تمهيد

يضم هذا الكتاب ما يقل قليلًا عن أربعمائة لغز عن صرير الثلج، والجليد الساخن، والفيلة المختفية، والألوان الأولية، وتجارب الغوَّاص الديكارتي، والحركة الأبدية، والرفع الديناميكي الهوائي، وحلقات الدخان، وصفافير الضباب، والطبقة الصوتية الافتراضية، وكئوس النبيذ الموسيقية، وحافظات المغناطيسات، والفئران الطافية في الهواء، والنساء الخارقات، والسائرين على الحبال، والجاذبية المضادة، والبندولات العجيبة، والهياكل المشيدة وفق مبدأ الضغط والشد، والبراغيث المتقافزة، والسيارات، وما هذه إلا أمثلة قليلة للموضوعات العديدة التي يتناولها الكتاب. وتغطي الأسئلة مجال الفيزياء المرئية بالعين المجردة بأسره؛ أي الظواهر التي يمكننا ملاحظتها دون مُعدَّات بحثية متخصصة. كما تَسْبُر ثلاثة فصول إضافية أغوارَ فيزياء الألعاب الرياضية وعلوم الأرض وعلم الفلك. وهنا قد تتعلق الأسئلة بالأرقام القياسية للقفز العالي، والكُرَات المقوسة، والنقرات الموجودة على كرات الجولف، والموجات على الشاطئ، والبرق والرعد، والشحنة السالبة للأرض، والأنهار المتعرجة، والتقاء المدارات، ومسار القمر حول الشمس، واستكشاف الكواكب، وهذا، مجددًا، عدد قليل من الموضوعات العديدة التي يتناولها الكتاب.

تتراوح الألغاز في صعوبتها بين الأسئلة السهلة (مثال: «لماذا تستطيع أن تدفئ يديك عن طريق النفخ فيهما برفق، فيما تستطيع أن تبردهما عن طريق النفخ فيهما بقوة؟») والمشكلات المعقدة التي تحتاج إلى مزيد من التحليل (مثال: «تُرَص قوالب من الطوب بحيث يبرز كل قالب عما تحته دون أن يسقط مِن عليه. هل يمكن للقالب العلوي أن يبرز بعد نهاية القالب السفلي بمسافة تزيد عن طوله؟») وتمثل الحلول، إلى جانب المراجع البالغ عددها أكثر من ثلاثمائة مرجع، نحو ثلثَي الكتاب.

وكما ستبين لنا هذه الأمثلة، فإن أغلب الألغاز تحوي عنصرًا من عناصر المفاجأة. وفي واقع الأمر، يُعَدُّ الصدام بين الحدْس النابع من الإدراك المنطقي الفطري وبين التفكير الفيزيائي المنطقي موضوعًا محوريًّا يمتد بطول هذا الكتاب. وَصَفَ أينشتاين الإدراك المنطقي الفطري بأنه مجموعة التحيزات التي يكتسبها المرء قبل بلوغه الثامنة عشرة من العمر، ونحن نتفق معه في هذا؛ فعلى الأقل في العلم، يجب أن يُنقَّح الإدراك الفطري ويجري التجاوز عنه غالبًا بدلًا من توقيره. وهذا الكتاب يحاول تقويض التحيزات الفيزيائية السابقة عن طريق توظيف المفارقات المنطقية من أجل خلق حالة من عدم التناغم الإدراكي. قال شكسبير في مسرحية هاملت: «رغم أن هذا قد يكون جنونًا، فإن به شيئًا من المنطق.» ونحن نرى أن المفارقات ليست مصدر ترفيه وحسب، وإنما هي فعالة على نحو فريد في مجابهة مناطق قصور معينة في فهمنا (انظر أيضًا، مقال دانيال دبليو ويلش بعنوان «استخدام المفارقات»، أمريكان جورنال أوف فيزيكس، المجلد ٤٨ لعام ١٩٨٠م: ص٦٢٩–٦٣٢). تدبر مثلًا السؤال التالي: رجل يقف على ميزان حمام، وفجأة يجثم القرفصاءَ بعجلة قدرها ع، هل ستزداد قراءة الميزان أم تقل؟ سيقول أغلب الطلاب، مسترشدين بإدراكهم الفطري، إن القراءة ستزيد؛ لأن الرجل يضغط للأسفل على الميزان أثناء جلوسه القرفصاء. غير أن الجواب الصحيح هو أن القراءة سوف «تقل»؛ لأنه أثناء جلوس الرجل القرفصاءَ فإن مركز جاذبيته يتسارع لأسفل؛ ومن ثم يجب أن تقل القوة الطبيعية المبذولة على الميزان. عند التعامل مع مفارقات كهذه، سيكون التناقض بين الإحساس الغريزي والتفكير الفيزيائي مؤلمًا، لدرجة أنهم سيبذلون جهدًا كبيرًا للهرب منه، حتى لو كان معنى هذا أنهم سيتحتم عليهم أن يدرسوا بعض قواعد الفيزياء خلال هذه العملية.

هل هذه المفارقات حقيقية أم ظاهرية وحسب؟ من منظور الطرق القياسية لتدريس الفيزياء فإن النتائج المناقضة للبديهة التي سنصل إليها في العديد من ألغاز هذا الكتاب من الواضح أنها «تبدو» متناقضة وحسب. فالنتائج قد تكون غير متوقعة، وفي بعض الأحيان محيرة للعقل، ومع ذلك فإنه باستثناء بضعة ألغاز تتضمن مغالطات متعمَّدة، فإنها جميعًا مستمدة على نحو تام من قوانين الفيزياء الأساسية، ومن الممكن التأكد منها تجريبيًّا. لكن ربما يجدر بنا الاحتفاء بإحساس عدم الارتياح ونتعمق في الأمر بدرجة أكبر. فعلى أي حال، العديد من المفاهيم في الفيزياء محضُ صورٍ وتوصيفات ذهنية تساعد على تصور الحسابات أو تبسيطها. من أمثلة ذلك قوى الطرد المركزية، وخطوط المجالات الكهربائية والمغناطيسية، وقُطْبَا المغناطيس، والصورة المتعارف عليها للتيار الكهربائي، وهذا قليل من كثير. لكن الصور المفيدة قد تكون خطيرة؛ لأنه يجب التنبه دومًا إلى طبيعتها غير الحقيقية. وهناك جدل قائم منذ فترة طويلة في أوساط علم الفيزياء بشأن ما إذا كانت بعض المفاهيم الراسخة قد تجاوزت وقتها بحيث لم تعد مفيدة وأنه يجب التخلص منها تمامًا. فعلى سبيل المثال اقترح هاينريش هرتز، أحد أوائل المشاركين في هذا الجدل، أن الميكانيكا النيوتونية يجب إعادة صياغتها من دون استخدام «القوة» كمفهوم أساسي. وفي مقدمة كتابه «مبادئ الميكانيكا»، المنشور عام ١٨٩٩م، كتب هرتز يقول: «حين تُزال هذه التناقضات المؤلمة، فإن السؤال الخاص بطبيعة القوة لن يكون قد أجيب عنه، لكن عقولنا، التي لم تعد مرتبكة، ستتوقف عن طرح الأسئلة غير المشروعة.» أما لودفيج فيتجنشتاين، الذي كان يعرف هذه الفقرة كلمة كلمة تقريبًا، فقد كان منبهرًا للغاية بها، لدرجة أنه تبنَّاها كتعبير عن هدفه في الفلسفة: «في نهجي الفلسفي، هدفي كله هو أن أمنح التعبير صيغةً تختفي معها أي بلبلة.»

والمفارقات المنطقية هي تجسيد لمثل هذه البلبلة، ونتيجة لذلك فقد لعبت دورًا مؤثرًا في تاريخ الفيزياء، وعادةً ما كانت تؤذِن بحدوث تطورات ثورية. لقد عملت الأفكار المناقضة للبديهة التي نتجت عن نظرية النسبية وميكانيكا الكم على تعزيز سمعة المفارقات بوصفها عاملًا من عوامل التغيير. هل الواقع الفيزيائي متناقضٌ بطبيعته (أي مجنون، لو استخدمنا التعبير العامي)، أم هل تنشأ التناقضات فقط من توصيفنا للعالم؟ وهل هي إشارة لنبذ الإطار المفاهيمي القديم وتبَنِّي إطارٍ جديدٍ؟ بما أن هذا الكتاب ليس كتابًا في الفلسفة، فلدينا الحق في المراوغة، وبدلًا من أن نجيب عن الأسئلة على نحو مباشر، فنحن نفضل أن ننهي تمهيدنا بطُرْفَة عن اثنين من نجوم الفيزياء العظماء في القرن العشرين؛ نيلز بور وفولفجانج باولي. فمنذ عدة عقود كان بور ضمن عدد من الحضور الذين يستمعون لباولي وهو يشرح محاولاته المبكرة للتوفيق بين نظرية النسبية وميكانيكا الكم. وبعد بعض الوقت نهض بور وقال: «كلنا متفقون على أن نظريتك مجنونة تمامًا. بَيْدَ أننا مختلفون حول ما إذا كانت مجنونة بالدرجة الكافية أم لا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠