فَتْحُ بِرْلِينَ

Wave Image
تَــنَــفَّــسَ الـصُّـبْـحُ إِذْ لَاحَـتْ بَـوَادِرُهُ
وَوَدَّعَ الــلَّـيْـلَ بَـعْـدَ الـسُّـهْـدِ سَـاهِـرُهُ
جَــلَاهُ فِـي غَـلَـسِ الْأَسْـحَـارِ كَـوْكَـبُـهُ
لَـمَّـا انْـجَـلَـى الـلَّيْلُ وَانْجَابَتْ دَيَاجِرُهُ
أَنَــافَ بَــيْــنَ دُخَــانٍ كَــانَ مُــنْـعَـقِـدًا
عَـــلَــى ظَــلَامٍ كَأَنَّ الْــحَــشْــرَ آخِــرُهُ
شَـخَـصْتُ فَارْتَدَّ طَرْفِي عَنْهُ مِنْ وَهَجٍ
وَجَــدَّدَ الْــوَجْــدَ مَــا أَذْكَـتْ بَـشَـائِـرُهُ
لَيْسَ الْمَجُوسُ عَلَى شَيْءٍ وَقَدْ كَفَرُوا
فَـهَـلْ دَرَى الْـكُـفْـرُ مَـنْ مِـنَّا مُعَاصِرُهُ؟
لَــمْ تُــعْــبَــدِ الـنَّـارُ إِلَّا فِـي هَـيَـاكِـلِـنَـا
وَلَا الْـحَـدِيـدُ الَّـذِي تَـغْـلِـي مَـجَـامِـرُهُ
•••
أَهَــلَّ لِــلــهِ عِــنْــدَ الْــفَــجْــرِ نَــاظِـرُهُ
وَغَــضَّ جَــفْــنَــيْـهِ لَـمَّـا شَـاعَ بَـاهِـرُهُ
تِــلْــكَ الـدِّمَـاءُ تَـرَاءَى لَـوْنُـهَـا شَـفَـقًـا
تَأَمَّــلِ الْأُفْــقَ وَانْــظُــرْ مَــا يُـخَـامِـرُهُ
أَسَـالَ هَـذَا الـدَّمُ الْـبَـادِي عَـلَـى فَـلَـقٍ
فِـي حُـمْـرَةِ الْأُفْـقِ لَـمَّـا فَاضَ زَاخِرُهُ؟
أَمْ غَـاضَ فَـانْـعَـكَـسَـتْ حُـمْرًا سَبَائِكُهُ
وَنَــمَّ عَــمَّـا بِـجَـوْفِ الْأَرْضِ ظَـاهِـرُهُ؟
أَصَـــابَــهَــا وَابِــلٌ عِــزْرِيــلُ صَــوَّبَــهُ
فَــهَــلْ رَوَاهَــا نَــجِـيـعٌ جَـفَّ بَـاكِـرُهُ؟
وَهَــلْ تَــرَامَــى إِلَـى الْأَثْـبَـاجِ صَـيِّـبُـهُ
فَــذَابَ فِــي شَــفَــقِ الْآفَـاقِ مَـائِـرُهُ؟
•••
سُــبْـحَـانَ مَـنْ يَـرِثُ الـدُّنْـيَـا وَآهِـلَـهَـا
جَــرَى الْــقَـضَـاءُ بِـمَـا أَمْـلَـتْ مَـقَـادِرُهُ
دَوَّى مِـنَ الْـغَـرْبِ نَـاقُـوسٌ يُـجَـلْـجِلُهُ
وَهَــلَّــلَ الــشَّــرْقُ وَاهْـتَـزَّتْ مَـنَـابِـرُهُ
تَــدَاوَلَ الْــقَــدَرُ الْأَيَّــامَ وَاخْــتَــلَـفَـتْ
عَــلَــى الْــعِــبَـادِ كَـمَـا شَـاءَتْ دَوَائِـرُهُ
وَإِنَّـــمَـــا نَــحْــنُ وَالْأَقْــدَارُ سَــاخِــرَةٌ
عَــلَــى شَــفَــا جُــرُفٍ هَــارٍ نُــجَـاوِرُهُ
لَـيْـسَ الـشُّـجَـاعُ وَإِنْ أَبْـلَـى عَلَى أَمَلٍ
حَــتَّــى يُــتَــاحَ لَــهُ حَــظٌّ يُــضَـافِـرُهُ
صَـحَـا مِـنَ الْـحُـلْـمِ نَـشْـوَانٌ وَمُنْتَصِرٌ
وَعَــزَّ بَــعْــدَ بِــسَــاطِ الــرَّاحِ نَــاصِـرُهُ
لَـمْ يَـدْرِ مَـنْ نَـبَـشَ الْـغَـبْـرَاءَ سَـاعِـدُهُ
أَيَّ الْــمَــقَــابِــرِ خَــطَّــتْــهَــا أَظَــافِـرُهُ
عَـصَـى الْأَسِـيـرُ وَلَـمْ تُـقْـبَـلْ شَـفَاعَتُهُ
وَآبَ بِــالْــقَــيْــدِ بَــعْــدَ الْأَسْــرِ آسِــرُهُ
•••
جِنٌّ أَغَارُوا عَلَى «الْبِلْجِيكِ» وَانْدَفَعُوا
كَـالـسَّـيْـلِ يَـنْـسِـفُ مَـا يَـلْـقَـاهُ غَامِرُهُ
سُـرْعَـانَ مَـا جَـرَفَ «الْأَلْزَاسَ» زَاحِفُهُ
إِلَـى الـشَّـمَـالِ وَعَـبْرَ «الْمَانْشِ» قَاهِرُهُ
فَـارْتَـدَّ كَـالْـبَـرْقِ طُـوفَـانًـا وَصَـاعِـقَـةً
وَصَـبَّ فِـي الـشَّرْقِ مَا صَبَّتْ زَوَاخِرُهُ
أَدَالَ رَبُّــكَ مِــنْ مُــلْــكٍ أَحَــاقَ بِــهِــمْ
مِـنْـهُ الْـعَـذَابَ وَلَـمْ تَـسْـلَـمْ حَـوَاضِرُهُ
هُـمْ أَضْـرَمُـوهَـا وَشَـنُّـوهَـا عَـشَـوْزَنَـةً
لَــمْ يَــدْرِ مُــضْـرِمُـهَـا مَـاذَا يُـخَـاطِـرُهُ
فِــي كُـلِّ حَـاضِـرَةٍ قَـبْـرٌ لِـحَـاضِـرِهِـمْ
وَكُـــلُّ مَـــقْــبَــرَةٍ فِــيــهَــا مَــقَــابِــرُهُ
أَيْـنَ الْأُسُـودُ الـضَّـوَارِي؟ أَيْنَ غِيلُهُمُ؟
هَـذَا الْـعَـرِيـنُ، فَـهَـلْ زَالَـتْ قَـسَاوِرُهُ؟
وَأَيْــنَ بِـرْلِـيـنُ هَـلْ عَـفَّـتْ مَـعَـالِـمَـهَـا
صَــوِاعِــقُ الْـجَـوِّ أَصْـلَـتْـهَـا أَعَـاصِـرُهُ
أَمْ زَلْــزَلَــتْ وَمَــحَــتْ آثَــارَهَـا سَـقَـرٌ
يَـحْـمُـومُـهَـا الـلَّـيْـلُ لَـوْلَا مَـا يُـسَاوِرُهُ
فَـالـشُّـهْـبُ طَـالِـعَـةٌ فِيهَا إِذَا اسْتَعَرَتْ
وَالــلَّــيْــلُ مُــنْــهَــتِــكٌ لَـوْلَا سَـتَـائِـرُهُ
وَالْـخَـيْـلُ صَـافِـنَـةٌ شَـلَّـتْ حَـوَافِـرُهَا
عَــلَــى أَدِيــمٍ مِــنَ الْأَشْــلَاءِ سَــائِــرُهُ
حَـارَتْ، أَتُـحْـجِـمُ وَالْإِقْـدَامُ يَـمْـنَـعُهَا؟
وَكَـيْـفَ تَـسْـبَـحُ فِـي سَـيْـلٍ تُـحَاذِرُهُ؟
مَــالَ الــرَّغَــامُ بِأَطْــلَالٍ يُــحَــرِّكُــهَــا
دَمٌ يَــفِــيــضُ مِــنَ الْأَشْــلَاءِ هَــامِـرُهُ
لَـمْ يُغْنِ «سِيجْفِرِيدْ» عَنْهَا يَوْمَ نَكْبَتِهَا
وَلَا حَــمَــاهُــمْ مِــنَ الـنِّـيـرَانِ سَـاتِـرُهُ
كَأَنَّــمَــا جِــيَــفُ الْــقَــتْـلَـى وَدَاثِـرُهَـا
بَــحْــرٌ يَـمُـوجُ وَمَـا يَـطْـفُـو مَـوَاخِـرُهُ
هَـزِيـمَـةٌ غَـشِـيَـتْـهُـمْ فِـي مَـعَـاقِـلِـهِـمْ
فَـانْهَارَ «سِيجْفِرِيدْ» وَانْدَكَّتْ مَخَافِرُهُ
وَأَيْــنَ مُــلْــكٌ عَــرِيــضٌ عَــزَّ جَـانِـبُـهُ
لَــوْ شَــاءَ رَبُّــكَ مَـا طَـارَتْ عَـسَـاكِـرُهُ
طَـارُوا شَـعَـاعًـا وَزَالُـوا عَـنْ كَـتَـائِبِهِمْ
كَــمَــا تَــطَــايَــرُ عَــنْ عِـهْـنٍ غَـفَـائِـرُهُ
•••
نَــعَــاكِ «بِـرْلِـيـنُ» بَـرْقٌ جَـلَّ مَـوْقِـعُـهُ
فِـي الْـعَـالَـمِـيـنَ وَلَـمْ تُـشْفِقْ مَصَادِرُهُ
وَخَــفَّــفَ الْــحُـزْنَ عَـنَّـا مَـا يُـحَـقِّـقُـهُ
نَــصْــرُ الْــحَــلِـيـفِ وَمَـا زِلْـنَـا نُـؤَازِرُهُ
أَمَــانَــةٌ حَــمَــلَــتْــهَــا مِـصْـرُ رَاضِـيَـةً
وَالـسَّـيْـفُ مُـنْـصَـلِـتٌ وَالْمَوْتُ شَاهِرُهُ
لَــوْلَا الْـعِـنَـايَـةُ لَـمْ تَـسْـلَـمْ عَـوَاقِـبُـهَـا
وَالْـفَـالُ نَـحْـسٌ عَـلَى الْحِلْفَيْنِ طَائِرُهُ
•••
يَـا عُـصْـبَـةَ الْـحِـلْفِ مَاذَا فِي كِنَانَتِكُمْ
مَـنِ الـذَّبِـيـحُ وَمَـنْ فِي السِّلْمِ نَاحِرُهُ؟
أَوْرَدْتُــمُــوهُ سَــرَابًــا مِـنْ سُـلَافَـتِـكُـمْ
فَــعَــلَّــهُ الْــوَهْـمُ مِـنْ وَهْـمٍ يُـحَـاوِرُهُ
وَزِدْتُــمُــوهَــا نَــوَاةً مِــنْ مَــوَائِــدِكُـمْ
عَــلَــى خِـوَانٍ قَـدِ ازْدَانَـتْ مَـظَـاهِـرُهُ
الْـيَـوْمَ تَـقْـضُـونَ إِنْ عَـدْلًا وَإِنْ سَـفَـهًا
وَالـسَّـيْـفُ أَعْـدَلُ فِـي الْـحَـالَـيْنِ آمِرُهُ
قَـاضِـي الْـقُـضَـاةِ إِذَا أَفْـتَـى بِـحُـجَّتِهِ
الْـحَـقُّ فِـي الْـغِـمْـدِ إِمَّـا صَـالَ عَـاذِرُهُ
وَلَــيْــسَ يَــنْــهَــضُ مُــلْـكٌ لَا يُـؤَيِّـدُهُ
حَــقٌّ وَإِنْ حَــمِــيَــتْ حِــيـنًـا بَـوَاتِـرُهُ

عن القصيدة

  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: البسيط
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

عزيز فهمي: شاعر مصري امتازَ بإنتاجٍ شِعريٍّ وفير، حازَ على إعجابِ مُعاصِريه في النصف الأول من القرن العشرين؛ لا سيما عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

وُلِد «عزيز عبد السلام فهمي محمد جمعة» في طنطا عامَ ١٩٠٩م، وكان والده أحدَ قِياديِّي حزب الوفد. تلقَّى «عزيز» تعليمَه الأساسي في مَسقط رأسه، ثم انتقَلَ إلى القاهرة فأكمَلَ دراستَه بمدرسة الجيزة الثانوية، والْتَحقَ بعدَها بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وفي الوقت نفسه انتسب إلى كلية الآداب، فدرَسَ فيهما معًا، وبعدما حصل على ليسانس الحقوق سافرَ إلى فرنسا لدراسة القانون، وهناك حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون عامَ ١٩٣٨م.

بعد عودته من فرنسا عمل بالنيابة، غيرَ أنه فُصِل من عمله بعدَ إقالة الحكومة الوفدية عامَ ١٩٤٤م، فاشتغل بالمحاماة، وانتُخِب لعضوية البرلمان المصري عن حزب الوفد عامَ ١٩٥٠م، وكانت له فيه صَولاتٌ وجَولاتٌ أشهَرُها دِفاعُه عن حُرية الصحافة؛ ما أوغَرَ صدْرَ المَلِك عليه، فاعتُقِل بتهمة العيب في الذات المَلكية إبَّانَ الحربِ العالَمية الثانية. وشارَكَ «عزيز» في تحرير الصُّحف والمَجَلات التي كان يُصدِرها حزبُ الوفد، وكان عضوًا في كتائب الفدائيِّين، واشترَكَ في عملياتٍ فِدائيةٍ استهدفَتْ معسكراتِ قواتِ الاحتلالِ الإنجليزي.

أمَّا شِعْره فيتنوَّع بينَ قصائدَ طويلةٍ ومتوسطةِ الطول، ويتَّجه إلى رِثاء النفس، والغَزَل العفيف، ومَدِيح أعلام عصره، وبخاصةٍ «طه حسين» و«حافظ إبراهيم»، ورثاء آخَرين، فضلًا عن بُروزِ النَّزْعةِ الوطنية في شِعره واهتمامِه بقضايا الوطن. وله قصائدُ نشرَتْها مَجلاتٌ عِدَّة، منها: «الرسالة»، و«الثقافة»، و«الإرادة»، و«السياسة»، وقد نُشِر معظمُ شِعره في ديوانه «ديوان عزيز» عَقِب وفاته، وقدَّمَ للديوان الدكتور طه حسين، الذي أبدى في كلمته أسًى كبيرًا على الشاعر المُجِيد، الذي تَخطَّفَتْه يدُ المَنُون عاجلًا عامَ ١٩٥٢م في العيَّاط جنوبي القاهرة غَرَقًا في تُرْعةٍ مائية، بعدَ انقلابِ سيارةِ الأجرة التي كان يَستقِلُّها أثناءَ مُحاوَلتِه اللَّحاقَ بقطارِ الصَّعِيد ليتمكَّنَ من التَّرافُع في إحدى القضايا.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢