الفصل الأول

مكانته في الأدب

١

كان شعر أبي الطيب، في بعض معانيه ولغته وأسلوبه، يمتاز من شعر معاصريه، وكان أبو الطيب في أنفته وكبريائه وثورته وتحدثه بالسؤدد والمجد فذًّا في الشعراء.

فهذا وذاك نبها الناس إليه منذ حداثته، فما زال ذكره ينبه حتى فاق شعراء الشام، ثم اتصل بسيف الدولة فاتسع المجال لبيانه، وواتت الحال كبرياءه، فعلا قدره وسار شعره حتى كسف شعراء عصره جميعًا القريبين من سيف الدولة والبعيدين.

وكان الشاعر معجبًا بنفسه مفتونًا بشعره منذ نشأ، يقول في قصيدة الحسين بن علي الهمذاني:

يرومون شأوي في الكلام وإنما
يحاكي الفتى، فيما خلا المنطق، القرد
فهم في جموع لا يراها ابن دأية
وهم في ضجيج لا يحس به الخُلد
ومني استفاد الناس كل عجيبة
فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد

وفي قصيدة ابن طغج:

إذا صُلت لم أترك مقالًا لصائل
وإن قلتُ لم أترك مقالًا لعالم

وفي قصيدة طاهر العلوي:

حملت إليه من لساني حديقة
سقاها الحجى سقي الرياض السحائب

ولما نبه ذكره عند بني حمدان اغتبط بإدراك بعض آماله، وتحدث عن بعد صيته، وسير شعره فقال:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر القوم جراها ويختصم

•••

وعندي لك الشرد السائرات
لا يختصِصْن من الأرض دارًا
قواف إذا سرن عن مقولي
وثبن الجبال وخضن البحارا
ولي فيك ما لم يقل قائل
وما لم يسر قمر حيث سارا

•••

وما أنا إلا سمهري حملته
فزين معروضًا وراع مسددًا
وما الدهر إلا من رواة قصائدي
إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا
وسار به من لا يسير مشمرًا
وغنى به من لا يغني مغردًا

٢

وكان من نباهته أن تطلع الشعراء إلى شعره منذ صباه، وقد ادعى بعضهم إحدى قصائده:

في النسخة (٥٣٠): «حدثني أبو الحسن بن سعيد راوية المتنبي بحلب سنة أربع وخمسين، وقد تناشدنا قصيدته الحائية التي أولها:

جللًا كما بي فلْيكُ التبريح
أغِذاءُ ذا الرشأ الأغن الشيحُ؟

أن أبا الطيب حدثه أنه في بعض زوراته لآل الفصيص كان عند رئيسهم فأنشده شاعر قدم عليه قصيدته الحائية التي قدمنا ذكرها إلى أن أتى على آخرها، فأخذ أبو الطيب الدواة وكتب لوقته قطعة لم يُجز أن تروى عنه وقد كتبناها في ديوانه هذا.» وقد ألحقت القطعة بآخر النسخة، وأولها:

لمَ لا يغاث الشعر وهو يصيح
ويُرى منار الحق وهو يلوح
يا عصبة مخلوقة من ظلمة
ضموا جوانبكم فإني يوح١

وهذه من قصائد الصبا.

وقد حكى أبو الحسين محمد بن أحمد المغربي راوية أبي الطيب في كتاب الانتصار المنبي عن فضائل المتنبي أن شاعرًا عارض إحدى قصائد أبي الطيب واستشهد بأبي سعيد السيرافي على أن قصيدته أبلغ، وأخذ خطه بذلك، فانظر كيف كبرت على الشاعر معارضة أبي الطيب حتى استشهد بالسيرافي، وأنقل هنا للتفكه قول المغربي في هذا: «وأما إعطاء أبي سعيد خطه فيوشك أن يكون من جنب ما حدثني به المعروف بابن الخزاز الوراق ببغداد، وأبو بكر القنطري، وأبو الحسين بن الخراساني، وهما وراقان أيضًا من جلة أهل هذه الصنعة، أن أبا سعيد إذا أراد بيع كتاب استكتبه بعض تلامذته، حرصًا على النفع منه، ونظرًا في دق المعيشة، كتب في آخره وإن لم ينظر في حرف منه: قال الحسن بن عبد الله: «قد قرئ هذا الكتاب عليَّ وصح» ليُشترى بأكثر من ثمن مثله.»٢

ولست أصدق هذه الرواية عن أبي سعيد ولكن ساق إليها الحديث.

وحسبنا دليلًا على منزلة شاعرنا أن شاعرًا أديبًا كابن دينار الذي رويت عنه كتب الزجاج وثعلب وابن الأعرابي وغيرهم يمدحه بقصيدة أولها:

رب القريض إليك الحَل والرحَل
ضاقت إلى العلم إلا نحوك السبل
تضاءل الشعراء اليوم عند فتى
صِعاب كل قريض عنده ذُلُل٣

وقد تخلل شعره الجماهير فحفظوه وتمثلوا به. أسلفت قصة الهاشمي الذي كتب وهو بمصر إلى امرأته بحران متمثلًا بمطلع القصيدة:

بم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن

فأجابته امرأته بل أنت كما قال في هذه القصيدة:

سهرت بعد رحيلي وحشةً لكم
ثم استمر مريري وارعوى الوسن
وقد حدث هذا الهاشمي أبا الطيب بالقصة وهو في مصر، فالقصيدة التي قالها أبو الطيب في مصر سنة ٣٤٨ روتها نساء حران قبل خروجه من مصر.٤

٣

وكان من إحسانه وتحليقه فوق شعراء زمانه أن أعجب به جماعة، وحسدته أخرى. وكان من شذوذه وابتداعه في بعض المعاني والألفاظ أن كرهه قوم، ووجد فيه آخرون مجالًا للشرح والجدل.

فالشعراء واللغويون عند سيف الدولة أخذوا عليه مآخذ، والوزير المهلبي أغرى به شعراء بغداد، وحرض عليه الحاتمي فناظره أو ادعى مناظرته ثم كتب كتابه «المُوضِّحة في مساوئ المتنبي». وابن العميد انتقد بعض شعره وكأنه أراد أن يعلمه أنه على سمو قدره، لا يكبر على نقد ابن العميد. وسخط عليه الصاحب إذ دعاه إليه فاستكبر كما يقول الثعالبي، فكتب رسالته «الكشف عن مساوئ المتنبي».

وكان الصاحب عارفًا بإحسان أبي الطيب على طعنه فيه، وقد رأيت رسالة اختار فيها الصاحب أبياتًا كثيرة من شعر الشاعر وقدمها لفخر الدولة بن بويه.

وكذلك ناقض شاعرنا أبو إسحاق الفارسي.٥

فقد صار الشاعر مدار نقد وموضوع تأليف وهو حي.

٤

وشرح ابن جني ديوانه وكتب كتابًا آخر في تفسير معاني الديوان فتصدى للرد عليه عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني وابن فُورَّجة وأبو حيان التوحيدي. ألف الأول «إيضاح المشكل من شعر المتنبي»، وألف ابن فُورَّجة كتابين: «الفتح على أبي الفتح»، و«التجني على ابن جني»،٦ وألف أبو حيان «الرد على ابن جني في شعر المتنبي».٧

وألف الشريف المرتضى من بعدُ كتابًا سماه تتبع أبيات المعاني للمتنبي التي تكلم عليها ابن جني.

وكتب بعض الأدباء يزعم أن شعر أبي الطيب مسروق من أبي تمام والبحتري، فكتب أبو الحسين محمد بن أحمد المغربي راوية أبي الطيب كتاب «الانتصار المنبي عن فضائل المتنبي»، وجاء القاضي المنصف علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة هجرية يتوسط فكتب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، فذاع الكتاب أو كما قال ياقوت سار مسير الرياح، وطار في البلاد بغير جناح، وأقبل عليه المتأدبون حتى قال بعض أهل نيسابور:

أبا قاضيًا قد دنت كتبه
وإن أصبحت داره شاحطه
كتاب الوساطة في حسنه
لعقد معاليك كالواسطه

وكان مع هذا الجدل ذيوع شعره، وإكباب الناس على قراءته ودرسه.

ومن أمثلة هذا أنه في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وقعت في نيسابور مناظرة بين بديع الزمان والخوارزمي فاقترح عليهما رئيس المجلس أن ينسجا على منوال المتنبي في قوله: أرق على أرق ومثلي يأرق. ثم قال لهما: قولا على منوال المتنبي في قوله: أهلا بدار سباك أغيدها، وهاتان القصيدتان من قول الشاعر في صباه، فكيف بقصائد سيف الدولة وما بعدها.

٥

وازداد ذكر الشاعر نباهة على مر الزمان، يقول الثعالبي (المتوفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة هجرية) في كتاب اليتيمة:

فليس اليوم مجالس الدرس أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس، ولا أقلام كتاب الرسائل أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون المغنين والقوالين أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين، وقد ألفت الكتب في تفسيره وحل مشكله وعويصه، وكثرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه، وتكلم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه، وتفرقوا فرقًا في مدحه والقدح فيه، والنضح عنه والتعصب له وعليه.

وكتب الثعالبي بابًا مطولًا جدًّا قال فيه: «ويتميز هذا الباب به عن سائر أبواب الكتاب كتميزه عن أصحابها بعلو الشأن في شعر الزمان، والقبول التام بين الخاص والعام.»

وفي القرن الخامس شرح أبو العلاء المعري المتوفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة الديوان، وسمى شرحه معجز أحمد.

وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة أتم علي بن أحمد الواحدي (المتوفى سنة سبع وستين وأربعمائة) شرح الديوان، وقال في خاتمة الشرح: «وإنما دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب، مع خمول الأدب وانقراض زمانه، اجتماع أهل العصر قاطبة على هذا الديوان وشغفهم بحفظه وروايته والوقوف على معانيه، وانقطاعهم عن جميع أشعار العرب جاهليها وإسلاميها إلى هذا الشعر، واقتصارهم عليه في تمثلهم ومحاضراتهم وخطبهم ومخاطباتهم حتى كأن الأشعار كلها فقدت … إلخ.»

ثم توالى الشراح: التبريزي والعكبري وغيرهما إلى يومنا هذا وليس هذا مقام تعداد شروح الديوان وقد تجاوزت الأربعين.

وأختم الكلام بإثبات قصة تمثل الحقيقة وإن لم تكن حقًّا. روى صاحب الصبح: «أن رجلًا من مدينة السلام كان يكره أبا الطيب المتنبي فآلى على نفسه ألا يسكن بمدينة يُذكر بها أبا الطيب وينشد كلامه، فهاجر من مدينة السلام وكان كلما وصل بلدًا سمع بها ذكره يرحل عنها حتى وصل إلى أقصى بلاد الترك فسأل أهلها عن أبي الطيب فلم يعرفوه فتوطنها، فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى صلاتها بالجامع فسمع الخطيب ينشد بعد ذكر أسماء الله الحسنى:

أساميًا لم تزده معرفة
وإنما لذةً ذكرناها٨
فعاد إلى دار السلام.»٩

٦

وقد سار ذكر أبي الطيب في المغرب كما سار في المشرق، فأبو جعفر القزاز (المتوفى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وقد قارب التسعين) كتب عن الشاعر كتابين:
  • الأول: «أبيات معان في شعر المتنبي».
  • والثاني: «ما أخذ عن المتنبي من اللحن والغلط».١٠

وابن رشيق (المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة) ذكره في كتاب العمدة مرات، وسماه خاتم الشعراء وقال: «ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس.»

وقد عرف ديوان الشاعر في الأندلس في حياته، نقله ابن الأشح (المتوفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة) وابن العريف (ف سنة ٣٩٠).١١ وشرح الأفليلي (ف ٤٤١) الديوان، ومن كتابه نسخة في دار الكتب المصرية، وكتب ابن سِيده (ف ٤٥٨) «المشكل من شعر المتنبي» وهو في دار الكتب أيضًا.

وأما شيوع شعره في أندية الأندلس منذ القرن الرابع فهنا قصتان: روى ابن خلكان أن المعتمد بن عباد أنشد يومًا في مجلسه بيت المتنبي:

إذا ظفرت منك العيون بنظرة
أثاب بها مُعيي المطي ورازمه

وجعل يردده استحسانًا له، وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالًا:

لئن جاد شعر ابن الحسين
فإنما تجيد العطايا، واللُّهى تفتح اللَّهى
تنبأ عجبًا بالقريض ولو درى
بأنك تروي شعره لتألها١٢
وفي الصبح المنبي١٣ عن ذخيرة ابن بسام: «أن أبا عبد الله بن شرف قال يومًا للمأمون بن ذي النون أيام خدمته إياه، واستشفافه صبابة عمره في ذراه، وقد أجروا ذكر أبي الطيب، فذهبوا في وصفه كل مذهب: إن رأى المأمون — لا فارق العزة والعلاء — أن يشير إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب حتى أعارضه بقصيدة تُنسي اسمه وتعفي رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه، علمًا بضيق جنابه، وإشفاقًا من فضيحته وانتشابه، وألح أبو عبد الله حتى أحرج ابن ذي النون وأغراه، فقال له: دونك قوله:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي
وللحب ما لم يبق مني وما بقي

فخلا بها ابن شرف أيامًا فوجد مركبها وعرًا، ومريرتها شذرًا، ولكنه أبلى عذرًا، وأرهق نفسه من أمرها عسرًا، فما قام ولا قعد. وسأل ابنَ ذي النون بعدُ أي شيء أقصدَه إلى تلك القصيدة؟ فقال: لأن أبا الطيب يقول فيها:

بلغت بسيف الدولة النور رتبة
أنرت بها ما بين غرب ومشرق
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق
أراه غباري ثم قال له الحق.»

وروي في الصبح عن ابن بسام أن أبا علي بن رشيق حدث نفسه بمعارضة أبي الطيب في قصيدته:

أمن ازديارك في الدجى الرقباء
إذ حيث كنت من الظلام ضياء

فلم يستطع.

٧

وفي المغرب الأقصى شاع ذكر أبي الطيب كذلك، وأعجب الناس بشعره حتى كبار رجال الدين كالمهدي محمد بن تومرت.

واختصر شرح ابن جني في القرن السادس عيسى بن عبد العزيز الجزولي (المتوفى سنة ٦٠١) وألف عبد العزيز القشتالي (المتوفى سنة ١٠٣١) كتابًا سماه: مقدمة لترتيب ديوان المتنبي، ويقال: إن الشيخ عبد القادر الفاسي (المتوفى سنة ١٠٩٠) كان يحفظ ديوان أبي الطيب كله، وكذلك يقال عن أبي علي اليوسي (المتوفى سنة ١١٠٢).١٤

٨

ولا تنس كلف النحاة وعلماء البلاغة بشعر أبي الطيب، يجد الأولون في مشكله وعويصه مثارًا للجدل كما فعل ابن هشام في كتاب المغني، ويجد الآخرون في محاسنه ومساوئه أمثلتهم في البلاغة والتعقيد كما فعل عبد القاهر الجرجاني وأبو يعقوب السكاكي ومن أخذ عنهما من مؤلفي البلاغة.

٩

ذلكم أبو الطيب، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس كما قال ابن رشيق، قد أورث الأدب العربي ثروة بشعره ولا سيما حماسته وأمثاله وحكمه، وأورثه ثروة بما ثار حوله من نقد الأدباء وجدالهم وبما كُتب على ديوانه من شروح تجاوزت الأربعين.

لقد أدرك الشاعر الكبير، في الأدب، المجد الذي فاته في السياسة، فإن يكن المجد كما قال:

وتركك في الدنيا دويًّا كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر

فما زالت الدنيا مدوية باسمه، والآفاق مرددة ذكره، وما زال حتى اليوم مدار قيل وقال، ومثار مراء وجدال، ولم يزده مر الزمان إلا نباهة، ولا قدم العهد إلا حداثة، وها هي ذي البلاد العربية قد احتفلت أخيرًا بذكره بعد ألف عام، من فاس إلى مدينة السلام.

١  يوح: الشمس.
٢  ياقوت: السيرافي.
٣  ياقوت ج٥، ص٣٧٨.
٤  انظر [الفصل الثاني عشر من الباب الثاني].
٥  ياقوت: إبراهيم بن علي الفارسي.
٦  ياقوت: ابن فُورَّجة (بتشديد الراء)، وأبو حيان.
٧  ياقوت: ابن فُورَّجة (بتشديد الراء)، وأبو حيان.
٨  البيت لأبي الطيب في مدح عضد الدولة.
٩  الصبح ص٩٠.
١٠  ياقوت: القزاز.
١١  مقال بلاشير في مجلة المغرب الجديد.
١٢  ابن خلكان: المتنبي.
١٣  ص١٩٠.
١٤  مقال بلاشير عن مجلة المغرب الجديد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤