لَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْكَاسِ

لَــمْ يَــبْــقَ مَــا يُــسْــلِــيــكَ غَــيْـرُ الْـكَـاسِ
فَـــاشْـــرَبْ، وَدَعْ لِلـــنَّـــاسِ مَــا لِلــنَّــاسِ!
ذَهَــبَ الـشَّـبَـابُ عَـلَـى الـشُّـجُـونِ تَـبُـثُّـهَـا
لِأَخٍ مُــــــؤَاسٍ أَوْ لِـــــغَـــــيْـــــرِ مُـــــؤَاسِ
وَعَــلَــى الْــحَــيَــاةِ تَــحَــارُ فِـي أَطْـوَارِهَـا
وَتَــحَــارُ فِــي تَــعْــلِــيــلِ كُــلِّ نِــطَــاسِــي
ثُـمَّ اسْـتَـفَـقْـتَ وَلَـيْـسَ فِـي رَوْضِ الْـمُـنَى
إِلَّا الـــضَّـــبَـــابُ وَغَـــيْــرُ شَــوْكِ الْــيَــاسِ
وَجِـــرَاحُ نَـــفْـــسٍ يَــنْــظُــرُ الْآسِــي لَــهَــا
فَــــيَــــعُــــودُ مُـــحْـــتَـــاجًـــا لِآخَـــرَ آسِ
الْـــحِـــسُّ مَــجْــلَــبَــةُ الْــكَــآبَــةِ وَالْأَسَــى
قُــمْ نَــنْــطَــلِــقْ مِــنْ عَــالَــمِ الْإِحْــسَــاسِ
وَأَرَى الـــسَّــعَــادَةَ لَا وُصُــولَ لِــعَــرْشِــهَــا
إِلَّا بِــــأَجْــــنِــــحَــــةٍ مِــــنَ الْـــوَسْـــوَاسِ
فَــــكَــــأَنَّـــمَـــا هِـــيَ صُـــورَةٌ زَيْـــتِـــيَّـــةٌ
لِلـــشَّـــطِّ فِـــيـــهِ مَـــرَاكِـــبٌ وَمَـــرَاسِــي
تَــبْــدُو لِــعَــيْــنَــيْــكَ الــسَّــفَــائِــنُ عُـوَّمًـا
وَتَـــكَـــادُ تَـــسْـــمَـــعُ رَعْـــشَــةَ الْأَمْــرَاسِ
لَـــكِـــنْ إِذَا أَدْنَـــيْـــتَـــهَـــا وَلَـــمَــسْــتَــهَــا
لَــمْ تَــلْــقَ غَــيْــرَ الــصِّــبْــغِ وَالْــقِـرْطَـاسِ
دُنْـــــيَـــــا مُــــزَيَّــــفَــــةٌ وَدَهْــــرٌ مَــــاذِقٌ
مَــا فِــي انْــفِــلَاتِــكَ مِــنْــهُــمَـا مِـنْ بَـاسِ
إِنَّ اللَّــــذَاذَاتِ الَّــــتِــــي ضَـــيَّـــعْـــتَـــهَـــا
رَجَــعَــتْ إِلَــيْــكَ عُــصَــارَةً فِــي الْــكَـاسِ
فَـــاصْـــبِـــغْ رُؤَاكَ بِـــهَــا تَــعُــدْ ذَهَــبِــيَّــةً
عِـــــطْـــــرِيَّـــــةَ الْأَلْــــوَانِ وَالْأَنْــــفَــــاسِ
وَاخْــلُــقْ لِــنَــفْــسِــكَ بِــالْــمُــدَامَــةِ جَـنَّـةً
فِــــي الْأَرْبُــــعِ الْــــمَـــهْـــجُـــورَةِ الْأَدْرَاسِ
الْـــحُـــبُّ فِـــيـــهَــا بُــلْــبُــلٌ وَخَــمِــيــلَــةٌ
وَنَـــــدًى وَأَضْــــوَاءٌ عَــــلَــــى الْأَغْــــرَاسِ
لِلْـــقَـــصْـــرِ يَــخْــلُــقُــهُ خَــيَــالُــكَ رَوْعَــةٌ
كَـــالْـــقَـــصْـــرِ مِـــنْ جُــدُرٍ وَمِــنْ آسَــاسِ
يَـــا أَيُّـــهَـــا الـــسَّـــاقِــي أَدِرْ كَــاسَــاتِــهَــا
كَـــمَــشَــاعِــلِ الــرُّهْــبَــانِ فِــي الْأَغْــلَاسِ
وَانْــسَ الْــهُــمُــومَ فَــلَـيْـسَ يَـسْـعَـدُ ذَاكِـرٌ
وَاسْـــقِ الـــنُّـــجُـــومَ فَــإِنَّــهَــا جُــلَّاسِــي
وَاصْـــرَعْ بِـــهَــا عَــقْــلَ الــنَّــدِيــمِ وَلُــبَّــهُ
مَــا نَــغَّــصَ الْــحَـاسِـي كَـعَـقْـلِ الْـحَـاسِـي
وَاهْــجُــرْ أَحَــادِيــثَ الــسِّــيَــاسَـةِ وَالْأُلَـى
يَــتَــعَــلَّــقُــونَ بِــحَــبْــلِ كُــلِّ سِــيَــاسِــي
إِنِّـــي نَـــبَـــذْتُ ثِـــمَــارَهَــا مُــذْ ذُقْــتُــهَــا
وَوَجَــدْتُ طَــعْــمَ الْــغَــدْرِ فِـي أَضْـرَاسِـي
وَغَــسَــلْــتُ مِــنْــهَــا رَاحَـتِـي فَـغَـسَـلْـتُـهَـا
مِـــــنْ سَـــــائِـــــرِ الْأَوْضَــــارِ وَالْأَدْنَــــاسِ
وَتَـــرَكْـــتُـــهَـــا لِاثْـــنَـــيْـــنِ: غِـــرٍّ سَـــاذَجٍ
وَمُـــــشَـــــعْـــــوِذٍ كُـــــذُّبْــــذُبٍ دَسَّــــاسِ
يَــرْضَــى لِــمَــوْطِــنِــهِ يَــصِــيـرَ مُـوَاطِـنًـا
وَتَــــصِــــيــــرَ أُمَّــــتُـــهُ إِلَـــى أَجْـــنَـــاسِ
وَيَــــبِـــيـــعُـــهَـــا بِـــدَرَاهِـــمٍ مَـــعْـــدُودَةٍ
وَلَـــوَ انَّـــهَـــا جَـــاءَتْ مِـــنَ الْـــخَـــنَّــاسِ
مَـــا لِلْـــمُـــنَـــافِـــقِ مِـــنْ ضَـــمِــيــرٍ رَادِعٍ
أَيُّ الـــضَّـــمِـــيـــرِ لِـــحَـــيَّـــةِ الْأَجْــرَاسِ؟
وَلَـــرُبَّ قَـــائِـــلَـــةٍ تُـــعَـــاتِــبُــنِــي عَــلَــى
صَــمْــتِــي وَبَــعْـضُ الْـقَـوْلِ حَـزُّ مَـوَاسِـي:
اثْــنَــانِ مَــا لَاقَــيْــتُ أَقْــسَــى مِــنْــهُــمَـا:
صَــمْــتُ الــدُّجَــى وَالــشَّـاعِـرُ الْـحَـسَّـاسِ
فَــأَجَــبْــتُــهَــا: أَقْــسَــى وَأَهْــوَلُ مِــنْـهُـمَـا
فِــي مِــسْــمَــعِـي هَـذَا الْـعِـتَـابُ الْـقَـاسِـي
لَــمْ تَــعْــلَــمِــي، وَالْــخَـيْـرُ أَنْ لَا تَـعْـلَـمِـي،
كَــمْ فِــي الــسُّــكُــوتِ فَـوَاجِـعًـا وَمَـآسِـي
قَــالَــتْ: أَظُــنُّــكَ قَـدْ نَـسِـيـتَ، فَـقُـلْـتُ: لَا
مَــا كُــنْــتُ بِــالــنَّــاسِــي وَلَا الْـمُـتَـنَـاسِـي
لَـــكِـــنَّ جُـــرْحًـــا كُـــلَّـــمَـــا عَـــالَــجْــتُــهُ
غَــمَــرَ الْــقُــنُــوطُ جَــوَارِحِــي وَحَـوَاسِـي
وَلَــوَ انَّــهُ فِــي الــرَّأْسِ كُــنْــتُ ضَــمَــدْتُـهُ
لَـــكِـــنَّـــهُ فِـــي الْــقَــلْــبِ لَا فِــي الــرَّاسِ
إِنَّ الْأُلَـــى قَـــدْ كُـــنْـــتُ أَرْمِـــي دُونَــهُــمْ
غَـــلُّـــوا يَـــدَيَّ وَحَـــطَّـــمُـــوا أَقْـــوَاسِــي
وَاسْــتَــبْــدَلُــوا سَـيْـفِـي الْـجُـرَازَ بِـأَسْـيُـفٍ
خَــشَــبٍ وَبَــاعُــوا عَــسْــجَــدِي بِـنُـحَـاسِ
وَالــــطَّـــلُّ غَـــيْـــرُ الْـــمَـــاسِ إِلَّا أَنَّـــهُـــمْ
خُــدِعُــوا بِــرَقْــرَقَــةِ الــنَّـدَى عَـنْ مَـاسِـي
وَإِذَا حَــسِــبْــتَ الــرَّوْضَ تُــغْــنِــي صُـورَةٌ
عَـــنْـــهُ فَـــذَلِـــكَ مُـــنْـــتَـــهَــى الْإِفْــلَاسِ
أَسَــدُ الــرُّخَــامِ وَإِنْ حَــكَــى فِــي شَـكْـلِـهِ
شَــكْــلَ الْــغَــضَــنْــفَــرِ لَــيْــسَ بِـالْـفَـرَّاسِ
قَـــدْ كَـــانَ لِــي حُــلْــمٌ جَــمِــيــلٌ مُــونَــقٌ
فَـــأَضَـــعْــتُــهُ لَــمَّــا أَضَــعْــتُ نُــعَــاسِــي
فَـــكَّـــرْتُ فِــي مَــا نَــحْــنُ فِــيــهِ كَــأُمَّــةٍ
وَضَـــرَبْــتُ أَخْــمَــاسِــي إِلَــى أَسْــدَاسِــي
فَــرَجَــعْــتُ أَخْــيَــبَ مَــا يَــكُــونُ مُـؤَمِّـلٌ
رَاجٍ وَأَخْـــسَـــرَ مَـــا يَـــكُــونُ الْــخَــاسِــي
نَــرْجُــو الْــخَــلَاصَ بِــغَــاشِـمٍ مِـنْ غَـاشِـمٍ
لَا يُـــنْـــقِـــذُ الـــنَّـــخَّـــاسُ مِــنْ نَــخَّــاسِ
وَنَــقِــيــسُ مَــا بَــيْــنَ الــثُّــرَيَّــا وَالــثَّــرَى
وَأُمُـــورُنَـــا تَـــجْـــرِي بِـــغَـــيْـــرِ قِــيَــاسِ
نَــغْــشَــى بِــلَادَ الـنَّـاسِ فِـي طَـلَـبِ الْـعُـلَا
وَبِـــــلَادُنَـــــا مَـــــتْــــرُوكَــــةٌ لِلــــنَّــــاسِ
وَنَـــكَــادُ نَــفْــتَــرِشُ الــثَّــرَى وَبِــأَرْضِــنَــا
لِلْأَجْــــنَــــبِــــيِّ مَــــوَائِــــدٌ وَكَــــرَاسِــــي
وَنَـــلُـــومُ هَــاجِــرَهَــا عَــلَــى نِــسْــيَــانِــهِ
وَاللَّائِــــمُ الــــنَّــــاسِـــيـــنَ أَوَّلُ نَـــاسِـــي
وَنَــبِــيــتُ نَــفْــخَــرُ بِــالــصَّــوَارِمِ وَالْـقَـنَـا
وَرِقَـــــابُـــــنَــــا مَــــمْــــدُودَةٌ لِلْــــفَــــاسِ
كَـــمْ صَـــيْـــحَـــةٍ لِلـــدَّهْـــرِ فِـــي آذَانِــنَــا
مَــــرَّتْ كَــــمَــــا مَـــرَّتْ عَـــلَـــى أَرْمَـــاسِ
تُــغْــنِــيــكَ أَوْجُــهُـهُـمْ وَحُـسْـنُ خَـلَاقِـهِـمْ
عَــــنْ كُــــلِّ وَرْدٍ فِــــي الــــرِّيَــــاضِ وَآسِ
أَنَــا بَــيْــنَــهُــمْ أَسَــدٌ وَجَــدْتُ عَــرِيــنَـتِـي
أَنَــا بَــيْــنَــهُــمْ ظَــبْــيٌ وَجَــدْتُ كِــنَـاسِـي
وَطَـــنِـــي أَحَـــبُّ إِلَـــيَّ مِـــنْ كُــلِّ الــدُّنَــا
وَأَعَـــزُّ نَـــاسٍ فِـــي الْـــبَـــرِيَّـــةِ نَـــاسِـــي
فَــلْــتَــحْــيَ سُــورِيَّــا الَّــتِــي نَــحْـيَـا لَـهَـا
وَلْــــيَـــحْـــيَ لُـــبْـــنَـــانُ الْأَشَـــمُّ الـــرَّاسِ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الكامل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١