة، في حين أنها لجنة جاءت نتيجة انتخابات ومعركة حامية واكتساح. وهنا في الجريدة ورغم احترامي لكل الزملاء أعضاء اللجنة إلا أني شخصيًّا لم أحس للجنة بأي نشاط إلا إذا كانت هناك مطالب خاصة للعمال أو للعاملين بالدار، حينئذٍ تمتلئ الاجتماعات التي تدعو إليها اللجنة بالحاضرين. واجتماعات كهذه يُعْتَد بها؛ لأن الحركة فيها حركة إلى مكاسب وليست حركة إلى واجبات. والحقيقة أنها ليست لجنة قريتنا أو جريدتنا فقط، إنها ظاهرة عامة في كل لجان الاتحاد، فما هو السبب؟

السبب ليس هو الانتخاب كما يعتقد البعض؛ فلا توجد طريقة أخرى تستطيع أن تختار بها الأعضاء في الوقت الحالي أصلح من هذه الطريقة. والسبب ليس تقاعس الأعضاء وضعف الهمم؛ فهؤلاء الأعضاء كأفراد كلهم من ذوي النشاط ومعروفون بغيرتهم وقدرتهم كأفراد.

السبب في رأيي أن عدم فاعلية الاتحاد الاشتراكي ككل هو السبب في عدم فاعليته كلجان. والعكس صحيح أيضًا؛ فعدم فاعليته كلجان هو السبب في عدم فاعليته ككل.

بمعنى أوضح: ما هو دور الاتحاد الاشتراكي في حياتنا؟ إن ميثاقنا وقانون الاتحاد الاشتراكي حافل بالعبارات التي تنص على أن الاتحاد الاشتراكي هو التنظيم الأم لكافة تنظيماتنا السياسية والبرلمانية والحكومية، بمعنى آخر هو المصدر الأعلى للسلطات جميعها.

ولو كان الاتحاد الاشتراكي قد قام على هذا الأساس فعلًا لما كانت هناك مشكلة ولأصبح الاتحاد فعلًا قوتنا وقيادتنا القادرة على تحريك جماهيرنا وتوعيتها وقيادتها وحل مشاكلها. إنما المشكلة أن الاتحاد الاشتراكي ليس المصدر الواضح المعروف للسلطات عندنا؛ فالحكومة لها سلطة؛ إذ هي تحكم وتنفذ وتُعيِّن وتُنشئ وتُقيِّم، والمؤسسات لها سلطة، ومجلس الأمة له سلطة محاسبة الحكومة والقطاع العام والخاص، فأين هي سلطة الاتحاد الاشتراكي؟

إن الذي يفرق بين أي تنظيم سياسي وغيره من التنظيمات الاجتماعية أو الخيرية هو أن الأول يملك سلطة تنفيذ — على الأقل — على أعضائه المنضمين إليه، ولكن لجنة الوحدة ليست لها السلطة على أعضائها.

فالرقابة الشعبية لا تكون إلا حين يتولى تنظيمٌ شعبيٌّ عملية الرقابة، في نفس الوقت يكون باستطاعتها التدخل لتصحيح الأخطاء. بهذه الطريقة وحدها تتغير وجهة نظرنا — حتى كمواطنين — إلى الاتحاد الاشتراكي، وإلى أنفسنا باعتبار أننا نحن الاتحاد الاشتراكي، لأدركنا أننا بواسطته نقود أنفسنا بأنفسنا، ونحكم أنفسنا بأنفسنا، ونراقب أنفسنا بأنفسنا، لشعرنا بقوة أنه مركز تجمُّعنا العصبي الذي يجب علينا باستمرار أن ندعمه ونقويه؛ لأننا حينئذٍ إنما ندعم قدرتنا الذاتية كأفراد وكشعب وكقيادة.

ولا يصلح بديلًا لهذا الحل تكوين التنظيم السياسي المقترح؛ فأي تنظيم سياسي بلا فاعلية أو سلطة إنما هو شكلٌ بغير محتوى. بالعكس بمنح الاتحاد الاشتراكي سلطاته الواردة بالميثاق والقوانين إنما نجعل من التنظيم السياسي ليس المحرك للاتحاد الاشتراكي، ليس الموتور كما هو متصور وكما لا يمكن أن يحدث؛ لأن الموتور يجب أن يكون — على الأقل — في ضخامة التنظيم كله، وإنما سنجعله جهاز القيادة لاتحاد قائم ومتحرك بالفعل، وجهاز وعي عاقل وينظر لجسدٍ حيٍّ تام الصحة.

باستطاعتي أن أحدِّث القراء الأعزاء عن ثلاثة وجوه جديدة في وزارة السيد زكريا محيي الدين الجديدة، وكم كنت أودُّ لو أعرفهم كلهم لأقدِّمهم للقراء، فمن الأشياء التي لا أستريح لها معاملتنا للمسئولين على أنهم مناصب، ومعاملة المسئولين لنا على أننا مواطنون. إننا قبل هذا وذاك آدميون، أفراد في شعب واحد كبير عظيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠