أُمْنِيَّةُ الْمُهَاجِرِ

جُــعْــتُ وَالْــخُــبْـزُ وَفِـيـرٌ فِـي وِطَـابِـي
وَالــسَّــنَـا حَـولِـي وَرُوحِـي فِـي ضَـبَـابِ
وَشَـــرِبْـــتُ الْـــمَـــاءَ عَـــذْبًــا سَــائِــغًــا
وَكَــــأَنِّــــي لَــــمْ أَذُقْ غَــــيْــــرَ سَـــرَابِ
مِـــحْـــنَــةٌ لَــيْــسَ لَــهَــا مِــثْــلٌ سِــوَى
مِــحْــنَـةِ الـزَّوْرَقِ فِـي طَـاغِـي الْـعُـبَـابِ
لَــــيْــــسَ بِـــي دَاءٌ وَلَـــكِـــنِّـــي امْـــرُؤٌ
لَــسْـتُ فِـي أَرْضِـي وَلَا بَـيْـنَ صِـحَـابِـي
مَـــرَّتِ الْأَعْـــوَامُ تَـــتْـــلُـــو بَــعْــضَــهَــا
لِلْـوَرَى ضِـحْـكِـي وَلِـي وَحْـدِي اكْـتِـئَابِي
كُـــلَّـــمَــا اسْــتَــولَــدْتُ نَــفْــسِــي أَمَــلًا
مَـــدَّتِ الــدُّنْــيــا لَــهُ كَــفَّ اغْــتِــصَــابِ
أَفْـــلَـــتَـــتْ مِـــنِّـــي حَـــلَاوَاتُ الــرُّؤَى
عِــنْــدَمَــا أَفْــلَــتُّ مِــنْ كَــفِّـي شَـبَـابِـي
بِــــتُّ لَا الْإِلْــــهَــــامُ بَــــابٌ مُــــشْــــرَعٌ
لِــي، وَلَا الْأَحْــلَامُ تَــمْـشِـي فِـي رِكَـابِـي
أَشْــتَــهِــي الْــخَـمْـرَ وَكَـأْسِـي فِـي يَـدِي
وَأُحِــسُّ الــرُّوحَ تَــعْــرَى فِــي ثِــيَــابِـي
رَبِّ هَـــــبْـــــنِــــي لِــــبِــــلَادِي عَــــوْدَةً
وَلْــيَــكُــنْ لِلْــغَـيْـرِ فِـي الْأُخْـرَى ثَـوَابِـي
أَيُّـــهَـــا الْآتُـــونَ مِـــنْ ذَاكَ الْـــحِـــمَـــى
يَــا دُعَــاةَ الْــخَــيْــرِ، يَــا رَمْـزَ الـشَّـبَـابِ
كَــمْ هَــشَــشْــتُــمْ وَهَــشَــشْـنَـا لِلْـمُـنَـى
وَبَــكَــيْــتُــمْ وَبَــكَــيْــنَــا فِــي مُـصَـابِ!
وَاشْـــتَــرَكْــنَــا فِــي جِــهَــادٍ أَو عَــذَابٍ
وَالْــتَــقَــيْــنَــا فِــي حَـدِيـثِ أَو كِـتَـابِ!
وَعَـــرَفْـــتُـــمْ وَعَـــرَفْـــنَـــا مِـــثْــلَــكُــمْ
أَنَّـــمَـــا الْـــحَـــقُّ لِـــذِي ظُـــفْـــرٍ وَنَــابِ
كُــــلُّ أَرْضٍ نَــــامَ عَـــنْـــهَـــا أَهْـــلُـــهَـــا
فَــهْــيَ أَرْضٌ لِاغْــتِــصَــابٍ وَانْــتِــهَــابِ
زَعَــمُــوا الْإِنْــسَــانَ بِــالْــعِــلْــمِ ارْتَــقَـى
وَأُرَاهُ لَـــــمْ يَـــــزَلْ إِنْـــــسَــــانَ غَــــابِ
إِنَّــهُ الــثَّــعْــلَــبُ مَــكْــرًا وَهْــوَ كَـالـسَّـرْ
طَـــانِ غَـــدْرًا وَحَـــكِـــيــمٌ كَــالْــغُــرَابِ
يَـــا رِفَـــاقِــي حَــطِّــمُــوا أَقْــدَاحَــكُــمْ
لَــيْــسَ فِــي دَنِّــيَ خَــمْــرٌ لِانْــسِــكَــابِ
جَـــفَّ ضَــرْعُ الــشِّــعْــرِ عِــنْــدِي وَذَوَى
وَلَـــكَـــمْ عَــاشَ لِــمَــرْعَــي وَاحْــتِــلَابِ
أَيُّـــهَـــا الـــسَّـــائِـــلُ عَـــنِّـــي مَـــنْ أَنَــا
أَنَـا كَـالـشَّـمْـسِ إِلَـى الـشَّـرْقِ انْـتِـسَـابِي
لُـــغَـــةُ الْـــفُـــولَاذِ هَـــاضَـــتْ لُــغَــتِــي
لَا يَـعِـيـشُ الـشَّـدْوُ فِـي دُنْـيَا اصْطِخَابِ
لَــسْــتُ أَشْـكُـو إِنْ شَـكَـا غَـيْـرِي الـنَّـوَى
غُــرْبَــةُ الْأَجْــسَــامِ لَــيْـسَـتْ بِـاغْـتِـرَابِ
أَنَــا فِــي نِــيُــويُــورْكَ بِـالْـجِـسْـمِ وَبِـالـرُّ
وحِ فِــي الـشَّـرْقِ عَـلَـى تِـلْـكَ الْـهِـضَـابِ
فِـي ابْـتِـسَـامِ الْـفَجْرِ، فِي صَمْتِ الدُّجَى
فِــي أَسَــى تِــشْــرِيــنَ، فِــي لَـوْعَـةِ آبِ
أَنَــــا فِــــي الْـــغُـــوطَـــةِ زَهْـــرٌ وَنَـــدًى
أَنَــا فِــي «لُــبْــنَــانَ» نَـجْـوَى وَتَـصَـابِـي
إِنَّــــنِــــي أَلْــــمَـــحُ فِـــي أَوْجُـــهِـــكُـــمْ
دَفْــقَــةَ الــنُّــورِ عَــلَــى تِــلْــكَ الـرَّوَابِـي
وَأَرَى أَشْـــــبَـــــاحَ أَعْــــوَامٍ مَــــضَــــتْ
فِــــي كِــــفَــــاحٍ وَنِــــضَــــالِ وَوَثَــــابِ
وَأَرَى أَطْـــــيَـــــافَ عَـــــصْـــــرٍ زَاهِـــــرٍ
طَـالِـعٍ كَـالـشَّـمْـسِ مِـنْ خَـلْـفِ الْـحِجَابِ
لَــــيْــــتَــــهُ يُــــسْـــرِعُ كَـــيْ أُبْـــصِـــرَهُ
قَــبْــلَ أَنْ أَغْــدُو تُــرَابًــا فِــي الــتُّــرَابِ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الحنين إلى الوطن
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الرمل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١