الْفَرَاشَةُ الْمُحْتَضَرَةُ

لَــوْ كَــانَ لِــي غَــيْــرُ قَــلْـبِـي عِـنْـدَ مَـرْآكِ
لَـــمَـــا أَضَـــافَ إِلَـــى بَـــلْـــوَاهُ بَـــلْـــوَاكِ
فِــيـمَ ارْتِـجَـاجُـكِ هَـلْ فِـي الْـجَـوِّ زَلْـزَلَـةٌ
أَمْ أَنْـــتِ هَـــارِبَـــةٌ مِـــنْ وَجْــهِ فَــتَّــاكِ؟
وَكَــمْ تَــدُورِيــنَ حَــوْلَ الْــبَــيْـتِ حَـائِـرَةً
بِـنْـتَ الـرُّبَـى لَـيْـسَ مَـأْوَى الـنَّـاسِ مَأْوَاكِ
قَــالُــوا فَــرَاشَــةُ حَــقْــلٍ لَا غِــنَــاءَ بِــهَـا
مَــا أَفْــقَـرَ الـنَّـاسَ فِـي عَـيْـنِـي وَأَغْـنَـاكِ!
سِـــيـــمَـــاءُ غَــاوِيَــةٍ، أَطْــوَارُ شَــاعِــرَةٍ،
عَــــلَــــى زَهَــــادَةِ عُــــبَّــــادٍ وَنُــــسَّـــاكِ
طُــغْــرَاءُ مَــمْــلَــكَــةٍ وَشَّــى حَـوَاشِـيَـهَـا
مَـــنْ ذَوَّبَ الـــشَّــمْــسَ أَلْــوَانًــا وَوَشَّــاكِ
رَأَيْـــتُ أَحْـــلَامَ أَهْـــلِ الْــحُــبِّ كُــلِّــهِــمُ
لَــمَّــا مَــثَــلْــتِ أَمَــامِــي عِــنْـدَ شُـبَّـاكِـي
مِـــنْ نَــائِــمِــيــنَ عَــلَــى ذُلٍّ وَمَــتْــرَبَــةٍ
وَمِـــــنْ تِـــــجَــــارٍ وَأَشْــــرَافٍ وَأَمْــــلَاكِ
وَقَــصَّ شَــكْــوَاكِ قَــلْـبِـي قِـصَّـةً عَـجَـبًـا
مِــنْ قَــبْــلُ أَنْ سَــمِـعَـتْ أُذْنَـايَ شَـكْـوَاكِ
أَلَــيْـسَ فِـيـكِ مِـنَ الْـعُـشَّـاقِ حَـيْـرَتُـهُـمْ؟
فَــكَــيْــفَ لَا يَــفْــهَـمُ الْـعُـشَّـاقُ نَـجْـوَاكِ؟
حَــلِــمْــتِ أَنَّ زَمَــانَ الــصَّـيْـفِ مُـنْـصَـرِمٌ
وَيْــــلَاهُ! حَــــقَّــــقَــــتِ الْأَيَّـــامُ رُؤْيَـــاكِ
فَــقَــدْ نَــعَــاهُ إِلَــيْــكِ الْـفَـجْـرُ مُـرْتَـعِـشًـا
وَلَــيْــسَ مَــنْــعَــاهُ إِلَّا بَــعْــضَ مَــنْــعَــاكِ
فَــالــزَّهْـرُ فِـي الْـحَـقْـلِ أَشْـلَاءٌ مُـبَـعْـثَـرَةٌ
وَالـــطَّـــيْـــرُ؟ لَا طَـــائِـــرٌ إِلَّا جَــنَــاحَــاكِ
مَــدَّ الــنَّــهَــارُ إِلَــيْــهِ كَــفَّ مُــخْــتَــلِــسٍ
وَفَـــتَّــحَ اللَّــيْــلُ فِــيــهِ عَــيْــنَ سَــفَّــاكِ
شَــاءَ الْــقَــضَــاءُ بِــأَنْ يَــشْـقَـى فَـجَـرَّدَهُ
مِــنَ الْــحُــلِــيِّ وَأَنْ تَــشْــقَــيْ فَــأَبْــقَـاكِ
لَــمْ يَــبْــقَ غَـيْـرُكِ شَـيْءٌ مِـنْ مَـحَـاسِـنِـهِ
وَلَا مِـــنَ الْـــعَـــابِــدِيــنَ الْــحُــسْــنَ إِلَّاكِ
تَــزَوَّدَ الــنَّــاسُ مِـنْـهُ الْأُنْـسَ وَانْـصَـرَفُـوا
وَمَــــا تَــــزَوَّدَ إِلَّا الْـــيَـــأْسَ جَـــفْـــنَـــاكِ
يَــا رَوْضَــةً فِــي سَــمَـاءِ الـرَّوْضِ طَـائِـرَةً
وَطَـــائِـــرًا كَـــالْأَقَـــاحِـــي ذَا شَــذًى ذَاكِ
مَـضَـى مَـعَ الـصَّـيْـفِ عَـهْـدٌ كُـنْـتِ لَاهِـيَةً
عَــلَــى بِــسَــاطٍ مِــنَ الْأَحْــلَامِ ضَــحَّــاكِ
تُــمْــسِــيـنَ عِـنْـدَ مَـجَـارِي الْـمَـاءِ نَـائِـمَـةً
وَلِلْأَزَاهِـــــرِ وَالْأَعْـــــشَــــابِ مَــــغْــــدَاكِ
فَـــكُــلَّــمَــا سَــمِــعَــتْ أُذْنَــاكِ سَــاقِــيَــةً
حَــثَــثْــتِ لِلـسَّـفْـحِ مِـنْ شَـوْقٍ مَـطَـايَـاكِ
وَكُــلَّــمَــا نَــوَّرَتْ فِــي الــسَّــفْـحِ زَنْـبَـقَـةٌ
صَــفَّــقْــتِ مِــنْ طَـرَبٍ وَاهْـتَـزَّ عِـطْـفَـاكِ
فَـمَـا رَشَـفْـتِ سِـوَى عِـطْـرٍ وَلَا انْـفَـتَـحَتْ
إِلَّا عَــلَــى الْـحَـسَـنِ الْـمَـحْـبُـوبِ عَـيْـنَـاكِ
وَكَــمْ لَــثَــمْــتِ شِــفَــاهَ الْــوَرْدِ هَــائِــمَـةً
وَكَـمْ مَـسَـحْـتِ دُمُـوعَ الـنَّـرْجِـسِ الْبَاكِي
وَكَـمْ تَـرَجَّـحْـتِ فِـي مَـهْـدِ الـضِّـيَـاءِ عَلَى
تَـوْقِـيـعِ لَـحْـنِ الـصِّـبَـا أَوْ رَجْـعِـهِ الْحَاكِي
وَكَـمْ رَكَـضْـتِ فَـأَغْـرَيْـتِ الـصِّـغَارَ ضُحًى
بِـالـرَّكْـضِ فِـي الْـحَـقْـلِ مَـلْـهَـاهُمْ وَمَلْهَاكِ
مَـــنَّـــوْا بِـــأَسْــرِهِــمُ إِيَّــاكِ أَنْــفُــسَــهُــمْ
فَـــأَصْـــبَــحُــوا بِــتَــمَــنِّــيــهِــمْ أُسَــارَاكِ
جَــرَوْا قُــصَــارَاهُــمُ حَــتَّــى إِذَا تَــعِــبُـوا
وَقَـــفْــتِ سَــاخِــرَةً مِــنْــهُــمْ قُــصَــارَاكِ
لَــوْلَا جَــنَــاحَــاكِ لَـمْ تَـسْـلَـمْ طَـرِيـدَتُـهُـمْ
قَــدْ نَــجَّــيَــاكِ، وَلَــكِــنْ أَيْــنَ مَــنْـجَـاكِ؟
هَـا أَنْـتِ كَـالْـحَـقْـلِ فِـي نَـزْعٍ وَحَـشْـرَجَةٍ
وَهَــتْ قُــوَاكِ كَـمَـا اسْـتَـرْخَـى جَـنَـاحَـاكِ
أَصْــبَـحْـتِ لَلْـبُـؤْسِ فِـي مَـغْـنَـاكِ تَـائِـهَـةً
كَـــأَنَّـــهُ لَــمْ يَــكُــنْ بِــالْأَمْــسِ مَــغْــنَــاكِ
فَــرَاشَــةَ الْــحَــقْــلِ، فِـي رُوحِـي كَـآبَـتُـهُ
مِــــمَّــــا عَــــرَاهُ وَمِــــمَّــــا قَــــدْ تَـــوَلَّاكِ
أَحْــبَــبْــتُــهُ وَهْــوَ دَارٌ تَــلْــعَــبِــيــنَ بِــهَـا
وَسَــوْفَ تَــهْــوَاهُ نَــفْــسِـي وَهْـوَ مَـثْـوَاكِ
قَــدْ بَــاتَ قَــلْــبِــيَ فِـي دُنْـيَـا مُـشَـوَّشَـةٍ
مُـــنْـــذُ الْـــتَـــفَـــتُّ إِلَـــى آثَـــارِ دُنْــيَــاكِ
لَا يَـــسْـــتَـــقِـــرُّ بِـــهَــا إِلَّا عَــلَــى وَجَــلٍ
كَـــالــطَّــيْــرِ بَــيْــنَ أَحَــابِــيــلٍ وَأَشْــرَاكِ
خَـــلَـــتْ أَرَائِـــكُ كَـــانَــتْ أَمْــسِ آهِــلَــةً
غَـــنَّـــاءَ فَـــالْـــيَـــوْمَ لَا شَـــادٍ وَلَا شَـــاكِ
أَرْضٌ خَــــلَاءٌ وَجَــــوٌّ غَــــيْــــرُ ذِي أَلَـــقٍ
بَـــلَـــى، هُــنَــاكَ ضَــبَــابٌ فَــوْقَ أَشْــوَاكِ
فَــيَــا رِيَـاحَ الْـخَـرِيـفِ الْـعَـاتِـيَـاتِ كَـفَـى
عَـصْـفًـا فَـقَـدْ كَـثُـرَتْ فِـي الْأَرْضِ قَـتْلَاكِ
كَـــيْــفَ اعْــتِــذَارُكِ إِنْ قَــالَ الْإِلَــهُ غَــدًا:
هَــلِ الْــفَــرَاشَـةُ كَـانَـتْ مِـنْ ضَـحَـايَـاكِ؟
يَــا نَــغْــمَــةً تَــتَــلَاشَــى كُــلَّــمَــا بَـعُـدَتْ
إِنْ غِـبْـتِ عَـنْ مَـسْـمَـعِـي مَـا غَابَ مَعْنَاكِ
مَــا أَقْــدَرَ اللــهَ أَنْ يُــحْــيِــيــكِ ثَــانِــيَـةً
مَــعَ الــرَّبِــيــعِ كَــمَــا مِــنْ قَــبْــلُ سَــوَّاكِ
فَــيَــرْجِــعُ الْــحَـقْـلُ يَـزْهُـو فِـي غَـلَائِـلِـهِ
وَتَـــرْجِـــعِـــيـــنَ وَأَغْـــشَـــاهُ فَـــأَلْــقَــاكِ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الوصف – الغزل – الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: البسيط
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١