بِلَادِي

تَــرَكْــتَ الــنَّــجْــمَ مِــثْـلَـكَ مُـسْـتَـهَـامَـا
فَـــإِنْ تَـــسْـــهُ سَـــهَــا أَوْ نِــمْــتَ نَــامَــا
بِــنَــفْــسِــكَ لَــوْعَــةٌ لَــوْ فِــي الْـغَـوَادِي
لَـــصَـــارَتْ كُـــلُّ مَـــاطِـــرَةٍ جَـــهَـــامَــا
وَفِـــيـــكَ صَـــبَـــابَــةٌ لَــوْ فِــي جَــمَــادٍ
لَأَشْــبَــهَ دَمْــعَــكَ الْــجَــارِي انْـسِـجَـامَـا
هَــوًى بِــكَ فِــي الْــعِــظَــامِ لَــهُ دَبِــيـبٌ
أَشَـــابَـــكَ وَهْـــوَ لَـــمْ يَـــبْــرَحْ غُــلَامَــا
يَــظُــنُّ اللَّــيْـلُ يَـحْـوِي فِـيـكَ شَـخْـصًـا
وَمَـــا يَـــحْــوِي الــدُّجَــى إِلَّا عِــظَــامَــا
نَــفَـيْـتَ الْـغَـمْـضَ عَـنْ جَـفْـنَـيْـكَ يَـأْتِـي
كَــــأَنَّـــكَ وَاصِـــلٌ فِـــيـــهِ الْـــمَـــلَامَـــا
أَتَـــأْرَقُ ثُــمَّ تَــرْجُــو الــطَّــيْــفَ يَــأْتِــي
شَــكَــاكَ الــطَّــيْــفُ لَــوْ مَـلَـكَ الْـكَـلَامَـا
شَــجَــتْــكَ الــنَّــائِــحَــاتُ بِـجُـنْـحِ لَـيْـلٍ
فَــبِــتَّ تُــسَــاجِــلُ الــنَّــوْحَ الْــحَــمَـامَـا
لَــكِــدْتَ تُــعَــلِّــمُ الــطَّــيْــرَ الْــقَــوَافِــي
وَكِـــدْتَ تُـــعَـــلِّـــمُ اللَّـــيْـــلَ الْــغَــرَامَــا
إِذَا ذُكِـــرَ الـــشَّـــآمُ بَـــكَـــيْـــتَ وَجْـــدًا
وَمَــــا تَـــنْـــفَـــكُّ تَـــذَّكِـــرُ الـــشَّـــآمَـــا
وَكُــــنْــــتَ سَــــلَــــوْتَـــهُ إِلَّا قَـــلِـــيـــلًا
وَكُــــنْــــتَ هَــــجَـــرْتَـــهُ إِلَّا لِـــمَـــامَـــا
رُوَيْـــــدَكَ أَيُّـــــهَــــا اللَّاحِــــي رُوَيْــــدًا
لَـــكَ الْـــوَيْـــلَاتُ لَـــيْـــتَ سِــوَاكَ لَامَــا
أَأَرْقُــدُ وَالْــخُــطُــوبُ تَــطُــوفُ حَـوْلِـي
وَأَقْـــعُـــدُ بَـــعْــدَمَــا الــثَّــقَــلَانِ قَــامَــا
وَيَـــشْـــقَـــى مَــوْطِــنِــي وَأَنَــامُ عَــنْــهُ
إِذَنْ مَــنْ يَــدْفَــعُ الْــخَـطَـرَ الْـجِـسَـامَـا؟
بِـــــــلَادِي! لَا عَـــــــرَا شَــــــرٌّ بِــــــلَادِي
وَلَا بَـــلَـــغَ الْـــعِـــدَى مِـــنْـــهَــا مَــرَامَــا
لَــبِــسْــتُ اللَّــيْــلَ إِشْــفَــاقًــا عَــلَــيْــهَـا
وَإِنْ شَــاءَتْ لَــبِــسْــتُ لَــهَــا الْــقَــتَـامَـا
وَقَـــفْـــتُ لَـــهَــا الْــيَــرَاعَ أَذُبُّ عَــنْــهَــا
فَــإِنْ يَــكْــهَــمْ وَقَــفْـتُ لَـهَـا الْـحُـسَـامَـا
سَــقَــى قُــطْــرَ الــشَّــآمِ الْــقَـطْـرُ عَـنِّـي
وَحَـــيَّـــا أَهْـــلَـــهُ الــصِّــيــدَ الْــكِــرَامَــا
دَوَتْ صَــيْــحَــاتُــهُــمْ فِــي كُــلِّ صُــقْـعٍ
فَــكَــادَتْ تَــنْــشُــرُ الْــمَــوْتَــى الـرِّمَـامَـا
وَتَــطْــبَـعُ فِـي الْـمُـحَـيَّـا الْـجَـهْـمِ بِـشْـرًا
وَتُــغْــلِــقُ فِـي فَـمِ الـثَّـكْـلَـى ابْـتِـسَـامَـا
فَـــحَـــوَّلَـــتِ الْـــقُـــنُـــوطَ إِلَــى رَجَــاءٍ
وَصَــيَّــرَتِ الْــوَنَــى فِــيــنَــا اعْــتِــزَامَـا
غَـــدَوْنَـــا كُـــلَّـــمَـــا ذُكِـــرُوا طَـــرِبْــنَــا
كَـــأَنَّ بِـــنَـــا الْـــمُــعَــتَّــقَــةَ الْــمُــدَامَــا
وَلَـــمْ أَرَ كَــالــضَّــمِــيــرِ الْــحُــرِّ فَــخْــرًا
وَلَـــمْ أَرَ كَـــالــضَّــمِــيــرِ الْــعَــبْــدِ ذَامَــا
إِذَا غَـــابَ الــذَّلِــيــلُ الــنَّــفْــسِ عَــنِّــي
نَــظَــرْتُ إِلَــى الَّــذِي حَــمَــلَ الْــوِسَـامَـا
إِذَا جَــــلَــــبَ الْـــكَـــلَامُ عَـــلَـــيَّ عَـــارًا
هَــجَــرْتُ الــنُّــطْــقَ أَحْــسَــبُــهُ حَـرَامَـا
وَأَجْــفُــو الْــقَــصْــرَ يُــلْــزِمُــنِـي هَـوَانًـا
وَأَهْــوَى الْــعِــزَّ يُــلْــزِمُــنِــي الْــحِـمَـامَـا
رِجَــالَ الــتُّــرْكِ مَــا نَــبْــغِـي انْـتِـقَـاصًـا
لِـــعُـــمْـــرِكُــمُ وَلَا نَــبْــغِــي انْــتِــقَــامَــا
وَلَــــكِــــنَّـــا نُـــطَـــالِـــبُـــكُـــمْ بِـــحَـــقٍّ
وَنَــكْــرَهُ مَــنْ يُــرِيــدُ لَــنَــا اهْــتِـضَـامَـا
حَـــمَـــلْــنَــا نِــيــرَ ظُــلْــمِــكُــمُ قُــرُونًــا
فَـــــأَبْـــــلَاهَـــــا وَأَبْـــــلَانَـــــا وَدَامَـــــا
رَعَـــيْـــتُــمْ أَرْضَــنَــا فَــتَــرَكْــتُــمُــوهَــا
إِذَا وَقَـــعَ الْـــجَـــرَادُ رَعَـــى الـــرُّغَــامَــا
فَـــبَـــاتَ الــذِّئْــبُ يَــشْــكُــوكُــمْ عُــوَاءً
وَبَــاتَ الــظَّــبْــيُ يَــشْــكُــوكُــمْ بُـغَـامَـا
جَـــرَيْــتُــمْ ﺑِ «الْــهِــلَالِ» إِلَــى مُــحَــاقٍ
وَلَـــوْلَا جَـــهْـــلُــكُــمْ بَــلَــغَ الــتَّــمَــامَــا
وَكُـــنْـــتُـــمْ كُـــلَّـــمَـــا زِدْنَـــا لِـــيَـــانًـــا
لِـــنَـــسْـــبِـــرَ غَـــوْرَكُــمْ زِدْتُــمْ عَــرَامَــا
فَــــمَـــا رَاقَـــبْـــتُـــمُ فِـــيـــنَـــا جِـــوَارًا
وَلَا حَـــفِـــظَـــتْ لَــنَــا يَــدُكُــمْ ذِمَــامَــا
أَثَـــرْتُـــمْ بَـــيْـــنَــنَــا الْأَحْــقَــادَ حَــتَّــى
لَــيَــقْــتُــلُ بَــعْــضُــنَـا بَـعْـضًـا خِـصَـامَـا
وَشَـــاءَ اللـــهُ كَـــيْـــدَكُـــمُ فَـــبِـــتْـــنَـــا
كَــمِــثْــلِ الْــمَــاءِ وَالْــخَــمْــرِ الْــتِــئَـامَـا
فَــجَــهْــلًا تَــبْــعَــثُــونَ الــرُّسْــلَ فِـيـنَـا
تَـــدِيـــفُ لَـــنَــا مَــعَ الْأَرْيِ الــسِّــمَــامَــا
سَــنَــرْمُــقُــهُــمْ إِذَا طَــلَــعُــوا عَــلَــيْــنَـا
كَـــأَنَّـــا نَـــرْمُـــقُ الـــدَّاءَ الْـــعُـــقَـــامَـــا
فَــــإِنَّ عُــــرًى شَــــدَدْنَـــاهَـــا وَثَـــاقًـــا
نَــمُــوتُ وَلَا نُــطِــيــقُ لَــهَــا انْــفِـصَـامَـا
خَــفِ الــتُّــرْكِــيَّ يَــحْــلِـفُ بِـالْـمَـثَـانِـي
وَخَـــفْـــهُ كُـــلَّـــمَـــا صَـــلَّـــى وَصَــامَــا
وَمَـــنْ يَـــسْـــتَـــنْـــزِلِ الْأَتْــرَاكَ خَــيْــرًا
كَــمَــنْ يَــسْــتَــقْــبِـسُ الْـمَـاءَ الـضِّـرَامَـا
هُـــمُ نَـــزَعُـــوا لِـــوَاءَ الْـــمُـــلْــكِ مِــنَّــا
وَنَـــازَعَـــنَــا طَــغَــامُــهُــمُ الــطَّــعَــامَــا
وَقَــــالُــــوا: نَــــحْــــنُ لِلْإِسْـــلَامِ سُـــورٌ
وَإِنَّ بِـــنَـــا الْـــخِـــلَافَـــةَ وَ«الْإِمَـــامَــا»
فَــهَــلْ فِــي دِيــنِ أَحْــمَــدَ أَنْ يَـجُـورُوا
وَهَــلْ فِــي دِيــنِ أَحْــمَــدَ أَنْ نُــضَـامَـا؟
إِلَــى كَــمْ يَــحْــصُـرُونَ الْـحُـكْـمَ فِـيـهِـمْ
وَكَــمْ ذَا يَــبْــتَــغُــونَ بِــنَــا احْــتِــكَـامَـا
أَلَـــسْـــنَـــا نَـــحْـــنُ أَكْـــثَــرَهُــمْ رِجَــالًا
إِذَا عُــــدُّوا وَأَرْفَــــعَــــهُــــمْ مَـــقَـــامَـــا
إِذَا طَــلَــعَــتْ ذُكَــاءُ فَــلَــيْــسَ تَـخْـفَـى
وَلَـــوْ حَــاكُــوا الــظَّــلَامَ لَــهَــا لِــثَــامَــا
مُـــخَــوِّفَــنَــا الْــمُــثَــقَّــفَــةَ الْــعَــوَالِــي
لَـــقَــدْ هَــدَّدْتَ بِــالْــجَــمْــرِ الــنَّــعَــامَــا
سَــنُــوقِــدُهَــا تُــعِــيــرُ الــشَّــمْـسَ نَـارًا
وَيُــعْــيِــي أَمْــرُهَــا الْــجَــيْـشَ اللُّـهَـامَـا
وَعِــــلْــــمُ الْــــمَــــرْءِ أَنَّ الْــــمَـــوْتَ آتٍ
يُـــهَـــوِّنُ عِـــنْـــدَهُ الْـــمَـــوْتَ الــزُّؤَامَــا

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الحنين إلى الوطن
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الوافر
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١