الفصل الثالث

رُؤْيا الْحاكِمِ

(١) فِي الْمَنامِ

«يُحْكَى، فِيما يُحْكَى، أَنَّهُ: في قَدِيمِ الزَّمانِ، وَسالِفِ الْأَوانِ: كانَ يَعِيشُ حاكِمٌ مِنَ الْحُكَّامِ عَظِيمُ الشَّانِ، في أَحَدِ الْأَوْطانِ. كانَ يَحْكُمُ النَّاسَ حَوْلَهُ، وَيَنْشُرُ بَيْنَ جُمُوعِهِمْ عَدْلَهُ. كانَ يُولِي الشَّعْبَ كُلَّ مَحَبَّتِهِ، وَيَسْهَرُ عَلَى رِعايَتِهِ. الشَّعْبُ كُلُّهُ كانَ مُخْلِصًا لَهُ، مُلْتَفًّا حَوْلَهُ، مُتَعاوِنًا مَعَهُ. ذاتَ لَيْلَةٍ: قَصَدَ الْحاكِمُ مَضْجَعَهُ، فَرَأَى في مَنامِهِ حُلْمًا أَفْزَعَهُ. صَحا مِنْ نَوْمِهِ وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْخَوْفُ، وَبَدَا عَلَيْهِ الذُّعْرُ. قَضَى بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ عَلَى قَلَقٍ، لا يَكادُ يَغْمُضُ لَهُ جَفْنٌ. لَبِثَ يُفَكِّرُ طَوِيلًا في حُلْمِهِ الْغَرِيبِ الَّذِي أَزْعَجَهُ في نَوْمِهِ. حاوَلَ — بِكُلِّ جُهْدِهِ — أَنْ يَطْرُدَ عَنْ نَفْسِهِ مَخاوِفَهُ وَوَساوِسَهُ. لَمْ يَسْتَطِعْ — بِحالٍ — أَنْ يَسْتَرِدَّ ما فَقَدَ مِنْ طُمَأْنِينَتِهِ. اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ — آخِرَ الْأَمْرِ — عَلَى أَنْ يُفْشِيَ أَحْداثَ مَنامِهِ. قالَ في نَفْسِهِ: «لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِهذا الْمَنامِ مَعْنًى. يَجِبُ أَنْ أَقِفَ عَلَى تَعْبِيرِهِ، فَلا أُفاجَأَ بِواقِعِ تَفْسِيرِهِ.» أَمَرَ الْحاكِمُ بِاسْتِدْعاءِ نُخْبَةٍ مِنْ رِجالِ حاشِيَتِهِ، وَعُرَفاءِ بَلْدَتِهِ. عَرَفُوا أَنَّ الْحاكِمَ إِنَّما دَعاهُمْ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَحَدَثٍ جَسِيمٍ.

(٢) حَقِيقَةٌ أَمْ خَيالٌ

قالَ الْحاكِمُ لِجُلَسائِهِ: «أَسْأَلُكُمْ ما رَأْيُكُمْ فِيما نَراهُ في الْمَنامِ: أَيَنْطَوِي ما نَراهُ عَلَى حَقِيقَةٍ واقِعَةٍ، أَمْ هُوَ وَهْمٌ مِنَ الْأَوْهامِ؟» تَصَدَّى كَبِيرُ الْعُرَفاء لِلْجَوابِ، وَهَزَّ رَأْسَهُ قائِلًا في صَوْتٍ هادِئٍ: «لَيْسَتِ الْأحْلامُ كُلُّها أَوْهامًا بِلا حَقائِقَ، ولا حَقائِقَ بِلا أَوْهامٍ.» اعْتَدَلَ الْحاكِمُ في مَجْلِسِهِ، وَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى جُلَسائِهِ، وقالَ: «رَأَيْتُ في مَنامِي سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرًا، وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ يابِساتٍ. رَأَيْتُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانًا قَوِيَّاتٍ، وَسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافًا ضَعِيفاتٍ. رَأَيْتُ الْبَقَرَاتِ الْمَهْزُولاتِ النَّحِيفاتِ تَأْكُلُ الْبَقَراتِ السَّمِيناتِ. هذا مُوجَزُ ما رَأَيْتُهُ في نَوْمَتِي، كَأَنِّي أراهُ الْآنَ في يَقَظَتِي! عَجِبْتُ: كَيْفَ تَأْكُلُ الْبَقَراتُ الْعِجافُ تِلْكَ الْبَقَراتِ السِّمانَ؟! ذلِكَ ما رَأَيْتُهُ رَأْيَ الْعَيْنَيْنِ، وَأَنا في نَوْمِي مُغْمَضُ الْجَفْنَيْنِ. انْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وقَدْ مَلَأَ قَلْبِي الْفَزَعُ وَالذُّعْرُ. لَمْ يُطاوِعْنِي النَّوْمُ، بَعْدَ ذلِكَ الْحُلْمِ الْعَجِيبِ، طَوالَ اللَّيْلِ. ظَلِلْتُ عَلَى فِراشِي ساهِرًا بَقِيَّةَ الْوَقْتِ، حَتَّى لاحَ نُورُ الصَّباحِ. لَقَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى مَجْلِسِي، لِأَقُصَّ عَلَيْكُمْ هذهِ الرُّؤْيا الْمُفْزِعَةَ. أَفْتُونِي: أَفِي الرُّؤْيا لِلْحَقِيقَةِ مَجالٌ؟ أَمْ هِيَ خَيالٌ في خَيالٍ؟»

figure
الْمَلِكُ يَرَى في مَنامِهِ الْبَقَرَاتِ السِّمانَ والْعِجافَ.

(٣) تَعْبِيرُ الرُّؤْيا

مَلَأَ الْعَجَبُ نُفُوسَ رِجالِ الْحاشِيَةِ، وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى الْحاكِمِ. أَمَّا الْعُرَفاءُ فَقَدْ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، يَتَحاوَرُونَ فِيما سَمِعُوا. بَعْدَ قَلِيلٍ اسْتَأْذَنَ كَبِيرُ الْعُرَفاءِ الْحاكِمَ في أَنْ يُفْضِيَ بِرَأْيِهِ. لَمَّا أَذِنَ لَهُ الْحاكِمُ في أَنْ يَتَكَلَّمَ شَرَعَ يَقُولُ بِلَهْجَةِ الْواثِقِ: «أُصارِحُكَ بِما أَراهُ أَيُّها الْحاكِمُ الرَّشِيدُ ذُو الرَّأْيِ السَّدِيدِ: حُلْمُكَ الْعَجِيبُ لَيْسَ خَيالًا في خَيالٍ، وَلا وَهْمًا عَلَى أَيَّةِ حالٍ. الْحُلْمُ ذُو رُمُوزٍ لامِعَةٍ، تُشِيرُ إِلَى حَقائِقَ — لا مَحالَةَ — واقِعَةٍ.» سَكَتَ كَبِيرُ الْعُرَفاءِ لَحْظَةً قَصِيرَةً، واسْتَأْنَفَ يَقُولُ لِلْحاكِمِ: «هَلْ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَجْهَرَ بِتَفْسِيرِ رُؤْياكَ الَّتِي رَأَيْتَ في مَنامِكَ؟» فَقالَ الْحاكِمُ مُبْتَسِمًا: «وَهَلِ اجْتَمَعْنا الْآنَ إِلَّا لِهذا الْغَرَضِ؟ نُرِيدُ لِذلِكَ الْحُلْمِ حَقَّ التَّأْوِيلِ، إِنِ اسْتَطَعْنا إِلَيْهِ السَّبِيلَ.» قالَ كَبِيرُ الْعُرَفاءِ: «السَّنَواتُ السَّبْعُ الْقادِمَةُ سَنَواتٌ ناعِمَةٌ. سَنَواتٌ كُلُّها خَيْراتٌ، فِيها تَعْمُرُ الْحُقُولُ بِقَمْحٍ ذِي بَرَكاتٍ. السَّنَواتُ السَّبْعُ الَّتِي سَوْفَ تَجِيءُ بَعْدَها هِي سَنَواتٌ شِدادٌ. لَنْ يُبْقِيَ الْجَرادُ خِلالَها عَلَى شَيْءٍ مِمَّا في حُقُولِكُمْ مِنَ الزَّادِ. أَعِدُّوا لِلْأَمْرِ عُدَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ ما لا تَحْمَدُونَ عاقِبَتَهُ.»

figure
الْمَلِكُ يَقُصُّ رُؤْياهُ، والْعُرَفاءُ أَمامَهُ يَسْتَمِعُونَ.

(٤) مَخْزَنُ الْقَمْحِ

انْتَهَى كَبِيرُ الْعُرَفاءِ مِنْ تَأْوِيلِهِ، فَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْحاكِمُ بِقَوْلِهِ: «هَلْ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ رَأْيٌ آخَرُ في الرُّؤْيا الَّتِي قَصَصْتُها؟ هَلْ هُناكَ تَأْوِيلٌ، غَيْرُ التَّأْوِيلِ الَّذِي جَهَرَ بِهِ كًبِيرُ الْعُرَفاءِ؟» عَبَّرَ جُلَساءُ الْحاكِمِ عَنْ طُمَأْنِينَتِهِمْ بِما سَمِعُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ. قالَ الْحاكِمُ: «الْآنَ عَلِمْنا: ماذا نَتَوَقَّعُ أَنْ يَحْدُثَ في أَرْضِنا؟! يَجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَعْرِفَ: ماذا نَفْعَلُ لِكَيْ نُؤَمِّنَ مُسْتَقْبَلَنا؟ لَكُمْ أَنْ تُشِيرُوا عَلَيَّ بِما يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ رَأْيُكُمْ، إِنْقاذًا لِبَلَدِنا. لا يَنْبَغِي أَنْ نَقِفَ مَكْتُوفِي الْأَيْدِي إِزاءَ ذلِكَ، فَتَسُوءَ حالُنا.» أَقْبَلَ جُلَساءُ الْحاكِمِ عَلَى كَبِيرِ الْعُرَفاءِ يَتَشاوَرُونَ مَعَهُ في الْأَمْرِ. قَرَّ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْمُرَ الْحاكِمُ بِبِناءِ مَخْزَنٍ كَبِيرٍ عَلَى الْفَوْرِ. فِي هذا الْمَخْزَنِ يُدَّخَرُ كُلَّ عامٍ نِصْفُ ما تُنْبِتُ الْحُقُولُ. يَسْتَمِرُّ ذلِكَ خِلالَ السَّنَواتِ السَّبْعِ، الَّتِي هِيَ سَنَواتُ الرَّخاءِ. هذا الْمُدَّخَرُ يَبْقَى زادًا يَتَقَوَّتُ بِهِ الشَّعْبُ، خِلالَ الْأَعْوامِ الشِّدادِ. لَمْ يَلْبَثِ الْحاكِمُ أَنْ أَقَرَّ رَأْيَهُمُ السَّدِيدَ، وَتَدْبِيرَهُمُ الْحَمِيدَ. سُرْعانَ ما أَمَرَ بِإِحْضارِ الْمَهَرَةِ مِنَ الْبَنَّائِينَ لِلشُّرُوعِ في التَّنْفِيذِ. رَغِبَ إِلَيْهِمْ أَلَّا يَتَوانَوْا في بِناءِ الْمَخْزَنِ، في أَقْرَبِ وَقْتٍ.

figure
الْبَنَّاءُونَ يُنْجِزُونَ بِناءَ مَخْزَنِ الْقَمْحِ الْكَبِيرِ.

(٥) بَعْدَ سَنَواتِ الرَّخاءِ

تَحَقَّقَ الشَّطْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْحُلْمِ الَّذِي رَآهُ الْحاكِمُ في مَنامِهِ. حَرَصَ عَلَى إِنْفاذِ الْمَشُورَةِ الَّتِي اجْتَمَعَ عَلَيْها رَأْيُ مُسْتَشارِيهِ. مَرَّتْ سَبْعُ سَنَواتٍ، عامِرَةٌ بِالْخَيْراتِ، كُلُّها خِصْبٌ وَرَخاءٌ. أَخْرَجَتِ الْحُقُولُ نَباتَها مِنَ الْقَمْحِ كُلَّ عامٍ، في وَفْرَةٍ وَسَخاءٍ. أَمَّا أَهْلُ الْبَلَدِ فَكانُوا حِراصًا عَلَى الْإِذْعانِ لِلتَّدْبِيرِ الْمَرْغُوبِ. أَنْفَذُوا تَعْلِيماتِ الْحاكِمِ لِمُواجَهَةِ ما يَجِيءُ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ الْمَرْهُوبُ. اقْتَصَدُوا — خِلالَ السَّنَواتِ السَّبْعِ — فِيما يَتناوَلُونَ مِنَ الْحُبُوبِ. لَمْ يَأْكُلُوا مِنْها إِلَّا نِصْفَ الْحاصِلاتِ الَّتِي كانَتْ تَجُودُ بِها الْحُقُولُ. أَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَيُرْسَلُ خِلالَ الْأَعْوامِ إِلَى الْمَخْزَنِ الْكَبِيرِ. بَقِيَ هذا الْمخْزُونُ مِنَ الْقَمْحِ وَدِيعَةً مَحْفُوظَةً، لا تُمَسُّ. بَعْدَ ذلِكَ تَوالَتْ أَعْوامٌ سَبْعَةٌ أُخْرَى، هِيَ الْأَعْوامُ الصِّعابُ. فِي أَثْناءِ هذهِ الْأَعْوامِ تَحَقَّقَ الشَّطْرُ الْآخَرُ مِنَ الْحُلْمِ الْغَرِيبِ. أَقْبَلَتْ أَسْرابُ الْجَرادِ، أَفْواجًا أَفْواجًا، تُهاجِمُ سَنابِلَ الْقَمْحِ. لَمْ تَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا أَنْبَتَتْهُ الْحُقُولُ، إِلَّا أَتَتْ عَلَيْهِ. نَفِدَ كُلُّ الْحَصادِ دُونَ أَنْ تُحِسَّ الشِّبَعَ أَسْرابُ الْجَرادِ. بَقِيَتْ أَفْواجُهُ، مَعَ ذلِكَ، تَبْحَثُ هُنا وَهُنالِكَ، عَنِ الْقَمْحِ.

figure
أَسْرابُ الْجَرادِ تُهاجِمُ سَنابِلَ الْقَمْحِ في الْحُقُولِ.

(٦) الْجَرادَةُ الذَّكِيَّةُ

كانَ بَيْنَ أَسْرابِ الْجَرادِ الَّتِي لَمْ تَشْبَعْ جَرادَةٌ ذَكِيَّةٌ. جَعَلَتْ تَتَنَقَّلُ مِنْ مَكانٍ إِلَى مَكانٍ، دُونَ كَلالٍ وَلا تَوانٍ. كانَ كُلُّ هَمَّها، في سَعْيِها، أَنَ تُلاحِظَ آثارَ سَنابِلِ الْقَمْحِ. كانَتْ تَبْحَثُ في مُخْتَلِفِ الطُّرُقاتِ، لِكَيْ تَهْتَدِيَ إِلَى ما تُرِيدُ. طالَ بَحْثُها وَتَطَلُّعُها، دُونَ أَنْ تَيْأَسَ أَوْ يَفْتُرَ لَها عَزْمٌ. آخِرَ الْأَمْرِ عَثَرَتِ الْجَرادَةُ عَلَى بَقايا سَنابِلَ في الطَّرِيقِ. كانَتْ بَيْنَ الْبَقايا الْمُتَناثِرَةِ مِنَ السنَّابِلِ مَسافاتٌ غَيْرُ قِصارٍ. هَدَتْها الْبَقايا، بَعْدَ طُولِ مَسِيرٍ، إِلَى مَبْنًى عالٍ كَبِيرٍ٠ لَمَحَتْ عَلَى جِدارِهِ بَعْضَ بَقايا السَّنابِلِ، فَشَغَلَها التَّفْكِيرُ٠ قَوِيَ ظَنُّها أَنَّ هذا الْمَبْنَى الضَّخْمَ الْكَبِيرَ فِيهِ سِرٌّ خَطِير. أَوْجَبَتْ عَلَى نَفْسِها كَشْفَ هذا السِّرِّ، مَهْما يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ. لَبِثَتِ الْجَرادَةُ الذَّكِيَّةُ تَتَلَمَّسُ في الْمَبْنَى مَكانًا تَنْفُذُ مِنْهُ. عَثَرَتْ — آخِرَ الْأَمْرِ — عَلَى ثَقْبٍ صَغِيرٍ في جِدارِ الْمَبْنَى. راحَتْ تَنْقُبُهُ حَتَّى نَفَذَتْ مِنْهُ، فَإِذا هِيَ تَرَى الْقَمْحَ. الْتَقَطَتْ سُنْبُلَةً مِنْ تِلالِ السَّنابِلِ الْمُكَدَّسَةِ، وَخَرَجَتْ بِها. عَلِمَ الْجَرادُ، فَأَخَذَ يَصْنَعُ كَما صَنَعَتِ الْجَرادَةُ الذَّكِيَّةُ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠