الفصل الثالث

مساوئه ومحاسنه في رأي الثعالبي خاصة

عد الصاحب بن عباد في رسالته بعض مساوئ أبي الطيب، وجمع الثعالبي إلى مآخذ الصاحب عيوبًا أخرى، واقتفى المؤلفون من بعدُ آثارهما.

والفصل الطويل المستوعب الذي كتبه الثعالبي في اليتيمة عن الشاعر يشتمل على تسعة عشر عيبًا، وإحدى وعشرين مزية، وقد رأيت أن ألقي نظرة شاملة عاجلة على هذه المساوئ والمحاسن في هذا الفصل لأفرغ للإبانة عن خصائص الشاعر ومزاياه كما أراها.

(١) المساوئ التي عدها الثعالبي

بدأ الثعالبي بالكلام على سرقات الشاعر ثم قال:

والآن حين أذكر ما يُنعى على أبي الطيب من معايب شعره ومقابحه:

ومن ذا الذي تُرضَى سجاياه كلها
كفى المرء نبلا أن تُعد معايبه

ثم أقفى على آثارها بمحاسنه وسياق بدائعه:

فحسن دراري الكواكب أن تُرى
طوالع في داج من الليل غيهب.

ثم شرع يعدد هذه المعايب. وأنا أسردها هنا موجزًا مخالفًا ترتيب الثعالبي لأجمع الأشباه معًا، وأردها إلى أصولها، وقد رددت المعايب كلها إلى أربعة أقسام:

ما يرجع إلى اللفظ، وما يرجع إلى المعنى، وما يرجع إلى آداب القصائد أو الخطاب المتواضع عليها في ذلك العصر، وغير هذا.

وأما ما عُد من سرقات الشاعر فلا أُعنَى به، فلست أرى اتفاق شاعرين أو أخذ واحد عن الآخر أمرًا ذا بال في تقديرهما وتقويم شعرهما، والذي أراه أن الشاعر إذا أمده طبعٌ شاعر، وعلم واسع فبلغ مكانة يخترع فيها المعاني أو يصور ما عُرف منها تصويرًا يُرى عليه طابعه، وكان لا يعجزه أن يخترع ويصور غير متطلع إلى ما سُبق إليه، فهو شاعر ينطق بما في نفسه غير مفرق بين ابتداع واتباع، ويصور ما يدرك تصويرًا يشبه الاختراع، ولا يعوزه النظر في كلام غيره قبل أن يقول، ويجتمع في نفسه ما يخترعه وما سُبق إليه معدنًا واحدًا، وكنزًا من النفائس مختلطًا.

إن كان الشاعر كذلك فعبث أن يُعد عليه ما وافق به فلانًا، أو يوصم بأنه سرق من فلان.

وآية بلوغ الشاعر هذه المكانة أن ترى ما يستبد به مساويًا أو أعلى مما يشارك فيه، ولا تجد ما أخذه من غيره لمعًا بيضاء في شعر أسود، وكلامًا محكمًا بين كلام مهلهل.

وكل ما سموه سرقات أبي الطيب ليس غُررًا في دُهمة، ولا نجومًا في ظلمة؛ ولكنه كلام يشاكل ما لم يُدَّع فيه السرقة ويلائمه حتى ليدرك الناظر فيهما أنهما نتاج طبع واحد، وإن يكن بعضه أعلى من بعض فالعلو في جانب ما اخترعه ولم يتهم فيه بأخذ. وحسبي هذه الجملة الدالة على ما وراءها.

ثم أجمل ما ذكره الثعالبي على التقسيم الذي أسلفته مؤثرًا ألفاظ الثعالبي مكتفيًا بمثال يبين ما عناه الناقد.

القسم الأول

  • (١)

    استعمال الغريب والوحشي كقوله:

    ولا أرضى لمقلته بحلم
    إذا انتبهت توهمه ابتشاكا

    والابتشاك الكذب، ولم أسمع فيه شعرًا قديمًا ولا حديثًا سوى هذا البيت.

  • (٢)

    وعسف اللغة والإعراب كقوله:

    فِدى مَن على الغبراء أولهم أنا
    لهذا الأبي الجائد الماجد القرم

    ولم يحك عن العرب الجائد.

  • (٣)

    وتكرير اللفظ في البيت الواحد من غير تحسين كقوله:

    ومن جاهل بي وهو يجهل جهله
    ويجهل علمي أنه بي جاهل
  • (٤)

    والاستكثار من قول ذا كقوله:

    أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقًا
    إليه وذا اليوم الذي كنت راجيًا
    أفي كل يوم ذا الدمستق مقدم
    قفاه على الأقدام للوجه لائم

    •••

    أريد من زمني ذا أن يبلغني
    ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
  • (٥)

    والركاكة والسفسفة بألفاظ العامة ومعانيهم كقوله:

    لسريٍّ لباسه خشن القطن
    ومرويُّ مرو لبس القرود
  • (٦)

    وامتثال ألفاظ المتصوفة واستعمال كلماتهم المعقدة ومعانيهم المغلقة كقوله في وصف الفرس:

    وتسعدني في غمرة بعد غمرة
    سبوحٌ لها منها عليها شواهد

    •••

    إذا ما الكأس أرعشت اليدين
    صحوت فلم تحل بيني وبيني
  • (٧)

    واستكراه اللفظ وتعقيد المعنى كقوله:

    إذا عذلوا فيها أجبت بأنة
    حُبيبتا! قلبي فؤادي هيا جُمل

    •••

    لساني وعيني والفؤاد وهمتي
    أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
  • (٨)

    والخروج على الوزن:

    تفكُّره علم ومنطقه حكم
    وباطنه دين وظاهره ظرف

    وقد خرج فيه عن الوزن؛ لأنه لم يجئ عن العرب مفاعيلن في عروض الطويل غير مصرَّع وإنما جاء مفاعلن.

نظرة في هذه المآخذ

هذا ما جمعه الثعالبي من المآخذ اللفظية، وقد ساق لكل ما أخذ أمثلة عدة وفي الديوان أمثلة غير الذي ذكرها، والمقصد هنا التمثيل لا الحصر.

ولست أنكر أن قارئ الديوان يعثر بمثل هذه الأبيات ومرجعها إلى أمور:

قلة المبالاة باللفظ إذا لمح الشاعر وراءه المعنى الذي يريده فلا يعنيه أن يكون غريبًا أو عاميًّا أو مكررًا، وربما يحمد للشاعر أن يتحرر من رق الألفاظ، وربما يقتضي المقام الإسفاف إلى كلمة مبتذلة لا يسد غيرها مسدها، وفي قلة المبالاة شبه بأخلاق الشاعر الذي خرج عن المألوف في كثير من أموره.

ثم مع قلة المبالاة ميل إلى الإغراب يظهر في شعر الصبا والشباب؛ إذ كان الرجل معجبًا بنفسه يود أن يلفت الناس إليه فيتوعر أحيانًا ويتكلف، ويؤثر تفكير العقل، على وحي الطبع، ولا سيما في مطالع القصائد كأنه لا يرضى أن يبتدئ بكلام يسير مألوف.

وإلى قلة المبالاة والميل إلى الإغراب معرفة واسعة باللغة مستعملها وغريبها وشاذها، وصحبة للأعراب وإلف لكلامهم والأخذ عنهم، وهذا كله جعله يأنس بالنافر من اللغة أنسًا يقربه إليه، كما يُستأنس الوحش، ولعله أراد أحيانًا أن يدل على بصره باللغة وعلمه بغريبها.

ثم لا ننسى أن الشاعر كان كوفيًّا يميل إلى آراء الكوفيين، وكثير مما أنكر عليه له مساغ عندهم، ومن يقرأ إملاءه على الأبيات الشاذة من شعره، ويرى كيف يحتج لها ويسوق الشاهد بعد الشاهد، يعرف أن الرجل لم يؤت من جهل باللغة بل من سعة علم بها، وقد قدمت قول ابن جني في هذا، وقد قرأ عليه ديوانه وجادله في هذه الشواذ وعرف احتجاجه لها، وشواهده عليها.

أنا لا أدفع عن الرجل هذه المآخذ؛ ولكن أدعو إلى أن تعرف أسبابها، وتقدر قدرها فيبقى معها أبو الطيب شاعرًا مطبوعًا فحلًا مخترعًا في شعره هنات لفظية.

وبعد فهذه العيوب ليست أمرًا غالبًا أو شيئًا مطردًا في شعر الرجل؛ ولكن تقع نادرًا ولا سيما في شعره الأول، ولعلك تقرأ في الديوان عشر قصائد متتابعة لا تجد فيها مأخذًا مما ذُكر.

وأما الخروج على الوزن فأمر ذو بال، عجيب أن يؤخذ على مثل أبي الطيب، وقد قال صاحب الوساطة في هذا بعد ذكر البيت الذي أتى به الثعالبي:

قالوا خرج عن الوزن؛ لأنه لم يجئ عن العرب مفاعيلن في عروض الطويل غير مصرع، قال المحتج إنما جاء البحر على مفاعيلن وليس يحظر على الشاعر إجراؤه على الأصل، وقد روى العروضيون فيه، وإن يكن مصنوعًا، بيتًا، وقد جاء عن العرب مفاعيلن في المصرع، وما خرج عن الوزن لم يحتمله المصرع ولا غيره.

قال امرؤ القيس:

ألا انعم صباحًا أيها الطلل البالي
وهل ينعمن من كان في العصر الخالي

فجاء بالعروض على مفاعيلن لما صرع، قالوا: وقد جاء في شعر المحدثين ما أجروا فيه غير المصرَّع مجرى المصرع؛ قال شاعرهم:

فالوجه مثل الصبح مبيض
والشعر مثل الليل مسود

وأبو الطيب أعذر من هذا؛ لأنه جرى على أصل البحر في الدائرة، وقد جرى أبو تمام إلى ما هو أقبح من الأمرين فصرع المصراع في قوله:

يقول فيُسمع ويمشي فيسرع
ويضرب في ذات الإله فيوجع

وعلى مثل هذا الطريق يعاب أبو الطيب بقوله:

إنما بدر بن عمار سحاب
هطل فيه ثواب وعقاب

لأنه أخرج الرمل على فاعلاتن في العروض، فأجرى على ذلك جميع القصيدة في الأبيات غير المصرعة، وإنما جاء الشعر فيه على فاعلن، لكن أصله في الدائرة فاعلاتن وإن كان غير محفوظ عن العرب.

انتهى كلام صاحب الوساطة.

والبيت الأول أخذه ابن جني على الشاعر من قبل، وقال فيه الواحدي: «أقرب ما يصرف إليه أنه رد مفاعلن إلى أصلها وهو مفاعيلن لضرورة الشعر.»

هذا مبلغ ما أخذ عليه في الوزن، وهو أمر تختلف فيه الأنظار، ولو غربلت دواوين الشعراء الآخرين على هذه الشاكلة ما سلموا من مثل هذا.

ثم هذه الأبيات من شعر الشباب، وأبيات بدر بن عمار التي من الرمل، قالها ارتجالًا في مجلس شراب، وهي تسعة أبيات.

القسم الثاني من مآخذ الثعالبي

عد الثعالبي؛ مما يرجع إلى المعنى، المساوئ الآتية:
  • (١)

    الإفراط في المبالغة، والخروج فيها إلى حد الإحالة.

    كقوله:

    وضاقت الأرض حتى صار هاربهم
    إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
    فبعدها وإلى ذا اليوم لو ركضت
    بالخيل في لهوات الطفل ما سعلا

    •••

    ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونًا
    وصاد الوحش نملهم دبيبا

    •••

    ولو قلمٌ ألقيتُ في شق رأسه
    من السقم ما غيرتُ من خط كاتب
  • (٢)

    وإبعاد الاستعارة والخروج بها عن حدها، كقوله:

    مسرة في قلوب الطيب مفرقها
    وحسرة في قلوب البيض واليلب

    •••

    إلا يشب فلقد شابت له كبد
    شيبًا إذا خضبته سلوة نصلا
  • (٣)

    وتعقيد المعنى كقوله:

    أنى يكون أبا البرايا آدم
    وأبوك، والثقلان أنت، محمد
  • (٤)

    والغلط بوضع الكلام في غير موضعه كقوله:

    وغر الدمُسْتُقَ قول الوشاة
    إن عليًّا ثقيلٌ وصِب

    جعل الأمراء يوشى بهم، وإنما الوشاية السعاية ونحوها.

    وكقوله في وصف الفرس:

    وزاد في الأذن على الخرانق

    وأذن الفرس يستحب فيها الدقة والانتصاب، وأذن الأرنب على الضد من هذا الوصف.

  • (٥)

    الخروج عن طريق الشعراء إلى طريق الفلسفة، كقوله:

    ولجدت حتى كدت تبخل حائلًا
    للمنتهَى ومن السرور بكاء

    •••

    إلف هذا الهواء أوقع في الأنفس
    أن الحمام مر المذاق
    والأسى قبل فرقة الروح عجز
    والأسى لا يكون بعد الفراق

فأما الثلاثة الأولى فلا تُنكر في شعره، وفي الديوان غير ما ذكر الثعالبي أمثلة أخرى كقوله في الغلو:

لنوره في سماء الفخر مخترق
لو صاعد الفكر فيها الدهر ما نزلا

•••

متى ما يشر نحو السماء بوجهه
تخر له الشعرى وينخسف البدر

•••

رجلٌ طينه من العنبر الورد
وطين العباد من صلصال
فبقيات طينه لاقت الماء
فصارت عذوبة في الزلال
وبقايا وقاره عافت الناس
فصارت ركانة في الجبال

ومنها قوله في شعر سيف الدولة:

وأشقى بلاد الله ما الروم أهلها
بهذا وما فيها لمجدك جاحد

وفي شعر عضد الدولة:

إذا اشتبهت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
أذمت مكرمات أبي شجاع
لعيني من نواي، على أولاكا

وهذا يقع في شعره الأول، ويقل على مر الزمان حتى يندر جدًّا بعد اتصاله بسيف الدولة، ولا يستطيع ناقد أن يأتي بعشرة أمثلة منه في السيفيات وما بعدها.

وأما الغلط فأنكره، وهو دعوى بغير دليل، وما ذكره الثعالبي لا يقوم بدعواه، ففي البيت:

وغر الدمستُق قول الوشاة إلخ، رويت العداة مكان الوشاة فسقط الاحتجاج به، وقوله: «وزاد في الأذن على الخرانق» لا عيب فيه، فالخرانق صغار الأرانب وآذانها لطيفة صغيرة ولم يرد الشاعر غير هذا. وليس الثعالبي ممن يُعلِّم أبا الطيب وصف الخيل، وأبو الطيب صديقها المعجب بها القائل:

وما الخيل إلا كالصديق قليلة
وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها
وألوانها فالحسن عنك مغيب

وأما الخروج إلى طريق الفلسفة فهو من حسنات الشاعر، وحسب الناقد سقوط حجة أن يعيب مثل قوله:

إلف هذا الهواء أوقع في الأنـ
ـفس أن الحِمام مرُّ المذاق … إلخ

إن الشعر في حاجة إلى من يسمو به إلى مستوى الفلسفة، والنظر البعيد الشامل، ويصور به المسائل العويصة، وليست الفلسفة منافية للشعر. كل قضايا الفلسفة، وكل حقيقة في هذا العالم تدخل في الشعر إذا صبغها الإنسان بعاطفته فأبان بها عن حزن أو ألم أو تعجب أو حيرة، وانظر قول المعري:

فالهلال المنيف والبدر والفر
قد والصبح والثرى والماء
والثريا والنار والنثرة والأ
رض والضحى والسماء
هذه كلها لربك ما عابك
في قول ذلك الحكماء

لم ينفر الشعر من هذه الحقائق حين أعرب بها الشاعر عن شعوره الديني. وأدخل من هذا في الطبيعة قوله:

وأرى الأربع الغرائز فينا
وهي في جثة الفتى خُصَماء
إن توافقن صح أو لا فما
ينفك فيه الإمراض والإغماء

وقوله:

الخلق من أربع مجمعة
ماء ونار وتربة وهوا

فقد صار هذا شعرًا حين عبر به الشاعر عن سخطه على الحياة أو جعله مقدمة لهذا التعبير، ومن الذي يُخرج من الشعر قول الشاعر:

أشاب الصغير وأفنى الكبير
كر الغداة ومر العشي
إذا ليلة هرمت يومها
أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا
وحاجة من عاش لا تنقضي

وقول زهير:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عمي

كل هذا من الشعر لأنه يترجم عن عاطفة من عواطف الإنسان يوقظها النظر في هذا العالم، وهذا بيان واسع لو اتسع المقام.

وخلاصة القول فيه أن حقائق العالم إذا ذكرها الإنسان لإثباتها كما هي فهي من العلم وليست من الشعر في شيء، وإذا ذكرها متصلة بعاطفته أو مصورة بخياله صلحت أن تكون شعرًا، اعتبر هذا في الشعر والنثر يتضح صدقه، وكم ربح الشعر مما يسمى فلسفة في شعر أبي تمام وأبي الطيب والمعري.

القسم الثالث من مآخذ الثعالبي

عد الثعالبي عيوبًا جمعتها في هذا القسم، وأدمجت بعضها في بعض فهي ضربان:
  • (١)

    قبح المطلع والمقطع واستكراه التخلص، كقوله في المطالع:

    هذهْ برزتِ لنا فهجت رسيسا
    ثم انثنيت وما شفيت نسيسا

    •••

    أحادٌ أم سداس في أحاد
    لييلتنا المنوطة بالتنادي

    •••

    وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
    بأن تُسعدا، والدمع أشفاه ساجمه

    وقوله في المقاطع:

    لو لم تكن من ذا الورى اللذمنك هو
    عقمت بمولد نسلها حواء

    •••

    لو الفلك الدوار أبغضت سعيه
    لعوقه شيء عن الدوران

    والمطالع والمقاطع كغيرها من الأبيات في تقدير الحسن والقبح، وميزها النقاد من غيرها؛ لأنها أول ما يسمع مستمع الشعر وآخر ما يسمع؛ فكان لها في النفس من الأثر أكثر من سائر الأبيات، ولأن القصائد يغلب فيها المدح، وآداب مخاطبة الممدوح في مطلع الكلام وفي مقطعه كان لها في عناية القدماء نصيب كبير.

    والتعقيد في مطالع أبي الطيب ومقاطعه يرجع إلى ولوعه بأن يبتدئ بشيء عجيب، وإلى هذا الولوع بالإغراب يرجع كثير من العيوب التي تقدم الكلام فيها، وهذا أيضًا ضرب يندر فيما بعد شعر الشباب.

    والضرب الثاني سماه الثعالبي، إساءة الأدب بالأدب كقوله:

    فغدا أسيرًا قد بللت ثيابه
    بدم وبل ببوله الأفخاذا

    وقوله في رثاء أم سيف الدولة:

    بعيشك هل سلوت فإن قلبي
    وإن جاورت أرضك غير سال

    وفي رثاء أخته:

    وهل سمعتَ سلامًا لي ألم بها
    فقد أطلتُ وما سلمتُ عن كثب

    قال الثعالبي وما باله يسلم على حرم الملوك ويذكر منهن ما يذكره المتغزل في قوله:

    يعلمن حين تحيا حسن مبسمها
    وليس يعلم إلا الله بالشنب

    وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: لو عزاني إنسان عن حرمة لي بمثل هذا لألحقته بها وضربت عنقه على قبرها.

    ويمكن أن يزاد على هذا أمثلة أخرى كقوله في مدح محمد بن سيار:

    قسا فالأسد تفزع من يديه
    ورق فنحن نفزع أن يذوبا

    وقوله في مدح بدر بن عمار:

    أُشفق عند اتقاد فكرته
    عليه منها أخاف يشتعل

    وقد جاء مثل هذا في قوله لسيف الدولة مشيرًا إلى تركه وقصد كافور:

    ومن ركب الثور بعد الجواد
    أنكر أظلافه والغبب

    وهذا في رأيي يرجع إلى شيء من الخشونة في طبع الشاعر، وإلى جرأة وكبرياء يهونان عليه خطاب الناس دون احتراز، وتسوية نفسه بمن يمدحه، فهي ترجع إلى الأخلاق والآداب أكثر مما ترجع إلى الشعر، ولعل فيها خروجًا محمودًا على السنن الذليلة التي سار عليها الشعراء المتقدمون.

    بقي من المساوئ التي عدها الثعالبي اثنتان:
    • (١)

      التفاوت في شعره أو كما قال الثعالبي تبعًا للصاحب: إتباع الفِقرة الغراء بالكلمة العوراء، والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت وقلة التناسب وتنافر الأطراف وتخالف الأبيات.

      وليس هذا عيبًا منفردًا، فالمساوئ التي تقدم الكلام فيها إذا وقعت في شعر شاعر مجيد، فإنما تقع بعد الفقر الغراء فيكون التفاوت وقلة التناسب، وتأويل هذا أن شعر المتنبي يبلغ في جملته مكانة من الفصاحة والبلاغة لا ينتظر السامع أو القارئ فيها هذه العيوب، فإذا وقعت كانت كعثار السائر، أو هوي الطائر أو كرقعة في ثوب قشيب، فيظهر التفاوت الذي راع النقاد.

    • (٢)
      والإيضاح عن ضعف العقيدة ورقة الدين: وهذا لا يتعلق بالشعر، وقد أدرك الثعالبي ذلك فقال:

      على أن الديانة ليست عيارًا على الشعراء، ولا سوء الاعتقاد سببًا لتأخر الشاعر.

      وأنا أشفق هنا من التعرض لنظرية الفن للفن ونظرية الفن للمقاصد الإنسانية العالية، فليس هنا مجال القول فيها، وأبو الطيب لم يعن بالدين في شعره عناية تسوغ لنا التوسع هنا في الكلام في دينه وشعره، والاستطراد إلى نظريات النقاد.

      وقد بينت رأيي آنفًا في دين أبي الطيب.

(٢) المحاسن التي ذكرها الثعالبي

وأما المحاسن التي عدها الثعالبي، وهي إحدى وعشرون، فليست عندي ذات بال، فكل شاعر عظيم ينبغي أن يكون شعره كله محاسن إلا ما يقع بين الحين والحين من هفوة أو تقصير، وإن كانت مساوئ الشاعر العظيم معدودة فمحاسنه ينبغي أن تأبى على العد، ولكني أعدد هنا ما ذكره الثعالبي من المحاسن لفائدتين: أن يقف القارئ على رأي الثعالبي وأمثاله في مناقب الشاعر بعد أن عرف رأيهم في مثالبه، وأن أنبه إلى ما هو جدير بالعناية منها، وهو ما يحسب من خصائص الشاعر وأسلوبه البدع تمهيدًا للكلام عن مزاياه وخصائصه في الفصل الآتي:

وأخالف ترتيب الثعالبي، وأجمع الأشباه معًا إيثارًا للإيجاز:
  • (١)

    حسن المطلع والتخلص والمقطع.

    وهذا يقابل ما أخذ عليه من القبح في هذه الثلاثة، والإحسان فيها أصل والإساءة استثناء.

  • (٢)

    وحسن التقسيم وحسن سياقة الأعداد.

    وقد مثل للأول بأمثلة منها:

    ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك
    ملء الزمان وملء السهل والجبل
    فنحن في جذل، والروم في وجل
    والبر في شغل، والبحر في خجل

    ومن أمثلة الثاني:

    الخيل والليل والبيداء تعرفني
    والسيف والرمح والقرطاس والقلم
  • (٣)

    والإبداع في سائر مدائحه، وحسن التصرف في مدح سيف الدولة بجنس السيفية، والمدح الموجه، والإيجاع في الهجاء، وحسن التصرف في الغزل، وافتضاض أبكار المعاني في المراثي والتعازي.

  • (٤)

    وحسن التشبيه بغير أداة التشبيه، والإبداع في سائر التشبيهات والتمثيلات.

  • (٥)

    والتمثيل بما هو من جنس صناعته.

    يريد الثعالبي بهذا ذكر الشاعر الحروف الهجائية واصطلاحات النحو … إلخ، في مثل قوله:

    نتاج رأيك في وقت على عجل
    كلفظ حرف وعاه سامعٌ فَهِم

    وقوله:

    حولي بكل مكان منهم خلقٌ
    تُخطِي إذا جئت في استفهامها بمَن

    وقوله في مدح سيف الدولة:

    أول حرف من اسمه كتبت
    سنابك الخيل في الجلاميد

    وسيف الدولة اسمه علي، فسنابك الخيل لها في الصخر أثر كرأس العين.

  • (٦)

    والنسيب بالأعرابيات.

  • (٧)

    ومخاطبة الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب والصديق مع الإحسان والإبداع.

  • (٨)

    واستعمال ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب.

  • (٩)

    وإرسال المثل في أنصاف الأبيات، وإرسال المثلين في مصراعي البيت الواحد.

  • (١٠)

    وإرسال المثل والموعظة وشكوى الدهر والدنيا والناس وما يجري مجراها.

هذا إجمال ما عده الثعالبي ويهمنا منها النوع الخامس فما بعده إلى العاشر وستأتي أثناء الفصل الآتي.

ويرى القارئ أن الثعالبي لمح دررًا منثورة لم ينظمها في سلك، وزهرات متفرقة لم يجمعها في باقة، بل رأى في العقد حبات متفرقة وفي الروضة زهرات متباعدة، ومع هذه المحاسن محاسن لم يذكرها النقاد، ووراء هذه وهذه مزايا أنتجتها، وخصائص في طبع الشاعر أدت إليها، وهذا موضوع الفصل الآتي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤