الفصل السادس

اتصاله بابن طُغُج

تلكم حال أبي الطيب منذ قدم الشام إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وكان على سوء حاله وسخطه على الدهر، ينبه ذكره ويسير شعره، حتى رغب في مدائحه الأمراء، فدعاه الأمير الحسن بن عبيد الله بن طغج إلى الرملة ليمدحه، والحسنُ هذا ابنُ أخي الإخشيد محمد بن طغج، ثم اتصل بأبي العشائر بن حمدان فمَهد له السبيلَ إلى مجده وسعادته، إلى سيف الدولة علي بن حمدان.

فأما لقاؤه ابنَ طغج فقد رُوي في شرح المعري:

حدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسَن بحضرة أبي الطيب، قال: حدثني محمد بن القاسم المعروف بالصوفي قال: أرسلني الأمير أبو محمد إلى أبي الطيب، ومعي مركوب يركبه، فصعِدت إليه في دار كان نزلها، فسلمت عليه وعرفته رسالة الأمير، وأنه منتظر له، فامتنع عليَّ وقال: أعلم أنه يطلب شعرًا، وما قلت شيئًا، فقلت: ما نفترق، فقال لي: اقعد إذًا، ثم دخل إلى بيت في الحجرة وردَّ الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة ثم خرج إليَّ وهي في يده مكتوبة لم تجِفَّ، فقلت: أنشدنيها، فامتنع وقال: ستسمعها، ثم ركب وسرنا فدخلت على الأمير أبي محمد، وعينُ الأمير إلى الباب منتظرًا لورودنا، فسألنا عن خبر الإبطاء فأخبرته، فسلَّم عليه ورفعه أرفع مجلس، وأنشده أبو الطيب:

أنا لائمي إن كنتُ وقت اللوائم
علمتُ بما بي بين تلك المعالم

وفي النسخة (٥٣٠) أن هذا كان في شعبان سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.

وهذا أول مدح أُسنيَتْ عليه جائزة أبي الطيب. قال صاحب الإيضاح: أخبرني أبو الحسن الطرائفي قال: سمعت المتنبي يقول: أول شعر قلته وابيضَّت أيامي بعده قولي:

أنا لائمي إن كنتُ وقت اللوائم … إلخ، فإني أعطيت بها بدمشق مائة دينار.

ويؤخذ من الديوان أن شاعرنا أقام برهة عند ابن طغج. في الديوان غير هذه القصيدة أرجوزة قصيرة وثلاث وعشرون قطعة قصيرة أكثرها بيتان، ولكن التحقيق يدل على أن قطعتين منها قيلتا بعد عشر سنين من هذا التاريخ حين مرَّ أبو الطيب بالرملة قاصدًا مصر، وهما قوله:

ترك مدحيك كالهجاء لنفسي
وقليلٌ لك المديح الكثير
غير أني تركت مقتضَب الشعر
لأمر مِثلي به معذور
وسجاياك مادحاتُك لا لفظي
وجُودٌ على كلامي يُغير
فسقى الله من أحِب بكفيك
وأسقاك أيهذا الأمير

وقوله:

ما ذا الوداعُ وداعُ الوامق الكمِد
هذا الوداع وداع الروح للجسد
إذا السحاب زفَتْه الريحُ مرتفعًا
فلا عدا الرملة البيضاء من بلد
ويا فراق الأمير الرحب منزله
إن أنت فارقتنا يومًا فلا تعد

وكان أبو الطيب في طريقه إلى كافور فلم يرض أن يمدح واحدًا من ولاته قبل أن يمدحه. أبى أن يمدح ابن طغج الذي مدحه من قبل ونال منه أول جوائزه الكبيرة.

طاهر بن الحسين

وكذلك مدح أبو الطيب في الرملة أبا القاسم طاهر بن الحسين بن طاهر العلوي.

وفي شرح المعرِّي والنسخة (٥٣٠) ونسخة الأوقاف ببغداد، عن محمد بن قاسم الصوفي: أن الأمير لم يزل يسأل أبا الطيب في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عنده للإفطار، أن يخصَّ أبا القاسم طاهرًا بقصيدة من شعره يمدحه فيها، وذكر أنه يشتهي ذلك، ولم يزل أبو الطيب يمتنع ويقول: ما قصدت غير الأمير، ولا أمدح سواه، فقال الأمير أبو محمد: قد كنتُ عزمتُ أن أسألك قصيدة أخرى تعملها فيَّ فاجعلها في أبي القاسم، وضمنَ عنه مئاتٍ من الدنانير فأجاب. قال محمد بن القاسم: فمضيتُ أنا والمطَّلِبي برسالة طاهر، لوعد أبي الطيب، فركب معنا أبو الطيب حتى دخلنا عليه وعنده جماعة من أهل بيته أشراف، فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر من سريره وتلقَّاه بعيدًا من مكانه مسلِّمًا عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة التي كان فيها، وجلس بين يديه فتحدث معه طويلًا، ثم أنشده فخلع عليه للوقت خِلَعًا نفيسة.

وحدَّثني أبو علي بن القاسم الكاتب قال: كنت حاضرًا هذا المجلس وهو كما حدَّثك به عبد العزيز ثم قال: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر أن شاعرًا جلس الممدوح بين يديه، مستمعًا لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهرًا تلقاه وأجلسه في مجلسه وجلس بين يديه.

والقصيدة التي مدح بها طاهرًا:

أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب
وردُّوا رُقادي فهو لَحظ الحبائب … إلخ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤