الفصل الأول

ازدهار الشعر

عُرِف الفاطميون بثراء دولتهم، وبَذَخِهم الذي لا مثيل له بين ملوك الدول الأخرى، وأكثروا من استحداث الأعياد والمواسم، وافتنُّوا في إقامة حفلاتهم ومواسمهم، حتى يُخَيَّل إلى مَن يقرأ تاريخهم أن حياة مصر في ذلك العصر الزاهر كانت كلها أعيادًا ومواسم، وكلها لهوًا ومرحًا، بالرغم مما كان في هذا العصر من سِنِي شدة وقحطٍ ضُرِب بها المثل، ولكن هذه الأيام العجاف لم تمنع الفاطميين من الاحتفال بأيامهم التي اتخذوها لأنفسهم أعيادًا بجانب تلك الأعياد التي يتخذها باقي المسلمين، والأعياد التي يحييها مسيحيو مصر، ويشترك معهم فيها إخوانهم المسلمون. فكان الشعب في عصرهم يتظاهر بما يجلب السرور إلى نفسه، حتى لو كان ذلك عن طريق المجون وارتكاب المعاصي، وكانت الدولة تحتفل بهذه الأيام احتفالًا يتناسَب مع عِظَم ملكهم، واتساع سلطانهم، ووفرة خيراتهم وأموالهم، وقد تكون هذه المبالغة منهم في حياتهم لونًا من ألوان التنافس السياسي بينهم وبين أعدائهم، فيقف أعداؤهم على هذه الحياة البهيجة الفَرِحة، والنفقات الطائلة؛ فيعلمون أنهم أمام دولة قوية غنية، فتضعف همتهم عن مهاجمتها.

أما هذه الأعياد التي استحدثوها في مصر؛ فقد روى المقريزي عن ابن الطوير المؤرخ: أن الفاطميين كانوا يحتفلون بستة موالد: مولد النبي ، ومولد علي بن أبي طالب، ومولد فاطمة بنت الرسول، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد الخليفة الحاضر.١
وفي فصل آخَر من خطط المقريزي تحدَّثَ المؤلف عن الأيام التي كان الفاطميون يتَّخِذونها أعيادًا ومواسم، فقال: وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشورا، ومولد النبي ، ومولد علي بن أبي طالب، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة الزهراء، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس.٢ وأضاف إلى ذلك أيام حفلات صلاة الجمعة، فقد كان الخلفاء يركبون في كل سنة ثلاث ركبات لصلاة الجمعة بالناس في جامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر مرة، وفي جامع الحاكم مرة، وفي جامع عمرو بن العاص مرة، وينال الناس من الخليفة في هذه الجُمَع الثلاث رسومًا وهبات وصدقات.٣
وأضاف أيضًا أيام الركوبات التي كان فيها الخليفة يركب في كل يوم سبت وثلاثاء إلى متنزهاته بالبساتين والمناظر التي بنوها لنزهاتهم،٤ ويوم سفر الحاج،٥ وركوب الخليفة في أول شهر رمضان.٦ وتحدَّثَ المقريزي كذلك في مكان آخَر عن ليالي الجُمَع من شهر رجب وشعبان، وليلتَيِ النصف منهما،٧ فكل هذه الأيام التي كان يحتفل بها الفاطميون، سواء كانت أيام حزن مثل عاشوراء، أو أيام فرح تُمَدُّ فيها السمط الفاخرة، ويُنفَق فيها عن بذخ وإسراف، ويصيب رجال الدولة وكل مَن يتصل بالقصر من النعم والخلع، كل بما يتناسب مع مكانته، وينال الشعب الذي يشارك أمراءه في أفراحهم وأحزانهم حظًّا مما كان يغدقه الخلفاء والأمراء عليه، فإذا مصر كلها تحتفل بهذه الأيام التي استَنَّها الفاطميون، وقد يطول بي الحديث لو توخَّيْتُ وصف هذه الحفلات الكثيرة، وأكتفي هنا بأن أعطي صورة ليوم واحد من أيام أعيادهم، نقلًا عن المقريزي عن المؤرخ المعاصر ابن المأمون في وصف موسم أول العام:

وأسفرت غرة سنة سبع عشرة وخمسمائة، وبادَرَ المستخدمون في الخزائن وصناديق الإنفاق بحمل ما يحضر بين يدي الخليفة من عين وورق من ضرب السنة المستجدة، ورسم جميع مَن يختص به من إخوته وجهاته وقرابته وأرباب الصنائع والمستخدمات، وجميع الأستاذين العوالي والأدوان، وثنوا بحمل ما يختص بالأجل المأمون وأولاده وإخوته، واستأذنوا على تفرقة ما يختص بالأجل المأمون وأولاده وإخوته، واستأذنوا على تفرقة ما يختص بالأجل المأمون وأولاده، والأصحاب والحواشي والأمراء والضيوف والأجناد، فأمروا بتفرقته، والذي اشتمل عليه المبلغ في هذه السنة نظير ما كان قبلها.

وجلس المأمون باكرًا على السماط بداره، وفرقت الرسوم على أرباب الخدم والمميزين من جميع أصنافه على ما تضمَّنَتْه الأوارق، وحضرت التعاشير والتشريفات وزي الموكب إلى الدار المأمونية، وتسلم كل المستخدمين المدارج بأسماء مَن شرف بالحجبة ومصفات العساكر، وترتيب الأسمطة، وأصمد كل منهم إلى شغله، وتوجَّه لخدمته، ثم ركب الخليفة، واستدعى الوزير المأمون، ثم خرج من باب الذهب، وقد نشرت مظلته، وخدمت الرهجية، ورتب الموكب والجنائب ومصفات العساكر عن يمينه وشماله، وجميع تجار البلدين من الجوهريين والصيارف والصاغة والبزازين وغيرهم قد زيَّنوا الطريق بما تقتضيه تجارة كلٍّ منهم ومعاشه لطلب البرَكَة بنظر الخليفة، وخرج من باب الفتوح، والعساكر فارسها وراجلها بتجملها وزيها، وأبواب حارات العبيد معلقة بالستور، ودخل من باب النصر، والصدقات تعم المساكين، والرسوم تُفرَّق على المستقرين، إلى أن دخل من باب الذهب، فلقيه المقرئون بالقرآن الكريم في طول الدهاليز إلى أن دخل خزانة الكسوة الخاص، وغيَّرَ ثياب الموكب بغيرها، وتوجَّهَ إلى تربة آبائه للترحُّم على عادته، وبعد ذلك إلى ما رآه من قصوره على سبيل الراحة، وعبيت الأسمطة وجرى الحال فيها، وفي جلوس الخليفة، ومَن جرت عادته، وتهيئة قصور الخلافة، وتفرقة الرسوم على ما هو مستقر.

وتوجَّهَ الأجل المأمون إلى داره فوجد الحال في الأسمطة على ما جرت به العادة والتوسعة فيها أكثر مما تقدمها، وكذلك الهناء في صبيحة الموسم بالدار المأمونية والقصور، وحضر من جرت العادة بحضوره للهناء، وبعدهم الشعراء على طبقاتهم، وعادت الأمور في أيام السلام والركوبات وترتيبها على المعهود، وأحضر كل من المستخدمين في الدواوين ما يتعلَّق بديوانه من التذاكر والمطالعات مما تحتاج إليه الدولة في طول السنة وينعم به ويتصدق، ويحمل إلى الحرمين الشريفين من كل صنف على ما فصل في التذاكر على يد المندوبين، ويحمل إلى الثغور، ويخزن من سائر الأصناف ما يستعمل ويباع في الثغور والبلاد … إلخ.٨

هذه صورة ما نقله المقريزي على المؤرخين المعاصرين عمَّا كان يجري تحت بصرهم وسمعهم في يوم من أيام هذه الأعياد الكثيرة التي استحدثها الفاطميون، ومن هذه الصورة نتبيَّن أن هذه الأعياد لم تكن أعياد الخلفاء والأمراء ورجال القصر فحسب، بل كانت أعياد الشعب أيضًا بما كان يُقدَّم فيها من الصدقات والسمط، فإذا الشعب يشارك الحاكمين، ويناله شيء من بذخ الفاطميين، فإذا هو في فرح وبشر، ولا يكاد يمضي عيد حتى يلحقه آخَر.

في هذه الحفلات كان الشعراء يتبارون في إنشاد قصائدهم، ويتنافسون في الإجادة والإتقان، وينعمون بأخذ جاريهم وصلاتهم بما لم ينعم به الشعراء في الدول الأخرى، فلا غرابة إنْ قلنا إنَّ هذه الأعياد والمواسم كانت من دوافع ازدهار الشعر في العصر الفاطمي، وموضوعًا من موضوعاته، حتى إن عمارة اليمني في قصيدته التي رثى بها دولة الفاطميين لم يستطع إلا أن يذكر هذه الأعياد والمواسم فقال:

أبكي على ما تراءَتْ من مكارِمِكُم
حالَ الزمانُ عليها وَهْيَ لم تحلِ
دارُ الضيافةِ كانَتْ أنس وافِدكُم
واليومَ أوحش من رسم ومن طللِ
وفطرة الصوم إذ أضحَتْ مكارمكم
تشكو من الدهرِ حيفًا غير محتَمَلِ
وكسوة الناس في الفصْلَيْنِ قد درست
ورثَّ منها جديدٌ عندهم وبُلِي
وموسم كانَ في يومِ الخليجِ لكُم
يأتي تجملكم فيهِ على الجملِ
وأول العامِ والعيدينِ كَمْ لكُم
فيهِنَّ من وبل جود ليس بالوشلِ
والأرضُ تهتز في يوم الغديرِ كما
يهتزُّ ما بين قصريكم من الأسلِ
والخيل تعرض في وشي وفي شية
مثل العرائسِ في حلي وفي حللِ٩

ولعل هذه الصورة التي صوَّرها الشاعر عمارة اليمني لحفلات وأعياد الفاطميين تدل على ما كانت عليه مصر في ذلك العصر المترف الغني.

وليست الأعياد والمواسم التي استحدثها الفاطميون هي فقط أظهر ما كان في الحياة الاجتماعية في مصر الفاطمية، ولكننا نرى الفاطميين يكثرون من المباني والمنشآت التي أقاموها في البلاد، ولعل عنايتهم بالمتنزهات والمناظر والإكثار منها من الأدلة التي نستطيع أن نقدِّمها على حبِّ الفاطميين للفنون المختلفة، فهذه البساتين التي جمَّلوا بها مدينتهم القاهرة وضواحيها، لم تُتَّخَذْ متنزهًا لهم فقط دون غيرهم من الرعية، بل أباحوا للناس دخولها والتمتع بمناظرها وجوها، فأوجد ذلك عند المصريين لونًا من ألوان الحياة الناضرة البهيجة، وسَمَتِ النفوس إلى حب الطبيعة وحب الجمال معًا. ولقد كان خروج المصريين في ذلك العصر إلى المتنزهات جزءًا هامًّا من مقومات حياتهم، وهناك كانوا يقصفون ويطربون، وينعمون بجمال الرياض وأريج الأزهار، وكان الشعراء يقصدون هذه الرياض جماعات يتطارحون الشعر، ويتبارون في الإنشاد، يستوحون من جمال الزهر والطبيعة وحي شعرهم، فإذا صحَّ ما رواه القدماء أن شعراء الجاهلية كانوا يخرجون إلى الصحراء لاستلهام الشعر، فكذلك خرج شعراء مصر إلى البساتين يتغنون ببدائع الطبيعة، فكانت هذه المتنزهات والبساتين التي أكثَرَ منها الفاطميون مصدرًا خصبًا لكثير من الشعر المصري في العصر الفاطمي.

كانت الحياة المصرية إذن حياة ترف، وكان سكان مصر على حظٍّ من الثراء والغنى، يحسدهم عليه العباسيون في أوج مجدهم وسعة سلطانهم، وكان الخلفاء الفاطميون يسرفون في الإغداق على الشعب مما يملكون من مال ومتاع ورقيق، مما كان يحمله إليهم الدعاة من مال الخمس١٠ وأموال النجوى، ومن هدايا الأمراء في المشرق، وكان الوزراء يتشبَّهون بالأئمة في الظهور بمظهر الملك فأنفقوا عن سعة، وافتَنَّ الشعب في التشبه بأمرائهم وحكَّامهم، فظهروا بمظهر صاحب الثروة، واتخذوا من الحياة أبهجها، ومن الزينة واللباس أزهاها، وأكثروا من اقتناء الرقيق والقيان، وإقامة المآدب واستدعاء الخلَّان لمجالس اللهو والشراب، حتى خُيِّلَ إلينا أن حياة المصريين كانت حياةَ لهوٍ وقصف وسماع غناء وألحان، فكان ذلك كله وحيًا للشعراء بالقريض.
ومن عوامل ازدهار الشعر في هذا العصر الفاطمي أن القائمين على شئون البلاد اتخذوا من الشعر وسيلةً من وسائل دعوتهم السياسية على نحوِ ما تتخذ الأحزاب السياسية اليوم بعض الصحف لتعبِّر عن اتجاه هذه الأحزاب وآرائها، وقد ذكرنا أن الفاطميين عرفوا قدر الدعاية فاهتموا بها أيما اهتمام، واصطنعوا كل ما يفيدهم في دعوتهم من علماء وأدباء وشعراء، وكان الفاطميون على قدرة وكياسة في فن السياسة، فعرفوا أن الشعر العربي منذ العصر الجاهلي كان من أهم وسائل الدعاية للقبيلة في العصر الجاهلي وللأحزاب السياسية والفِرَق الإسلامية بعد ظهور الإسلام، وأن بعض الشعراء في العصر العباسي أمثال مروان بن أبي حفصة وأبان بن عبد الحميد اللاحقي وغيرهما، أدخلوا في شعرهم بعض الآراء الفقهية في الدفاع عن الخلافة العباسية ضد الطامعين من العلويين، فلم يَشَأْ الفاطميون أن يتركوا سلاح الشعر دون أن يُشهِروه على خصومهم، أو أن يستخدموه في الدفاع عنهم والمباهاة بفضائلهم والإشادة بدولتهم، فلا غرو أن وجدنا الفاطميين يبذلون العطاء الضخم الجسيم لشعراء دولتهم، ويجعلون لبعض الشعراء مرتبات شهرية، وينقل المقريزي عن ابن الطوير أنه كان للشعراء رواتب جارية من عشرين دينارًا إلى عشرة دنانير.١١ ويروى أيضًا أنه في يوم عاشوراء كان يخرج الرسم المطلق للمتصدرين والقرَّاء والوعَّاظ والشعراء وغيرهم على ما جرت به عادتهم،١٢ ومعنى هذا أن الفاطميين كانوا يعطون الشعراء في أيام المواسم والأعياد رواتب خاصة غير ما كان يُعطَى لهم شهريًّا. ويحدِّثنا المقريزي مرة أخرى في كلامه عن بركة الحبش أنه كان بها طاقات، وعليها صور الشعراء، كل شاعر واسمه وبلده، وعلى جانب كلٍّ من هذه الطاقات قطعة من القماش كُتِب عليها قطعة من شعر الشاعر في المدح، وعلى الجانب الآخَر رف لطيف مذَهَّب، وأن الخليفة الآمِر بأحكام الله لما دخل هناك وقرأ الأشعار، أمر أن توضع على كل رف صرة مختومة فيها خمسون دينارًا، وأن يدخل كل شاعر ويأخذ صرته بيده.١٣

فلا أكاد أعرف دولة من الدول الإسلامية أقامت للشعراء هذا التمجيد بأن يضعوا صورة كل شاعر مع اسمه وبلده في طاقات في متنزهات عامة، مما يدل دلالة قاطعة على تمجيد لفن الشعر والشعراء، فأين نحن الآن من مصر في العصر الفاطمي؟!

ويذكر العماد في الخريدة أن الفاطميين جعلوا من وظائف الدولة وظيفةَ «مقدِّم الشعراء»، ويذكر أن مقدم الشعراء في عهد الأفضل بن بدر الجمالي هو الملقَّب بمسعود الدولة المعروف بابن حريز.١٤ وكانت سيدات قصر الإمامة الفاطمية يغدقن الأموال على الشعراء كلما سمعن منهم شعرًا جيدًا في مدح الأئمة، ويحدِّثنا عمارة اليمني أنه بعد أن أنشد قصيدته الأولى في مصر أخرجت له السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمسمائة دينار.١٥ وهكذا نرى الفاطميين يولون الشعر والشعراء عنايتهم؛ لأن الشعراء لسانٌ من أَلْسُنِ تمجيدهم والذود عنهم أمام أعداء كثيرين أقوياء، فإغداق النِّعَم الفاطمية على الشعراء كان من أشد الأسباب التي جعلت الشعراء يحرصون على إتقان الشعر مع الإكثار من الإنشاد، فكثر الشعراء وكثر إنتاجهم، واستغَلَّ الفاطميون هؤلاء الشعراء في رفع شأن دولتهم وخلفائهم، حتى في القسم الأخير من العصر الفاطمي الذي ضعف فيه الأئمة، واستبدَّ الوزراء بالملك، فقد طُلِب إلى الشاعر أبي عبد الله مسلم أن ينظم «السيرة المصرية»، وجعلوا له خمسة دنانير كل شهر على ذلك، فسأل أن يجري له شيء على الشعر مثل غيره من الشعراء، فزيد نصف دينار، فهجاه الشاعر مجير بن محمد الصقلي المتوفى حوالي سنة ٥٤٠ﻫ بقوله:
جرَى الحديثُ فقالوا كل ذِي أدَبٍ
أضحَتْ له خمسة تجري بمقدارِ
بأي فضلٍ حَوَاه ابن المسلمِ من
دونِ الجماعةِ حتى زِيدَ في الجارِي
أَجْرُوا له خمسةً عن حقِّ سيرتِهِ
فقالَ: لا تنقصوني حقَّ أشْعَارِي
نادُوا عليه وسوق الشعْرِ نافِقَة
فلم يزدْ قَدْرها عن نِصْف دينارِ١٦

وهكذا كان الفاطميون يستغلون شعر الشعراء في تثبيت أركان دولتهم، حتى في وقت ضعف سلطانهم.

شعر الأئمة

بجانب ذلك كله كان الفاطميون يقدِّرون الشعر ويتذوَّقونه من حيث هو فن من الفنون التي تجب العناية بها، ويقدِّرها كلُّ مَن نال حظًّا من الثقافة ورِقَّة الشعور ودقة الإحساس، بل يذكر المؤرخون أن من بين الأئمة الفاطميين مَن كان ينشد الشعر، وقد رأينا كيف خاطَبَ القائم بأمر الله المصريين بالشعر إبَّان غزواته، ويذكر صاحب سيرة جوذر عدة أبيات للمنصور بالله، منها:

تبدلت بعد الزعفران وطيبه
صدا الدرع من مستحكمات السوامرِ
ألَمْ ترني بعد المقامةِ بالسرى
ولين الحشايا بالخيولِ الضوامرِ
وفتيان صدق لا ضغائنَ بينهم
يثورونَ ثوراتِ الأُسُود الخوادرِ
أروني فتًى يغنِّي غنائي ومشهدِي
إذا رهج الوادي لوقع الحوافرِ
أنا الطاهِرُ المنصورُ من نسل أحمد
بسيفي أقد الهام تحت المغافرِ١٧

ومن شعر المنصور بالله أيضًا يخاطِب ابنه وولي عهده المعز لدين الله:

كتابي إليك من أقصى الغروب
وشوقي شديد عريض طويل
أجوب القفارَ وأطوي الرمالَ
وأحمل نفسي على كلِّ هول
أريد بذاك رضاء الإله
وإعزاز دولة آلِ الرسول
إلى أن برى السير أجسامنا
وكلَّ الركاب وتاه الدليل
فوا غربتاه ووا وحشتاه
وفي الله هذا قليل قليل
وما ضقت ذرعًا ولكنني
نهضت بقلب صبور حمول
وقد مَنَّ ذو العرش من فضله
بفتح مبين وعزٍّ جليل
وفي كل يوم من الله لي
عطاء جديد وصنع جميل
فلله حمد على ما قضى
وحسبي ربي ونِعْم الوكيل١٨

ولعلك تلاحظ معي أن المقطوعة الأولى أقوى وأجزل شعرًا من المقطوعة الثانية التي هي أقرب إلى الكلام العادي منها إلى فن الشعر، فالقطعة الأولى من شعر المنصور تدل على أن صاحبها شاعر حماسي ملك ناصية الفن في اللفظ والمعنى، فهو يختار اللفظ الذي يتلاءم في موسيقاه مع المعنى الذي يقصده الشاعر، فيلذ الأذن والعقل معًا، ولكن القطعة الثانية، فلا أستطيع أن أقول إلا أن ناظمها يعبث حين يدَّعِي أنه يقول شعرًا.

ويذكر ابن خلكان أن المعز لدين الله كان أديبًا شاعرًا، وينسب إليه هذه الأبيات:

لله ما صنعَتْ بنا
تلك المحاجرُ في المعاجِرِ
أمضى وأقضى في النفوس
من الخناجر في الحناجر
ولقد تعبت ببينكم
تعب المهاجر في الهواجر١٩

فهذه الأبيات إنْ دلَّتْ على شيء فهي تدل قبل كل شيء على أن الشاعر كان من شعراء الزينة البديعية، فقد فُتِن بهذه الملاءمة اللفظية بين «المحاجر» و«المعاجر»، وبين «أمضى» و«أقضى»، وبين «الخناجر» و«الحناجر»، وبين «المهاجر» و«الهواجر»، ومع ظهور هذه الصنعة البديعية في هذه الأبيات، فإن خيال الشاعر كان قويًّا في تعبيره عمَّا تفعله العيون التي تختفي تحت المحاجر، ولكنها تصيب هدفها، وتفعل في النفوس أكثر مما تفعله الخناجر في الحناجر.

وكذلك ينسب القدماء إلى المعز لدين الله هذه الأبيات:

أطلع الحسن من جبينك شمسًا
فوق ورد في وجنتيك أطَلَّا
وكأنَّ الجمالَ خافَ على الور
دِ جفافًا فمدَّ بالشَّعْرِ ظِلَّا٢٠
هنا صورة جميلة من شاعر بلغ درجةً لا بأس بها من الفن، فهو يصف جمال المحبوب بصورة من صور الطبيعة المحبَّبَة إلى النفس، فهي كالورد المتفَتِّح قد غمرته الشمس، ولكن الشاعر كان دقيق الحس رقيق الشعور، فخشي أن يذبل الورد من حرارة الشمس، فظلَّله بخصلة من شعر الحبيب، فالصورة هنا لا شك جميلة، ولا غرو أن رأينا القدماء قد فُتِنوا بها حتى قال ابن خلكان: «إن هذا معنى غريب بديع.»٢١ ولكن هل أستطيع أن أنسب هذه الأبيات إلى المعز لدين الله كما روى ابن خلكان، أم أنسبها إلى ظافر الحداد الشاعر الفاطمي الفحل؛ إذ ورد في الخريدة أن ظافرًا قال:
أطلع الشمس من جبينك بدر
فوق ورد من وجنتيك أطَلَّا
فكأنَّ العذار خافَ على الور
دِ جفافًا فمدَّ بالشعر ظِلَّا٢٢

لست أدري لمَن أنسب البيتين، فربما حاكَى ظافِرٌ الإمامَ المعز، فأخذهما عنه بعد أن غيَّر بعض الألفاظ، أو ربما نسب أتباع المذهب البيتين إلى المعز عندما أرادوا إثبات شاعريته، ومهما يكن من شيء فإن المؤرخ ابن إياس تحدَّثَ أيضًا عن شعر المعز فقال: «كان المعز عاقلًا حازمًا لبيبًا فصيحًا شاعرًا، وله شعر جيد، من ذلك قوله:

ما بانَ عذري فيه حتى عذرا
وبدا البنفسج فوق ورد أحمرَا
همَّتْ بقبلته عقارِب صدغه
فاستلَّ ناظره عليها خنجرَا٢٣
وهكذا كان المعز لدين الله ينشد الشعر، وعُرِف به، وكذلك كان ابنه العزيز بالله نزار، وابنه المعروف بالأمير تميم، يقول أبو المحاسن عن العزيز: «كانت لديه فضيلة، وله شعر جيد.»٢٤ وروى الثعالبي في يتيمته قول العزيز، وقد وافَقَ بعض الأعياد وفاة ابنه، وعقد المأتم عليه:
نحن بنو المصطفى ذوو محن
يجرعها في الحياة كاظمنا
عجيبة في الأنام محنتنا
أولنا مبتلى وخاتمنا
يفرح هذا الورى بعيدهم
طرًّا وأعيادنا مآتمنا٢٥

فالشاعر في هذه الأبيات صادق العاطفة يعبِّر عن ألم دفين وحزن كمين، فهو لم يحزن لفقد ولده فحسب، بل هو يألم لما أصاب أهل البيت من محن وكوارث حتى أصبحت أعيادهم مآتم، ويُخَيَّل إليَّ أن هذه العاطفة الصادقة هي التي دفعت العزيز لأن يقول:

ولما رأيت الدين رثت حباله
وأصبح ممحو الضيا والمعالم
وأصبحت الأغنام من كل أمة
تسوم عباد الله خزم المخاطم
وتحكم في أموالها ودمائها
بغير كتاب الله عند التحاكم
غضبت لدين الله غضبة ثائر
غيور عليها مانع للمحارم
وسيَّرت نحو الشرق بحر كتائب
تموج بأبطال رجال قماقم
يقودون جرد الخيل تخطر بالقنا
وبالمشرفيات الرقاق الصوارم
أنا ابن رسول الله غير مدافع
تنقلت في الأنوار من قبل آدم
لي الشرف العالي الذي خضعَتْ له
رقاب بني حواء من كل عالم
بنا فُتِحت أبواب كل هداية
ومنَّا بحمد الله (خير الخواتم)
فقُلْ لبني العباس مع ضعف ملكهم
بأنهم أسرى بأيدي الأعاجم
غصبتم بني المروان ما غصبوه من
مواريثنا، سحقًا لظالِمِ ظالِم
ولم تحفظوا فينا وصايا محمد
ولا ما ادعيتم من مناسب هاشم
سنسقيكم كأسًا كما قد سقيتم
أوائلنا والله أعدلُ حاكِم٢٦
ففي هذه الأبيات نحن أمام رجل غيور على عقيدته ودينه، شديد العداء لمَن خالَفَه من العباسيين، يتوعَّدهم بالانتقام لما أصابَ آباءَه وأجداده من محن على أيديهم، شديد الفخر بنسبته إلى الرسول الكريم، وهو في ذلك كله لا ينسى عقائده المذهبية التي كان إمامها، فأشار إلى أنه تنقَّلَ في الأنوار من قبل آدم، فهذا المعنى لا يقوله إلا مَن اعتقد مذهب الفاطميين، وذلك أن الفاطميين ذهبوا إلى أن الله سبحانه خلق نور محمد قبل أن يخلق السموات والأرض، وأن هذا النور تنقَّلَ في الأصلاب الطاهرة والأرحام الزكية حتى بلغ عبد المطلب، فقسَّمَ الله هذا النور قسمين، قال لأحدهما: كُنْ يا هذا محمدًا، ويا هذا كُنْ عليًّا. وأن هذا النور تجمَّع مرة أخرة بزواج عليٍّ من فاطمة بنت الرسول، وتنقَّلَ في الأئمة من ذريتهما حتى كان العزيز بالله، فكأنَّ العزيز وُجِد قبل آدم؛ لأن النور الذي حلَّ به وُجِد قبل آدم.٢٧

وكان الحاكم بأمر الله شاعرًا أيضًا، وينسب إليه صاحب النجوم الزاهرة:

دَعِ اللوم عني لست مني بموثق
فلا بدَّ لي من صدمة المتحنقِ
وأسقي جيادي من فرات ودجلة
وأجمع شمل الدين بعد التفرُّقِ٢٨
ولكن هذين البيتين يعود صاحب النجوم مرة أخرى فينسبهما إلى الآمِر، وكذلك المقريزي.٢٩ وعندي في المجموعة الخطية عدة أبيات للحاكم، ولكن هذه الأبيات ضعيفة في صياغتها وفي معناها، ويظهر فيها الانتحال، ويُخَيَّل إليَّ أن قائلها هو أحد أتباع المذهب الذين لا يحسنون صناعة الشعر، والأبيات هي:
إذا ما انقضى لبس السواد أتيتكم
بأبيض من فوق الدماء يفور
على أشقر يغلي إذا ما ركبته
ولا صحبت رجلي بعد حمير
وأجلس عادتي كما كنت قبل ذا
ويختال بي من بعد ذاك وزير٣٠
ويحدثنا ابن بسام في الذخيرة أن الشاعر الواساني، هجا يوسف بن علي المشرف على دمشق أيام الحاكم، وسمع الحاكم بأمر هذا الهجاء فقال يومًا: أريد سماع هذه القصيدة من رجل حسن النشيد.٣١ فهذا يدل على أن الحاكم كان يلذ له سماع الشعر ممَّنْ يحسنون النشيد.

وتكاد تُجمِع المصادر على أن المستنصر بالله كان شاعرًا مبدعًا، وأنه كان متمكِّنًا من إنشاد الشعر يرتجله في مناسبات، ويجيب عن بعض الرسائل التي كانت ترد عليه بالشعر. يروي صاحب النجوم أن ناظر الدولة جاء بالأتراك سنة ٤٦٠ﻫ إلى الوزير ابن كدينة، وطالَبوا الوزير بالمال، فقال لهم الوزير: «وأي مال بقي عندي بعد أخذكم الأموال واقتسامكم الإقطاعات.» فطلبوا من الوزير أن يرفع الأمر إلى المستنصر، فكتب الوزير رقعة بما جرى وأرسلها إلى الإمام، فأجاب المستنصر على الرقعة نفسها بخطه:

أصبحت لا أرجو ولا أتقي
إلا إلهي وله الفضل
جدي نبي وإمامي أبي
وقولي التوحيد والعدل٣٢

ففي هذين يظهر الألم الشديد الذي كمن في نفس الإمام لما حل به وحاق بالبلاد إبَّان الشدة العظمى المعروفة في التاريخ، والبيت الثاني يذكِّرنا بما نسمعه عند دفن الموتى بما يُعرَف بتلقين الأموات، فلعل المستنصر أراد أن يتهكَّمَ بمَن جاء يطالبه بالأموال، فأجاب بما يُلقَّن به الموتى. فهو يسخر بهؤلاء الناس وهو في أشد حالات الألم والحزن، فالعقدة النفسية التي كانت عند المستنصر، هي التي جعلته يسخر ويتهكَّم على هذا النحو.

ومما يُروَى عن المستنصر أيضًا أن المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي بعد أن عاد سنة ٤٥٠ﻫ إلى القاهرة، منعه الوزير ابن المغربي من لقاء المستنصر، فأخذ المؤيد يرسل إليه الكتب والرسائل، وينشد فيه الشعر حتى بلغ المستنصر قول المؤيد:

أقسم لو أنك توَّجتني
بتاج كسرى ملك المشرق
وأَنَلْتَني كلَّ أمور الورى
مَن قد مضى منهم ومَن قد بقي
وقلت أن لا نلتقي ساعة
أجبت يا مولاي أن نلتقي
لأن إبعادَكَ لي ساعة
شيَّبَ فودي مع المفرق

فلما بلغت الرقعة التي فيها هذا الشعر إلى المستنصر أجاب عليها بخطه:

يا حجة مشهورة في الورى
وطود علم أعجز المرتقي
ما غلقت دونك أبوابنا
إلا لأمر مؤلم مقلق
خفنا على قلبك من سمعه
فصَدُّنا صَدُّ أبٍ مشفِق
شيعتنا قد عدموا رشدهم
في الغرب يا صاح وفي المشرق
فانشر لهم ما شئتَ من علمنا
وكُنْ لهم كالوالدِ المشفِق
إنْ كنتَ في دعوتنا آخرًا
فقد تجاوزت مدى السبق
مثلك لا يوجد فيمَن مضى
من سائر الناس ولا مَن بقي٣٣

وتُنسَب إليه قصيدة وردت في مجموعة أشعار الإسماعيلية مطلعها:

كفى ملامك يا ابنة الغمر
ما بال وفر أبيك من وفر٣٤

ولكني أرى هذه القصيدة موضوعة، ونُسِبت إلى المستنصر، فأكتفي الآن بالإشارة إليها.

وينسب طائفة البهرة إلى المستنصر مجموعة رسائل قيل إنه كتبها إلى علي بن محمد الصليحي باليمن، ولكن مَن يطَّلِع على هذه الرسائل يدرك أن مثل هذه الرسائل لا تصدر عن الإمام، إنما تصدر عن كتَّابه، وقَلَّ أن نجد خليفة من خلفاء المسلمين أرسَلَ مثل هذه الرسائل لأحد عماله، إنما كان ذلك عمل كتَّاب ديوان الإنشاء، ونحن نشك في نسبة هذه الرسائل إلى المستنصر، ونرجِّح أنها كُتِبت بعد انتقال مركز الدعوة المستعلية إلى اليمن، وأن كاتِبَها أحد الدعاة في اليمن، وسنعود إلى هذه الرسائل في بحث آخَر.٣٥
ويقول صاحب النجوم عن الآمِر بأحكام الله: «كان للآمِر نظم ونظر في الأدب.»٣٦ وروى له عدة أبيات منها الأبيات التي نسبها حينًا إلى الحاكم، وحينًا آخَر إلى الآمِر، كما ذكرنا من قبلُ. وينسب ابن ميسر إلى الآمِر قوله:
أما والذي حجت إلى ركن بيته
جراثيم ركبان مفلعة شهبا
لأقتحمن الحرب حتى يقال لي
ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا
وينزل روح الله عيسى بن مريم
فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا٣٧
وينسب طائفة البهرة إلى الآمِر بأحكام الله رسالة تُعرَف «بالهداية الآمرية في إبطال الدعوة النزارية»، وقد نشر هذه الرسالة صديقنا الأستاذ آصف فيظي، وذكر في مقدمته لهذه الرسالة أنها ليست للآمِر في الحقيقة، وربما كانت لأحد كتَّابه، فإن هذه الرسالة من السجلات التي يكتبها رجال ديوان الإنشاد، وربما كان الآمِر هو الذي أوصى بها.٣٨

وهكذا كان بعض الأئمة الفاطميين ينشد الشعر، فلا غرو أن رأيناهم يقرِّبون الشعراء ويجزلون لهم العطاء، ويلتفُّ الشعراء حولهم ويتنافسون بين أيدي أمرائهم في الإنشاد، مما دعا إلى كثرة الشعر وازدهاره.

وكما كان الأئمة في عهد سلطانهم وقوتهم — أي في القسم الأول من العصر الفاطمي — ينشدون الشعر ويقربون الشعراء، كان بعض الوزراء في عهد غلبة الوزراء في مصر ينشد الشعر ويثيب عليه، ولا سيما أن الوزراء أصبحوا كل شيء في الدولة؛ فأصبحوا مقصد الشعراء ووجهتهم، حتى إن الشعراء عندما كانوا يريدون مدح الخليفة الفاطمي كانوا يذكرون بجانبه الوزير، ويطنبون في مدح الوزير أكثر مما يقولون في مدح الإمام. ويروي المقريزي أن جميع الشعراء لم يكن لهم في الأيام الأفضلية، ولا فيما قبلها على الشعر جار، وإنما كان لهم إذا اتفق طرب السلطان واستحسانه لشعر من أنشد منهم ما يسهله الله على حكم الجائزة، فرأى القائد أن يكون ذلك من بين يديه من الظروف.٣٩ إذ كان الأفضل يجلس بدار الملك التي أنشأها في مجلس العطايا، وقد أمر بتفصيل ثمانية ظروف ديباج أطلس، من كل لون اثنين، وجعل في سبعة منها خمسة وثلاثين ألف دينار في كل ظرف خمسة آلاف، فمن هذه الظروف كان يغدق عطاياه على الشعراء الذين كانوا يقصدونه، ولعل أكثر الوزراء في العصر الفاطمي إنشادًا للشعر وتحبُّبًا إلى الشعراء هو الوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك، فقد جمع شعره في مجلدين كبيرين، وجمع شعر الشعراء فيه فكان شيئًا كثيرًا، ولكن هذه الأشعار كلها فُقِدت، ولم يَبْقَ منها إلا شذرات، وكذلك كان الوزير الناصر العادل رزيك بن الصالح الذي وصفه عمارة اليمني بقوله: وأما فهمه فكان يعرف جيد الشعر ويستحسنه ويثبت عليه.٤٠ فسوق الشعر قد ازدهرت في عهد الوزراء كما كان مزدهرًا في عهد الأئمة على ما سنوضِّحه فيما بعدُ.

ضياع الشعر الفاطمي

وكانت الحياة في مصر الفاطمية — كما رأينا جانبًا منها — تدعو إلى ازدهار الشعر وإلى كثرة ما أنتجه الشعراء في كل فنٍّ من فنون الشعر، وكل موضوع من موضوعاته، ولكن هذه الموجة الفنية التي طغت على مصر سرعان ما أبادها الأيوبيون فيما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية، فضاع الشعر ولم يَبْقَ منه إلا النزر اليسير، أو قُلْ لم يَبْقَ إلا اسم الشاعر أحيانًا إنْ قُدِّرَ لاسمه البقاء، ونحن لا نتردد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري بتعمُّدِهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمتُّ للفاطميين بصلة، فقد حرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر خوفًا من أن يكون بالشعر مديح للأئمة، وهو كفر بزعمهم. وها هو ذا كاتب الأيوبيين العماد الأصفهاني عندما أراد أن يجمع في خريدته شعر شعراء المائة الخامسة، قال عن ابن الضيف داعي الآمِر وشاعره: «وكنت عازمًا لفرط غلوه على حطِّه؛ لأنه أساءَ شرعًا وإنْ أحسن شعرًا، بل أظهر فيه كفرًا، ولكنني لم أَرَ أن أترك كتابي منه صِفْرًا؛ لأن البحر الزاخر يركبه المؤمن والكافر، ويقصده البر والفاجر، ويحمل الغثاء كما يحمل الدر.»٤١ وقال عن ظافر الحداد: أقول ظافر، بحظ من الفضل ظاهر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مداح المصري والله غافر.٤٢ ومع ذلك لم يروِ العماد لهما شيئًا في مدح الأئمة، فقد تعمَّدَ العماد الأصفهاني أن يستبعد أكثر شعر مديح الأئمة من خريدته، وتبعه في ذلك غيره من الأدباء والمؤرخين، فضاع أكثر شعر مصر الفاطمية بسبب هذا التعصُّب المذهبي.
أضِفْ إلى ذلك أن الأحداث التي كانت في مصر، ولا سيما في عهد المستنصر بالله، إبَّان المحنة الكبرى، وفي الصراع الذي كان بين شارو وضرغام في أواخر العصر الفاطمي، كانت من أهم أسباب ضياع شِعْر الشعراء وكُتُب العلماء، حتى إن الشاعر عمارة اليمني عندما أراد أن يذكر لنا شيئًا من شعره في مدح طي بن شاور قال: فإن جميع ما قلته فيه نُهِبَ من دار الخليج.٤٣ ولم يتذكر منه شيئًا يرويه، فكانت هذه الأحداث والاضطرابات مأساة للعصر الفاطمي نفسه؛ إذ سبَّبت زوال دولة الفاطميين، ومأساة للحياة الأدبية والفكرية أيضًا، وإلا فحدِّثني عن شعر الشعراء المائة الذين رثوا ابن كلس، وأين ديوان ابن حيدر العقيلي؟٤٤ وأين ديوان أبي الحسن علي بن المؤمل بن غسان الكاتب المصري، وكان ديوانه في مجلدين؟٤٥ وأين ديوان أبي الحسن بن مطير؟٤٦ وديوان ابن الشخباء أستاذ القاضي الفاضل،٤٧ وديوان الملك الصالح بن رزيك،٤٨ وديوان القاضي الرشيد بن الزبير،٤٩ وديوان أخيه المهذب بن الزبير،٥٠ وديوان ابن الضيف، وديوان ظافر الحداد الذي وصفه أحد معاصريه، وهو الفقيه نصر بن عبد الرحمن الفزاري بقوله: «وله ديوان شعر مشهور، وبالجودة له مشهود.»٥١ وأين ديوان الفقيه الصوفي ابن الكيزاني؟ وأين شعر بني عرام شعراء الصعيد؟ وأين مقطوعات ابن الصياد في أنف ابن الحباب؟ فقد قيل: إن ابن الحباب كان كبير الأنف، وكان ابن الصياد مولعًا بأنفه وهجاه بأكثر من ألف مقطوعة.٥٢ وأين شعر أولاد الكنز بأسوان؟٥٣ وأين المجموعة التي جمعها عثمان بن عبد الرحيم المعروف بابن بشرون التي صنَّفَها سنة ٥٦١، وسمَّاها: «المختار في النظم والنثر لأفاضل أهل العصر»، وأين مجموع شعراء ابن رزيك؟٥٤ وأين كتاب جنان الجنان للمهذب بن الزبير الذي صنَّفه سنة ٥٥٨ﻫ، وجمع فيه أشعار شعراء مصر، وذيَّلَ به اليتيمة؟ وأين ديوان القاضي المفضل كافي الكفاة أبي الفتح محمود ابن القاضي الموفق إسماعيل بن أحمد الدمياطي المعروف بابن قادوس، وكان من أماثل المصريين وكتَّابهم مقدَّمًا عند ملوكهم؟٥٥

ويطول بنا الأمر لو طالَبَنا بكل شعر الشعراء الذين كانت تزخر بهم مصر الفاطمية، إنما ذكرنا هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر، لنعرف مدى هذه الخسارة التي لحقت بتاريخ الأدب المصري لضياع هذه الثروة الأدبية المصرية، ولندل على أن مصر الفاطمية كانت غنية بشعرائها، خصبة في شعرها.

هناك جناية أخرى ارتكبها الثعالبي والباخرزي والعماد وابن سعيد المغربي وغيرهم من المؤلفين الذين أرادوا أن يحفظوا في كتبهم شيئًا من الشعر، فعمدوا إلى عدة أبيات من قصيدة، ولم يدوِّنوا كلَّ القصيدة، فقد اكتفوا بمقطوعة من بيتين أو أكثر لكل شاعر، وقَلَّ أن نجد قصيدة كاملة في هذه الكتب، مما جعلنا لا نستطيع أن نكوِّن حكمًا صحيحًا على فنِّ الشاعر من هذه المقطوعات التي رُوِيت له؛ لأن الناقد المدقِّق مهما بلغت مقدرته الفنية، واتسعت ثقافته الأدبية، وارتقى ذوقه الأدبي، لا يستطيع أن يحكم على شاعر بمقطوعة من قصيدة، أو بقصيدة واحدة من ديوان، وإلا كنَّا كالقدماء الذين كانوا يفضِّلون شاعرًا على شاعر ببيت شعر قاله. فهؤلاء الكتَّاب الرواة كانوا من عوامل ضياع الشعر القديم، كما هم في الوقت نفسه من عوامل حفظ بعضه.

ومهما يكن من شيء، فإن بين أيدينا الآن بعض آثار لحياة الشعر في العصر الفاطمي، وهي إنْ دلَّتْ على شيء فإنما تدل على أن العصر الفاطمي كان خصبًا في إنتاج الشعر، بحيث استطاع شعر مصر الفاطمية أن يقف بجوار غيره من الشعر في الأقطار الإسلامية في أرقى عصوره وصوره، فالعوامل التي تحدَّثت عنها، والآثار التي وصلتنا، وما قاله الرواة عن شعر مصر، كل ذلك يجعلنا نقول: إن شعر مصر الفاطمية كان يحتَلُّ هذه المكانة الممتازة في الحياة الأدبية، ويتطور هذا التطور الذي نلمسه في العصر الفاطمي.

١  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٩٣.
٢  الخطط: ج٢، ص٣٨٤ وما بعدها.
٣  الخطط: ج٢، ص٣٩٢.
٤  المصدر السابق.
٥  المصدر السابق: ج٢، ص٣٨٨.
٦  المصدر السابق: ج٢، ص٣٨٩.
٧  المصدر السابق: ج٢، ص٣٤٥.
٨  خطط المقريزي: ج٢، ص٣١٣-٣١٤.
٩  خطط المقريزي: ج٢، ص٣٩٣.
١٠  راجِعْ كتاب الهمة في آداب اتِّبَاع الأئمة (من مطبوعات دار الفكر العربي).
١١  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٤٣.
١٢  خطط: ج٢، ص٢٩٠.
١٣  خطط: ج١، ص٤٨٦.
١٤  الخريدة: ورقة ١٠٢أ.
١٥  النكت: ص٣٤.
١٦  الخريدة: ورقة ١٠٢أ.
١٧  سيرة الأستاذ جوذر (نسخة خطية بمكتبتي).
١٨  سيرة الأستاذ جوذر «نسخة خطية بمكتبتي».
١٩  ابن خلكان: ج٢، ص١٠٣.
٢٠  ابن خلكان: ج٢، ص١٠٣.
٢١  نفس المصدر السابق.
٢٢  الخريدة: ورقة (٨٧ب).
٢٣  تاريخ ابن إياس: ج١، ص٤٨.
٢٤  النجوم: ج٤، ص١٢١.
٢٥  اليتيمة: ج١، ص٢٢٣، والنجوم الزاهرة: ج٤، ص١١٣.
٢٦  ورقة ٦٣أ من مجموعة أشعار إسماعيلية، نسخة خطية بمكتبتي.
٢٧  راجع المجالس المؤيدية في مواضع شتى، وما كتبناه عن ذلك في مقدمة ديوان المؤيد في الدين داعي الدعاة.
٢٨  النجوم: ج٤، ص١٩٦.
٢٩  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٧٠.
٣٠  ورقة ١٦٦ من المجموعة الخطية لأشعار الإسماعيلية.
٣١  الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة: ص٦٩ من القسم الرابع (المجلد الأول).
٣٢  النجوم: ج٤، ص٨١، وينسبهما ابن منجب الصيرفي في كتابه الإشارة ص٢٩ إلى الحاكم بأمر الله. أما ابن خلدون فينسبهما في تاريخه ج٤ ص٧١، إلى الآمِر بأحكام الله.
٣٣  انظر ديوان المؤيد في الدين داعي الدعاة.
٣٤  ورقة ٦٣ب.
٣٥  السجلات المستنصرية، نسخة خطية بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن.
٣٦  ج٤، ص١٨٢.
٣٧  تاريخ مصر لابن ميسر: ص٧٣.
٣٨  الهداية الآمرية، تحقيق الأستاذ آصف علي أصغر فيظي من مطبوعات (جمعية الدراسات الإسلامية بالهند).
٣٩  الخطط: ج٢، ص٣٧٥.
٤٠  النكت: ص٥٥.
٤١  الخريدة: ورقة ٥٣ب.
٤٢  الخريدة: ورقة ٥٠.
٤٣  النكت: ص١٢٧.
٤٤  المغرب: ص٥٢.
٤٥  الخريدة: ورقة ٩أ.
٤٦  الخريدة: ورقة ١٤أ.
٤٧  الخريدة: ورقة ١٤أ.
٤٨  الخريدة: ورقة ٣٢ب.
٤٩  الخريدة: ورقة ٣٦أ.
٥٠  الخريدة: ورقة ٣٦ب.
٥١  الخريدة: ورقة ٥٩ب.
٥٢  الخريدة: ورقة ٦٨أ.
٥٣  الخطط: ج١، ص٣٢٠.
٥٤  الخريدة: (٦٨ب).
٥٥  ابن ميسر: ص٩٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣