قَتَلَ نَفْسَهُ

تَــــأَمَّــــلَ فِــــي أَمْـــسِـــهِ الـــدَّابِـــرِ
فَـــكَـــادَ يُـــجَـــنُّ مِـــنَ الْـــحَــاضِــرِ
أَهَــــاجَ الــــتَّــــذَكُّــــرُ أَشْـــجَـــانَـــهُ
وَكَــــمْ لِلــــسَّــــعَـــادَةِ مِـــنْ ذَاكِـــرِ؟
فَـــتًـــى كَـــانَ أَنْــعَــمَ مِــنْ جَــاهِــلٍ
فَـــأَصْـــبَـــحَ أَتْـــعَــسَ مِــنْ شَــاعِــرِ
أَضَــاعَ الْــغِــنَـى وَأَضَـاعَ الـصِّـحَـابَ
وَرُبَّ مَـــــــرِيــــــضٍ بِــــــلَا زَائِــــــرِ
وَيَــا طَــالَــمَــا أَحْــدَقُــوا بِــالْــفَـتَـى
كَــمَــا تُــحْــدِقُ الْــجُــنْــدُ بِــالـظَّـافِـرِ
فَــلَــمَّــا انْــقَــضَـى مَـجْـدُهُ أَعْـرَضُـوا
وَمَــــا الــــنَّــــاسُ إِلَّا مَـــعَ الْـــقَـــادِرِ
وَمَـــا الــنَّــاسُ إِلَّا عَــبِــيــدُ الْــقَــوِيِّ
فَــــكُـــنْ ذَاكَ أَوْ كُـــنْ بِـــلَا شَـــاكِـــرِ
أَشَـــدُّ مِـــنَ الـــدَّهْــرِ مَــكْــرًا بَــنُــوهُ
فَـــوَيْـــلٌ لِــمَــنْ لَــيْــسَ بِــالْــمَــاكِــرِ
فَـــكُـــنْ بَـــيْـــنَــهُــمْ خَــاتِــلًا غَــادِرًا
وَلَا تَـــشْـــتَـــكِ الْـــغَــدْرَ مِــنْ غَــادِرِ
تَـــعِــيــسٌ تُــعَــانِــقُــهُ الــنَّــائِــبَــاتُ
عِـــنَـــاقَ الْـــحَـــبَـــائِـــلِ لِلـــطَّـــائِــرِ
كَـــثِـــيـــرُ الْـــهُـــمُـــومِ بِــلَا نَــاصِــرٍ
كَـــسِـــيـــرُ الْـــفُـــؤَادِ بِـــلَا جَـــابِـــرِ
قَــضَــى لَــيْــلَــهُ سَــاهِــيًــا سَــاهِــرًا
إِلَـــى كَـــوْكَـــبٍ مِـــثْـــلِـــهِ سَـــاهِــرِ
يُـــفَـــتِّــشُ عَــنْ آفِــلٍ فِــي الــثَّــرَى
وَمَــا كَــانَ فِــي الْأُفْــقِ بِــالــسَّــافِــرِ
وَتَـــاللـــهِ يُــجْــدِي فَــتًــى بَــائِــسًــا
كَـــلَامُ الْـــمُـــنَـــجِّـــمِ وَالـــسَّـــاحِــرِ
وَلَـــمَّـــا تَـــوَلَّـــتْ دَرَارِي الـــسَّــمَــاءِ
وَغَـــابَ الْـــهِـــلَالُ عَـــنِ الـــنَّـــاظِــرِ
بَــكَــى، ثُــمَّ صَــاحَ أَحَـتَّـى الـنُّـجُـومُ
تَـــصُـــدُّ عَـــنِ الـــرَّجُـــلِ الْــعَــاثِــرِ؟
إِلَامَ أُعَـــــانِـــــدُ هَـــــذَا الـــــزَّمَــــانَ
عِـــنَـــادَ الـــسَّـــفِـــيـــنَـــةِ لِلـــزَّاخِــرِ
وَأَدْعُــــو وَمَــــا ثَـــمَّ مِـــنْ سَـــامِـــعٍ
وَأَشْـــكُـــو، وَلَـــكِـــنْ إِلَـــى سَــاخِــرِ
وَأَرْجُــو الْــوَفَــاءَ وَتَــأْبَـى الـنُّـفُـوسُ
وَأَنَّــــــى الْــــــوِلَادَةُ لِلْـــــعَـــــاقِـــــرِ
سَــئِــمْـتُ الْـحَـيَـاةَ فَـلَـيْـتَ الْـحِـمَـامَ
يُـــعِـــيـــدُ إِلَـــى أَصْـــلِـــهِ سَـــائِــرِي
فَــتَــنْــطَـلِـقُ الـنَّـفْـسُ مِـنْ سِـجْـنِـهَـا
وَيُــسْــجَــنُ تَــحْـتَ الـثَّـرَى ظَـاهِـرِي
وَزَادَ سَــــوَادُ الــــدُّجَــــى يَــــأْسَــــهُ
وَقَـــدْ كَـــادَ يُـــسْـــفِـــرُ عَــنْ بَــاهِــرِ
فَــشَــاءَ الــتَّــخَــلُّــصَ مِــنْ دَهْـرِهِ الْـ
ـخَــئُــونِ، وَمِــنْ عَــيْــشِــهِ الْــحَــازِرِ
فَـــأَغْـــمَـــدَ فِـــي صَـــدْرِهِ مُـــدْيَـــةً
أَشَــــدَّ مَــــضَــــاءً مِــــنَ الْـــبَـــاتِـــرِ
وَكَــمْ مِــثْــلُــهُ قَــدْ قَــضَــى نَــحْـبَـهُ
شَـــهِــيــدَ الــتَّــأَمُّــلِ فِــي الْــغَــابِــرِ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الوصف – الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: المتقارب
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١