تَزَاوُجُ النُّفُوسِ

Wave Image
إِنَّ الـــنُّـــفُـــوسَ لَأَسْـــرَارٌ مُـــخَـــبَّــأةٌ
فَــكُــلُّ رُوحٍ عَــنِ الْأَدْنَــيْــنِ مُـسْـتَـتِـرُ
وَكُـــلُّ رُوحٍ عَـــلَــى الْأَيَّــامِ مُــنْــفَــرِدٌ
إِنَّ الــنُّــفُــوسَ لَــدَى أَسْــرَارِهَــا جُـزُرُ
إِنْ كَــانَ رُوحُــكَ لُــغْــزًا أَنْـتَ بَـاحِـثُـهُ
فَـكَـيْـفَ تَـعْـرِفُ نَـفْـسًـا دَأْبُـهَـا الْـحَـذَرُ
مَـجَـاهِـلَ الـنَّفْسِ هَلْ مِنْ كَاشِفٍ فَطِنٍ
لَــقَــدْ بَــعِــدْتِ فَــلَا رَكْــبٌ وَلَا سَــفَــرُ
مَـجَـاهِـلَ الـنَّـفْسِ هَلْ مِنْ بَاحِثٍ يَقِظٍ
طَـــالَ الـــتَّـــسَــاؤُلُ لَا رَاوٍ وَلَا خَــبَــرُ
وَالْـحُـبُّ تَـكْـشِـفُ بَـعْـضَ النَّفْسِ هَبَّتُهُ
وَأَكْــثَــرُ الــنَّـفْـسِ كَـنْـزٌ صَـانَـهُ الْـمَـدَرُ
كَــأَنَّــمَـا الـنَّـفْـسُ تَـبْـدُو خَـلْـفَ كِـلَّـتِـهِ
سَـحَـابَـةُ الـصَّـيْـفِ فِـيـهَا الْبَدْرُ يَسْتَتِرُ
لِلـنَّـفْـسِ بِـالـنَّـفْـسِ تَـلْـقِـيـحٌ يُـطَـيِّـبُهَا
كَــمَــا يُــلَـقَّـحُ فِـي بُـسْـتَـانِـهِ الـشَّـجَـرُ
وَفِــي الـنَّـفُـوسِ دُرُوعٌ لِلـنُّـفُـوسِ فَـلَا
تَــرْقَـى إِلَـى كَـيْـدِهَـا الْأَقْـدَارُ وَالْـغِـيَـرُ
أَهْـوَتْ إِلَـى الـنَّفْسِ نَفْسٌ تَبْتَغِي سَكَنًا
حَـتَّـى تَـطَـايَـرَ مِـنْ حُـبَّـيْـهِـمَـا الـشَّـرَرُ
يُـوَلِّـدُ الْـحُـبُّ نَـفْـسًـا غَـيْـرَ مَـا ضَـمِـنَـا
فَـالْـوَامِـقُـونَ بِـمَـا قَـدْ عَـالَـجُـوا كَثُرُوا
وَكُــلُّ قَـلْـبٍ يَـعِـيـشُ الـدَّهْـرَ مُـنْـفَـرِدًا
كَــالْــبِــيــدِ وَالْـبِـيـدُ لَا مَـاءٌ وَلَا شَـجَـرُ
وَالْـحُـبُّ كَـالـنَّـارِ زَانَ الـنَّـفْـسَ صَـيْقَلُهُ
وَالْــحُــبُّ كَــالــنَّـارِ لَا يُـبْـقِـي وَلَا يَـذَرُ
كَـمْ خَـائِـفٍ جَـاءَهُ مِـنْ حَـيْـثُ يَـدْفَعُهُ
خَـوْفٌ وَكَـمْ حَـاذِرٍ لَـمْ يُـجْـدِهِ الْـحَـذَرُ
الْـخُـلْـدُ فِـي وَحْـشَـةٍ كَـالْـمَـوْتِ نَجْنُبُهُ
فَـــكُــلُّ رُوحٍ إِلَــى الْأَرْوَاحِ مُــفْــتَــقِــرُ
لَا يُـبْـتَـغَـى الْـخُـلْـدُ إِلَّا وَالْـهَـوَى سَـكَنٌ
فَـالْـخُـلْـدُ لَـوْلَا الْـهَـوَى الـزَّقُّومُ وَالصَّبْرُ
وَيَـبْـتَـغِـي الْـمَـرْءُ وِرْدًا فِي الْهَوَى أَبَدًا
وَقَــلْــبُــهُ جَـاهِـلٌ لَـمْ يَـدْرِ مَـا الـصَّـدَرُ
وَالـنَّـفْـسُ لِلـنَّـفْسِ زَوْجٌ طَابَ عُرْسُهُمَا
وَمَـهْـرُهَـا الْـحُـبُّ لَا يَـغْـلُـو لَـهَـا الْـمَـهْرُ
مَـنْ ِلـي بِـنَـفْسٍ أَرَى نَفْسِي بِهَا مُزِجَتْ
كَــمَــا تَــمَــازَجُ فِــي وِدْيَــانِـهَـا الْـغُـدُرُ
وَالـنَّـفْـسُ فِـي عَـيْـشِهَا شَتًّى مَنَافِذُهَا
مِـنْـهَـا الْـقُـلُـوبُ وَمِـنْـهَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
وَالْـحُـبُّ فِـي الـنَّاسِ ذَنْبٌ لَا اغْتِفَارَ لَهُ
لَـكِـنَّـهُ فِـي صَـمِـيـمِ الـنَّـفْـسِ مُـغْـتَـفَرُ
يُـثِـيـرُ فِـي الـنَّـفْسِ مَا قَدْ كَانَ ذَا سِنَةٍ
تَــبْــدُو اللَّآلِـي وَيَـبْـدُو مَـاؤُهَـا الْـعَـكِـرُ
وَالْـحُـبُّ كَـالـنَّـهْـرِ يُـغْـرِي الرُّوحَ رَوْنَقُهُ
رُوحُ الْــمُــحِـبِّ بِـهِ عُـرْيَـانُ مُـنْـحَـسِـرُ
وَالنَّفْسُ كَالرَّكْبِ فِي الصَّحْرَاءِ سَيْرَتُهَا
تَـمْـضِـي الـشُّـجُونُ وَيَبْقَى بَعْدَهَا الْأَثَرُ
هَـذِي الْعِظَامُ عَلَى الصَّحْرَاءِ قَدْ نُخِرَتْ
وَالْـــحُـــبُّ آثَـــارُهُ الْآمَـــالُ وَالـــذِّكَــرُ
وَرُبَّ نَــفْــسَــيْـنِ مِـثْـلُ اللُّـجَّـتَـيْـنِ إِذَا
تَــهَــاوَتَــا نَــحْــوَ شَــطِّ الْـيَـمِّ يُـبْـتَـدَرُ
أَوْ مِـثْـلُ قَـطْـرِ الْـحَـيَا قَدْ ضَمَّ شَمْلَهُمَا
وُدٌّ كَــمَــا ضَــمَّ قَــطْـرَ الْـمُـزْنَـةِ الـزَّهَـرُ
تَـسَـرَّبَـتْ أَنْـفُـسٌ فِـي أَنْـفُـسٍ فَـمَضَتْ
آمَـــالُـــهَـــا أَمَـــلٌ أَوْطَـــارُهَـــا وَطَـــرُ
وَرُبَّ نَـفْـسَـيْـنِ حَـالَ الـدَّهْـرُ بَـيْـنَـهُـمَـا
كَــمَــا يَـدِيـنُ لِـصَـدْعِ اللُّـجَّـةِ الْـحَـجَـرُ
كَـصَـخْـرَةٍ هَـدَّ مِـنْـهَـا الْـيَمُّ فَانْشَطَرَتْ
شِـطْـرَيْنِ وَالنَّفْسُ دُونَ النَّفْسِ تَنْشَطِرُ
وَإِنَّ أَوْجَــعَ مَــا تُــمْـنَـى الـنُّـفُـوسُ بِـهِ
صَـدْعُ الـزَّمَـانِ وَسُـوءُ الـظَّنِّ وَالضَّجَرُ
وَلِلــنُّـفُـوسِ مَـطَـافٌ بِـالـنُّـفُـوسِ كَـمَـا
تَـدُورُ حَـوْلَ الـنُّـجُـومِ الْأَنْـجُـمُ الـزُّهُـرُ
وَالــدَّهَّــرُ لِلــنَّــفْــسِ بَـحْـرٌ زَاخِـرٌ أَبَـدًا
بَـحْـرُ الـنُّـفُـوسِ وَمِـنْهَا الْعُشْبُ وَالدُّرَرُ
فَــمَــا تَــآلَــفَ مِــنْــهَـا فَـهْـوَ مُـنْـتَـظِـمٌ
وَمَــا تَــنَــاكَــرَ مِــنْــهَـا فَـهْـوَ مُـنْـتَـشِـرُ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: التأمل والوصف
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: البسيط
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

عبد الرحمن شكري: شاعرٌ مِصْري، وأحدُ مُؤسِّسي مدرسةِ الديوانِ الشِّعرية، وصَفتْه الدكتورة «سهير القلماوي» بأنه الشَّاعرُ الذي أنزلَ العقلَ مِن على عَرشِه في إلهامِ الشُّعراء؛ فشِعْرُه خيالٌ مُتحرِّرٌ يرفضُ حدودَ الزمانِ والمكان. وقد أحدثَتْ أشعارُه نَقلةً تَجديدِيةً في مضمونِ الشِّعرِ العربي؛ فتحوَّلتْ به من شاطئِ العقلِ إلى بحرِ الخيال.

وُلِدَ «عبد الرحمن شكري عيَّاد» ببورسعيد عامَ ١٨٨٦م، لأسرةٍ ذاتِ أصولٍ مَغربِية، وقد كانَ لها دَورٌ مُؤثِّرٌ في حياتِه؛ حيثُ كانَ لزوجةِ أخيه «أحمد شكري» — المُولَعةِ برِوايةِ الحكاياتِ والأساطير — دورٌ في إثراءِ خيالِه، كما كانَ في مكتبةِ أبيه ما يُرضي نَهَمَه من دَواوينِ الشِّعر.

قَضى فَصْلًا من عُمرِه معَ أبيه ببورسعيد حتى نالَ الشَّهادةَ الابتدائية، ثُمَّ انتقلَ إلى الإسكندريةِ ليَلتحِقَ بمَدْرسةِ رأسِ التينِ الثانويةِ التي ظَلَّ بها أربعَ سَنواتٍ لينالَ منها الشَّهادةَ الثانويةَ (البكالوريا)، ثُم الْتَحقَ بمَدْرسةِ الحقوقِ إبَّانَ احتدامِ الحركةِ الوطنيةِ التي أتاحتْ له التعرُّفَ على «مصطفى كامل» زعيمِ الحركةِ الوطنيةِ في ذلكَ الوَقْت، والذي طلَبَ منه أنْ يعملَ مُحرِّرًا بجريدةِ «اللِّواء»، ونصَحَه أنْ يَلتحقَ بمدرسةِ المُعلِّمينَ فيَنهلَ من مَعِينِها ليكونَ عَوْنًا له في مَيْدانِ الصَّحافة.

وقد عطَّرَ «عبد الرحمن شكري» رَوْضةَ الأدبِ بالعديدِ من دواوينِه وقصائدِه، ومنها: دِيوانُ «ضَوْء الفَجر»، و«لَآلِئ الأَفْكار»، و«أناشيد الصِّبا»، و«زَهْر الرَّبيع»، و«الخَطَرات»، و«الأَفْنان»، و«أَزْهار الخَرِيف»، ونُشِر ديوانُه الثامنُ بعدَ مَوتِه ضمنَ الأعمالِ الكامِلة. بَدأَ شاعِرُنا صِراعَه معَ المرضِ صيفَ عامَ ١٩٥٧م، إلى أنْ صادَه الموتُ عامَ ١٩٥٨م.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١