الشَّاعِرُ فِي السَّمَاءِ

رَآنِــــــــــيَ اللــــــــــهُ ذَاتَ يَــــــــــوْمٍ
فِـــي الْأَرْضِ أَبْـــكِــي مِــنَ الــشَّــقَــاءْ
فَـــــــرَقَّ، وَاللـــــــهُ ذُوْ حَـــــــنَـــــــانٍ
عَــــلَــــى ذَوِي الـــضُّـــرِّ وَالْـــعَـــنَـــاءْ
وَقَـــــالَ: لَـــــيْـــــسَ الــــتُّــــرَابُ دَارًا
لِلـــشِّـــعْـــرِ فَــارْجِــعْ إِلَــى الــسَّــمَــاءْ
وَشَـــادَ فَـــوْقَ الـــسِّـــمَـــاكِ بَــيْــتِــي
وَمَـــدَّ مُـــلْـــكِـــي عَـــلَــى الْــفَــضَــاءْ
فَــالْــتَــفَّــتِ الـشُّـهْـبُ حَـوْلَ عَـرْشِـي
وَسَـــارَ فِـــي طَـــاعَـــتِــي الــضِّــيَــاءْ
وَصِــــرْتُ لَا يَــــنْــــطَـــوِي صَـــبَـــاحٌ
إِلَّا بَــــــــأَمْــــــــرِي وَلَا مَـــــــسَـــــــاءْ
وَلَا تَـــــسُــــوقُ الْــــغُــــيُــــومَ رِيــــحٌ
إِلَّا وَلِــــــي فَــــــوْقَــــــهَــــــا لِــــــوَاءْ
فَـــالْأَمْـــرُ بَـــيْـــنَ الـــنُّــجُــومِ أَمْــرِي
لِــي الْــحُــكْــمُ فِــيـهَـا وَلِـي الْـقَـضَـاءْ
لَــــكِــــنَّــــنِــــي لَـــمْ أَزَلْ حَـــزِيـــنًـــا
مُـــكْـــتَـــئِـــبَ الـــرُّوحِ فِــي الْــعَــلَاءْ
فَــاسْــتَــغَــرَبَ اللــهُ كَــيْــفَ أَشْــقَــى
فِـــي عَـــالَـــمِ الْـــوَحْـــيِ وَالــسَّــنَــاءْ
وَقَــــــــالَ: مَـــــــا زَالَ آدَمِـــــــيًّـــــــا
يَـــصْـــبُـــو إِلَــى الْــغِــيــدِ وَالــطِّــلَاءْ
وَمَـــسَّ رُوحِـــي وَاسْـــتَـــلَّ مِـــنْــهَــا
شَـــوْقِــي إِلَــى الْــخَــمْــرِ وَالــنِّــسَــاءْ
وَظَــــنَّ أَنِّــــي انْــــتَـــهَـــى بَـــلَائِـــي
فَـــــلَـــــمْ يَــــزِدْنِــــي سِــــوَى بَــــلَاءْ
وَاشْـــتَـــدَّ نَـــوْحِـــي وَصَـــارَ جَــهْــرًا
وَكَـــانَ مِـــنْ قَـــبْـــلُ فِــي الْــخَــفَــاءْ
وَصَــــارَ دَمْــــعِــــي سُــــيُــــولَ نَـــارٍ
وَكَـــــانَ قَـــــبْــــلًا سُــــيُــــولُ مَــــاءْ
يَـــا أَيُّـــهَـــا الـــشَّـــاعِـــرُ الْــمُــعَــنَّــى
حَـــــيَّـــــرَنِـــــي دَاؤُكَ الْـــــعَـــــيَــــاءْ
هَــلْ تَــشْــتَــهِــي أَنْ تَــكُــونَ طَـيْـرًا؟
فَـــــقُـــــلْـــــتُ: كَـــــلَّا وَلَا غِــــنَــــاءْ!
هَــلْ تَــشْــتَــهِــي أَنْ تَــكُـونَ نَـجْـمًـا؟
أَجَــــــبْــــــتُ: كَـــــلَّا، وَلَا بَـــــهَـــــاءْ!
هَــلْ تَــبْــتَــغِــي الْــمَــالَ؟ قُـلْـتُ: كَـلَّا
مَـــا كَـــانَ مِـــنْ مَــطْــلَــبِــي الــثَّــرَاءْ
وَلَا قُـــــــصُـــــــورًا وَلَا رِيَــــــاضًــــــا
وَلَا جُــــــــــنُــــــــــودًا وَلَا إِمَــــــــــاءْ
وَلَـــــيْـــــسَ مَـــــا بِــــي يَــــا رَبُّ دَاءٌ
وَلَا احْـــــتِـــــيَـــــاجِــــي إِلَــــى دَوَاءْ
وَلَا حَـــنِـــيـــنِـــي إِلَـــى الْـــقَــنَــانِــي
وَلَا اشْـــتِـــيَـــاقِـــي إِلَـــى الـــظِّــبَــاءْ
وَلَا أُرِيــــــدُ الَّــــــذِي لِــــــغَـــــيْـــــرِي
ذَا حِــــكْــــمَــــةٍ كَــــانَ أَمْ مَــــضَــــاءْ
لَــــكِــــنَّ أُمْــــنِــــيَّـــةً بِـــنَـــفْـــسِـــي
يَـــسْـــتُـــرُهَــا الْــخَــوْفُ وَالْــحَــيَــاءْ
فَـــقَـــالَ: يَـــا شَـــاعِـــرًا عَـــجِـــيــبًــا
قُـــلْ لِـــي إِذَنْ مَـــا الَّـــذِي تَـــشَـــاءْ؟
فَـــقُـــلْــتُ: يَــا رَبِّ، فَــصْــلَ صَــيْــفٍ
فِــــي أَرْضِ لُــــبْــــنَــــانَ أَوْ شِـــتَـــاءْ
فَــــإِنَّــــنِــــي هَــــا هُـــنَـــا غَـــرِيـــبٌ
وَلَــــيْــــسَ فِــــي غُــــرْبَــــةٍ هَـــنَـــاءْ
فَــاسْــتَــضْــحَــكَ اللــهُ مِــنْ كَــلَامِـي
وَقَـــــالَ: هَـــــذَا هُـــــوَ الْــــغَــــبَــــاءْ
لُـــــبْـــــنَـــــانُ أَرْضٌ كَـــــكُـــــلِّ أَرْضٍ
وَنَـــــــاسُـــــــهُ وَالْـــــــوَرَى سَــــــوَاءْ
وَفِـــيـــهِ بُـــؤْسَــى وَفِــيــهِ نُــعْــمَــى
وَأَرْدِيَـــــــــاءٌ وَأَتْـــــــــقِــــــــيَــــــــاءْ
فَــــأَيَّ شَــــيْءٍ تَـــشْـــتَـــاقُ فِـــيـــهِ؟
فَــــقُــــلْــــتُ: مَــــا سَـــرَّنِـــي وَسَـــاءْ
تَـــحِـــنُّ نَــفْــسِــي إِلَــى الــسَّــوَاقِــي
إِلَــــى الْأَقَــــاحِــــي إِلَـــى الـــشَّـــذَاءْ
إِلَـــى الـــرَّوَابِــي تَــعْــرَى وَتُــكْــسَــى
إِلَـــى الْـــعَـــصَـــافِـــيـــرِ وَالْـــغِـــنَــاءْ
إِلَــــى الْـــعَـــنَـــاقِـــيـــدِ وَالـــدَّوَالِـــي
وَالْـــــمَـــــاءِ وَالــــنُّــــورِ وَالْــــهَــــوَاءْ
فَــــــأَشْـــــرَفَ اللـــــهُ مِـــــنْ عُـــــلَاهُ
يَـــشْـــهَـــدُ لُــبْــنَــانَ فِــي الْــمَــسَــاءْ
فَــــقَــــالَ: مَــــا أَنْــــتَ ذُو جُــــنُـــونٍ
وَإِنَّــــــــمَــــــــا أَنْـــــــتَ ذُو وَفَـــــــاءْ
فَــــإِنَّ لُــــبْــــنَــــانَ لَــــيْـــسَ طَـــوْدًا
وَلَا بِــــــلَادًا لَــــــكِــــــنْ سَــــــمَــــــاءْ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: حب الوطن
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: البسيط
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١