الفصل الحادي عشر

كافور الإخشيدي

(١) الإخشيد

كان طغج بن جف الفرغاني واليًا من ولاة الدولة العباسية، وقد سخط عليه الخليفة وهو والي الشام فسجنه حتى مات في السجن.

ثم تقرب ابنه محمد إلى الخلفاء فولاه الخليفة المقتدر بالله دمشق سنة ٣١٨ ثم ضم إليه الخليفة الراضي بالله مصر سنة ٣٢٣ ثم لقبه الإخشيد، واستتب الأمر في مصر له ولذريته إلى أن دخلها الفاطميون سنة ٣٥٨.

وأما الشام فقد تنازعها الإخشيد وابن رائق ثم سيف الدولة كما تقدم، واستمر سلطان الإخشيد على دمشق وما يليها إلى مصر، إلى أن تُوفِيَ بدمشق سنة ٣٣٤.

(٢) مكانة كافور في دولة الإخشيد

وكان للإخشيد مولى أسود اسمه كافور بن عبد الله، قال صاحب النجوم الزاهرة نقلًا عن الذهبي: «اشتراه سيده محمد الإخشيد بثمانية عشر دينارًا من بعض رؤساء مصر وأعتقه ثم رقاه حتى جعله من كبار القواد لما رأى منه الحزم والعقل وحسن التدبير.»

صار كافور قائدًا فقاد الجيوش لحرب ابن رائق ثم سيف الدولة في الشام، وقد ذكره أبو الطيب في القصيدة التي مدح بها مساور بن محمد:

أمساورٌ أم قرنُ شمس هذا
أم ليثُ غاب يَقدم الأستاذا

ولما تُوفِيَ الإخشيد أخذ كافور البيعة لابنه أنوجور وعاد به إلى مصر.

وروى صاحب النجوم الزاهرة أنه لما مات الإخشيد اضطربت الديار المصرية فخرج كافور بابني الإخشيد إلى الخليفة المطيع لله ليقر أنوجور على ملك أبيه.

وظن سيف الدولة أن موت الإخشيد ييسر له الاستيلاء على دمشق، فاستولى عليها وتقدم إلى الرملة، فسار إليه كافور فهزمه وأخرجه من دمشق ومن حلب، ثم اصطلحا على أن تكون حلب لسيف الدولة ودمشق لابن الإخشيد.

وصار الأمر كله لكافور حتى ضاق أنوجور باستبداده وأراد الخروج إلى الرملة فأعلمت أمه كافورًا فمنعه الخروج.

ثم تُوفِيَ أنوجور سنة ٣٤٩ فاجتهد كافور أن يبقى الأمر في بني الإخشيد فتوجه إلى بغداد ونال من الخليفة المطيع تولية علي بن الإخشيد مكان أخيه.

(٣) تولي كافور ملك مصر

ومات علي سنة ٣٥٥، وبقيت مصر أيامًا بغير أمير والأمر في يد كافور حتى اتفق أعيان مصر على تأميره فنال السلطان الاسمي إلى السلطان الفعلي وخطب له على منابر مصر والحجاز وبعض الثغور الرومية حتى تُوفِيَ سنة ٣٥٦ وعمره خمس وستون سنة بعد أن حكم مصر وما يتبعها اثنتين وعشرين سنة، وحمل تابوته إلى بيت المقدس فدفن به وكتب على قبره:

ما بال قبرك يا كافور منفردًا
بالصحصَح المرْتِ بعد العسكر اللجب
يدوس قبرك آحادُ الرجال وقد
كانت أسودُ الشرى تخشاك في الكُتُب

(٤) سيرة كافور وأخلاقه

كان كافور قويًّا شجاعًا داهية حازمًا، استطاع أن يرضي العباسيين والفاطميين معًا، كان يذعن بالطاعة لبني العباس ويهادي المعز ويتودد إليه.

وروى صاحب النجوم الزاهرة عن القفطي أن المعز «كان قد عزم على تجهيز عسكر إلى مصر، فسألته أمه تأخير ذلك لتحج خفية، فأجابها وحجت، فلما وصلت إلى مصر أحس بها كافور الإخشيدي الأستاذ فحضر إليها وخدمها وحمل إليها هدايا وبعث في خدمتها أجنادًا، فلما رجعت من حجها منعت ولدها من غزو بلاده، فلما تُوفِيَ كافور بعث المعز جيوشه فأخذوا مصر.»

إن يكن تودد كافور إلى المعز أخر سيره إلى مصر فحزم كافور وقوته كان لهما نصيب في هذا التأخير وكانت شيعة المعز في مصر يكتبون إليه: «إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز الدنيا كلها»، يريدون كافورًا، فقد رأوه في قوته وحزمه عقبة في سبيل المعز إلى مصر.

قال الذهبي: «وكان كافور خبيرًا بالسياسة داهية.»١ وكثيرًا ما مدح أبو الطيب كافورًا بالشجاعة والحزم:
وما كنتَ ممن أدرك الملكَ بالمُنى
ولكن بأيام يُشبنَ النواصيا

وكان له بصر بالعربية والأدب، ومما يذكر هنا ما رواه ياقوت أن الفضل بن العباس دخل على كافور فقال: أدام الله أيام سيدنا، فخفض الأيام، فتبسم كافور إلى أبي إسحاق النجيرمي فقال أبو إسحاق:

لا غرو إن لحن الداعي لسيدنا
أو غصَّ من هيبة بالريق والبهر
فمثل سيدنا حالت مهابته
بين البليغ وبين القول بالحصر
فإن يكن خفضَ الأيامَ عن دَهَش
من شدة الخوف لا من قلة البصر
فقد تفاءلتُ في هذا لسيدنا
والفال نأثُره عن سيد البشر
بأن أيامه خَفض بلا نَصب
وأن دولته صَفوٌ بلا كدر
قال: فأمر له بثلاثمائة دينار ولابن عباس بمثلها.٢ ولما أنشده أبو الطيب القصيدة التي ذكر فيها قتل شبيب الخارجي وقال فيها:
وقد قتل الأقران حتى قتلتَه
بأضعفِ قِرن في أذلِّ مكان

أدرك كافور أن هذا تهوين من ظفره بعدوه، فقال: لا والله بل بأشد قرن في أعز مكان.

ويروى أن أبا الطيب لما قال في قصيدة الحمى:

ولما صار وُدُّ الناس خِبًّا
جزيت على ابتسام بابتسام

لم يبتسم له كافور كما عوده من قبل.

وكانت تقرأ عنده كل ليلة السير وأخبار الأمويين والعباسيين.

وكذلك كان كافور محبًّا للعلماء والأدباء ويقرب الشعراء ويجيزهم، وممن كان في صحبته أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي النحوي صاحب الزجاج.

وممن مدحه من الشعراء غير أبي الطيب، الناشئ، وكذلك مدح وزيرَه ابن الفرات.

•••

وكان دينًا متواضعًا، قال الذهبي: «وكان يداوم الجلوس غدوة وعشية لقضاء حوائج الناس، وكان يتهجد ويمرغ وجهه ساجدًا ويقول: اللهم لا تسلط عليَّ مخلوقًا.٣ وبعث إلى أبي بكر الرملي المعروف بابن النابلسي مالًا، فرده وقال للرسول: قل لكافور: قال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فالاستعانة بالله وكفى، فرد كافور الرسول بالمال وقال قل له: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ فأين ذكر كافور هنا؟ الملك والمال لله.»٤

وكان يرسل كل ليلة عيدٍ وقر بغل دراهم في صرر بأسماء من أرسلت إليهم من العلماء والزهاد والفقراء.

•••

وكان كذلك سخيًّا كثير الهبات والخلع، قال أبو جعفر مسلم بن عبيد الله بن طاهر العلوي: ما رأيت أكرم من كافور، كنت أسايره يومًا وهو في موكب خفيف يريد التنزه، وبين يديه عدة جنائب بمراكب ذهب وفضة، وخلفه بغال المراكب، فسقطت مقرعته من يده، ولم يرها ركابيته، فنزلت عن دابتي وأخذتها عن الأرض ودفعتها إليه، فقال: أيها الشريف «أعوذ بالله من بلوغ الغاية ما ظننت أن الزمان يُبلغني حتى تفعل بي أنت هذا.» وكاد يبكي، فقلت: أنا صنيعة الأستاذ ووليه. فلما بلغ باب داره ودعني، فلما سرت التفت فإذا الجنائب والبغال كلها خلفي، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أمر الأستاذ أن يحمل مركبه كله إليك، فأدخلته داري، وكانت قيمته تزيد على خمسة عشر ألف دينار.٥

•••

ذلك كافور كما يعرفه التاريخ لا كما تصوره أهاجي أبي الطيب وروايات شائعة في كتب الأدب، وفي نسخة المعري رواية طويلة عن نشأة كافور ونهايته، فهو يصوره فدمًا غبيًّا، يُصفع في الأسواق، ثم يوكل إليه أخس الأعمال في دار الإخشيد، وذلك ليعجب القارئ والسامع كيف صار مثل هذا الرجل ولي الأمر في مملكة كبيرة، وهذا دأب القصاص وأشباههم من المؤلفين.

ولعل القارئ عرف مما قدمت عن كافور أن أبا الطيب حين قدم مصر قدم على رجل ذكي فطن حازم مجرب له بصر بالأدب، فعلى هذا فليفهم القارئ ما كان بين الرجلين من بعد.

(٥) جعفر بن الفرات الوزير

وكانت وزارة مصر في عهد كافور لجعفر بن الفضل المعروف بابن الفرات وبابن حنزابة، وهو من أسرة وزراء، وزر أبوه الفضل بن جعفر للمقتدر بالله العباسي، وكان جده جعفر يتولى ديوان الخراج لأخيه أبي الحسن علي بن الفرات وزير المقتدر أيضًا، وولي جعفر بن الفضل الوزارة لأنوجور بن الإخشيد فبقي وزيرًا إلى أن زالت دولة الإخشيديين، ولما دخل المعز مصر سأله أن يلي الوزارة فامتنع، ووزر بعض بنيه للحاكم بأمر الله، فقتله بعد خمسة أيام من وزارته.

وكان جعفر بن الفرات محدثًا، سمع الحديث من رجاله وحدث بمصر واستقدم الدارقطني من بغداد فخرج المسند، روى ياقوت في معجم الأدباء أنه «كان كثير الحديث جم السماع، مكرمًا لأهل العلم، مطعمًا لأهل الحديث.»

وقال ابن منده عنه: «وهو أحد الحفاظ حسن العقل كثير السماع مائل لأهل العلم والفضل.»

وكان كثير العناية بعمله، كتب إلى السيرافي يسأله عن ثلاثمائة كلمة من فنون الحديث، وكان سمع من البغوي مجلسًا وضاع منه فكان يقول: من جاءني به أغنيته، وكان يُصنع له الورق الجيد في سمرقند ويُحمل إليه.

وقد لزمه جماعة من العلماء منهم الحسين بن علي الآمدي النحوي، وجماعة من المحدثين منهم الإمام الدارقطني.

ومدحه من الشعراء الناشئ، وكشاجم، وصالح بن مؤنس المصري.٦

ذكرت هذه الكلمة عن ابن الفرات ليعلم القارئ أنه كان بمصر حين قصدها أبو الطيب، وزير عظيم، ثم يتعرف مقام شاعرنا من هذا الوزير، وأثر هذا في حرمانه، وسيأتي.

١  النجوم الزاهرة: ج٤ ص٦، ١٠٦.
٢  معجم الأدباء ج١ ص٢٧٨.
٣  النجوم الزاهرة ج٤ ص٦.
٤  ص١٠٦.
٥  ص٤.
٦  تنظر ترجمته في معجم الأدباء جزء ٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤